٣٨١٩ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "لَا نَذْرَ،
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٨١
[ ٣٠ / ٣٤٨ ]
وَلَا يَمِينَ فِيمَا لَا تَمْلِكُ، وَلَا فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا قَطِيعَةِ رَحِمٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إبراهيم بن محمد) التيميّ الْمَعْمَريّ، أبو إسحاق البصريّ، قاضيها، ثقة [١١] ٢٨/ ٥٥٠، والباقون تقدّموا قبل باب، وكذا ذكر اللطائف. و"يحيى": هو القطّان. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه (قال: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "لَا نَذْرَ، وَلَا يَمِينَ، فِيمَا لَا تَمْلِكُ) هكذا في بعض نسخ "المجتبى" بتاء المخاطب، وفي بعض النسخ: "فيما لا يملك" بياء الغائب، وهو الذي في "الكبرى".
يعني أنه لو نذر إنسان، أو حلف أن يتصدّق بشيء ليس في ملكه، لا يجب عليه الوفاء به، ولو دخل في ملكه بعد ذلك لم يجب عليه أن يتصدّق به (وَلَا فِي مَعْصِيَةٍ) وفي بعض نسخ "الكبرى": "ولا في معصية اللَّه". يعني أنه لو نذر شخصٌ أن يفعل شيئا من المعاصي، أو حلف عليه، فلا وفاء عليه بذلك، بل يجب عليه أن لا يفعل ذلك الشىء (وَلَا قَطِيعَةِ رَحِمٍ) من عطف الخاصّ على العامّ، فإن المعصية تعمّ قطيعة الرحم. والمعنى: أنه لو نذر، أو حلف أن يقطع رحمه، لا وفاء عليه بذلك، بل يجب عليه النكثُ، ووصل رحمه.
قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهره أنه لا ينعقد النذر واليمين في شيء من ذلك أصلًا، لكن مقتضى بعض الأحاديث أنه لا يلزم الوفاء بهما، بل يكونان سببين للكفّارة. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن الأحاديث في إيجاب الكفّارة في نذر المعصية، لا تصحّ، كما يأتي البحث عنها، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٧/ ٣٨١٩ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٤٧٣٤. وأخرجه (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٧٣ و٣٢٧٤ (ق) في "الكفّارات" ٢١١١ (أحمد) في "مسند المكثرين"
[ ٣٠ / ٣٤٩ ]
٦٦٩٣ و٦٧٤١ و٦٨٩٣ و٦٩٥١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم اليمين فيما لا يملكه الإنسان، وهو أنه لا يلزمه الوفاء به. (ومنها): أن من نذر بشيء لا يملكه لا يلزمه الوفاء به أيضًا. (ومنها): أنه لا يجوز الحلف، ولا النذر بالمعصية، فلو فعل وجب عليه أن لا يفعله. (ومنها): أنه لو حلف، أو نذر أن يقطع رحمه حرم عليه ذلك، ووجب عليه الوصل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): أنه استُدلّ بهذا الحديث على صحّة النذر في المباح؛ لأن فيه نفي النذر في المعصية، فبقي ما عداه ثابتًا. واحتجّ من قال: إنه يُشرع في المباح بما أخرجه أبو داود، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وأخرجه أحمد، والترمذيّ من حديث بُريدة - ﵁ -: أن امرأةً قالت: يا رسول اللَّه، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدّفّ، فقال: "أوف بنذرك"، وزاد في حديث بُريدة أن ذلك وقت خروجه في غزوة، فنذرت إن ردّه اللَّه تعالى سالمًا. قال البيهقيّ: يُشبه أن يكون أذن لها في ذلك لما فيه من إظهار الفرح بالسلامة، ولا يلزم من ذلك القول بانعقاد النذر به، ويدلّ على أن النذر لا ينعقد في المباح ما أخرجه البخاريّ -٦٧٠٤ - من حديث ابن عبّاس - ﵄ -، قال: بينا النبيّ - ﵁ - يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي - ﷺ -: "مره، فليتكلم، وليستظلَّ، وليقعد، ولْيُتِمَّ صومه".
فقد أمر - ﷺ - هذا الناذر بأن يقوم، ولا يقعد، ولا يتكلّم، ولا يستظلّ، ويصوم، ولا يُفطر بأن يتمّ صومه، ويتكلّم، ويستظلّ، ويقعد، فأمره بفعل الطاعة، وأسقط عنه المباح.
وأصرح من ذلك ما أخرجه أحمد من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أيضًا: "إنما النذر ما يُبتغى به وجه اللَّه".
والجواب عن قصّة التي نذرت الضرب بالدّفّ ما أشار إليه البيهقيّ، ويمكن أن يقال: إن من قسم المباح ما قد يصير بالقصد مندوبًا، كالنوم في القائلة؛ للتقّوِّي على قيام الليل، وأكلة السحر للتقوّي على صيام النهار، فيمكن أن يقال: إن إظهار الفرح بعود النبيّ - ﷺ - سالمًا معنًى مقصودٌ يحصل به الثواب.
وقد اختُلف في جواز الضرب بالدفّ في غير النكاح، والختان، ورجّح الرافعيّ في "المحرّر"، وتبعه في "المنهاج" الإباحة، والحديث حجةٌ في ذلك. وحمل بعضهم إذنه
[ ٣٠ / ٣٥٠ ]
لها في الضرب بالدفّ على أصل الإباحة، لا على خصوص الوفاء بالنذر، كما تقدّم، ويُشكل عليه أن في رواية أحمد في حديث بُريدة: "إن كنتِ نذرت، فاضربي، وإلا فلا". وزعم بعضهم أن معنى قولها: "نذرتُ": حلفتُ، والإذن فيه البرّ بفعل المباح، ويؤيّد ذلك أن في آخر الحديث: "أن عمر - ﵁ - دخل، فتركت، فقال النبيّ - ﷺ -: "إن الشيطان ليخاف منك يا عمر"، فلو كان ذلك مما يُتقرّب به ما قال ذلك. لكن هذا بعينه يُشكل على أنه مباح لكونه نسبه إلى الشيطان. ويجاب بأن النبيّ - ﷺ - اطّلع على أن الشيطان حضر لمحبّته في سماع ذلك؛ لما يرجوه من تمكّنه من الفتنة به، فلَمّا حضر عمر فرّ منه؛ لعلمه بمبادرته إلى إنكار مثل ذلك، أو أن الشيطان لم يحضُر أصلًا، وإنما ذُكِر مثالًا لصورة ما صدر من المرأة المذكورة، وهي إنما شرعت في شيء أصله من اللهو، فلما دخل عمر - ﵁ - خشيت من مبادرته لكونه لم يَعلَم بخصوص النذر، أو اليمين الذي صدر منها، فشبّه النبيّ - ﷺ - حالها بحالة الشيطان الذي يخاف من حضور عمر - ﵁ -، والشيء بالشيء يُذكر.
ويقرب من قصّتها قصّة القينتين اللتين كانتا تُغنّيان عند النبيّ - ﷺ - في يوم عيد، فأنكر أبو بكر عليهما، وقال: أبمزمور الشيطان عند النبيّ - ﷺ -، فأعلمه النبيّ - ﷺ - بإباحة مثل ذلك في يوم عيد. أفاده في "الفتح" (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…