٤٠٧٢ - (أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ، عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامِ، قَالَ: كُنْتُ أَقُودُ رَجُلًا أَعْمَى، فَانْتَهَيْتُ إِلَى عِكْرِمَةَ، فَأَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَعْمَى كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَكَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ، وَكَانَ لَهُ مِنْهَا ابْنَانِ، وَكَانَتْ تُكْثِرُ الْوَقِيعَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَتَسُبُّهُ، فَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، وَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، ذَكَرْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَوَقَعَتْ فِيهِ، فَلَمْ أَصْبِرْ أَنْ قُمْتُ إِلَى الْمِغْوَلِ، فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا، فَاتَّكَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَتَلْتُهَا، فَأَصْبَحَتْ قَتِيلًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَجَمَعَ النَّاسَ، وَقَالَ: «أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا لِي عَلَيْهِ حَقٌّ، فَعَلَ مَا فَعَلَ إِلاَّ قَامَ»، فَأَقْبَلَ الأَعْمَى يَتَدَلْدَلُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا صَاحِبُهَا كَانَتْ أُمَّ وَلَدِي، وَكَانَتْ بِي لَطِيفَةً رَفِيقَةً، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ، مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تُكْثِرُ الْوَقِيعَةَ فِيكَ، وَتَشْتُمُكَ، فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَتِ الْبَارِحَةَ ذَكَرْتُكَ، فَوَقَعَتْ فِيكَ، فَقُمْتُ إِلَى الْمِغْوَلِ، فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا، فَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا، حَتَّى قَتَلْتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَلَا اشْهَدُوا، أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عثمان بن عبد اللَّه) بن محمد بن خُرَّزاد (^٢): هو أبو عمرو البصريّ، نزيل أنطاكية، ثقة، من صغار [١١] ١١٢/ ١٥٥ من أفراد المصنّف.
٢ - (عباد بن موسى) الْخُتَّليّ (^٣) أبو محمد الأبناويّ، سكن بغداد، ثقة [١٠].
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ١٩٠. تفسير سورة النحل.
(٢) بضمّ الخاء المعجمة، وتشديد الراء،، بعدها زايّ.
(٣) بضمّ الخاء المعجمة، وتشديد المثنّاة المفتوحة-: نسبة إلى الْخُتَّل قرية بطريق خُرَاسان. أفاده في "اللباب" ١/ ٤٢١.
[ ٣٢ / ٢٠ ]
قال ابن معين، وأبو زرعه، وصالح بن محمد: ثقة. وقال ابن معين مرّةً: ليس به بأس. وقال الدارقطنيّ: صدوقٌ. وقال ابن قانع: صالح. وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زُرعة: ثقة. قال أحمد بن عليّ الأَبّار، وغيره: مات بطَرَسُوس سنة (٢٢٧). وقال ابن حبّان في "الثقات": مات سنة (٣٠). وقال ابن قانع: مات سنة (٢٩)، وقيل: سنة (٣٠) وهو أصحّ عندي.
روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وفي "كتاب الزينة" ٤٧/ ٥١٩٩ - حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه: "كان لرسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - خاتم فضة" الحديث.
٣ - (إسماعيل بن جعفر) بن كثير: هو الأنصاريّ الزُّرقيّ المدنيّ القارئ، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧.
٤ - (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، ثقة [٧] ٧٥/ ١٤١٠.
