قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هو -بكسر السين، وسكون الحاء المهملتين- قال ابن فارس: هو إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخدِيعة، وسحره بكلامه يسحرُهُ، بفتح عين المضارع فيهما: استماله برقّته، وحسن تركيبه. وقال الفخر الرازيّ: ولفظ السحر في عرف الشرع مُختصّ بكلّ أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويَجري مَجرَى التمويه والخِدَاع، قال اللَّه تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وإذا أُطلق ذُمَّ فاعله، وقد يُستعمل مقيّدًا فيما يُمدَح، ويُحمَد، نحو قوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "إن من البيان لسحرا"، رواه البخاريّ، أي إن بعض البيان سحرٌ؛ لأن صاحبه يُوضّح الشيء المشكل، ويكشِف عن حقيقته بحسن بيانه، فيَستميل القلوب، كما تُستَمالُ بالسحر. وقال بعضهم: لما كان في البيان من إبداع التركيب، وغرابة التأليف ما يجذِب السامع، ويُخرجه إلى حدّ يكاد يشغله عن غيره شُبِّه بالسحر الحقيقي، وقيل: هو السحر الحلال. قاله الفيّوميّ (^١). وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسائل الآتية آخر الباب، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٨٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، قَالَ: قَالَ يَهُوديٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ نَبِيٌّ، لَوْ سَمِعَكَ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ، فَأَتَيَا رَسُولَ
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
[ ٣٢ / ٣٥ ]
اللَّهِ - ﷺ -، وَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، فَقَالَ لَهُمْ: «لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِىءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا الْمُحْصَنَةَ، وَلَا تَوَلَّوْا يَوْمَ الزَّحْفِ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً يَهُودُ، أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ»، فَقَبَّلُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ، قَالَ: «فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟»، قَالُوا: إِنَّ دَاوُدَ، دَعَا بِأَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ وَإِنَّا نَخَافُ إِنِ اتَّبَعْنَاكَ، أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ).
رجال هذا الإسداد: ستة:
١ - (محمد بن العلاء) الهمدانيّ، أبو كريب الكوفيّ، ثقة ثبت [١٠] ٩٥/ ١١٧.
٢ - (ابن إدريس) هو عبد اللَّه الأوديّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٨] ٨٥/ ١٠٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج المذكور قريبًا.
٤ - (عمرو بن مرّة) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقة عابد، ورمي بالإرجاء [٥] ١٧١/ ٢٦٥.
٥ - (عبد اللَّه بن سلمة) بكسر اللام -المراديّ الكوفيّ، صدوقٌ، تغيّر حفظه [٢] ١٧١/ ٢٦٥.
٦ - (صفوان بن عسّال) -بفتح العين وتشديد السين المهملتين- المراديّ الصحابيّ المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه -، نزل الكوفة، وتقدم في "كتاب الطهارة" ٩٨/ ١٢٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد اللَّه بن سَلِمة، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شعبة، فإنه بصريّ. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبهِ) أي ليهودي مثله (اذْهَبْ بِنَا) الباء للمصاحبة، أو التعدية. قاله السنديّ (إِلَى هَذَا النَّبِيِّ) يريد نبينا محمدًا - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (قال لهُ صاحِبُهُ) اليهودي (لَا تَقُلْ: نَبِيٌّ، لَوْ سَمِعَكَ) أي لو سمع قولك: إلى هذا النبيّ، وظهر له أنك تعتقده نبيًّا (كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنِ) كناية عن زيادة الفرح، وفرط السرور؛ إذ الفرح يوجب قوّة الأعضاء، وتضاعفُ
[ ٣٢ / ٣٦ ]
القُوَى يشبه تضاعف الأعضاء الحاملة لها (فَأَتَيَا رَسُول اللَّهِ - ﷺ -، وَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ) جمع آية، وهي العلامة الظاهرة، تُستعمل في المحسوسات، كعلامة الطريق، وغيرها، كالحكم الواضح، والمراد بها في الحديث: إِما المعجزات التسع، كما هو المراد في قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢]، وعلى هذا فالجواب في الحديث متروك، ترك ذكره الراوي، وقوله: "لا تُشركوا باللَّه شيئًا الخ" كلام مستأنف، ذُكر عقب الجواب. وإمّا الأحكام العامّة الشاملة للملل كلها، كما جُوّز ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ الآية [الإسراء: ١٠١]، وعلى هذا فالمذكور في الحديث هو الجواب، لكن زيد فيه ذِكْرُ: "وعليكم خاصّةً يهود الخ"؛ لزيادة الإفادة. قاله السنديّ (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد وقع التصريح في رواية أحمد بأن هذه الآيات التسع هي المذكورة في هذا الحديث، ولفظه من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة: "قال يهوديّ لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبيّ حتى نسأله عن هذه الآيات: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] " الحديث. فهذا صريح في كون المراد بها ما في الآية.
وقال الإمام ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره" بعد إيراد حديث الباب: ما نصّه: وهو حديث مشكل، وعبد اللَّه بن سَلِمَة في حفظه شيء، وقد تكلّموا فيه، ولعلّه اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة، لا تعلّق لها بقيام الحجة على فرعون. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن كثير (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر أن قوله في هذا الحديث: "عن تسع آيات" خطأ أخطأ فيه عبد اللَّه بن سلمة لسوء حفظه، فلعلّه اشتبه عليه عشر كلمات بتسع آيات كما قاله ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- آنفًا، فالظاهر أنهما سألاه عن عشر كلمات، وهي التي ذُكرت في الحديث، وعاشرها قوله: "وعليكم خاصّةً يهود الخ".
