٤٠٧٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: أَنْبَأَنَا دَاوُدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ، وَلَحِقَ بِالشِّرْكِ، ثُمَّ تَنَدَّمَ، فَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ، سَلُوا لِي رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟، فَجَاءَ قَوْمُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: إِنَّ فُلَانًا قَدْ نَدِمَ، وَإِنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نَسْأَلَكَ، هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟، فَنَزَلَتْ: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾». فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأَسْلَمَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن بَزيع) بفتح الباء الموحّدة، وكسر الزاي، آخره عين مهملة- البصريّ، ثقة [١٠] ٤٣/ ٥٨٨.
٢ - (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٣ - (داود) بن أبي هند القشيريّ مولاهم البصريّ، ثقة متقنٌ، كان يهم بآخره [٥] ٢١/ ٥٣٨.
٤ - (عكرمة) مولى ابن عبّاس، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/ ٣٢٥.
٥ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: داود، عن عكرمة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كان رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ) هو الحارث ابن سُويد الأنصاريّ، فقد أخرج الإمام ابن جرير في "تفسيره" بسنده عن مجاهد، قال: جاء الحارث بن سُويد، فأسلم مع النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ثم كفر الحارث، فرجع إلى قومه، فأنزل اللَّه ﷿ فيه القرآن: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]، قال: فحملها إليه رجلٌ من قومه، فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك واللَّه ما علمتُ
[ ٣٢ / ٥ ]
لصدُوقٌ، وإن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لأصدق منك، وإن اللَّه -﷿- لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث، فأسلم، فحسُن إسلامه.
وأخرج أيضًا بسنده عن السّدّيّ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ [آل عمران: ٨٦]، قال: أُنزلت في الحارث بن سُويد الأنصاريّ، كفر بعد إيمانه، فأنزل اللَّه -﷿- فيه هذه الآيات إلى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [آل عمران: ٨٨]، ثم تاب، وأسلم، فنسخها اللَّه عنه، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩].
وأخرج أيضًا عن ابن جُريج، عن مجاهد، قال: هو رجلٌ من بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه، قال ابن جريج: أخبرني عبد اللَّه بن كثير، عن مجاهد، قال: لحق بأرض الروم، فتنصّر، ثم كتب إلى قومه: "أرسلوا، هل لي من توبة؟ "، قال: فحسبت أنه آمن، ثم رجع. قال ابن جريج، قال عكرمة: نزلت في أبي عامر الراهب، والحارث بن سُويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت، في اثني عشر رجلًا، رجعوا عن الإسلام، ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم: هل لنا من توبة؟، فنزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآيات [آل عمران: ٨٩].
(أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ) أي رجع عن الإسلام إلى الكفر نعوذ باللَّه تعالى منه- (وَلَحِقَ بِالشِّرْكِ) أي بأهله (ثُمَّ تَنَدَّمَ) أي ندم على ارتداده، والتندّم تفعّل من الندم للمبالغة (فأرسل إِلى قومِهِ) قائلًا (سَلُوا لِي رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟، فَجَاءَ قَوْمُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: إِنَّ فُلانًا قَدْ نَدِمَ) بكسر الدال، من باب تَعِبَ (وَإِنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نَسأَلَكَ، هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةِ؟، فَنَزَلَتْ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأَسْلَمَ).
وقيل: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب، فقد أخرج ابن جرير بإسناده عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: هم أهل الكتاب عرفوا محمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ثم كفروا به. وأخرج عن الحسن قال: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت محمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في كتابهم، وأقرّوا به، وشهدوا أنه حقّ، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك، فأنكروه، وكفروا بعد إقرارهم؛ حسدًا للعرب، حين بُعث من غيرهم. وعنه قال: هم أهل الكتاب، كانوا يجدون محمدًا - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في كتابهم، ويستفتحون به، فكفروا بعد إيمانهم.
قال ابن جرير بعد ذكر القولين: وأشبه القولين بظاهر التنزيل ما قال الحسن، من أن هذه الآية معنيٌّ بها أهلُ الكتاب على ما قال، غير أن الأخبار بالقول الآخر أكثر، والقائلين به أعلم بتأويل القرآن، وجائز أن يكون اللَّه -﷿- أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذُكر أنهم كانوا ارتدّوا عن الإسلام، فجمع قصّتهم، وقصّة من كان سبيله
[ ٣٢ / ٦ ]
سبيلَهم في ارتداده عن الإيمان بمحمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في هذه الآيات، ثم عرّف عباده سنّته فيهم، فيكون داخلًا في ذلك كلُّ من كان مؤمنًا بمحمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - قبل أن يُبعَث، ثم كفر به بعد أن يُبعث، وكلّ من كان كافرًا، ثم أسلم على عهده - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ثم ارتدّ، وهو حيّ عن إسلامه، فيكون معنيًّا بالآية جميعُ هذين الصنفين، وغيرهما ممن كان بمثل معناهما، بل ذلك كذلك إن شاء اللَّه.