٥ - (عثمان الشَّحّام) العدويّ، أبو سلمة البصريّ، يقال: اسم أبيه ميمون، أو عبد اللَّه، لا بأس به [٦] ٩٠/ ١٣٤٧، والباقيان ترجما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّام) بتشديد الحاء المهملة: هو كما في "لبّ اللباب" نسبة إلى بيع الشحم، أنه (قَالَ: كُنْتُ أَقُودُ رَجُلًا أَعْمَى، فَانْتَهَيْتُ) أي بلغت (إِلَى عِكْرِمَةَ) أي إلى موضع عكرمة مولى ابن عبّاس (فَأَنْشَأَ) أي شرع، وأخذ (يُحَدِّثُنَا، قَالَ) عكرمة (حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ أَعْمَى) لم أعرف اسمه (كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَكَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ) أي غير مسلمة، ولذلك كانت تجرىء على ذلك الأمر الشنيع (وَكَانَ لَهُ مِنْهَا ابْنَانِ، وَكَانَتْ تُكْثِرُ الْوَقِيَعَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) "الوقيعة" -بفتح الواو، وكسر القاف: الذّمّ، والعيب، يقال: وقع فلانٌ في فلان وُقُوعًا، ووقِيعة: إذا سبّه، وثَلَبَه. قاله الفيّوميّ (وَتَسُبُّهُ) صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهو من باب قتل (فَيَزْجُرُهَا) من باب قتل أيضًا: أي يمنعها من ذلك (فَلَا تَنْزَجِرُ) أي لا تمتنع، ولا تترك ذلك، وقوله (وَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي) مؤكد لما قبله (فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ) وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: يمكن
[ ٣٢ / ٢١ ]
رفعه على أنه اسم "كان"، ونصبه على أنه خبرها: أي كان الزمان، أو الوقت ذات ليلة. وقيل: يجوز نصبه على الظرفية: أي كان الأمر في ذات ليلة، ثم "ذات ليلة" قيل: معناه: ساعة من ليلة. وقيل: معناه: ليلة من الليالي، و"ذات" مقحمة. انتهى (^١) (ذَكَرْتُ) بضمّ التاء، فهو ضمير المتكلّم، والكلام من قوله: "فلما كان ذات ليلة الخ" لذلك الأعمى (النَّبِيَّ) بالنصب مفعول "ذكرت" (- ﷺ -، فَوَقَعَتْ فِيهِ) قال السنديّ: قيل: تعدى بـ "في" لتضمينه معنى الطعن، يقال: وقع فيه: إذا عابه، وذمّه انتهى (فَلَمْ أَصْبِرْ) بكسر الباء (أَنْ قُمْتُ) الفعل في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، كما قال ابن مالك في "خلاصته":
وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي "أَنَّ" و"أَنْ" يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ "عجِبْتُ أَنْ يَدُو"
والتقدير هنا: فلم أصبر عن القيام (إِلَى الْمِغْوَلِ) متعلّق بـ "قمتُ"، و"الْمِغْول" بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة-: شبه سيفٍ قصير، يشتمل به الرجل تحت ثيابه، فيغطيه. وقيل: حديدة دقيقة، لها حدٌّ ماض، وقَفًا. وقيل: هو سَوْطٌ في جوفه سيف دقيقٌ يَشُدّه الفاتك على وسطه؛ ليغتال به الناس. قاله في "النهاية" (^٢).
(فَوَضَعْتُهُ فِي بطنِها، فَاتَّكَأْتُ عَلَيْهِ) أي اعتمدت على ذلك الْمِغْوَل (فَقَتَلْتُهَا، فَأَصْبَحَتْ قَتِيلًا) إنما لم يقل: قتيلة؛ لأن فعيلًا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكّر والمؤنث.