وأما التسع الآيات المذكورة في الآيتين الكريمتين، وهي التي أوتيها موسى ﵇ فغير العشر الكلمات التي ذُكرت في هذا الحديث، وهي أيضًا مذكورة في التوراة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وقال ابن كثير أيضًا في بيان المراد بتسع آيات في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآية [الإسراء: ١٠١]: ما حاصله: وهي العصا، واليد، والسنين، والبحر، والطوفان، والجراد، والقُمّل، والضفادع، والدم آيات مفصّلات. قاله ابن
_________________
(١) "شرح السنديّ" ٧/ ١١١.
(٢) "تفسير بن كثير" ٣/ ٧٠ - ٧١. "تفسير سورة الإسراء".
[ ٣٢ / ٣٧ ]
عبّاس. وقال محمد بن كعب: هي اليد، والعصا، والخمس في "الأعراف"، والطمس، والحجر. وقال ابن عبّاس أيضًا، ومجاهد، وعكرمة، والشعبيّ، وقتادة: هي يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وهذا القول ظاهر جلي، حسنٌ قويّ. وجعل الحسن البصريّ السنين ونقص الثمرات واحدة، وعنده التاسعة هي تلقّف العصا ما يأفكون. قال: فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة، هي المرادة ها هنا، وهي المعنيّة في قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ الآية [النمل: ١٢]. قال: وقد أوتي موسى - ﵇ - آيات أخر كثيرة، منها: ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه، ومنها تظليلهم بالغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك مما أوتيه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر ها هنا التسع آيات التي شاهدها فرعون وقومه، من أهل مصر، فكانت حجّة عليهم، فخالفوها، وعاندوها، كفرًا وجُحُودًا. انتهى المقصود من كلام ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-.
وقوله (بَيِّنَاتٍ) صفة لـ "آيات"، أي واضحة قاطعة على صحّة النبوة، وصدق الرسالة (فَقَالَ: لَهُمْ) النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، مجيبًا عن سؤالهم (لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا) نكره للتعميم، فالإشراك محرّم مطلقًا، سواء أشرك كثيرًا، أو قليلًا، كبيرًا، أو حقيرًا (وَلَا تَسْرقُوا) بفتح أوله، من باب ضرب (وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، إِلَّا بِالْحَقِّ) أي إلا إذا ارتكبت ما يوجب قتلها، كأن تقتل نفسًا بغير حقّ، أو تزني محصنة (وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ) الباء للتعدية (إِلَى ذِي سُلْطَانٍ) بضمّ، فسكون- يطلق على الشخص، وعلى الحجة والبرهان، وعلى الولاية، وهي المرادة هنا. قال الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: السلطان إذا أريد به الشخص مذكّرٌ، والسلطان: الحجة والبرهان، والسلطان: الولاية، والسلطنة، والتذكير أغلب عند الحُذّاق، وقد يؤنث، فيقال: قضتْ به السلطان: أي السَّلْطَنة. قاله ابن الأنباريّ، والزجّاج، وجماعةٌ. وقال أبو زيد: سمعتُ من أثق بفصاحته يقول: أتتنا سلْطَانٌ جائرة. والسُّلُطانُ بضمّ اللام للإتباع لُغةٌ، ولا نظير له. وقد يُطلق على الجمع، قال [من الرجز]:
عَرَفْتُ وَالْعَقْلُ مِنَ الْعِرْفَانِ … أَنَّ الْغِنَى قَدْ سُدَّ بِالْحِيطَانِ
إِنْ لَمْ يُغِثْنِي سَيِّدُ السُّلْطَانِ
أي سيّد السلاطين، وهو الخليفة. ويقال: إنه ها هنا جمع سَلِيطٍ، مثلُ رَغِيفٍ ورُغْفان. انتهى كلام الفيّوميّ.
والمعنى هنا: لا تتكلّموا بسوء فيمن ليس له ذنب عند ذي السلطنة، والحكم؛
[ ٣٢ / ٣٨ ]
ليقتله، أو يؤذيه (وَلَا تَسْحَرُوا) بفتح الحاء المهملة، من باب قطع-: أي لا تفعلوا السّحر (وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا) أي لا تتعاملوا بالربا، ولا تأخذوه (وَلَا تَقْذِفُوا) بكسر الذال المعجمة، من باب ضرب: أي لا ترموا بالزنا (الْمُحْصَنَةَ) بفتح الصاد المهملة، وكسرها -: أي المرأة العفيفة عن الزنا (وَلَا تَوَلَّوْا) -بفتح المثتاة الفوقية- أصله: تتولّوا، فحُذفت منه إحدى التاءين: أي لا تفرّوا (يَوْمَ الزَّحْفِ) بفتح الزاي، وسكون الحاء المهملة: أي يوم لقاء الجيش الكثير من العدوّ.