فتأويل الآية إذًا: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩] يعني كيف يرشد اللَّه للصواب، ويوفّق للإيمان قومًا جحدوا نبوّة محمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ أي بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاءهم به من عند ربّه ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ يقول: وبعد أن أقرّوا أن محمدًا رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - إلى خلقه حقًا ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يعني وجاءهم الْحُجَج من عند اللَّه، والدلائل بصحّة ذلك؟ ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يقول: واللَّه لا يوفّق للحقّ، والصواب الجماعة الظَّلَمة، وهم الذين بدّلوا الحقّ إلى الباطل، فاختاروا الكفر على الإيمان. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يعني هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وبعد أن شهدوا أن الرسول حقّ ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ ثوابهم من عملهم الذي عملوه ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ يعني أن يحلّ بهم من اللَّه الإقصاء والبعد، ومن الملائكة، والناس الدعاء بما يسوؤهم من العقاب ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يعني من جميعهم، لا من بعض من سمّاه جلّ ثناؤه من الملائكة، والناس، ولكن من جميعهم، وإنما جعل ذلك جلّ ثناؤه ثواب عملهم؛ لأن عملهم كان باللَّه كفرًا. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يعني ماكثين فيها يعني في عقوبة اللَّه ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾: لا يُنقصون من العذاب شيئًا في حال من الأحوال، ولا يُنفّسون فيه ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: يعني: ولا هم يُنظرون لمعذرة يعتذرون، وذلك كلّه عين الخلود في العقوبة في الآخرة. ثم استثنى جلّ ثناؤه الذين تابوا من هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، فقال تعالى ذكرُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ يعني: إلا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم، فراجعوا الإيمان باللَّه، وبرسوله، وصدّقوا بما جاءهم به نبيّهم - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من عند ربّهم، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ يعني: وعملوا الصالحات من الأعمال ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني: فإن اللَّه لمن فَعَلَ ذلك بعد كفره "غفورٌ" يعني ساتر عليه ذنبه الذي كان منه من الردّة، فتاركٌ عقوبته عليه، وفضيحته به يوم القيامة، غير مؤاخذه به إذا مات على التوبة منه "رحيم" متعطّفٌ عليه بالرحمة. انتهى كلام ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى-. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "تفسير ابن جرير" ٦/ ٥٧٣ - ٥٧٥.
[ ٣٢ / ٧ ]
مسائل تتعلّق بهدا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٥/ ٤٠٧٠ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٣٥٣١. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٦٨٣ و٤٣٥٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم توبة المرتدّ، وهو القبول. (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآيات الكريمات. (ومنها): أن الرّدّة تُبطل الأعمال الصالحة. (ومنها): أن التوبة النصوح تمحو ما قبلها من الذنوب أيًّا كان نوعه. (ومنها): بيان سعة فضل اللَّه تعالى، ووافر كرمه، حيث يَقبَل من أعرض عنه، إذا تاب إليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في استتابة المرتد:
قَالَ ابْن بَطَّال: اخْتُلِفَ فِي اسْتِتَابَة الْمُرْتَدّ، فَقِيلَ: يُسْتَتَاب، فَإِنَّ تَابَ، وَإلَّا قُتِلَ، وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور. وَقِيلَ: يَجِب قَتْله فِي الحَال، جَاءَ ذَلِكَ عَنْ الحَسَنُ، وَطَاوُس، وبِهِ قَالَ أَهْل الظَّاهِر. وَنَقَلَهُ ابْن الْمُنْذِر عَنْ مَعَاذ، وَعُبَيْد بْن عُمَيْر، قال الحافظ: وَعَلَيْهِ يدُلّ تَصَرُّف الْبُخَارِيّ، فإِنَّهُ اسْتَظْهَرَ بِالآيَاتِ الَّتِي لَا ذِكْر فِيهَا لِلِاسْتِتَابةِ، وَالَّتِى فِيهَا أَنَّ التَّوْبَة لَا تَنْفَع، وَبِعُمُوم قَوْله - ﷺ -: "مَنْ بَدَّلَ دِينه فَاقْتُلُوهُ"، وبِقِصّةِ مَعَاذ الَّتِي بَعْدهَا (^١)، وَلَمْ يَذْكُر غَيْر ذَلِكَ.
قَالَ الطحاوِيُّ: ذَهَبَ هَؤُلَاءِ إِلَى أنَّ حُكْم مَنْ ارتَدَّ عَنْ الإسْلَام، حُكْم الْحَرْبِيّ الَّذِي بَلَغَتْهُ الدَّعْوَة، فَإِنَّهُ يُقَاتَل مِنْ قَبْل أَنْ يُدْعَى، قَالُوا: وَإنَّمَا تُشْرَع الاسْتِتَابَة لِمَنْ خَرَجَ عَنْ الإسْلَام، لا عَنْ بَصِيرَة، فَأَمَّا مَنْ خَرَجَ عَنْ بَصِيرَة فَلا. ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي يُوسُف مُوافَقَتهمْ، لَكِنْ قَالَ: إِنْ جَاءَ مُبَادِرًا بالتَّوْبةِ، خَلَّيْتُ سَبِيله، وَوَكَلْتُ أَمْره إِلَى اللَّه تَعَالَى. وَعَنْ ابْن عَبَّاس، وَعَطَاء: إنْ كَانَ أَصْله مُسْلِمًا لَمْ يُسْتَتَتْ، وَإِلَّا اسْتُتِيبَ. وَاسْتَدَلَّ ابْن الْقَصَّار لِقَوْلِ الْجُمْهُور بِالإجْمَاعِ -يَعْنِي السُّكُوتِيّ- لِأَنَّ عُمَر كَتَبَ فِي أَمْر الْمُرْتَدِّ: "هَلّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلاثَة أيَّام، وَأَطْعَمْتُمُوهُ فِي كُلّ يَوْم رَغِيفًا، لَعَلَّهُ يَتُوب، فَيَتُوب اللَّه عَلَيْهِ؟ "، قَالَ: وَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة، كَأَنَّهُم فَهِمُوا مِنْ قَوْله - ﷺ -: "مَنْ بَدَّلَ دِينه فَاقْتُلُوهُ"، أَيْ إِنَّ لَمْ يَرْجِع، وَقْدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ
_________________
(١) يعني قصّته مع أبي موسى الأشعريّ في قتل اليهوديّ المرتدّ المتقدّم في الباب الماضي.
