٣٨١٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، يُحَدِّثُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، غير:
١ - (عبد اللَّه بن عمرو مولى الحسن بن عليّ) الهاشميّ مولاهم، مقبول [٣].
روى عن عديّ بن حاتم - ﵁ - هذا الحديث. وروى عنه عمرو بن مرّة. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
و"إسحاق بن منصور": هو الكَوْسج المروزيّ الحافظ. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"عمرو بن مرّة": هو الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقة عابد [٥] ١٧١/ ٢٦٥. و"عديّ بن حاتم" بن عبد اللَّه بن سعد بن الحشرَج الطائيّ، أبو طَرِيف، الصحابيّ المشهور، مات - ﵁ - سنة (٦٨) وهو ابن (١٢٠) سنة، وقيل: غير ذلك، تقدّمت ترجمته في ٢٩/ ٢١٦٩.
والحديث صحيح (^١)، وهو من رواية عبد اللَّه بن عمرو مولى الحسن بن عليّ من أفراد
_________________
(١) [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عبد اللَّه بن عمرو مولى الحسن، وهو مجهول عين، ولذا قال عنه في "التقريب": مقبول، أي يحتاج إلى متابع؟. [قلت]: لم ينفرد بروايته عن عديّ، بل تابعه عليه تميم بن طرفة، كما في الروايتين الآتيتين. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣٠ / ٣٤٢ ]
المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٦/ ٣٨١٢ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٤٧٢٧.
وشرحه، وما يتعلّق به من بقية المسائل، تقدمت في الباب الماضي، واستدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- به على ما ترجم له واضحٌ في قوله: "فليأت الذي هو خير، وليُكفّر عن يمينه"، فقدّم الحنث على التكفير، وهذا مما لا خلاف في جوازه، كما تقدّم بيانه في الباب الماضي.
وقال السنديّ: قوله: "فليأت الذي هو خير" ظاهر كلام المصنّف يدلّ على أنه أخذ التقديم من التقديم اللفظيّ فقط، وقد عرفت أنه لا دلالة له على التقديم المعنويّ. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل دلالته على جواز التقديم واضحة، كما تقدّم وجهه، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨١٣ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ (^٢) أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَدَعْ يَمِينَهُ، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْهَا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. "هنّاد بن السّريّ": أبو السّرّيّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. و"أبو بكر بن عيّاش": هو الأسديّ المقرئ الكوفيّ الحنّاط، مشهور بكنيته، والصحيح أنها اسمه، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ٩٨/ ١٢٧. و"عبد العزيز بن رُفيع": هو أبو عبد اللَّه المكيّ، نزيل الكوفة [٤] ١٩٠/ ٢٩٩٧. و"تميم بن طَرَفَة" - بفتحات-: هو المُسْلِيُّ الكوفيّ، ثقة [٣] ٢٨/ ٨١٦.
وحديث عديّ - ﵁ - هذا فيه قصّة، ساقها مسلم في "صحيحه" -١٦٥١ - من طريق جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن تميم بن طرفة، قال: جاء سائل إلى عدي بن حاتم، فسأله نفقة، في ثمن خادم، أو في بعض ثمن خادم، فقال: ليس عندي ما أعطيك، إلا دِرْعِي ومغفري، فأكتب إلى أهلي أن يعطوكها، قال: فلم يرض، فغضب عدي، فقال: أما واللَّه لا أعطيك شيئًا، ثم إن الرجل رضي، فقال: أما واللَّه، لولا أني سمعت رسول اللَّه - ﷺ -، يقول: "من حلف على يمين، ثم رأى أتقى للَّه منها، فليأت التقوى"، ما حَنَّثْتُ يميني.
_________________
(١) "شرح السنديّ" ٧/ ١١.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا أبو بكر".
[ ٣٠ / ٣٤٣ ]
وأخرجه-١٦٥١ - من طريق سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة، قال: سمعت عدي بن حاتم، وأتاه رجل، يسأله مائة درهم، فقال: تسألني مائة درهم، وأنا ابن حاتم، واللَّه لا أعطيك، ثم قال: لولا أني سمعت رسول اللَّه - ﷺ -، يقول: "من حلف على يمين، ثم رأى خيرا منها، فليأت الذي هو خير".
وفي رواية: أن رجلًا سأله، فذكر مثله، وزاد: ولك أربعمائة في عطائي.
