قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن أبا معاوية رواه عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي برْزَة، وخالفه يعلى بن عُبيد، فرواه عن الأعمش، عن أبي الْبَخْتَريّ، عن أبي برزة، وتابعه عليه أبو عوانة.
والذي يظهر لي أن هذا الاختلاف، لا يضرّ؛ لإمكان حمله على أن الأعمش رواه عن كلّ من سالم بن أبي الجعد، وأبي البَخْتَريّ.
وكان الأصل ترجيح رواية أبي معاوية على رواية يعلى وأبي عوانة؛ لأنه هو المقدّم من أصحاب الأعمش في الأعمش بعد سفيان الثوريّ، لكن اتفاقهما يقوّي حفظهما للحديث، فيكون الحديث ثابتًا بالطريقين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[ ٣٢ / ٢٩ ]
٤٠٧٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: تَغَيَّظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ، فَقُلْتُ مَنْ هُوَ؟ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لأَضْرِبَ عُنُقَهُ، إِنْ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ، قَالَ: أَفَكُنْتَ فَاعِلًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ، لأَذْهَبَ عِظَمُ كَلِمَتِي الَّتِي قُلْتُ غَضَبَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَ لأَحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"محمد بن العلاء": هو أبو كُريب الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الأئمة الستّة، ثقة حافظ [١٠] ٩٥/ ١١٧.
و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير. و"عمرو بن مُرّة": هو الْجَمَليّ المراديّ الكوفيّ، ثقة عابد [٥] ١٧١/ ٢٦٥. و"سالم بن أبي الجعد رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [٣] ٦١/ ٧٧.
وقوله: "فواللَّه لأذهب الخ" هذا من قول أبي برزة - رضي اللَّه تعالى عنه -، أي أن كلامي قد عظُم عند أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - حتى زال بسبب عظمته غضبه.
وقوله: ثُمّ قال الخ" أي ثم قال أبو بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد أن ذهب غضبه بسبب كلامي الذي عظُمَ عنده.
والحديث صحيح، وقد سبق شرحه وما يتعلّق به من المسائل في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٧٥ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ مُتَغَيِّظٌ عَلَى رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، مَنْ هَذَا الَّذِي تَغَيَّظُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: وَلِمَ تَسْأَلُ؟ قُلْتُ: أَضْرِبُ عُنُقَهُ، قَالَ: فَوَاللَّهِ، لأَذْهَبَ عِظَمُ كَلِمَتِي غَضَبَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَتْ لأَحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، أبي داود سليمان بن سيف الْحَرَّانيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦.
و"يعلى": هو ابن عُبيد بن أمية الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [٩] ١٠٥/ ١٤٠.
و"أبو الْبَخْتَريّ" بفتح الموحّدة، والمثنّاة، بينهما معجمة ساكنة-: سعيد بن فيروز الطائي مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت، فيه تشيّع قليل، كثير الإرسال [٣] ٣٤/ ٢٤٨٦.
والحديث صحيح، وقد سبق الكلام عليه في الباب الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ ٣٢ / ٣٠ ]
٤٠٧٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: تَغَيَّظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ: لَوْ أَمَرْتَنِي لَفَعَلْتُ، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ، مَا كَانَتْ لِبَشَرٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"يحيى بن حمّاد": هو الشيبانيّ البصريّ، خَتَنُ أبي عوانة، ثقة عابد، من صغار [٩] ٤٣/ ٢٢٢٥. و"أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد اللَّه اليَشْكُريّ الواسطيّ، ثقة ثبت [٧] ٤١/ ٤٦. و"سليمان": هو الأعمش المذكور قبله.
والحديث صحيح، سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٧٧ - (أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ الأَشْعَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: غَضِبَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ، غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، قُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرْتَنِي لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، فَكَأَنَّمَا صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ بَارِدٌ، فَذَهَبَ غَضَبُهُ عَنِ الرَّجُلِ، قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَبَا بَرْزَةَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ لأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ أَبُو نَصْرٍ، وَاسْمُهُ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، خَالَفَهُ شُعْبَةُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "معاوية بن صالح الأشعريّ": هو أبو عبيد اللَّه الدمشقيّ، صدوقٌ [١١] ٤٩/ ٢٧٢٥ من أفراد المصنّف.
و"عبد اللَّه بن جعفر": هو القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الرّقّيّ، ثقة، لكنه تغيّر بآخره، فلم يفحُش اختلاطه [١٠] ١٧٧/ ٢٨٠.
و"عبيد اللَّه": هو ابن عمرو الرّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقة فقيه، ربّما وَهِمَ [٨] ١٧٧/ ٢٨٠.
و"زيد": هو ابن أبي أُنيسة واسمه زيد الجزَريّ، أبو أسامة، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقة، له أفراد [٦] ١٩١/ ٣٠٦.