[ ٣٢ / ٨ ]
فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُون بِالاسْتِتَابةِ، هَلْ يُكْتَفَى بِالْمَرَّةِ، أَوْ لَا بُدّ من ثَلَاث؟، وَهَل الثَّلَاث فِي مَجْلِس، أَوْ فِي يَوْم، أَوْ فِي ثَلَاثَة أَيَّام؟، وَعَنْ عَلِيّ: يُسْتَتَاب شَهْرًا، وَعَنْ النَّخَعِيِّ: يُسْتَتَاب أَبَدًا، كَذَا نُقِلَ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَالتَّحْقِيق أَنَّهُ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الرِّدَّة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي قول الجمهور بأن المرتدّ يستتاب؛ لوضوح أدلّته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في استتابة الزنديق:
ذهب بعضهم إلى قتل الزِّنْدِيق، مِن غير استِتابة، مستدلًا بحديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - المتقدّم في الباب الماضي.
وتُعُقِّب بِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقه: أَنَّ عَليًّا اسْتَتَابَهُمْ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِي عَلَى الْقَبُول مُطْلَقًا، وَقَالَ: يُسْتَتَاب الزِّنْدِيق، كَمَا يُسْتَتَاب الْمُرْتَدِّ، وَعَنْ أَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَة، رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لَا يُسْتَتَاب، وَالأُخْرَى إِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ، لَمْ تُقْبَل تَوْبَته، وَهُوَ قَوْل اللَّيْث، وَإسْحَاق، وحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْمَرْوَزِيِّ، مِنْ أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة، وَلَا يَثْبُت عَنْهُ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ تَحْرِيف مِنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْه، وَالأَوَّل هُوَ المَشْهُور عِنْد الْمَالِكِيَّة، وحُكي عَنْ مَالِك: إِنْ جَاءَ تَائِبًا يُقْبَل مِنْهُ، وَإلَّا فَلا، وَبِهِ قَالَ أبُو يُوسُف، وَاخْتَارَهُ الأُسْتَاذَانِ: أَبُو إِسْحَاق الإسْفَرَايِنِيّ، وَأَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ. وَعَنْ بَقِيَّة الشَّافِعِيَّة أَوْجُه، كَالْمَذَاهِبِ الْمَذْكُورَة، وَخَامِس يُفْصَلُ بَيْن الداعِية، فَلَا يُقْبَل مِنْهُ، وتُقْبَل تَوْبَة غَيْر الدَّاعِيَة. وَأَفْتَى ابْن الصَّلَاح بِأَنَّ الزِّنْدِيق، إِذَا تَابَ تُقْبَل تَوْبَته، ويُعَزَّر، فَإنْ عَادَ بَادَرْنَاهُ بِضَرْبِ عُنُقه، وَلَمْ يُمْهَل.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٥]، فَقَالَ: الزِّنْدِيق لَا يُطَّلَع عَلَى صَلَاحه؛ لِأَنَّ الْفَسَاد إِنَّمَا أَتَى مِمَّا أَسَرَّهُ، فَإِذَا اطُّلِع عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَ الإقْلَاع عَنْهُ، لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٣٧].
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَاد مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا فَسَّرَهُ ابْن عبّاس، فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي حَاتِم وَغَيْره.
وَاسْتَدَلَّ لِمالِك بِأَنَّ تَوْبَة الزِّنْدِيق لَا تُعْرَف، قَالَ: وَإنَّمَا لَمْ يَقْتُل النَّبِيّ - ﷺ - المُنافِقِينَ؛ لِلتَّأْليفِ، ولِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُمْ لَقَتَلَهُمْ بِعِلْمِهِ، فَلَا يُؤمَن أَنْ يَقُول قَائِل: إِنَّمَا قَتَلَهُم لِمَعْنًى آخَر.