وفي رواية أبي داود: "فقتلها، فوقع بين رجليها طفلٌ، فَلَطَخَت ما هُناك بالدم". (فَذُكِرَ) بالبناء للمفعول (ذلِك) أي كونها مقتولة (لِلنَّبِيِّ - ﷺ -) وفي رواية أبي داود: "فلما أصبح ذُكر ذلك للنبيّ صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَجَمَعَ النَّاسَ، وَقَالَ: "أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا) أي أسال رجلًا مُقسمًا باللَّه تعالى، يقال: نشدتك اللَّه، وباللَّه، أنشُدُك، من باب نصر: ذكّرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به مُقسمًا عليه. أفاده الفيّوميّ. والمناسب هنا المعنى الأخير. وقوله (لي عَلَيْهِ حَقٌّ) جملة من مبتدإ وخبر، في محلّ نصب صفة لـ "رجلًا"، والمعنى: أسأل باللَّه تعالى رجلًا مسلما تجب عليه طاعتي، وإجابة دعوتي، وإنما ناشد بهذا الأسلوب تأكيدًا؛ لعظم الأمر. وقوله (فَعَلَ مَا فَعَلَ) "ما" اسم موصول: أي الفعل الذي فعله، من قتل هذه الجارية، والجملة صفة لـ"رجلًا" بعد صفة، أو حال منه (إِلَّا قَامَ) أي من مجلسه حتى يعترف بأنه القاتل لها (فَأَقْبَلَ
_________________
(١) "شرح السنديّ" ٧/ ١٠٨.
(٢) "النهاية" ٣/ ٣٩٧.
[ ٣٢ / ٢٢ ]
الأَعْمَى يَتَدَلْدَلُ) بدالين مهملين، ولامين: أي يضطرب في مشيه. وفي رواية أبي داود: "فقام الأعمى يتخطّى رقاب الناس، وهو يتزلزل، حتّى قعد بين يدي النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -" (فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَنَا صَاحِبُهَا) أي صاحب تلك الجارية المقتولة (كَانَتْ أُمَّ وَلَدِي، وَكَانَتْ بِي لَطِيفَةٌ) فعلية بمعنى فاعلة، كـ (رَفِيقَةً) وزنًا ومعنًى (وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ، مِثْلُ اللُّؤْلُؤتَيْنِ) أي في الحسن، والبهاء، وصفاء اللون (وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تُكْثِرُ الْوَقيعَةَ فِيكَ، وَتَشْتُمُكَ) من بابي ضرب، وقتل كما في "القاموس" (فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلْا تَنْزَجِرُ، فَلمَّا كَانَتْ الْبَارِحَةُ) "كانت" هنا تامّة، و"البارحة" فاعلها، أي جاءت البارحة، ويحتمل أن تكون ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى الوقت المفهوم، و"البارحة" بالنصب على أنه خبرها و"البارحة" هي الليلة الماضية، تقول العرب قبل الزوال: فعلنا الليلة كذا؛ لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحة، مشتقّ من برح الشيء يبرحُ، من باب تعِب براحًا: إذا زال من مكانه. أفاده الفيّوميّ (ذَكَرَتُكَ، فَوَقَعَتْ فِيكَ، فَقُمْتُ إِلَى الْمِغْولِ، فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا، فَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا، حَتَّى قَتَلْتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: "أَلا) بالتخفيف: أداة استفتاح وتنبيه (اشْهدُوا، أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ) بفتحين: أي باطل، لا قصاص فيه، يقال: هدر الدمُ هَدْرًا، من بابي ضرب، وقتل: بَطَلَ، وأَهدَرَ بالألف لغة، وهَدَرتُهُ، من باب قتل، وأهدرته: أبطلته، يُستعملان متعدّيين أيضًا، والْهَدَرُ بفتحتين -اسم منه، وذهب دمه هَدْرًا بالسكون، والتحريك: أي باطلًا، لا قود فيه. قاله الفيّوميّ.