وقوله: "عن أبي نضرة" خطأٌ، والصواب: "عن أبي نصر"، كما بيّنه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، حيث قال (قال أبو عبد الرحمن) النسائيّ -﵀ تَعَالَي- (هذا خطأ) أي قوله: "عن أبي نضرة" -بالضاد المعجمة، وآخره تاء التأنيث- خطأ (والصَّوَابُ أَبُو نَصْر) بالصاد المهملة، بدون تاء التأنيث (وَاسْمُهُ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ البصريّ، ثقة عالمٌ، توقّف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان [٣] ٤/ ٤.
وإنما حكم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بالخطإ على هذا السند؛ لمخالفة شعبة، لزيد
[ ٣٢ / ٣١ ]
ابن أبي أُنيسة وهو أحفظ منه، وأتقن، فرواه عن عمرو بن مرّة، عن أبي نصر، وتؤيّده رواية يونس بن عبيد، حيث قال: "عن حُميد بن هلال"، وهو اسم أبي نصر.
والحديث صحيح بالطرق الماضية، والآتية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم أشار -رحمه اللَّه تعالى- إلى صواب الرواية" فقال (خَالَفَهُ شُعْبَةُ) أي خالف زيد بن أبي أُنيسة في روايته عن عمرو بن مرّة، قائلًا عن أبي نضرة بالضاد المعجمة، وهاء التأنيث، شعبةُ بْنُ الحجّاج، فرواه عن عمرو، وقال: "عن أبي نصر" بالصاد المهملة، بدون التاء، كما بيّنه بقوله:
٤٠٧٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَصْرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ أَغْلَظَ لِرَجُلٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ، فَانْتَهَرَنِي، فَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو نَصْرٍ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، وَرَوَاهُ عَنْهُ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، فَأَسْنَدَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو داود": هو سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ، غلِطَ في أحاديث [٩] ١٣/ ٣٤٣.
وقوله: "يُحدّث عن أبي برزة الخ" ظاهره يدلّ على أنه رواه عنه مباشرة، وليس كذلك؛ لما سيأتي أن بينهما واسطة، وهو عبد اللَّه بن مطرف بن الشخير، كما سيبينه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في كلامه الآتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى، وعليه فيكون معنى قول عمرو بن مرّة: "سمعت أبا نصر يُحدّث عن أبي برزة" سمعته يحدّث عن حديث أبي برزة، ولا يستلزم هذا أن يسمع من أبي برزة، كما لا يخفى. والحديث صحيح، كما سبق بيانه.
وقوله (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: أَبُو نَصْرٍ: حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) بيّن به أن أبا نصر الذي روى عنه عمرو بن مرّة في هذا الإسناد هو حُميد بن هلال الذي روى عنه يونس بن عُبيد في السند التالي.
وقوله (وَرَوَاهُ عَنْهُ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ فَأَسْنَدَهُ) أشار به أن يونس بن عُبيد خالف عمرو بن مرّة في هذا الإسناد، وذلك أن عمرًا رواه منقطعًا، حيث لم يذكر الواسطة بين حميد بن هلال، وأبي برزة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وخالفه يونس بن عُبيد، فأسنده، أي رواه متّصلًا بذكر الواسطة بين حميد بن هلال، وأبي برزة الأسلميّ، وهو عبد اللَّه بن مطرّف ابن الشخّير. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣٢ / ٣٢ ]
[تنبيه]: أراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بقوله: "فأسنده" الإسنادَ بمعنى الاتصال، وهو إطلاقٌ صحيح.
وقد اختلف العلماء في معنى المسند، على أقوال، ذكرها في "التقريب"، مع شرحه "التدريب" فقال: قال الخطيب أبو بكر البغداديّ في "الكفاية": المسند عند أهل الحديث ما اتّصل سنده، من راويه إلى منتهاه، فشمل المرفوع، والموقوف، والمقطوع، وتبعه ابن الصبّاغ في "الْعُدّة"، والمراد اتّصال السند ظاهرًا، فيدخل ما فيه انقطاع خفيّ، كعنعنة المدلّس، والمعاصر الذي لم يثبت لُقيّه؛ لإطباق من خرّج المسانيد على ذلك. قال النوويّ كابن الصلاح: ولكن أكثر ما يُستعمل فيما جاء عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - دون غيره.
وقال ابن عبد البرّ في "التمهيد": هو ما جاء عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - خاصة، متّصلًا كان، كما لك، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، أو منقطعًا، كمالك، عن الزهريّ، عن ابن عبّاس، عن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، قال: فهذا مسندٌ؛ لأنه قد أُسند إلى رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهو منقطعٌ؛ لأن الزهريّ لم يسمع من ابن عبّاس. وعلى هذا القول يستوي المسند والمرفوع. وقال الحافظ: يلزم عليه أن يصدُق على المرسل، والمعضل، والمنقطع، إذا كان مرفوعًا، ولا قائل به.