(وَعَليْكُمْ خَاصَّةَ يَهُودُ) بحذف حرف النداء: أي يا يهود (أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ) أي لا تتجاوزوا حد اللَّه تعالى فيه بالاصطياد (فَقَبَّلُوا يَدَيْه وَرِجْلَيْهِ) أي قتل اليهوديّان، ومن معهم يدي النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ورجليه، تعظيمًا، وإكرامًا له؛ لما ظهر لهم من دلائل نبوّته، وصدق رسالته (وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ، قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟) أي فإذا علمتم، وتحقّق لديكم نبوّتي، فما الذي يمنعكم أن تدخلوا في دين الإسلام الذي تبيّن جئت به (قَالُوا: إِنَّ دَاوُدَ) - ﵇ - (دَعَا بِأَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتَهِ نَبِيٌّ) أي فنحن ننتظر ذلك النبيّ، لنتبعه. وهذا من أكاذيبهم، وأباطيلهم، فإن داود - ﵇ - يعلم بما أُوحي إليه أن محمدًا - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم سيكون خاتم الأنبياء، ولا يكون معه، ولا بعده نبي، وهو ليس من ذرّيّته، فلا يمكن أن يدعو بما زعموه، وعلى تقدير ثبوت ذلك منه، يُحمل على أنه دعا أن تكون النبوّة في ذريته في الزمان الذي قبل نبيّنا - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -.
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا منهم تكذيب لقولهم: نشهد أنك نبيٌّ، وأنهم ما قالوه عن صدق اعتقاد، ضرورة أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - كان يدّعي ختم النبوّة به - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فالقول بأنه نبيّ يستلزم صدقه فيه، وانتظار نبيّ آخر ينافيه، فانظر إلى تناقضهم وكذبهم. انتهى.
(وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ اتَّبَعْنَاكَ، أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ) وهذا اعتذار آخر لتركهم الإيمان به صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهو أيضًا اعتذار باطل؛ لأنهم لو أسلموا لكانوا معه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ومع أصحابه - رضي اللَّه تعالى عنهم -، ولا تستطيع اليهود أن تقتلهم، كما لم يستطيعوا قتل عبد اللَّه بن سلام - رضي اللَّه تعالى عنه - حينما أسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث صفوان بن عسّال - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف، لسوء حفظ عبد اللَّه بن سَلِمة.
[ ٣٢ / ٣٩ ]
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٨/ ٤٠٨٠ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٣٥٤١. وأخرجه (ت) في "الاستئذان" ٢٧٣٣ و"التفسير" ٣١٤٤ (ق) في "الأدب" ٣٧٠٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: زاد في "الكبرى" بعد إخراج هذا الحديث: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: وهذا حديث منكر. قال أبو عبد الرحمن: حُكي عن شعبة قال: سألت عمرو بن مرّة، عن عبد اللَّه بن سلِمة؟ فقال: تعرِف، وتُنكر. قال أبو عبد الرحمن: وعبد اللَّه بن سلمة الأفطس متروك الحديث. قال أبو عبد الرحمن: كان هذا الأفطس يطلُبُ الحديث مع يحيى بن سعيد القطّان، وكان من أسنانه. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عبد اللَّه بن سَلِمَة الأفطس هذا ليس من رجال الكتب الستّة، وإنما ذكره المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- تمييزًا بينه وبين عبد اللَّه بن سَلِمَة المذكور في هذا السند، وقد أشار للفرق بينهما بشيئين:
[أحدهما]: أن الذي في السند تعرِف، وتُنكِر، وأما الأفطس، فمترك الحديث.
[والثاني]: أن الذي في السند متقدّم يروي عن صفوان بن عسّال، وغيره من الصحابة، والأفطس متأخّر، كان من أقران يحيى القطّان، وزملائه في طلب الحديث. ثم هذا الذي قاله المصنّف من تضعيف الأفطس، قاله غيره، فقال يحيى القطّان: ليس بثقة. وقال الفلّاس: كان وقّاعًا في الناس. وقال أحمد: ترك الناس حديثه، كان يجلس إلى أزهر، فيُحدّث أزهر، فيكتب على الأرض: كذب، كذب، وكان خبيث اللسان. وقال ابن المدينيّ: ذهب حديثه. وقال الفلّاس: سمعته يقول: حدّثني موسى ابن عُقبة، فذكرته ليحيى بن سعيد، فقال: لم يسمع منه، قدِم معنا المدينةَ، وقد مات موسى قبل ذلك. قال الفلاّس: وهو متروك الحديث. وقال أبو حاتم: متروك. وقال الساجيّ: كان يحيى ينسبه إلى الكذب. وقال أبو أحمد: سكتوا عنه. وقال سعيد بن عمرو الْبَرْدعيّ، عن أبي زرعة: كان صدوقًا، ولكنه كان يقع في يحيى بن سعيد القطّان، وعبد الواحد بن زياد. وقال ابن عديّ: مع ضعفه يُكتب حديثه. ذكر هذا كلّه في "لسان الميزان" (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في بيان أقسام السحر:
قال في "الفتح": قَال الرَّاغِب وَغَيْره: السّحْر يُطْلَق عَلَى مَعَانٍ:
_________________
(١) راجع "الكبرى" ٢/ ٣٠٧ رقم ١٨/ ٣٥٤١.
(٢) راجع "لسان الميزان" ٣/ ٣٤٦.