وَمِنْ حُجَّة مَنْ اسْتَتَابَهُم: قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ الآية [المجادلة: ١٦]، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِظْهَار الإيمَان يُحْصَّنُ مِنْ الْقَتْل، وكُلّهمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَحْكَام الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِر، واللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر، وقد قال - ﷺ - لِأُسَامَة: "هَلَّا شَقَقَت عَنْ قَلْبه"، وَقَالَ لِلَّذِي
[ ٣٢ / ٩ ]
سَارَّهُ فِي قَتْل رَجُل: "أَلَيْس يُصَلِّي؟ "، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "أُولئِك الَّذِين نُهِيت عَنْ قَتْلهم". وقد جاء في بَعْض طُرُق حدِيث أبِي سعِيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، أَنَّ خَالِد بْن الْوَلِيد، لَمَّا اسْتَأْذَنَ فِي قَتْل الَّذِي أَنْكَرَ الْقِسْمَة، وَقَالَ: كَمْ مِنْ مُصَلِّ، يَقُول بلِسَانِهِ، مَا لَيْسَ فِي قَلْبه؟، فَقَالَ: - ﷺ -: "إِنِّي لَمْ أُومَرْ، أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوب النَّاس"، أَخْرَجَهُ مُسْلِم، والأَحَادِيث فِي ذَلِكَ كَثِيرَة. قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن القول بأن الزنديق لا يُقتل حتى يستتاب، كالمرتدّ أرجح؛ لظهور أدلّته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٧١ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦]، إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فَنُسِخَ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، الَّذِي كَانَ عَلَى مِصْرَ، كَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ، فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَأَجَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زكريا بن يحيى) السجزيّ، أبو عبد الرحمن نزيل دمشق المعروف بخيّاط السنّة، ثقة حافظ [١٢] ١٨٩/ ١١٦١.
٢ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ ابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٣ - (عليّ بن الحسين بن واقد) المروزيّ، صدوقٌ يهم [١٠] ٥٤/ ٣٥٢٦.
٤ - (أبوه) الحسين بن واقد، أبو عبد اللَّه المروزيّ، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣.
٥ - (يزيد النحويّ) ابن أبي سعيد، أبو الحسن القرشيّ مولاهم المروزيّ، ثقة عابد [٦] ٥٤/ ٣٥٢٦، والباقيان ترجما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "فتح" ١٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤.
[ ٣٢ / ١٠ ]
شرح الحديث
(عَنْ ابْنِ عبّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: فِي سُورَةِ النَّحْلِ) أي في تفسير الآية المذكورة في، "سورة النحل"، وهي قوله -﷿- ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ [النحل: ١٠٦] يجوز في إعراب "من" خمسة أوجه:
[الأول]: أن تكون شرطيّة مبتدأ، حذف جوابها؛ لدلالة جواب "من شرح" عليه، كأنه قيل: من كفر باللَّه من بعد إيمانه، فعليهم غضبٌ من اللَّه.
[الثاني]: أن تكون بدلًا من قوله: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ على أن يُجعل قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ اعتراضًا بين البدل والمبدل منه، والمعنى: إنما يفتري الكذب من كفر باللَّه من بعد إيمانه، واستثنى منهم المكره، فدم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية.
[الثالث]: أن تكون بدلًا من المبتدأ الذي هو: ﴿وَأُولَئِكَ﴾، أي من كفر باللَّه من بعد إيمانه هو الكاذبون.
[الرابع]: أن تكون بدلًا من الخبر الذي هو ﴿الْكَاذِبُونَ﴾، أي وأولئك هم من كفر باللَّه من بعد إيمانه.
[الخامس]: انتصابها على الذّمّ، أذُمّ من كفر باللَّه من بعد إيمانه. أفاده النسفيّ في "تفسيره" (^١).
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو قوله: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ أي ساكنٌ به. وقوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي طاب به نفسًا، واعتقده، قاله النسفيّ (^٢). وقال القرطبيّ: أي وسّعه لقبول الكفر، ولا يقدر أحدٌ على ذلك إلا اللَّه، فهو يردّ على القدريّة، و﴿صَدْرًا﴾ نُصب على المفعول به. وقوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عذاب جهنّم. انتهى (^٣).
(فَنسخَ) بالبناء للفاعل، أي نسخ اللَّه تعالى حكمه بأن من شرح بالكفر صدرًا له عذاب عظيم في حقّ من تاب من ذلك. وقوله (وَاسْتَثنَى مِنْ ذَلِكَ) أشار به إلى النسخ المذكور ليس على إطلاقه، بل في حقّ من تاب. والمعنى أنه ﷾ أخرج من
_________________
(١) "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" ٢/ ٣٠٠ - ٣٠١. تفسير "سورة النحل".
(٢) "مدارك التنزيل" ٢/ ٣٠٠ - ٣٠١.
(٣) "الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ١٩١.
[ ٣٢ / ١١ ]
الحكم المذكور التائب (فَقَالَ) -﷿- ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ أي انتقدوا من دار الكفر إلى المدينة تائبين ﴿مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ بالارتداد ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا﴾ الكفّار مع النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم - ﴿وَصَبَرُوا﴾ على ما يلقونه من البأساء والضرّاء في سبيل اللَّه تعالي ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي من بعد هذه الخصال المذكورة، من التوبة، والهجرة، والجهاد، والصبر ﴿لَغَفُورٌ﴾ لهم بمحو ما سبق لهم من الجرائم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم بإدخالهم الجنّة.
(وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ) هذا الكلام من تتِمّة كلام ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما هو ظاهر السياق هنا، وعند ابن جرير الطبريّ في "تفسيره" -١٧/ ٣٠٨ - فقد أخرجه بسنده عن يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، بسند المصنّف، ومتنه، فما وقع في نسخة "صحيح النسائيّ" للشيخ الألباني-٣/ ٨٥٣ - من زيادة قوله: "قال أبو عبد الرحمن"، قبل قوله: "وهو عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح" غلط صريح، فإن هذا الكلام ليس للنسائيّ، وإنما هو من تَتِمّة كلام ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بيانًا لسبب نزول الآية، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(الَّذِي كَانَ عَلَى مِصْرَ) أي كان واليًا عليها بعد موت النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في خلافة عثمان - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما تقدّم بيانه (كَانَ يَكْتُبُ) الوحي (لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ) أي حمله على الزلل، وهو الخطأ والذنب. قاله ابن الأثير (^١) (فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ) بكسر الحاء المهملة، من باب تعب لَحَاقًا، ولُحُوقًا: أي التجأ إليهم، ولاذ بهم (فَأَمَرَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (بِهِ أَنْ يُقْتَلَ) بالبناء للمفعول (يَوْمَ الْفَتْحِ) ظرف لـ"أمر" (فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) أي طلب عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - من النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أن يُجيره من القتل (فَأَجَارَهُ رسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) وقد تقدّم تفصيل قصّته في الباب الماضي.
وقيل في سبب نزول هذه الآية الكريمة، غير ما ذُكر، فقد أخرج الإمام ابن جرير الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره" عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - قال: إن المشركين أصابوا عمّار بن ياسر، فعذّبوه، ثم تركوه، فرجع إلى رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فحدّثه بالذي لقي من قُريش، والذي قال، فأنزل اللَّه تعالى عذره: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾، إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
وأخرج عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنها نزلت في عمّار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة، فغطّوه
_________________
(١) "النهاية" ٢/ ٣١٠.
[ ٣٢ / ١٢ ]
في بئر ميمون، وقالوا: اكفر بمحمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فتابعهم على ذلك، وقلبه كاره، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ الآية. وأخرج عن أبي عُبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذّبوه، حتى باراهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "كيف تجد قلبك" قال: مطمئنًّا بالإيمان، قال النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "فإن عادوا فعد". وأخرج عن الشعبيّ، قال: لَمّا عُذّب الأعبد أعطوهم ما سألوا، إلا خبّاب بن الأرتّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، كانوا يُضجعونه على الرَّضف، فلم يستقلّوا منه شيئًا.
قال ابن جرير: فتأويل الآية إذن: من كفر باللَّه من بعد إيمانه إلا من أُكره على الكفر، فنطق بكلمة الكفر بلسانه، وقلبه مطمئنّ بالإيمان، موقنٌ بحقيقته، صحيحٌ عليه عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرًا، فاختاره، وآثره على الإيمان، وباح به طائعًا، ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ثم أخرج عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - نحو هذا المعنى، ثمّ قال: فأما من أكره، فتكلّم به لسانه، وخالفه قلبه بالإيمان؛ لينجو من عدوّه، فلا حرج عليه؛ لأن اللَّه سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أحرجه معه:
أخرجه هنا-١٥/ ٤٠٧١ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٣٥٣٢. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٣٥٨ مختصرًا. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم توبة المرتدّ، وهو القبول. (ومنها): أن للَّه تعالى الحكمة البالغة في تشريعه، فيحكم بما يريد، ثم ينسخه إذا يريد. (ومنها): جواز النسخ ووقوعه في الشرع، وهو إجماع للمسلمين، وما حكي عن أبي مسلم الأصفهانيّ من المعتزلة أنه سمّاه تخصيصًا، فهو خلاف في التسمية، لا
_________________
(١) راجع تفسير ابن جرير ١٧/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
[ ٣٢ / ١٣ ]
في وقوع النسخ. وإنما يخالف في ذلك اليهود، بعضهم في الجواز، وبعضهم في الوقوع، قال في "الكوكب الساطع"، مشيرًا إلى هذا:
النَّسْخُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَاقِعُ … وَقَائِلُ التَّخْصِيصِ لَا يُنَازعُ
(ومنها): أنه لَمّا سمح اللَّه تعالى بالكفر به، وهو أصل الشريعة، عند الإكراه، ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلّها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يُؤاخذ به، وَلَمْ يترتّب عليه حكم، وبه جاء الأثر المشهور عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "إنّ اللَّه وضع عن أُمّتي الخطأ والنسيان، وما استُكرهوا عليه" (^١). رواه ابن ماجه، وابن حبّان في "صحيحه"، والداقطنيّ، والحاكم في "المستدرك"، وصححه، ووافقه الذهبيّ، وقال عبد الحقّ الإشبيليّ: صحيح الإسناد، كما نقله عنه القرطبيّ في "تفسيره" -١٠/ ١٨٢.