وقال الحاكم وغيره: لا يُستعمل إلا في المرفوع المتّصل، بخلاف الموقوف، والمرسل، والمعضل، والمدلَّس. وحكاه ابن عبد البرّ عن قوم من أهل الحديث، وهو الأصحّ، وليس ببعيد من كلام الخطيب، وبه جزم الحافظ في "النخبة"، فيكون أخصّ من المرفوع. قال الحاكم: من شرط المسند أن لا يكون في إسناده أُخبِرتُ عن فلان، ولا حُدثتُ عن فلان، ولا بلغني عن فلان، ولا أظنّه مرفوعًا، ولا رفعه فلان. انتهى ما في "التقريب" مع "التدريب" بتصرّف يسير (^١).
وإلى هذه الأقوال أشار السيوطيّ في "ألفيّة الأثر" بقوله:
الْمُسْنَدُ الْمَرْفُوعُ ذَا اتِّصَالِ … وَقِيلَ أَوَّلٌ وَقِيلَ التَّالِي
ثم ساق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية يونس بن عُبيد التي أشار إليها، فقال:
٤٠٧٩ - (أَخْبَرَنِي أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِي
_________________
(١) "التقريب" مع "التدريب" ١/ ١٨٢ - ١٨٣.
[ ٣٢ / ٣٣ ]
بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَغَضِبَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِ جِدًّا، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، قُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَلَمَّا ذَكَرْتُ الْقَتْلَ، أَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَجْمَعَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، مِنَ النَّحْوِ، فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا، أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَرْزَةَ، مَا قُلْتَ؟، وَنَسِيتُ الَّذِي قُلْتُ، قُلْتُ: ذَكِّرْنِيهِ، قَالَ: أَمَا تَذْكُرُ مَا قُلْتَ؟، قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ حِينَ رَأَيْتَنِي غَضِبْتُ عَلَى رَجُلٍ، فَقُلْتَ: أَضْرِبُ عُنُقَهُ، يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، أَمَا تَذْكُرُ ذَلِكَ؟، أَوَكُنْتَ فَاعِلًا ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَاللَّهِ، وَالآنَ إِنْ أَمَرْتَنِي فَعَلْتُ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا هِيَ لأَحَدٍ، بَعْدَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا الْحَدِيثُ أَحْسَنُ الأَحَادِيثِ، وَأَجْوَدُهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، أبي داود، سليمان بن سيف الحرّانيّ، وهو ثقة، وقد تقدّم قبل ثلاثة أحاديث.
و"عفّان": هو ابن مسلم الصفّار البصريّ الثقة الثبت، من كبار [١٠] ٢١/ ٤٢٧.
و"يزيد بن زُيع": هو أبو معاوية البصريّ، كان يُقال له: ريحانة البصرة ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. و"يونس بن عُبيد": هو العبديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضلٌ ورعٌ [٥] ٨٨/ ١٠٩.
و"عبد اللَّه بن مُطرِّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير" بكسر المعجمة، وتشديد الخاء المعجمة، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم راء- العامريّ، أبو جَزْء بفتح الجيم، وسكون الزاي، بعدها همزة- البصريّ، صدوقٌ [٣].
روى عن أبي برزة. وعنه حُميد بن هلال، وكاتبه عطيّة السّرّاج. وقتادة. مات قبل أبيه. ذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط. وقوله: "أضرب عن ذلك الحديث": أي أعرض عنه، يقال: ضربت عن الأمر، وأضربت بالألف: أعرضت تركًا، أو إهمالًا. قاله الفيّوميّ.
وقوله: "أجمع" توكيد لـ "ذلك الحديث". قال الفيّوميّ: وجاءوا بأجمعِهم بفتح الميم، وقد تُضمّ، حكاه ابن السِّكيت، وقبضتُ المال أجمعهُ، وجميعه، فتؤكّد به كلّ ما يصحّ افتراقه حِسًّا، أو حُكمًا. انتهى. وقوله: "إلى غير ذلك" متعلّق بحال محذوف، أي حال كونه منتقلًا إلى غير ذلك الحديث. وقوله: "من النحو": قال في "القاموس": النحو أي بفتح، فسكون-: الطريق، والجِهة، جمعه أنحاء، ونُحُو. انتهى. والمعنى هنا أنه أعرض عن ذلك الكلام الذي غضب من أجله، منتقلًا إلى غير ذلك من جهة الكلام.
وقوله: "أو كنت فاعلًا" بفتح الواو، لا بسكونها: هي همزة الاستفهام، وواو العطف.
[ ٣٢ / ٣٤ ]
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث أحسن الأحاديث، وأجودها". الظاهر أنه أراد به أن الحديث بسند يونس بن عُبيد أجود منه بإسنادي عمرو بن مرّة، فإن رواية زيد بن أبي أُنيسة فيها غلط، وذلك قوله: "عن أبي نضرة"؛ لأن الصواب "عن أبي نصر"، ورواية شعبة عنه فيها انقطاع؛ لأنه لم يذكر عبد اللَّه بن مطرّف، وأما رواية يونس بن عُبيد فخالية عما ذُكر كلّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…