قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الاستثناء": لغة: استفعال من الثَّنْي، بمعنى العطف لأن المستثنَى معطوفٌ عليه بإخراجه من الحكم، أو بمعنى الصرف؛ لأنه مصروف عن حكم المستثنى منه. وحقيقته اصطلاحًا: الإخراج بـ"إلا"، أو إحدى أخواتها لِمَا كان داخلًا، أو كالداخل. قاله الخُضَريّ (^٢).
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨.
(٢) راجع "حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك" في النحو ج١/ ص ٣٠٠.
[ ٣٠ / ٣٥١ ]
وقال الفيّوميّ: الاستثناء استفعال، من ثنيتُ الشيءَ أثنِيه ثَنْيًا، من باب رمى: إذا عطفتُه، ورددتُه، وَثَنَيْتُهُ عن مراده: إذا صرفتُهُ عنه، وعلى هذا فالاستثناء صرف العامل عن تناول المسّتثنى، ويكون حقيقةٌ في المتصل، وفي المنفصل أيضًا؛ لأن "إلا" هي التي عدَّت الفعل إلى الاسم حتى نصبه، فكانت بمنزلة الهمزة في التعدية، والهمزةُ تُعدّي الفعلَ إلى الجنس، وغير الجنس حقيقةً وفاقًا، فكذلك ما هو بمنزلتها. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": الاستثناء: استفعالٌ من الثُّنْيا -بضمّ المثلّثة، وسكون النون، بعدها تحتانيّةٌ - ويقال لها الثَّنْوَى أيضًا بواو بدل الياء، مع فتح أوّله، وهي من ثنيت الشيء: إذا عطفته، كان المستثنيَ عطف بعض ما ذكره؛ لأنها في الاصطلاح إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، وأدواتها "إلاّ" وأخواتها. وتُطلق أيضًا على التعاليق، ومنها التعليق على المشيئة، وهو المراد في هذه الترجمة، فإذا قال: لأفعلنّ كذا، إن شاء اللَّه تعالى، استثنى، وكذا إذا قال: لا أفعل كذا إن شاء اللَّه، ومثله في الحكم أن يقول: إلا أن يشاء اللَّه، أو إلا إن شاء اللَّه، ولو أتى بالإرادة، والاختيار بدل المشيئة جاز، فلو لم يفعل إذا أثبت، أو فعل إذا نفى، لم يَحنث، فلو قال: إلا إن غير اللَّه نيّتي، أو بدّل، أو إلا أن يبدُو لي، أو يظهر، أو إلا أن أشاء،، أو أريد، أو أختار، فهو استثناء، لكن يُشترط وجود المشروط. انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٢٠ - (أَخْبَرَنِي (^٣) أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى، فَإِنْ شَاءَ مَضَى، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، غَيْرَ حَنِثٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن سعيد) الرباطيّ المروزيّ، أبو عبد اللَّه الأشقر، ثقة حافظ [١١] ٩٠/ ١٠٣٠.
٢ - (حَبَّان) -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة- ابن هلال، أبو حَبِيب البصريّ، ثقة ثبتٌ [٩] ٤٤/ ٥٩٠.
٣ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقة ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يثبُت عنه [٨] ٦/ ٦.
٤ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٥] ٤٢/ ٤٨.
_________________
(١) راجع "المصباح المنير" ١/ ٨٥.
(٢) "فتح" ١٣/ ٤٦٥ - ٣٦٦. "كتاب الأيمان والنذور".
(٣) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ٣٠ / ٣٥٢ ]
٥ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢.