[ ٣٢ / ٤٠ ]
[أَحَدهَا]: مَا لَطُفَ وَدَقَّ، وَمِنْهُ سَحَرْتُ الصَّبِيَّ: خَادَعْته، وَاسْتَمَلْته، وَكُلّ مَن اسْتَمَالَ شَيْئًا فَقَدْ سَحَرَهُ، وَمِنْهُ إِطْلَاقَ الشُّعَرَاءَ سِحْر الْعُيُون، لِاسْتِمَالَتِهَا النُّفُوس، وَمِنْهُ قَول الأَطِبَّاء: الطَّبِيعَة سَاحِرَة، وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥]: أَيْ مَصْرُوفُونَ عَنْ الْمَعْرِفَة، وَمِنْهُ حَدِيث: "إِنَّ مِنْ البَيَان لَسِحَرًا".
[الثَّانِي]: مَا يَقَع بِخِدَاع، وَتَخَيِيلَات، لَا حَقِيقَة لَهَا، نَحْوَهَا مَا يَفْعَلَهُ الْمُشعْوِذ مِنْ صَرْف الأَبْصَار، عَمَّا يَتَعَاطَاهُ بِخِفَّةِ يَده، وَإِلَى ذَلِكَ الإشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وَمِنْ هُنَاكَ سَمَّوُا مُوسىَ سَاحِرا. وَقَدْ يَسْتَعِين فِي ذَلِكَ بِمَا يَكُون فِيهِ خَاصِّيَّة، كَالحَجَرِ الَّذِي يَجْذِبُ الحَدِيد الْمُسَمَّى الْمِغْنَطِيس.
[الثَّالِث]: مَا يَحْصُل بمُعاونَةِ الشَّيَاطِين، بِضَرْب مِنْ التَّقَرُّب إلَيْهِمْ، وَإلَى ذَلِكَ الإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
[الرَّابع]: مَا يَحْصُل بِمُخَاطَبَةِ الْكَوَاكِب، وَاسْتِنْزَال رُوحَانِيَّاتهَا بِزَعْمِهِمْ. قَالَ ابْن حَزْم: وَمِنْهُ مَا يُوجَد مِنْ الطَّلْسَمَات، كَالطَّابع المَنْقُوش فِيهِ صُورَة عَقْرَب، فِي وَقْت كَوْن الْقَمَر فِي الْعَقْرَب، فَيَنْفَع إِمْسَاكه مِنْ لَدْغَةَ الْعَقْرب. وَكَالمُشَاهَدِ بِبَعْضِ بِلَاد الغَرْب -وَهِيَ سَرْقَسْطَة- فَإِنَّهَا لَا يَدْخُلهَا ثُعْبَان قَطُّ، إِلَّا إِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِرَادَته. وَقَدَ يَجْمَع بَعْضهمْ بَيْن الأَمْرَيْنِ الأَخِيرَيْنِ، كَالِاسْتِعَانةِ بِالشَّيَاطِينِ، وَمُخَاطَبَة الكَوَاكِب، فَيَكُون ذَلِكَ أَقْوَى بِزَعْمِهِمْ.
قَالَ أَبُو بَكْر الرَّازِيُّ فِي "الأْحَكام" لهُ: كان أهل بابِل، قوما صابِئِين، يعبُدُون الكواكِب السَّبعة، ويُسمونها آلِهة، ويعتقِدُون أنها الفعَّالة لِكُل ما في العالم، وعمِلُوا أوثانا على أسمائِها، ولِكُل واحِد هيكل، فِيهِ صنمه، يتقرَّب إِليهِ بِما يُوافِقهُ بِزعمِهِمِ، من أدعِية، وبخُور، وهُم الذين بُعِث إِليهِم إِبراهِيمُ ﵇، وكانت علُومهم أحكام النجُوم، ومع ذلِك فكان السّحرة مِنهُم، يستعمِلُون سائِر وُجُوه السحر، وينسُبُونها إِلى فِعل الكواكِب؛ لِئلا يُبحث عنها، وينكشِف تموِيهُهُم. انتهى.
ثُمَّ السِّحْر يُطلق، وُيراد بِهِ الآلة الَّتِي يُسحر بهِا، ويُطلق ويراد بِهِ فِعل السَّاحِر، والآلة تارة تكُون معنى من المعانِي فقط، كالرُّقى، والنَّفثِ في العُقد. وتارة تكُون بِالمحسُوساتِ، كتصوِيرِ الصُّورة على صُورة المسحُور. وتارة بِجمع الأمرينِ: الحِسِّيّ، والمعنويّ، وهُو أبلغ. انتهى ما في "الفتح" (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه
_________________
(١) "فتح" ١١/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
[ ٣٢ / ٤١ ]
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أن السحر، هل له حقيقة، أم لا؟: ذهبت طائفة إلى أن السحر تَخْيِيل، ولا حقِيقة لهُ، وهذا اختِيار أبِي جعْفر الإستِرباذِيّ، من الشَّافِعِيّة، وأبِي بكر الرَّازِيَّ، من الحنفِية، وابن حزْم الظَّاهِرِيّ، وطائفة.
وذهبت طائفة إلى أن لهُ حقِيقة، قال النَّووِي: وهو الصحِيح وبِهِ قطع الجمهور، وعليهِ عامة العُلماء، ويدُل عليهِ الكِتاب، والسُّنَّة الصَّحِيحة المشهُورة. انتهى.