والظاهر أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - علم بالوحي صدقه، فأهدر دمها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٦/ ٤٠٧٢ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٣٥٣٣. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٣٦١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهو قتله. (ومنها): أن الذميّ إذا لم يكفّ لسانه عن اللَّه تعالى، أو عن رسوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ينتقض عهده، فلا ذمّة له. (ومنها): أن من
[ ٣٢ / ٢٣ ]
سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يُقتلُ، وقد قيل: لا خلاف في أن سابّه من المسلمين يجب قتله، وإنما الخلاف إذا كان ذميًّا، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - كان أحيانًا لا يطلب البينة، بل يحكم بقول المدعي؛ لثبوت صدقه لديه وحيًا، وهذا لا يسع أحدًا غيره، كما سيأتي قول أبي بكر الصديق - رضي اللَّه تعالى عنه - في الباب التالي: "ما كان لأحد بعد محمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم من سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -:
نَقَلَ ابْن الْمُنْذِر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الاتِّفَاق عَلَى أَنَّ مَنْ سَبّ النَّبيّ - ﷺ - صَرِيحًا، وَجَبَ قَتْله. وَنَقَلَ أَبُو بَكْر الفَارِسِيّ أَحَد أَئِمة الشَّافِعِيَّة، فِي "كِتَاب الإجْماَع" أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيّ - ﷺ -، مِمَّا هُوَ قذفٌ صَرِيح، كَفَرَ بِاتِّفَاقِ العُلَمَاء، فَلَوْ تَابَ لَمْ يَسْقُط عَنْهُ الْقَتْل؛ لأَنَّ حَدَّ قَذْفه الْقَتْل، وَحَدّ الْقَذْف لا يَسْقُط بِالتَّوْبَةِ. وَخَالَفَهُ القَفَّال، فَقَالَ: كَفَرَ بِالسَّبِّ، فَيَسْقُط الْقَتْل بِالإسْلام. وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيّ: يَزُول القَتْل، وَيَجِب حَدّ الْقَذْف. وَضَعَّفَهُ الإمَام. فَإِنْ عَرَّضَ، فَقَالَ الخَطَّابِي: لَا أَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوب قَتْله، إِذَا كَانَ مُسْلمًا.
وقال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء فيمن سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، فأما أهل العهد والذمّة، كاليهود، فقال ابن القاسم، عن مالك: يُقتل من سبّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - منهم، إلا أن يُسلم، وأما المسلم، فيُقتل بغير استتابة. ونقل ابن المنذر عن الليث، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق مثله في حقّ اليهودي ونحوه.
وروي عن الأوزاعيّ، ومالك في المسلم أنها ردّة، يُستتاب منها. وعن الكوفيين: إن كان ذِميًّا عُزِّر، وإن كان مسلما فهي ردّةٌ. وحكى عياضٌ خلافًا، هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح، أو لمصلحة التأليف. ونقل عن بعض المالكيّة أنه إنما لم يقتل اليهود الذين كانوا يقولون: السام عليك؛ لأنهم لم تقُم عليهم البينة بذلك، ولا أقرّوا به، فلم يَقض فيهم بعلمه. وقيل: إنهم لما لم يُظهروه، ولووْه بألسنتهم ترك قتلهم. وقيل: إنه لم يحمل ذلك منهم على السبّ، بل على الدعاء بالموت الذي لا بدّ منه، ولذلك قال في الردّ عليهم: "وعليكم"، أي الموت نازلٌ علينا وعليكم، فلا معنى للدعاء به. أشار إلى ذلك القاضي عياض. وكذا من قال السأم بالهمز بمعنى السآمة، هو دعاء بأن يملّوا الدين، وليس بصريح في السبّ. وعلى القول بوجوب قتل من وقع منه ذلك، من ذميّ، أو معاهد، فترك لمصلحة التأليف، هل ينتقض بذلك عهده؟ محلّ تأمّل.