(ومنها): مكانة عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - عند النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، حيث قبل شفاعته فيمن استحلّ دمه، وأمر بقتله في الحلّ والحرم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أجمع العلماء على أن من أُكره على الكفر حتى خشِي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر، وقلبه مطمئنّ بالإيمان، ولا تَبين منه زوجته، ولا يُحكم عليه بحكم الكفر. هذا قول مالك، والكوفيين، والشافعيّ، غير محمد بن الحسن، فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتدًّا في الظاهر، وفيما بينه وبين اللَّه تعالى على الإسلام، وتبين منه امرأته، ولا يُصلّى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلمًا. قال ابن بطّال: وهذا قول تغني حكايته عن الرّدّ عليه؛ لمخالفته النصوص.
وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ: وهذا قولٌ يردّه الكتاب والسنّة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ الآية [النحل: ١٠٦]، وقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا﴾ الآية [آل عمران: ٢٨]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النساء:٩٧]، وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ الآية [النساء:٩٨]، فعذر اللَّه المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر اللَّه به، والمكره لا يكون إلا مستضعفًا، غير ممتنع من فعل ما أُمر به. قاله البخاريّ (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) وأما ما اشتهر في كتب الفقه والأصول بلفظ: "رُفع عن أمتي الخطأ الخ"، فمنكر. راجع "الإرواء" للشيخ الألبانيّ ١/ ١٢٣ - ١٢٤، والصحيح بلفظ: "وَضَعَ".
(٢) راجع "صحيح البخاريّ" ١٤/ ٣٢١ بنسخة "الفتح". رقم ٦٩٤٠. وتفسير القرطبيّ ١٠/ ١٨٢.
[ ٣٢ / ١٤ ]
(المسألة الخامسة): ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رُخصة فيه، مثل أن يُكره على السجود لغير اللَّه، أو الصلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم، أو ضربه، أو أكل ماله، أو الزنى، وشرب الخمر، وأكل الربا. يُروى هذا عن الحسن البصريّ، وهو قول الأوزاعيّ، وسُحنُون من المالكيّة. وقال محمد بن الحسن: إذا قيل للأسير: اسجُد لهذا الصنم، وإلا قتلتك، فقال: إن كان الصنم مقابل القبلة، فليسجُد، وتكون نيّته للَّه تعالى، وإن كان لغير القبلة فلا يسجد، وإن قتلوه.
والصحيح أنه يسجد، وإن كان لغير القبلة، وما أحراه بالسجود حينئذ؛ ففي "الصحيح" عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - قال: "كان رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يصلّي، وهو مقبلٌ من مكة إلى المدينة على راحلته، حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، الآية [البقرة: ١١٥]. وفي رواية: "ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة". فإذا كان هذا مباحًا في السفر في حالة الأمن؛ لتعب النزول عن الدّابّة للتنفّل، فكيف بهذا؟.
واحتجّ من قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -: ما من كلام يدرأ عنّي سوطين من ذي سلطان، إلا كنت متكلّمًا به. فقصر الرخصة على القول، ولم يذكُر الفعل، وهذا لا حجّة فيه؛ لأنه يحتمل أن يجعل الكلام مثالًا، وهو يريد أن الفعل في حكمه.
وقالت طائفة: الإكراه في الفعل والقول سواء، إذا أسرّ الإيمان. رُوي ذلك عن عمر ابن الخطّاب، ومكحول، وهو قولُ مالك، وطائفة من أهل العراق. روى ابن القاسم عن مالك أن من أُكره على شرب الخمر، وترك الصلاة، أو الإفطار في رمضان، أن الإثم عنه مرفوع. ذكره القرطبيّ (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا القول هو الحقّ؛ لدلالة النصوص السابقة عليه، وأما الاحتجاج بأثر ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور، ففيه نظر لا يخفى؛ لأن أثر الصحابة لا تكون حجةً يُدفع بها ما يدلّ عليه ظاهر الكتاب والسنة، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أجمع العلماء على أن من أُكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمته بجَلد، أو غيره، ويَصبر على البلاء الذي نزل به،
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ١٨٢ - ١٨٣.
[ ٣٢ / ١٥ ]
ولا يحلّ له أن يَفدي نفسه بغيره ويسأل اللَّه تعالى العافية في الدنيا والآخرة.
واختُلف في الزنا، فقال مطرّفٌ، وأصبغ، وابن عبد الحكم، وابن الماجشون: لا يفعل أحدٌ ذلك، وإن قُتل لم يفعله، فإن فعله فهو آثم، ويلزمه الحدّ، وبه قال أبو ثور، والحسن.