قال الحافظ في "الفتح": لكِنْ محلّ النزاع، هك يقع بِالسِّحرِ انقِلاب عين، أوْ لا؟، فمن قال: إِنَّهُ تخيِيل فقط، منع ذلِك، ومن قال: إِنَّ لهُ حقِيقة، اختلفُوا، هل له تأثير فقط، بِحيثُ يُغير المزَاج، فيكُون نوْعًا من الأمراض، أوْ يتتهِي إِلى الإحالة، بِحيثُ يصِير الجماد حيوانا مثلًا، وعكسه؟:
فالذِي عليهِ الجمهُور هُو الأوَّل. وذهبت طائِفة قييلة إِلى الثانِي. فإِن كان بِالنَّظرِ إِلى القُدْرة الإلهِيَّة، فمُسلم، وإن كان بالنظرِ إِلى الواقِع، فهُو محلّ الخلاف، فإن كثِيرًا مِمن يدعِي ذلِك، لا يستطِيع إِقامة البرهان عليهِ. ونقل الخطابِيّ أن قوْما أنكرُوا السحر مُطلقا، وكأنَّهُ عنى القائِلين بأنهُ تخيِيل فقط، وإلاَّ فهِي مُكابرة. وقال المازِرِيّ: جمُهُور العُلماء على إِثبات السحر، وأن لهُ حقيقة، ونفى بغضهم حقِيقته، وأضاف ما يقع مِتهُ إِلى خيالات باطِلة، وهُو مردُود؛ لِوُرُودِ النَّقل بإِثباتِ السِّحر، ولِأنَّ العقل لا يُنكِر أن اللَّه قدْ يخرِق العادة عِتد نُطق الساحِر بِكلام مُلفَّق، أوْ تركِيب أجسام، أوْ مزج بين قُوْى على ترتِيب مخصُوص، ونظِير ذلِك ما يقع من حُذَّاق الأطِباء، من مزج بعض العقاقِير بِبغض، حتّى ينْقلِب الضَّارّ مِتها بِمُفردِهِ بِالتَّرْكِيب نافِعا. وقِيل: لا يزِيد تأثِير السِّحْر على ما ذكر اللَّه تعالى في قوْله: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]؛ لِكوْنِ المقام مقام تهوِيل، فلو جاز أن يقع بِهِ أكثر من ذلِك لذكرهُ.
قال المازِرِيّ: والصحِيح من جِهة العقل، أنهُ يجُوز أن يقع بِهِ أكثر من ذلِك، قال: والآية ليست نصًّا في منع الزيادة، ولوْ قُلنا: إِنها ظاهِرة في ذلِكً.
ثُمَّ قال: والفرق بين السحر، والمعجِزة، والكرامة، أنَّ السِّحر يكُون بمُعاناةِ أقوال وأفعال، حتَّى يتم لِلساحِرِ ما يُرِيد، والكرامة لا تحتاج إِلى ذلِك، بك إنَّما تقع غالِبا اتّفاقًا، وأمَّا المعجِزة، فتمتاز عن الكرامة بِالتَّحدَّي. ونقل إِمام الحرمينِ الإجماع على أنَّ السحر، لا يظهر إِلا من فاسِق، وأن الكرامة لا تظهر على فاسِق. ونقل النَّووِي في زِيادات، "الرَّوْضة" عن المتولِّي نحو ذلِك. ويتبغِي أن يُعتبر بِحالِ من يقع الخارِق مِنهُ،
[ ٣٢ / ٤٢ ]
فإن كان مُتمسكا بِالشرِيعةِ، مُتجنبا لِلمُوبِقاتِ، فالذِي يظهر على يده، من الخوارِق كرامة، وإلاَّ فهُو سِحْر؛ لِأنة ينشأ عن أحد أنواعه، كإِعانةِ الشَّياطِين.
وقال القُرطُبِيّ: السحر حِيل صِناعِيَّة، يُتوصَّل إِليها بِالاكتِساب، غير أنَّها لِدِقتِها، لا يُتوصل إِليها إِلا آحاد الناس، ومادَّته الوُقُوف على خواصّ الأشياء، والعِلم بِوُجُوهِ تركِيبها، وأوْقاته، وأكثرها تخييلات بغيرِ حقِيقة، وإيهامات بِغيرِ ثُبُوت، فيغظُم عند من لا يعرِف ذلِك، كما قال اللَّه تعالًى عن سحرة فِرْعوْن: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، مع أنَّ حِبالهم وعِصِيهم، لم تخرُج عن كوْنها حِبالا وعِصِيًّا. ثُمَّ قال: والحقّ أَنَّ لِبعض أصناف الصحر تأثيرًا في القُلُوب، كالحب والبُغض، وإلقاء الخير والشَّرّ، وفِي الأبدانِ بالألمِ والسَّقَم، وإنَّما المنكُور، أنَّ الجماد يتقلِب حيوانا، أوْ عكسه بسِحْرِ السّاحِر، أو نحْو ذلِك. انتهى ما "الفتح" (^١). وهو بحث نفيسٌ جدا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في حكم السحر:
قال في " الفتح": ما حاصله: استُدِلَّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]- على أنَّ السِّحر كُفر، ومُتعلِّمه كافِر، وهُو واضِح في بعض أنواعه التِي قدَّمتها، وهُو التعبد لِلشياطِين، أوْ لِلكواكِب، وأمّا النَّوْع الآخر الذِي هُو من باب الشَّعودة، فلا يكفر بِهِ من تعلَّمهُ أصْلًا.
