قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحكم الذي دلّ عليه حديث الباب، وإن كان في صحته مقال، هو الشرك، وظاهره أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى كفر الساحر، وهو ظاهر اختيار البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، حيث استدلّ على الترجمة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]، فإن ظاهره أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء، إلا وذلك الشيء كفر، وكذا قوله على لسان الملكين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ فإن فيه إشارة إلى أن تعلّم السحر كفرٌ، فيكون العمل به كفرّا، وقد تقدّم في المسائل المذكورة في الباب الماضي أن السحر أنواع، فمنه ما يكون كفرًا، ومنه ما لا يكون كفرًا، فالأولى تنزيل رأي البخاريّ، والمصنّف -رحمهما اللَّه تعالى- على ذلك التفصيل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٨١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ،، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَيْسَرَةَ الْمِنْقَرِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً، ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا، فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِّلَ إِلَيْهِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣.
٣ - (عبّاد بن مبسرة الْمنْقري) البصريّ المعلم، ليّن الحديث، عابد [٧].
[ ٣٢ / ٤٨ ]
قال الأثرم: ضعّفه أحمد. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: عبّاد بن ميسرة، وعبّاد بن راشد، وعبّاد بن كثير، وعباد ابن منصور، كلّهم حديثهم ليس بالقوقي، ولكنه يُكتب. وقال أبو داود: عبّاد بن ميسرة ليس بالقوي. وقال إبراهيم بن بكر الشيبانيّ، عن الهيثم بن حَبيب: شهِد عبّاد بن ميسرة عند عبّاد بن منصور، فردّ شهادته، قال: لم رددت شهادتي؟ قال: لأنك تضرب اليتيم، وتأكل مال الأرملة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان من العبّاد. وقال ابن عدي: هو ممن يُكتب حديثه. روى المصنّف له حديث الباب فقط، وعلّق له الترمذيّ حديثًا في "العلم"، وأخرج له ابن ماجه في "التفسير".
٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد البصريّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلّس، ويرسل كثيرًا [٣]. ٣٢/ ٣٦.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى عباد، كما مرّ آنفًا، وفيه انقطاع على رأي الجمهور؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة - ﵁ - عندهم، وقد تقدّم تحقيق ذلك، وأن الأصحّ أنه سمع منه. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً) قال الفيّوميّ: عقدتُ الحبل عقدًا، من باب ضرب، فانعقد، والعُقْدة -أي بضمّ، فسكون-: ما يُمسكه، ويُوثقه. انتهى.
وقال السنديّ: دأب أهل السحر أن أحدهم يأخذ خيطًا، فيعقد عليه عُقْدةً، ويتكلّم عليه بالسحر بنفث، فمن أتى بذلك، فقد أتى بعمل من أعمال أهل السحر. انتهى. (ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا) أي بزق في تلك العقدة، قال الفيّوميّ: نفثه من فيه نَفْثًا، من باب ضرب: رمى به. ونفَثَ: إذا بزَقَ. ومنهم من يقول: إذا بزَقَ، ولا ريق معه. ونفث في الْعُقدة عند الرُّقَى، وهو البُصاق اليسير. ونفثه نَفْثًا أيضًا: سحره، والفاعل نافثٌ، ونفّاثٌ مبالغة، والمرأة نافثةٌ، ونفّاثةٌ. انتهى (^١).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦١٥ - ٦١٦.
[ ٣٢ / ٤٩ ]
وقال ابن الأثير: ما معناه: النفْثُ شبيه بالنفخ، وهو أقلّ من التفل؛ لأن التفل لا يكون إلا معه شيء من الريق. انتهى (^١).
(فَقَدْ سَحَرَ) أي عمل بأعمال أهل السحر (وَمَنَ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ) أي فقد أتى بفعل من أفعال المشركين، أو لأنه قد يُفضي إلى الشرك، إذا اعتقد أن له تأثيرًا حقيقةً. وقيل: المراد الشرك الخفيّ بترك التوكّل، والاعتماد على اللَّه ﷾. قاله السنديّ (^٢). وقد تقدّم تحقيق البحث في السحر، وأنواعه، وأحكامه في المسائل المذكورة في الباب الماضي، بتوفيق اللَّه تعالى، وله الحمد والمنّة، والثناء الحسن.
(وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا) أي علّق شيئًا بعنقه، أو عنق صغير، من التعلّق بمعنى التعليق، يقال: تَعَلّقَ الشيء تعلُّقًا، وعلّقه تعليقًا: جعله مُعلَّقَا. أفاده في "القاموس" (وُكِلَ إِلَيْهِ) بالبناء للمفعول، يقال: وَكَلتُهُ إلى نفسه، من باب وَعَدَ وُكُولًا: لم أقم لامره، ولم أُعِنه. قاله الفيّوميّ. وهو هنا كناية عن عدم عون اللَّه ﷾ له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ للانقطاع، فإن الجمهور على أن الحسن البصريّ لم يسمع من أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وقد تقدّم البحث في ذلك؛ وأن الراجح ثبوت سماعه منه في الجملة، لكنه مدلس، وقد عنعنه هنا، ولأن في إسناده عبّاد بن ميسرة، وهو متكلّم فيه، كما سبق في ترجمته قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٩/ ٤٥٨١ - وفي "الكبرى" ١٩/ ٣٥٤٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…