قال ابن العربيّ: الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنى، ولا حدّ عليه؛ خلافًا لمن ألزمه ذلك؛ لأنه رأى أنها شهوة خِلقيّة، لا يُتصوّر الإكراه عليها، وغفل عن السبب في باعث الشهوة، وهو الإلجاء إلى ذلك، وهو الذي أسقط حكمه، وإنما يجب الحدّ على شهوة بَعَث عليها سبب اختياريّ، فقاس الشيء على ضدّه، فلم يحلّ بصواب من عنده. وقال ابن خُوَيز مَنْدَاد في "أحكامه": اختلف أصحابنا يعني المالكيّة- متى أُكره الرجل على الزنى، فقال بعضهم: عليه الحدّ؛ لأنه إنما يفعل ذلك باختياره. وقال بعضهم: لا حدّ عليه. قال ابن خُويز منداد: وهو الصحيح. وقال أبو حنيفة: إن أكرهه غير السلطان حُدّ، وإن أكرهه السلطان، فالقياس أن لا يُحدّ، ولكن أستحسن ألا يُحدّ، وخالفه صاحباه، فقالا: لا حدّ عليه في الوجهين. ولم يُراعوا الانتشار، وقالوا: متى علم أنه يَتخلّص من القتل بفعل الزنى جاز أن ينتشر. قال ابن المنذر: لا حدّ عليه، ولا فرق بين السلطان في ذلك، وغير السلطان. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر هو الصحيح عندي، كما سبق تصحيح ابن العربيّ، وابن خُويز منداد له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): اختلف أهل العلم في طلاق المكره، وعتقه، فقال الشافعيّ وأصحابه: لا يلزمه شيء. وذكر ابن وهب عن عمر، وعليّ، وابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهم - أنهم كانوا لا يرون طلاقه شيئًا. وذكره ابن المنذر عن ابن الزبير، وابن عمر، وابن عبّاس، وعطاء، وطاوس، والحسن، وشُريح، والقاسم، وسالم، ومالك، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
وأجازت طائفة طلاقه، روي ذلك عن الشعبيّ، والنخعيّ، وأبي قلابة، والزهريّ، وقتادة، وهو قول الكوفيين، قال أبو حنيفة: طلاق المكره يلزم؛ لأنه لم يُعدَم فيه أكثرُ من الرضا، وليس وجوده بشرط في الطلاق كالهازل. وهذا قياسٌ باطلٌ، فإن الهازل قاصدٌ إلى إيقاع الطلاق، راضٍ به، والمكره غير راض، ولا نيّة له في الطلاق، وقد قال - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيّات". وفي "صحيح البخاريّ": وقال ابن عبّاس، فيمن يُكرهه اللصوص، فيُطلّق: ليس بشيء، وبه قال ابن عمر، وابن
[ ٣٢ / ١٦ ]
الزبير، والشعبيّ، والحسن. وقال الشعبيّ: إن أكرهه اللصوص، فليس بطلاق، وإن أكرهه السلطان فهو طلاق. وفسّره ابن عيينة، فقال: إن اللصّ يُقدِمُ على قتله، والسلطان لا يقتله. ذكره القرطبيّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أَنَّ قول الجمهور في هذا هو الحقّ؛ لحديث: "إن اللَّه وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه". رواه ابن ماجه، وغيره، وهو حديث صحيح، كما تقدّم بيانه، وقوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "لا طلاق، ولا عَتاق في إغلاق"، رواه أحمد، وأبو داود، وهو حديث حسنٌ. ومعنى الإغلاق: الإكراه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): بيع المكره، إن كان لأجل حقّ وجب عليه جائزٌ، ماضٍ عليه، لا رجوع له فيه عند الفقهاء؛ لأنه يلزمه أداء ذلك الحقّ، فلما لم يفعل كان بيعه اختيارًا منه، فلزمه.
وأما إذا كان الإكراه ظلمًا، وقهرًا، فلا يجوز ذلك البيع، وهو أولى بمتاعه، يأخذه بلا ثمن، ويتّبع المشتري بالثمن ذلك الظالم، فإن فات المتاع رجع بثمنه، أو بقيمته بالأكثر من ذلك على الظالم، إذا كان المشتري غير عالم بظلمه. قال سُحنون: أجمع أصحابنا يعني المالكيّة- وأهل العراق على أن بيع المكره على الظلم والجور لا يجوز. وقال الأبهريّ: إنه إجماع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف العلماء في نكاح المكره:
قال سحنون: أجمع المالكيّة على إبطال نكاح المكره والمكرهة، وقالوا: لا يجوز المقام عليه؛ لأنه لم ينعقد. قال محمد بن سُحنون: وأجاز أهل العراق نكاح المكره، وقالوا: لو أكره على أن ينكح امرأة بعشرة آلاف درهم، وصداق مثلها ألف درهم، أن النكاح جائز، وتلزمه الألف، ويبطل الفضل. قال: فكما أبطلوا الزائد على الألف، فكذلك يلزمهم إبطال النكاح بالإكراه، وقولهم خلاف السنّة الثابتة في حديث خنساء بنت خِذَام الأنصاريّة، ولأمره - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بالاستثمار في أبضاعهنّ، فلا معنى لقولهم. ذكره القرطبيّ. وهو تحقيق حسن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): إذا استُكرهت المرأة على الزنى، فلا حدّ عليها؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾، وقوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "إن تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه"؛ ولقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يريد الفتيات. وبهذا المعنى حكم عمر في الوليدة التي استكرهها العبد، فلم يحدّها. والعلماء متّفقون على أنه لا حدّ على امرأة مستكرهة. وقال مالك: إذا وُجدت المرأة
[ ٣٢ / ١٧ ]
حاملًا، وليس لها زوجٌ، فقالت: استُكرهت، فلا يُقبل ذلك منها، وعليها الحدّ، إلا أن تكون لها بيّنة، أو جاءت تَدْمِي على أنها أُوتيت، أو ما أشبه ذلك، واحتجّ بحديث عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى -عنه أنه قال: "الرجم في كتاب اللَّه حقّ على من زنى من الرجال والنساء، إذا أُحصن، إذا قامت البيّنة، أو كان الحبل، أو الاعتراف". قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: وبالقول الأول أقول.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وأنا أيضًا به أقول؛ لأن زناها لم يثبت ببيّنة، ولا باعتراف، بل ادّعت الإكراه، فلا حدّ عليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): إذا أُكره الرجل أن يسلم زوجته لمن لا تحلّ له جاز له تسليمها، ولا يقتل نفسه دونها، ولا تحمّل أذيّة في تخليصها، والأصل في ذلك ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال النبي - ﷺ -: "هاجر إبراهيم - ﵇ - بسارة، فدخل بها قرية، فيها ملك من الملوك"، أو " جبار من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيم بامرأة، هي من أحسن النساء، فأرسل إليه، أن يا إبراهيم من هذه التي معك؟ قال: أختي، ثم رجع إليها، فقال: لا تكذّبي حديثي، فإني أخبرتهم أنك أختي، واللَّه إن على الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأرسل بها إليه، فقام إليها، فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنتُ آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي، إلا على زوجي، فلا تسلط عليّ الكافر، فغُطَّ، حتى رَكَضَ برجله" الحديث.