واحتجّ الطحاويّ لأصحابه بحديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: مرّ يهودي
[ ٣٢ / ٢٤ ]
برسول اللَّه - ﷺ -، فقال: السامُ عليك، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "وعليك"، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "أتدرون ما يقول؟ "، قال: "السام عليك"، قالوا: يا رسول اللَّه، ألا نقتله؟، قال: "لا، إذا سلّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم". رواه البخاريّ. وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَام لَوْ صَدَرَ مِنْ مُسْلِم، لَكَانَ رِدَّة، وَأَمَّا صُدُوره مِنْ اليَهُود، فَالَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الكُفْر، أَشَدّ مِنهُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْتُلهُم النَّبِيّ - ﷺ -. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ دِمَاءهُم لَمْ تُحقَن إلا بِالْعَهْدِ، وَلَيْسَ فِي الْعَهْد أَنَّهُم يَسُبُّون النَّبِيّ - ﷺ -، فَمَنْ سَبَّهُ مِنْهُم، تَعَدَّى الْعَهْد، فَيَنْتَقِض، فَيَصِير كَافِرًا بِلا عَهْد، فَيُهْدَر دَمه، إِلا أَنْ يُسْلِم.
قال في "الفتح": وَيُؤيِّدهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلّ مَا يَعْتَقِدُونَهُ، لا يُؤَاخَذُون بِهِ، لَكَانُوا لَوْ قَتَلُوا مُسْلمًا، لَمْ يُقْتَلُوا؛ لَأَنَّ مِنْ مُعْتَقَدهمْ حِلَّ دِمَاء الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مُسْلِمًا قُتِلَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يُقْتَل بِالْمُسْلِمِ قِصَاصًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَل بِهِ، وَلَوْ أَسْلَمَ، وَلَوْ سَبَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يُقْتَل.
قُلْنَا: الْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ قَتْل الْمُسْلِم، يَتَعَلَّق بِحَقِّ آدَمِيٍّ، فَلَا يُهْدَر، وَأَمَّا السَّبّ فَإِنَّ وُجُوب الْقَتْل بِهِ، يَرْجِع إِلَى حَقّ الدِّين، فَيَهْدِمهُ الإسْلام.
وَالَّذِي يَظْهر، أَنَّ تَرْك قَتْل الْيَهُود إِنَّمَا كَانَ لِمَصْلَحةِ التَّأْليف، أَوْ لِكَوْنِهمْ لَمْ يُعلِنُوا بِهِ، أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا، وَهُوَ أَوْلَى، وَاللَّه أَعْلَمُ. انتهى. ما في "الفتح" (^١).
وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: ثبت عنه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أنه قضى بإهدار دم أم ولد الأعمى، لمّا قتلها مولاها على السبّ. وقتل جماعة من اليهود على سبّه وأذاه، وأمّن الناس يوم الفتح إلا نفرًا ممن كان يؤذيه، ويهجوه، وهم أربعة رجال، وامرأتان. وقال: "مَن لكعب بن الأشرف؟، فإنه قد آذى اللَّه ورسوله"، وأهدر دمه، ودم أبي رافع. وقال أبو بكر الصّدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه - لأبي برزة الأسلميّ - رضي اللَّه تعالى - عنه، وقد أراد قتل من سبّه: ليس لأحد بعد رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فهذا قضاؤه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وقضاء خلفائه من بعده، ولا مخالف لهم من الصحابة، وقد أعاذهم اللَّه تعالى من مخالفة هذا الحكم. وقد روى أبو داود في "سننه" عن عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - أن يهوديّة كانت تشتم النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وتقع فيه، فخنقها رجلٌ حتى ماتت، فأبطل رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - دمها (^٢).
_________________
(١) "فتح" ١٤/ ٢٨٣ - ٢٨٥. "كتاب استتابة المرتدين" رقم ٦٩٢٦.
(٢) رجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا؛ لأن الشعبيّ الراوي له عن عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - لم يسمع منه.
[ ٣٢ / ٢٥ ]
وذكر أصحاب السير والمغازي عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - قال: هَجَت امرأة النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: "من لي بها؟ " فقال رجلٌ من قومها: أنا، فنهض، فقتلها، فأُخبر النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: "لا ينتطح فيها عنزان". وفي ذلك بضعة عشر حديثًا ما بين صحاح، وحسان، ومشاهير، وهو إجماع الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -.