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وغضب عديّ - ﵁ - في الحديث الأول ويمينه سببهما أن الرجل المسائل لم يرضَ بالدرع والمِغفر، مع أنه لم يكن عنده غيرهما، ويمينه في الحديث الثاني، وما يُفهم منه من غضبه فيه سببه فيما يظهر من مساق الحديث أن عديّا استقلّ ما سُئل منه، ألا ترى قوله: تسألني مائة درهم، وأنا ابن حاتم؟ فكأنه قال: تسألني هذا الشيء اليسير، وأنا من عُرفتُ؟ أي نحنُ معروفون ببذل الكثير، فهذا غير السبب الأول. هذا ظاهر الحديث، غير أن القاضي عياضًا قال: معنى قوله عندي: وأنا ابن حاتم: أي عُرفتُ بالجود، وورِثته، ولا يُمكنني ردّ سائل إلا لعذر، وقد سأله ويعلم أنه ليس عنده ما يُعطيه، فكأنه أراد أن يُبَخِّله، فلذلك قال: واللَّه لا أعطيك، إذ لم يعذره.
قال القرطبيّ: وهذا المعنى إنما يليق بالحديث الأول، لا بالثاني، فتأمّلهما. وفيه من الفقه أن اليمين في الغضب لازمة، كما تقدّم. انتهى كلام القرطبيّ (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم شرح الحديث، مستوفًى في الباب الماضي، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عديّ بن حاتم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٦/ ٣٨١٢ و٣٨١٣ و٣٨١٤ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٤٧٢٧ و٤٧٢٨ و٤٧٢٩. وأخرجه (م) في "الأيمان والنذور" ١٦٥١ (ق) في "الكفّارات" ٢١٠٨ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٧٧٨٧ و١٧٧٩٣ و١٧٨٠١ و١٧٨٠٩ و١٨٨٩٠ (الدارمي) في "النذور والأيمان" ٢٣٤٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٦٣٢ - ٦٣٣. "كتاب النذور والأيمان".
[ ٣٠ / ٣٤٤ ]
٣٨١٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ تَمِيمَ بْنَ طَرَفَةَ، يُحَدِّثُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ - اللَّهِ ﷺ -: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيَتْرُكْ يَمِينَهُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو أبو بُرَيد -براء، مصغرًا - الْجَرميّ البصريّ، وثّقه المصنّف، وابن حبّان. والسند مسلسل بالبصريين.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه مستوفًى قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨١٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزَّعْرَاءِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ ابْنَ عَمٍّ لِي، أَتَيْتُهُ أَسْأَلُهُ، فَلَا يُعْطِينِي، وَلَا يَصِلُنِي، ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَيَّ، فَيَأْتِينِي، فَيَسْأَلُنِي، وَقَدْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أُعْطِيَهُ، وَلَا أَصِلَهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَأُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِي).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن منصور) الْخُزَاعيّ الْجَوّاز المكيّ، وهو ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١، من أفراد المصنّف.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨] ١/ ١.
٣ - (أبو الزعْرَاء) -بفتح الزاي، وسكون العين المهملة- عمرو بن عمرو، أو ابن عامر ابن مالك بن نَضْلَة الجُشَميّ -بضمّ الجيم، وفتح الشين المعجمة- الكوفيّ، ثقة [٦].
قال البخاريّ: عمرو بن عمرو، أبو الزعراء. وقال الثوريّ. عمرو بن عامر. قال أحمد: وعمرو بن عمرو أصحّ وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخٌ ثقة. وقال ابن معين: أبو الزعراء عمرو بن عمرو ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات". ووثقه العجليّ، والنسائيّ في "الكنى". وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة. قال ابن عُيينة: بقي بعد أبي إسحاق. روى له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، وأبو داود، وابن ماجه. وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا ١٦/ ١٣٨٥ وحديث عبد اللَّه بن مسعود - ﵁٢٧/ ٤١٣٤ -: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".
٤ - (أبو الأحوص) عوف بن مالك بن نَضْلَة الجُشَميّ الكوفيّ، ثقة مشهور بكنيته [٣] ٥٠/ ٨٤٩.