فهذا الحديث دليلٌ على ما قلناه، ودليلٌ أيضًا على أنه لا لوم على المستكرهة، ولا حد عليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): أجمع العلماء على أن من أُكره على الكفر، فاختار القتل أنه أعظم أجرًا عند اللَّه ممن اختار الرخصة. واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحلّ له، فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدّة في ذلك، واختيار القتل، والضرب أفضل عند اللَّه من الأخذ بالرخصة. ذكره ابن حبيب، وسُحنون. وذكر ابن سُحنون عن أهل العراق أنه إذا تُهُدّد بقتل، أو قطع، أو ضرب، يخاف منه التلف، فله أن يفعل ما أُكره عليه، من شرب خمر، أو أكل خنزير، فإن لم يفعل حتى قُتل خِفنا أن يكون آثمًا؛ لأنه كالمضطرّ.
وقد أخرج البخاريّ من حديث خباب بن الأرت - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: شكونا إلى رسول اللَّه - ﷺ -، وهو متوسد بردة له، في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا
[ ٣٢ / ١٨ ]
تدعو اللَّه لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض، فيُجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيُشق باثنتين، وما يَصُدُّه ذلك عن دينه، ويُمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه، من عظم، أو عَصَب، وما يصدّه ذلك عن دينه، واللَّه ليَتِمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا اللَّه، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".
فوصفه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم، والصبر على المكروه في ذات اللَّه، وأنهم لم يكفروا في الظاهر، وتبطّنوا الإيمان؛ ليدفعوا العذاب عن أنفسهم. وهذه حجة من آثر الضرب، والقتل، والْهَوَان، على الرخصة، والمقام بدار الجنان. ذكره القرطبيّ (^١). وهو تحقيق حسن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الإكراه:
قال في "الفتح": أخرج عبد بن حُميد بسند صحيح عن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -
قال: "ليس الرجل بأمين على نفسه، إذا سُجن، أو أُوثق، أو عُذب". ومن طريق شُريح نحوه، وزيادة، ولفظه: "أربع كلّهنّ كره: السجن، والضرب، والوعيد، والقيد". وعن ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: "ما كلام يدرأ عنّي سوطين إلا كنت متكلّما به". وهو قول الجمهور. انتهى (^٢).
وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ بعد ذكر نحو ما تقدّم: وقال الحسن: التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة، إلا أن اللَّه ﵎ ليس يجعل في القتل تقيّة. وقال النخعيّ: القيد إكراه، والسجن إكراه. وهذا قول مالك، إلا أنه قال: والوعيد المخوّف إكراه، وإن لم يقع، إذا تحقّق ظلم ذلك المتعدّي، وإنفاذه لما يتوعّد به، وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت، إنما هو ما كان يؤلم من الضرب، وما كان من سجن يدخُل منه الضيق على المكره. وإكراه السلطان وغيره عند مالك إكراه.
وتناقض الكوفيّون، فلم يجعلوا السجن، والقيد إكراهًا على شرب الخمر، وأكل الميتة؛ لأنه لا يُخاف منهما التلف، وجعلوهما إكراهًا في إقراره لفلان عندي ألف درهم. قال ابن سُحنون: وفي إجماعهم على أن الألم، والوجع الشديد إكراه ما يدلّ على أن الإكراه يكون من غير تلف نفس. وذهب مالك إلى أن من أُكره على يمين بوعيد، أو سجن، أو ضرب أنه يحلف، ولا حِنث عليه، وهو قول الشافعيّ، وأحمد،
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ١٨٨ - ١٨٩.
(٢) "فتح" ١٤/ ٣٢٥.
[ ٣٢ / ١٩ ]
وأبي ثور، وأكثر العلماء (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي عليه أكثر العلماء هو الحقّ عندي؛ لما سبق من الأدلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…