٦ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مدنيين: وهما ابن عمر، ونافع، وبصريينَ: وهم أيوب، وعبد الوارث، وحَبّان، ومروزيّ، وهو أحمد بن سعيد. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: "مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى) أي قال: إن شاء اللَّه، ففي رواية وُهيب، عن أيوب الآتية في -٣٩/ ٣٨٥٦ -: "من حلف على يمين، فقال: إن شاء اللَّه، فهو بالخيار، إن شاء أمضى، وإن شاء ترك" (فَإِنْ شَاءَ مَضَى) أي فهو بالخيار بين الفعل والترك، فإن شاء مضى: أي ثبت على يمينه، وفعل ما حلف عليه (وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) أي ترك فعل المحلوف عليه (غَيْرَ حَنِثٍ) -بفتح، فكسر-: أي حال كونه غير حانث في الترك، فهو حال من ضمير "ترك"، هكذا ضبطه السنديّ بكسر النون، وهذا الضبط، وإن كان قياس اسم فاعل فَعِل بكسر العين، إلا أنه لم يُذكر في "القاموس"، و"اللسان"، و"المصباح" إلا "حانثًا". ويحتمل أن يكون بكسر الحاء المهملة، وسكون النون، أو بفتحتين مصدرًا، بمعنى اسم الفاعل، أو على حذف مضاف: أي غير ذي حنث، والحنث: الْخُلف في اليمين، يقال: حنث في يمينه حِنْثًا بالكسر، وحَنَثًا بفتحتين: لم يَبَرَّ فيها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٨/ ٣٨٢٠ و٣٩/ ٣٨٥٤ و٣٨٥٥ و٣٨٥٦ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٤٧٣٥ و١٦/ ٤٧٦٩ و٤٧٧٠ و٤٧٧١. وأخرجه (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٦١ و٣٢٦٢ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٣١ (ق) في "الكفّارات" ٢١٠٥ و٢١٠٦ (أحمد) في
[ ٣٠ / ٣٥٣ ]
"مسند المكثرين" ٤٤٩٦ و٤٥٦٧ و٥٠٧٤ و٦٣٧٨ و١٠٣٣ (الدارمي) في "النذور والأيمان" ٢٣٤٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الاستثناء في اليمين، وهو أن صاحبه مخيَّرٌ، إن شاء فعل، لكان شاء ترك. (ومنها): أنه لا بدّ أن يكون الاستثناء متّصلًا، إذ مطلقه ينصرف إلى المتّصل، كما هو رأي الجمهور، فلا يعتبر الاستثناء المنفصل؛ إلا بالأمر الضروريّ، كالسعال، والتنفّس، ونحو ذلك، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن في قوله: "فقال: إن شاء اللَّه" دليلًا على أنه لا بدّ أن يكون الاستثناء قوليًّا، فلا يكفي الاستثناء القلبيّ، وهذا قول عامّة أهل العلم، منهم: الحسن، والنخعيّ، ومالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وابن المنذر. قال ابن قُدامة: لا نعلم لهم مخالفًا؛ لأن النبيّ - ﷺ - قال: "من حلف، فقال: إن شاء اللَّه"، والقول هو النطق، ولأن اليمين لا تنعقد بالنيّة، فكذلك الاستثناء. وقد رُوي عن أحمد: إن كان مظلومًا، فاستثنى في نفسه رجوت أن يجوز، إذا خاف على نفسه، فهذا في حقّ الخائف على نفسه؛ لأن يمينه غير منعقدة، أو لأنه بمنزلة المتأوّل، وأما في حقّ غيره فلا. انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستثناء في اليمين:
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا الحديث دليل على أن اليمين إذا قُرن بها "إن شاء اللَّه" لفظًا منويًا، لم يلزم الوفاء بها، ولا يقع الحنث فيها، ولا خلاف في ذلك، واختلفوا فيما إذا وقع الاستثناء منفصلًا عن اليمين، فالجمهور على أنه لا ينفع الاستثناء حتى يكون متّصلًا به، منويًا معه، أو مع آخر حرف من حروفه، وإليه ذهب مالكٌ، والشافعيّ، والأوزاعيّ، والجمهور، وقد اتفق مالك، والشافعيّ على أن السُّعال، والعطاس، وما أشبه ذلك لا يكون قاطعًا إذا كان ناويًا له. وقال بعض المالكيّة: لا ينفع الاستثناء إلا أن ينويه قبل نطقه بجميع حروف اليمين، وعند هؤلاء أن السكوت المختار الذي يقطع به كلامه، أو يأخذ في غيره لا ينفع معه الاستثناء.
وكان الحسن، وطاوس، وجاعة من التابعين يرون للحالف الاستثناء ما لم يقم من
_________________
(١) "المغني" ١٣/ ٤٨٥ - ٤٨٦.
[ ٣٠ / ٣٥٤ ]
مجلسه. وقال قتادة: ما لم يقم، أو يتكلّم. وعن عطاء: قدر حَلْبة ناقة. وعن سعيد بن جُبير بعد أربعة أشهر. وروي عن ابن عبّاس بعد سنة. وقد أُنكرت هذه الرواية عنه، وضُعْفت، وتأوّلها بعضهم بأن له أن يستثني امتثالًا لأمر اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] لا لحلّ اليمين.