[ ٣٠ / ٣٤٥ ]
٥ - (أبوه) مالك بن نَضْلَة، ويقال: مالك بن عوف بن نَضلة بن خَدِيج بن حَبيب بن حُدَير ابن غَنْم بن كعب بن عُصيمة بن جُشَم بن معاوية بن بكر بن هوازن الجُشَميّ صحابيّ قليل الحديث. روى عن النبيّ - ﷺ -، وروى عنه ابنه أبو الأحوص. روى له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب أربعة أحاديث: هذا الباب، وفي "كتاب الزينة" رقم -٥٤/ ٥٢٥٠ و٥٢٥١ و٨٢/ ٥٣٢١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فإنه مكي، وسفيان، وإن كان مكيا، إلا أنه كوفي الأصل. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له في السنن إلا خمسة أحاديث: حديثُ الباب عند المصنّف، وابن ماجه، وحديثُ "أتيت النبيّ - ﷺ - في ثوب دُونٍ … " الحديث عند المصنف، وأبي داود، وحديثُ "الأيدي ثلاثة … " الحديث عند أبي داود، وحديثُ "قلت: يا رسول اللَّه الرجل أمرّ به فلا يقربني … " الحديث عند الترمذيّ، وحديثُ "أتيت النبي - ﷺ - فصعّد بي البصر … " الحديث عند المصنف في "التفسير" من "الكبرى". واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ) عوف بن مالك الْجُشَميّ (عَنْ أَبيهِ) مالك بن نَضْلَة الْجُشميّ - ﵁ -، أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيتَ) أي أخبرني (ابْنَ عَمٍّ لِي) أي حكمًا يتعلّق بابن عمّ لي (أَتَيْتُهُ) بلفظ الماضي، وفي نسخة: "آتيه" بلفظ المضارع (أَسْأَلُهُ) أي حال كوني سائلًا إياه في قضاء حاجتي (فَلَا يُعْطِينِي) ما سألته (وَلَا يَصِلُنِي) بفتح أوله، وكسر ثانيه: مضار وَصَله، يقال: وَصَلَه وَصْلًا، وصِلَةً، من باب وَعَدَ: ضدّ هَجَرَه، وواصله مواصلة، ووصالًا، من باب قاتل، مثله. أفاده في "المصباح". وقال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: قد تكرّر في الحديث ذكر صلة الرحم، وهي كنايةٌ عن "الإحسان إلى الأقربين، من ذوي النسب والأصهار، والتّعطّف عليهم، والرِّفق بهم، والرِّعاية لأحوالهم، وكذلك إن بَعُدُوا، أو أساءوا، وقطع الرحم ضدّ ذلك كلّه، يقال: وصَلَ رَحِمَه يَصِلُها وَصْلًا، وصِلَةً، والهاء فيها عِوضٌ من الواو المحذوفة، فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصِّهْر. انتهى (^١).
(ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَيَّ فَيَأْتِينِي فَيَسْأَلُنِي، وَقَدْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ) أي لإساءته بحرمانه مما سأله (فَأَمَرَنِي) أي النبيّ - ﷺ - (أَنْ آتِيَ) مضارع أتى ثلاثيًا: أي أفعل (الَّذِي هُوَ
_________________
(١) "النهاية" ٥/ ١٩١ - ١٩٢.
[ ٣٠ / ٣٤٦ ]
خَيرٌ) أي الذي هو إعطاء ابن عمّه ما سأل، ووصله إياه (وَأُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِي) هذا محلّ الترجمة، فإنه يدلّ على تأخير الكفّارة عن الحنث، وتقدّم وجهه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث مالك بن نَضْلَة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٦/ ٣٨١٥ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٤٧٣٠. وأخرجه (ق) في "الكفّارات" ٢١٠٩ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٧٧٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة الكفّارة بعد الحنث، وتقدّم بيانه مستوفًى. (ومنها): وجوب الحنث على من حلف أن لا يصل رحمه. (ومنها): الحثّ على مقابلة الإساءة بالإحسان، فلا ينبغي للعبد إذا عامله أحدٌ بالسوء أن يجازيه بمثلها، بل يأخذ بالعفو، كما قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨١٦ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَنْصُورٌ، وَيُونُسُ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: "إِذَا آلَيْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في الباب الماضي -١٥/ ٣٨٠٩ - وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
و"زياد بن أيوب": هو المعروف بدَلّويه البغداديّ، الذي لقّبه أحمد بشعبة الصغير. و"هُشيم": وابن بَشِير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ. و"منصور": هو ابن زاذان الثقفيّ الواسطيّ. و"يونس": وابن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ.
وقوله: "آليت" بمد الهمزة، من الإيلاء: أي حلفت. وقوله: "على يمين": أي محلوف عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨١٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ
[ ٣٠ / ٣٤٧ ]
الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ: -يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -: "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى". وابن سعيد القطّان. و"ابن عون": هو عبد اللَّه بن عون بن أرطبان، أو عون البصريّ.
وقوله: "يعني رسول اللَّه - ﷺ -" الظاهر أن "يعني" ممن دون ابن عون، فإنها ليست في رواية البخاريّ، من رواية عثمان بن عمر، عن ابن عون. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفق عليه، وقد سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن قُدامة" بن أعين: هو الهاشميّ مولاهم المصِّيصيّ، ثقة [١٠] ١٩/ ٥٢٨. و" جرير": وابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر.
[تنبيه]: قال أبو بكر البزّار -رحمه اللَّه تعالى-: لم يرو منصور بن المعتمر، عن الحسن إلا هذا الحديث. أفاده في "الفتح" (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…