قال النَّووِيّ: عمل السحر حرام، وهُو من الكبائِر بِالإجماعِ، وقد عدَّهُ النَّبِيّ - ﷺ - من السبع الموبقات، ومِنهُ ما يكُون كُفرًا، ومِنهُ ما لا يكُون كُفرا، بك معصِية كبِيرة، فإن كان فيهِ قوْل، أً وْ فِعل يقتضِي الكُفر، فهُو كُفر، وإلا فلا.
وأما تعلُّمه، وتعليمه فحرام، فإن كان فِيهِ ما يقتضِي الكُفر كفر، واستُتِيب مِنهُ، ولا يُقتل، فإِن تاب قُبِلت توْبته، وإن لم يكُن فِيهِ ما يقتضِي الكُفر عُزر. وعق مالِك: السَّاحِر كافِر، يُقتل بِالسَّحرِ، ولا يستتاب، بك يتحتَّم قتله، كالزندِيقِ. قال عِياض: وبِقوْلِ مالِك قال أحمد، وجماعة من الصَّحابة، والتَّابِعِين.
وقد أجاز بعض العُلماء، تعلم السِّحر لأحدِ أمرينِ: إما لِتميِيزِ ما فِيهِ كُفر من غيره، وإمَّا لإزالتِهِ علّق وقع فِيهِ:
فأمَّا الأول: فلا محذُور فِيهِ، إِلا من جِهة الاعتِقاد، فإِذا سلِم الاعتِقاد، فمعرِفة الشيء بِمُجرَّدِهِ، لا تستلزِم منعًا، كمن يعرِف كيفِية عِبادة أهل الأوْثان لِلأوْثانِ؛ لِأنَّ
_________________
(١) "فتح" ١١/ ٣٨٥ - ٣٨٦.
[ ٣٢ / ٤٣ ]
كيفِية ما يعملهُ السَّاحِر، إِنما هِي حِكاية قوْل، أوْ فِعل، بِخِلافِ تعاطِيه، والعمل بِهِ. وأمَّا الثانِي: فإِن كان لا يتِمّ كما زعم بعضهم، إِلاَّ بِنوْع من أنواع الكُفر، أوْ الفِسق، فلا يحِل أصلا، وإلا جاز؛ لِلمعنى المذكور. وهذا فصلُ الخطاب في هذِهِ المسألة.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-. ما حاصله: وفِي إِيرإد البخاريّ، قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢]، إشارة إِلى اختِياره الحكم بكُفرِ السَّاحِر؛ لِقوْلهِ فِيها: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر﴾ [البقرة: ١٠٢]، فإن ظاهِرها أنهم كفرُوا بِذلِك، ولا يكفر بِتعليمِ الشيء، إِلا وذلِك الشيء كُفر، وْكذا قوْله في الآية على لِسان الملكينِ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فإن فِيهِ إِشارة إِلى أن تعلُّم السِّحر كُفر، فيكُون العملُ بِهِ كُفرا، وهذا كُلّه واضِح على ما قِرَّرْته مِن العمل بِبعْضِ أنواعه. وقذ زعم بعضهم أن السِّحر، لا يصِحّ إِلاَّ بِذلِك، وعلى هذا فتسمِيه- ما عدا ذلِك سِحرا مجاز، كإِطلاقِ السحر على القوْل البليغ. انتهى المقصود من كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكره الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-، وقرره بحث نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في قتل الساحر:
قال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في "زاد المعاد": أخرج الترمذيّ عنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "حدّ الساحر ضربةٌ بالسيف"، والصحيح أنه موقوف على جندب بن عبد اللَّه. وصح عن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه أمر بقتله، وصح عن حفصة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنها قتلت مُدبّرةً سحرتها، فأنكر عليها عثمان، إذ فعلته دون أمره. وروي عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أيضًا أنها قتلت مدبّرة سحرتها. وروي أنها باعتها. ذكره ابن المنذر وغيره.
وقد صحّ أن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لم يقتل من سحره من اليهود، فأخذ بهذا الشافعيّ، وأبو حنيفة --رحمهما اللَّه تعالى--، وأما مالك، وأحمد --رحمهما اللَّه تعالى-- فإنهما يقتلانه، ولكن منصوص أحمد -رحمه اللَّه تعالى- أن ساحر أهل الذمة لا يُقتل، واحتجّ بأن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لم يقتل لبيد بن الأعصم اليهوديّ حين سحره. ومن قال بقتل ساحرهم يُجيب عن هذا بأنه لم يُقرّ، ولم تقم عليه بيّنة، وبأنه خشي - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أن يُثير على الناس شرًّا بترك إخراج السحر من
_________________
(١) راجع "الفتح" ١١/ ٣٨٣ - ٣٨٨. "كتاب الطبّ" رقم ٥٧٦٣.
[ ٣٢ / ٤٤ ]
البئر، فكيف لو قتله. انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
وقال في "الفتح": ما حاصله: اسْتُدِلَّ بِقصّة عائشة في سحر اليهوديّ له - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، على آن السَّاحِر لا يُقْتَل حدًّا، إِذا كان لهُ عهد، وأمَّا ما أخرجهُ التزمِذِي من حدِيث جُندُب، رفعهُ، قال: "حد السَّاحِر ضربه بِالسيفِ"، ففِي سنده ضعف، فلو ثبت لخُصّ مِنهُ من لهُ عهد، وتقدم فِي "الجِزية" من رِواية بجالة (^٢): "أن عُمر كتب إِليهِم أن اقتُلُوا كُل ساحِر وساحِرة"، وزاد عند الرَّزَّاق، عن ابن جُريج، عن عمرو بن دِينار، في رِوايته عن بجالة. "فقتلنا ثلاث سواحِر"، أخرج البُخارِيّ أصل الحدِيث، دُون قِصَّة قتل السَّواحِر.