وإلى هذه الاختلافات أشار السيوطي -رحمه اللَّه تعالى- في "الكوكب الساطع" في "مبحث التخصيص"، حيث قال:
فَمِنْهَا الاسْتِثنَاءُ الاخْرَاجُ بِمَا … يُفِيدُهُ مِنْ واحدٍ تَكَلَّمَا
وَقِيلَ مُطْلَقًا وَوَصْلُهُ وَجَبْ … عُرْفًا وَلِلْفَصْلِ ابْنُ عَباسٍ ذَهَبْ
قِيلَ لِشَهرٍ وَلعَامٍ وَالأَبَدْ … وَسَنَتَيْنِ عَنْ مُجَاهِدٍ وَرَدْ
وَابْنُ جُبَيْرٍ ثُلْثَ عَامٍ يَأْتَسِي … وَعَنْ عَطَا وَحَسَنٍ فِي الْمَجلِسِ
وَقِيلَ قَبْلَ الأَخْذِ فِي كَلَامِ … وَقِيلَ إنْ يَقْصِدُهُ فِي الْكَلَامِ
وَقِيلَ فِي كَلَامِهِ جَلَّ فَقَط … وَالْقَصْدَ مَنْ رَأَى اتِّصَالَهُ شَرَطْ (^١)
قال القرطبيّ: والصحيح الأول، إن شاء اللَّه؛ لأنه لو لم يُشتَرط الاتصال لما انعقد يمين، ولا تُصُوّر عليها ندم، ولا حِنْث، ولا احتيج للكفّارة فيها، وكل ذلك حاصل بالاتّفاق، فاشتراط الاتصال صحيح.
وقد احتجّ من قال بفصل الاستثناء بما أخرجه الشيخان، ويأتي للمصنّف -٤٠/ ٣٨٥٧ - إن سليمان - ﵇ - لَمّا حلف، قال له صاحبه: قل: إن شاء اللَّه، ووجه الاستدلال به أنه إنما عرض عليه الاستثناء بعد فراغه من اليمين، فلو قالها بعد فراغ قول صاحبه لكان قولها غير متّصل باليمين، ومع ذلك فلو قالها لكانت تنفع، ولم يَحنَث، كما قال - ﷺ -: "لو قال: إن شاء اللَّه لم يحنث".
وأجاب المشترطون للاتصال بمنع أنه قاله بعد فراغه من اليمين، بل لعلّه قال ذلك في أضعاف يمينه؛ لأن يمينه كثرت كلماتها، فطالت، وليس ذلك الاحتمال بأولى من هذا، فلا حجةٌ فيه، لا له، ولا عليه.
واحتجّوا أيضًا بما رواه أبو داود عن عكرمة مولى ابن عبّاس: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "واللَّه لأغزونّ قريشًا، واللَّه لأغزونّ قريشًا، واللَّه لأغزونّ قريشًا"، ثم قال: "إن شاء اللَّه"، وفي رواية: ثم سكت، ثم قال: "إن شاء اللَّه".
_________________
(١) راجع "الكوكب الساطع" نسخة شرحي "الجليل الصالح النافع" ص ١٨٤.
[ ٣٠ / ٣٥٥ ]
قال أبو داود: زاد الوليد بن مسلم، عن شريك: "ثم لم يغزهم".
لكن الحديث مرسل، وقد أُسند من حديث عبد الواحد بن صفوان، وليس حديثه بشيء (^١)، على ما قاله أهل الحديث، والمرسل هو الصحيح.
قال القرطبيّ: وهذا الحديث حجة ظاهرةٌ على جواز الفصل بالسكوت اليسير، وأن ذلك القدر ليس بقاطع؛ لأن الحال شاهدة على الاتصال، لكن عند من يقبل المرسل. ويحتمل أن يكون ذلك السكوت عن غلبة نَفّسٍ خارج، أو أمر طارئ، وفيه بُعْدٌ.
قال القرطبيّ: ثم اختلف العلماء في الاستثناء بميشئة اللَّه تعالى، هل يرفع حكم الطلاق، والْعَتَاق، والمشي لمكة، وغيرها من الأيمان بغير اللَّه تعالى، أم لا؟ فذهب مالك، والأوزاعيّ إلى أن ذلك لا يرفع شيئًا من ذلك. وذهب الكوفيّون، والشافعيّ، وأبوثور، وبعض السلف إلى أنه يرفع ذلك كله. وقصر الحسن الرفع على العتق، والطلاق خاصّة.
وسبب الخلاف اختلافهم في معنى قوله - ﷺ - في حديث الباب: "من حلف على يمين، فاستثنى، فان شاء مضى، وإن شاء ترك"، فحمل مالك، ومن قال بقوله الحديث على اليمين الجائزة، وهي اليمين بأسماء اللَّه وصفاته، بناء على أنه هو المقصود الأصليّ، واليمين العرفيّ، وحمله المخالف على العموم في كلّ ما يمكن أن يقال عليه يمين.