وقد ذكر حربٌ في "مسائله" عن مجاهد، قال: أتي عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - برجل سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقتله، ثم قال عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -: من سبّ اللَّه ورسوله، أو سب أحدًا من الأنبياء، فاقتلوه. ثم قال مجاهد عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: أيما مسلم سبّ اللَّه ورسوله، أو سبّ أحدًا من الأنبياء، فقد كذب برسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهي ردّة، يُستتاب منها، فإن رجع، وإلا قُتل، وأيّما معاهد عاند، فسبّ اللَّه، أو سبّ أحدًا من الأنبياء، أو جهر به، فقد نقض العهد، فاقتلوه.
وذكر أحمد عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه مرّ به راهب، فقيل له: هذا يسبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: لو سمعته لقتلته، إنا لم نُعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا. والآثار عن الصحابة بذلك كثيرة.
وحكى غير واحد من الأئمة الإجماع على قتله. قال شيخنا يعني ابن تيمية -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهو محمول على إجماع الصدر الأول، من الصحابة، والتابعين.
قال: وأما تركه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - قتل من قدح في عدله بقوله: "اعدِل، فإنك لم تعدل". أخرجه مسلم. وفي حكمه بقوله: "أن كان ابن عمّتك؟ "، متّفقٌ عليه. وفي قصده بقوله: "إن هذه قسمة ما أُريد بها وجه اللَّه"، أو في خلوته بقوله: "يقولون: إنك تنهى عن الغيّ، وتستخلي به (^١». وغير ذلك، فذلك أن الحقّ له، فله أن يستوفيه،
_________________
(١) هو ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٢) حدثنا إسماعيل، أخبرنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، أن أخاه، أو عمه قام إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: جيراني بما أُخذوا؟، فأعرض عنه، قال: جيراني بما أخذوا؟، فأعرض عنه، ثم قال: جيراني بما أخذوا؟، فأعرض عنه، قال: لئن قلت ذاك، لقد زعم الناس، أن محمدا ينهى عن الغي، ويستخلي به، فقال النبيّ - ﷺ -: "ما قال؟، فقام أخوه، أو ابن أخيه، فقال: يا رسول اللَّه إنه إنه، فقال: "أما لقد قلتموها"، أو"قال قائلكم، ولئن كنت أفعل ذلك، إنه لعليّ، وما هو عليكم، خلوا له عن جيرانه". وسنده حسنٌ، ومعنى "يستخلي به" أي يستقلّ به، وينفرد. وسيأتي الحديث للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "باب قطع السارق" برقم ٤٨٧٥ مختصرًا، إن شاء اللَّه تعالى.
[ ٣٢ / ٢٦ ]
وله أن يتركه، وليس لأمته ترك استيفاء حقّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. وأيضًا فإن هذا كان في أوّل الأمر، حيث كان - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - مأمورا بالعفو والصفح. وأيضًا فإنه كان يعفو عن حقّه لمصلحة التأليف، وجمع الكلمة، ولئلّا يُنفّر الناس عنه، ولئلّا يتحدّثوا أنه يقتل أصحابه، وكل هذا مختصّ بحياته - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ عندي. وحاصله وجوب قتل من سبّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - مطلقًا، سواء كان مسلمًا، أو ذميًّا؛ لحديث الباب، وغيره من الأدلة المتقدّمة، ولأنه إجماع الصدر الأول، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٧٣٨٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُدَامَةَ بْنِ عَنَزَةَ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: أَغْلَظَ رَجُلٌ لأَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقُلْتُ: أَقْتُلُهُ، فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لأَحَدٍ، بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (معاذ بن معاذ) العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ الثقة الثبت، من كبار [٩] ٣٤/ ٣٨.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (توبة) بن أبي الأسد كيسان بن راشد، أبو المُورّع البصريّ، ثقة [٤] ٣٣/ ٢١٧٦.