قال ابن بطال: لا يُقتل ساحِر أهل الكِتاب، عِتد مالِك، والزهرِي، إِلا أن يقتُل بِسِحرِهِ فيُقتل، وهُو قوْل أبِي حنِيفة، والشَّافعِيّ، وعق مالِك إن أدخل بِسِحرِهِ ضررًا على مسلِم، لم يُعاهد عليهِ، نقض العهد بذلِك، فيحِلّ قتله. وانما لم يقتُل النبِي - ﷺ - لبِيد بن الأعصم؛ لأنةُ كان لا ينتقِم لِنفسِهِ، ولأنةُ خشي إذًا قتلهُ أن تثُور بِذلِك فِتنة، بين المسلِمِين وبين حُلفائهِ من الأنصار، وهُو من نمط ما راعاهُ، من تزك قتل المنافِقِين، سواء كان لبِيد يهُودِيَّا، أوْ مُنافِقا، على ما سيأتي من الِاختِلاف فِيهِ. قال: وعِند مالِك أن حُكم السَّاحِر، حُكم الزنْديق، فلا تُقبل توْبته، ويُقتل حدًا، إِذا ثبت عليهِ ذلِك، وبِهِ قال أحمد. وقال الشافِعِي: لا يُقتل إِلا إٍ ن اعترف بِسِحرِهِ، فيُقتل بِهِ، فإن اغترف أن سِحرهُ قدْ يقتُل، وقد لا يقتُل، وأنهُ سحرهُ، وأنهُ مات لم يجِب عليهِ القِصاص، ووجبت الدِّية في ماله، لا على عاقِلته، ولا يُتصوْر القتل بِالصحرِ بِالبيِّنةِ، وادعى أبُو بكِر الرَّازِيُّ في "الأحكام" أن الشافِعِي تفرد بِقوْلِهِ: إِنَّ السَّاحِر يُقتل قِصاصًا، إِذا اعترف أنهُ قتلهُ بِسِحرِهِ. واللَّه أعلم.
قال النووِي: إن كان الصحر قوْلًا أوْ فِعلا يقتضِي الكُفر، كفر السَّاحِر، وتُقبل توْبته إِذا تاب عندنا، واذا لم يكُن في سِحره ما يقتضِي الكُفر، عُزر، واستُتِيب. انتهى ما في "الفتح" (^٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجح عندي أن قتل الساحر مطلقًا هو الحقّ، إلا إذا ترتب على تركه مصلحة، كما ترك النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لبيد بن الأعصم، كما سيأتي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في حكم النُّشرة، وهي بضمّ النون، وسكون المعجمة-: حَلّ
_________________
(١) "زاد المعاذ" ٥/ ٦٢/ ٦٣.
(٢) بفتح الباء الموحّدة. وتخفيف الجيم.
(٣) "فتح" ١١/ ٤٠١ - ٤٠٢. "كتاب الطبّ" رقم ٥٧٦٧.
[ ٣٢ / ٤٥ ]
السَّحر عن المْسحُور. وقيل: هي ضرب من العلاج، يُعالج به من يُظن أن به سحرًا، أو مسَّا من الجن، سميت بذلك لأنةُ يُكشف بها عنهُ ما خالطهُ من الدَّاء.
قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": "باب هل يُستخرج السحر". وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيّب: رجلٌ به طبٌّ، أو يؤخذ عن امرأته (^١)، أيُحلّ عنه، أو يُنشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع، فلم يُنه عنه. انتهى.
فقال في "الفتح": قوْله: "باب هل يُستخرج السحر؟ " كذا أوْرد الترجمة بِالاستِفهام، إِشارة إِلى الاختِلاف، وصدَّر بِما نقلهُ عن سعِيد بن المُسيب من الجواز، إِشارة إِلى ترْجِيحه.
قوْله: "وقال قتادة: قُلت لِسعِيدِ بن المُسيَّب إِلخ" وصلهُ أبُو بكر الأثرم في "كِتاب السُّنن" من طرِيق أبان العطار، عن قتادة، ومِثله من طرِيق هِشام الدَّستُوائِي، عن قتادة، بِلقظِ: "يلتمِس من يُداوِيه، فقال: إِنما نهى اللَّه عمَّا يضر، ولم ينه عمَّا ينفع". وأخرجهُ الطبرِي في "التهذِيب" من طرِيق يزِيد بن زُريع، عن قتادة، عن سعِيد بن المُسيَّب، أنهُ كان لا يرى بأسّا، إِذا كان بِالرجُلِ سِحْر، أن يمْشِي إِلى من يُطلِق عنهُ، فقال: هُو صلاح.
وُيوافِق قوْل سعِيد بن المُسيَّب هذا، ما في حدِيث جابِر - رضي اللَّه تعالى عنه -، عِند مسْلِم، مرفُوعّا: "من استطاع أن يتفع أخاهُ فليفعل".
قال قتادة: وكان الحسنُ يكره ذلِك، يقُول: لا يعلم ذلِك إِلا ساحِر، قال: فقال سعِيد بن المُسيَّب: إِنما نهى اللَّه عمَّا يضر، ولم ينه عمَّا يتفع.