قال القرطبيّ: والصحيح الأول؛ لما قدّمناه من أن هذا النوع الذي قد أطلق عليه الفقهاء يمينا، لا يُسمّى يمينًا، لا لغةً، ولا شرعًا؛ إذ ليس من ألفاظها اللغويّة، ولا من معانيها الشرعيّة، كما بينّاه. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو تحقيق نفيس. واللَّه تعالى أعلم ..
وقال في "الفتح": واتفق العلماء، كما حكاه ابن المنذر على أن شرط الحكم بالاستثناء أن يتلفظ المستثنى به، وأنه لا يكفي القصد إليه بغير لفظ. وذكر عياضٌ أن بعض المتأخّرين منهم خرّج من قول مالك: إن اليمين تنعقد بالنية أن الاستثناء يجزئ بالنية، لكن نقل في "التهذيب" أن مالكًا نصّ على اشتراط التلفّظ باليمين. وأجاب الباجيّ بالفرق بأن اليمين عقد، والاستثناء حل، والعقد أبلغ من الحل، فلا يلتحق باليمين.
قال ابن المنذر: واختلفوا في وقته، فالأكثر على أنه يشترط أن يتّصل بالحلف، قال مالك: إذا سكت، أو قطع كلامه فلا ثُنيا. وقال الشافعيّ: يُشترط وصل الاستثناء
_________________
(١) هذا الكلام لابن معين، وقال مرة: صالح. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مقبول. أي يحتاج إلى متابع، وخالف فوصل المرسل، فلا يصحّ حديثه. فتنبّه.
[ ٣٠ / ٣٥٦ ]
بالكلام الأول، ووصله أن يكون نَسَقًا، فإن كان بينهما سكوت انقطع، إلا إن كانت سكتة تذكر، أو تنفّس، أو عِيّ، أو انقطاع صوت، وكذا يقطعه الأخذ في كلام آخر، ولخّصه ابن الحاجب، فقال: شرطه الاتصال لفظًا، أو فيما في حكمه، كقطعه لتنفّس، أو سُعال، ونحوه، مما لا يمنع الاتصال عرفًا، واختلف هل يقطعه ما يقطع القبول عن الإيجاب؟ على وجهين للشافعيّة، أصحّهما أنه ينقطع بالكلام اليسير الأجنبيّ، وإن لم ينقطع به الإيجاب والقبول، وفي وجه لو تخلّل أستغفر اللَّه لم ينقطع، وتوقّف فيه النوويّ، ونصّ الشافعيّ يؤيّده، حيث قال: تذكر فإنه من صور الذكر عرفًا، ويلتحق به لا إله إلا اللَّه، ونحوها. وعن طاوس، والحسن له أن يستثني ما دام في المجلس. وعن أحمد نحوه، وقال: ما دام في ذلك الأمر. وعن إسحاق مثله، وقال: إلا أن يقع سكوت. وعن قتادة إذا استثنى قبل أن يقوم، أو يتكلّم. وعن عطاء قدر حلب ناقة. وعن سعيد بن جبير إلى أربعة أشهر. وعن مجاهد بعد سنتين. وعن ابن عبّاس أقوال: منها ولو بعد حين. وعنه كقول سعيد. وعنه شهر. وعنه سنة. وعنه أبدًا. قال أبو عُبيد: وهذا لا يؤخذ على ظاهره؛ لأنه يلزم منه أن لا يحنث أحدٌ في يمينه، وأن لا تتصوّر الكفّارة التي أوجبها اللَّه تعالى على الحالف، قال: ولكن وجه الخبر سقوط الإثم عن الحالف لتركه الاستثناء؛ لأنه مأمور به في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فقال ابن عبّاس: إذا نسي أن يقول: إن شاء اللَّه يستدركه، ولم يُرد أن الحالف إذا قال ذلك بعد أن انقضى كلامه أن ما عقده باليمين ينحلّ.
وحاصله حمل الاستثناء المنقول عنه على لفظ إن شاء اللَّه فقط، وحمل إن شاء اللَّه على التبرّك، وعلى ذلك حمل الحديث المرفوع الذي أخرجه أبو داود وغيره، موصولًا، ومرسلًا أن النبيّ - ﷺ - قال: "لأغزونّ قريشًا"، ثلاثًا، ثم سكت، ثم قال: "إن شاء اللَّه"، أو على السكوت لتنفّس، أو نحوه. وكذا ما أخرجه ابن إسحاق في سؤال من سأل النبيّ - ﷺ - عن قصَّة أصحاب الكهف: "غدًا أجيبكم"، فأخّر الوحي، فنزلت: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فقال: إن شاء اللَّه، مع أن هذا لم يرد هكذا من وجه ثابت.