٥ - (عبد اللَّه بن قُدامة) بن عَنَزَة بفتح المهملة، والنون، والزاي -أبي السّوَّار العنبريّ البصريّ، والد سوار القاضي الأكبر، ثقة [٤].
روى عن أبي برزة. وعنه توبة العنبريّ. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٦ - (أبو برزة الأسلميّ) نَضْلة بن عُبيد الصحابيّ المشهور، أسلم - رضي اللَّه تعالى عنه - قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خُراسان، ومات بها سنة (٦٥) على الصحيح، تقدّم في ٢/ ٤٩٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد اللَّه بن قُدامة، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل
[ ٣٢ / ٢٧ ]
بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَغْلَظَ رَجُلٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) يقال: أغلظ له في القول إغلاظا: إذا عنّفه، والمعنى أن رجلًا عنّف أبا بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - على أمر، إما على قسمة شيء، كما قال ذلك المنافق للنبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - حينما قسم الغنيمة: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه، أو على أمر آخر. واللَّه تعالى أعلم. قال أبو برزة - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقُلْتُ: أَقْتُلُهُ) وفي الرواية الآتية: "ألا أضرب عنقه؟ "، وفي رواية: "قال: غضب أبو بكر على رجل غضبًا شديدا، حتى تغيّر لونه، قلت: يا خليفة رسول اللَّه، واللَّه لو أمرتني لأضربنّ عنقه، فكأنما صُبّ عليه ماء بارد، فذهب غضبه عن الرجل" (فَانْتَهَرَنِي) أي زجرني عن قتله (وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا) أي قتل من أساء إلى وليّ الأمر، وأغضبه (لِأَحَدٍ، بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) قال الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- مفسّرًا كلام أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا: أي لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلًا إلا بإحدى ثلاث التي قالها رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "كُفرٌ بعد إيمان، أو زنًا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس"، وكان للنبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أن يقتل. انتهى. ذكره أبو داود في "سننه" (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٦/ ٤٠٧٣ و١٧/ ٤٠٧٤ و٤٠٧٥ و٤٠٧٦ و٤٠٧٧ و٤٠٧٨ و٤٠٧٩ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٣٥٣٤ و١٧/ ٣٥٣٥ و٣٥٣٦ و٣٥٣٧ و٣٥٣٨ و٣٥٣٩ و٣٥٤٠. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٣٦١ (أحمد) في "مسند العشرة"، وصححه الحاكم في "مستدركه". واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة) في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهو القتل، ووجه الاستدلال أنّ قول أبي بكر - رضي اللَّه تعالى
_________________
(١) راجع "سنن أبي داود" في "كتاب الحدود" ١٢/ ١٩ - ٢٠. بنسخة "عون المعبود".
[ ٣٢ / ٢٨ ]
عنه - هذا يدلّ على أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - مختصّ بقتل من أغضبه، ومعلوم أن من سبه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يُغضبه؛ لأن ذلك يعود إلى الطعن في رسالته، وذلك كفر باللَّه تعالى؛ لكونه اتهامًا في عصمته إياه مما يوجب سبّه، وعيبه.
(ومنها): أن غيره - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من الولاة ونحوهم، ليس له أن يقتُل من أغضبه، وإن بلغ به الغضب ما بلغ؛ لأن سبّه لا يبلغ الطعن في اللَّه تعالى، كما كان في شأن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وإنما لهم القتل فيما شرع اللَّه تعالى لهم به، كما في حديث: "لا يحلّ دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث" كما سبق في كلام الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-.
(ومنها): ما كان عليه أبو بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - من التحمّل والعفو فيمن اعتدى عليه. (ومنها): ما كان عليه أبو برزة - رضي اللَّه تعالى عنه - من طاعة أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -، وحبّه له، حيث غضب لغضبه، وطلب منه أن يؤدّب الذي أساء إليه الأدب، وينكل به، حتى لا يجتريء عليه أحد بعده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…