وقد أخرج أبُو داوُد في "المراسِيل" عن الحسن، رفعهُ "النُّشرة من عمل الشيطان"، ووصلهُ أحمد، وأبُو داوُد بسند حسن، عن جابِر.
قال ابن الجوزي: النُّشْرَة حل السحر عن المسْحُور، ولا يكاد يقدِر عليهِ إِلا من يعرِف السَّحر.
وقد سُئل أحمد عمَّن يُطلِق السحر عن المسْحُور؟ فقال: لا بأس بِهِ. وهذا هُو المُعتمد. ويُجاب عن الحديث، والأثر بِأنَّ قوْله: "النُّشرة من عمل الشيطان" إِشارة إِلى أصلها، ويختلِف الحُكم بِالقصدِ، فمن قصد بها خيرًا، كان خيرًا، وإلا فهُو شرّ.
_________________
(١) قوله: "به طب" بكسر الطاء: أي سحر. وقوله: "أو يؤخذ" أي يُحبس عن امرأته، ولا يصل إلى جماعها، والأُخذة بالضمّ هي الكلام الذي يقوله الساحر. وقيل: حرزة يُرقى عليها، أو هي الرُّقية نفسها.
[ ٣٢ / ٤٦ ]
ثُمّ الحصر المنقول عن الحسنُ، ليس على ظاهِره؛ لأنةُ قدْ ينحل بِالرُّقى، والأدْعِية، والتَّعْوِيذ، ولكِن يحتمِل أنْ تكُون النشرة نوْعينِ. انتهى.
وُيوْيِّد مشرُوعِيَّة النشرة ما ثبت في "الصحيح" في حدِيث: "العينُ حقّ" من الأمر باغتِسال العائن لمن أصابه بعينه.
وقد أخرج عند الرَّزاق من طرِيق الشعبِي قال: لا بأس بالنُّشرةِ العربيَّة، التِي إِذا وُطِئت لا تضرهُ، وهِي أن يخرُج الإنسان في موْضِع عِضاهٍ، فيأخُذ عن يمِينه، وعن شِماله، من كُل، ثُمَّ يدُقهُ، ويقرأ فِيهِ، ثُمَّ يغتسِل بِهِ.
وذكر ابن بطال: أنَّ في كُتُب وهب بن مُنبه، أن يأخُذ سبع ورقات، من سِدْر أخضر، فيدُقهُ بين حجرينِ، ثُمَّ يضرِبهُ بِالماءِ، ويقرأ فِيهِ آية الكُرْسِي، والقواقِل، ثُمَّ يحسُو مِنهُ، ثلاث حسوات، ثُمَّ يغتسِل بِهِ، فإِنةُ يذهِب عنهُ كُلُّ ما بِهِ، وهُو جيد لِلرّجُلِ، إِذا حُبس عن أهله.
ومِمن صرّح بِجوازِ النُّشرة المُزنيَّ، صاحِب الشَّافِعِي، وأبُو جعفر الطبرِي، وغيرهما.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ثُمَّ وقفت على صِفة النشرة، في "كِتاب الطبّ التبوِي"، لِجعفر المستغفِرِي، قال: وجدت في خط نصُوح بن واصِل، على ظهر جُزء مِن "تفسِير قُتيبة بنِ أخمد البخاريّ"، قال: قال قتادة لِسعِيدِ بن المُسيَّب: رجُل بِهِ طِبّ، أخِذ عن امرأته، أيحِل لهُ أن يُنشر؟ قال: لا بأس، وانما يُريد بِهِ الإصلاح، فأمَّا ما يتفع، فلم ينه عنهُ. قال نصُوح: فسألنِي حماد بن شاكِر: مأ الحل؟ وما النُّشرة؟ فلم أعرِفهُما، فقال: هُو الرجُل، إِذا لم يقدِر على مُجامعة أهله، وأطاق ما سِواها، فإِن المُنتلى بِذلِك، يأخذ خزمة قُضبان، وفأسًا ذا قِطارينِ، ويضعهُ في وسط تِلك الحزمة، ثُمِ يُؤجَّج نارًا، في تِلك الحزمة، حتى إِذا ما حمِي الفأس، استخرجهُ مِن النار، وبال على حرّه، فإِنَّه يبرأ بِإذنِ اللَّه تعالى.
وأمَّا النُّشرة، فإِنَّه يجمع أيام الرَّبِيع، ما قدر عليهِ من وزد المُفارة، وورد البساتِين، ثُمَّ يُلقِيها في إِناء نظِيف، ويجعل فِيهِما ماء عذبًا، ثُمَّ يُغلي ذلِك الورْد، في الماء غليًا يسِيرّا، ثُمَّ يُمهِل، حتى إِذا فتر الماء، أفاضهُ عليهِ، فإِنة يبرأ بإِذنِ اللَّه تعالى.
قال حاشِد: تعلَّمت هاتينِ الفائدتينِ بِالشام.
قال الحافظ: وحاشِد هذا من رُواة "الصحيح" عن البخاريّ. انتهى المقصود من عبارة "الفتح" (^١).
_________________
(١) "فتح" ١١/ ٣٩٨ - ٣٩٩. "كتاب الطبّ".
[ ٣٢ / ٤٧ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح جواز النّشرة بالأشياء المباحات، التي لا توْدّي إلى الشرك؛ ومن أقوى أدلّته ما أخرجه مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".