ومن الأدلة على اشتراط اتصال الاستثناء بالكلام قوله - ﷺ -: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير". فإنه لو كان الاستثناء يفيد بعد قطع الكلام لقال: فليستثن؛ لأنه أسهل من التكفير، وكذا قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، فإن قوله: استثن أسهل من التحيّل لحلّ اليمين
[ ٣٠ / ٣٥٧ ]
بالضرب، وللزم بطلان الإقرارات، والطلاق، والعتق، فيستثني من أقرّ، أو طلّق، أو أعتق بعد زمان، ويرتفع حكم ذلك، فالأولى تأويل ما نُقل عن ابن عبّاس وغيره من السلف في ذلك.
وإذا تقرّر ذلك، فقد اختُلِفَ، هل يُشترط قصد الاستثناء من أول الكلام، أولًا، حَكَى الرافعي فيه وجهين، ونُقل عن أبي بكر الفارسيّ أنه نقل الإجماع على اشتراط وقوعه قبل فراغ الكلام، وعلّله بأن الاستثناء بعد الانفصال ينشأ بعد وقوع الطلاق مثلًا، وهو واضحٌ، ونقله معارض بما نقله ابن حزم أنه لو وقع متّصلًا به كفى، واستدلّ بحديث ابن عمر - ﵄ - رفعه: "من حلف، فقال: إن شاء اللَّه، لم يحنث"، واحتجّ بأنه عقّب الحلف بالاستثناء باللفظ، وحينئذ يتحصّل ثلاث صور: أن يقصد من أوله، أو من أثنائه، ولو قبل فراغه، أو بعد تمامه، فيختصّ نقل الإجماع بأنه لا يفيد في الثالث، وأبعد من فَهِم أنه لا يفيد في الثاني أيضًا، والمراد بالإجماع المذكور إجماع من قال: يُشترط الاتصال، وإلا فالخلاف ثابتٌ، كما تقدّم واللَّه أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعوى الإجماع هنا، لا وجه له، كما يظهر لمن تتبّع الأقوال في هذه المسألة، إلا أن يدّعى لأهل مذهب معيّن أنهم أجمعوا على ذلك، فليُتأمل. واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن العربيّ: قال بعض علمائنا: يشترط الاستثناء قبل تمام اليمين، قال: والذي أقول: إنه لو نوى الاستثناء مع اليمين لم يكن يمينًا، ولا استثناء، وإنما حقيقة الاسثناء أن يقع بعد عقد اليمين، فيحلّها الاستثناء المتّصل باليمين. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي الذي قاله ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى- هو الأشبه مما ادعاه من سبق قوله من الإجماع على خلافه. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
واتّفقوا على أن من قال: لا أفعل كذا إن شاء اللَّه، إذا قصد به التبرّك فقط، ففعل يحنث، وإن قصد به الاستثناء، فلا حنث عليه.
واختلفوا إذا أطلق، أو قدّم الاستثناء على الحلف، أو آخّره، هل يفترق الحكم؟، وقد تقدّم في الطلاق.
واتّفقوا على دخول الاستثناء في كلّ ما يُحلَف به، إلا الأوزاعيّ، فقال: لا يدخل في الطلاق، والعتق، والمشي إلى بيت اللَّه، وكذا جاء عن طاوس، وعن مالك مثله، وعنه إلا المشي. وقال الحسن، وقتادة، وابن أبي ليلى، والليث: يدخل في الجميع، إلا الطلاق. وعن أحمد: يدخل الجميع إلا العتق. واحتجّ بتشوف الشارع له. وورد فيه حديث عن معاذ - ﵁ - رفعه: "إذا قال لامرأته: أنت طالقٌ إن شاء اللَّه، لم تطلق، وإن
[ ٣٠ / ٣٥٨ ]
قال لعبده: أنت حرّ، إن شاء اللَّه، فإنه حرّ". قال البيهقيّ: تفرّد به حميد بن مالك، وهو مجهول، واختُلف عليه في إسناده. واحتجّ من قال: لا يدخل في الطلاق بأنه لا تحله الكفارة، وهي أغلظ على الحالف من النطق بالاستثناء، فلما لم يحلّه الأقوى، لم يحله الأضعف. وقال ابن العربيّ: الاستثناء أخو الكفّارة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، فلا يدخل في ذلك إلا اليمين الشرعيّة، وهي الحلف باللَّه. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله ابن العربيّ من أن الاستثناء لا يدخل إلا اليمين الشرعية، وهي الحلف باللَّه أو بصفة من صفاته هو الأقرب؛ لما ذكره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…