قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن يحيى رواه عن أبي سلمة، عن جابر - ﵁ -، ورواه محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، ولكن هذا الاختلاف لا يضرّ بصحة الحديث، فإنه ثابتٌ مرويّ عنهما جميعًا، ولذا أخرجه الشيخان من حديثهما، لكن حديث أبي هريرة - ﵁ - من طريق النضر بن أنس، عن بَشير بن نهِيك، عنه، وهي الرواية الخامسة عند المصنّف في هذا الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٧٧٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ (^١)، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا، يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح. و"خالد بن الحارث": هو الهُجيميّ البصريّ. و"هشام": وابن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ البصريّ.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٧٨ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ، حَدَّثَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: "الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى بن درست" -بضمتين، وسكون المهملمة- البصريّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٤. و"أبو إسماعيل": هو إبراهيم بن عبد الملك القّنَّاد البصريّ، صدوقٌ في حفظه شيء [٧] ٢٤/ ٢٣. و"يحيى": وابن أبي كثير.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
_________________
(١) وفي نسخة: "أبو سلمة بن عبد الرحمن".
[ ٣٠ / ٢٥٦ ]
٣٧٧٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ (^١) مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا عُمْرَى، فَمَنْ أُعْمِرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و"إسماعيل": وابن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ المدنيّ. و"محمد": هو ابن عمرو بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ: "أخبرنا إسماعيل بن محمد" وهو غلطٌ تصحّفت فيه كلمة "عن" إلى "ابن"، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، تفرّد به المصنّف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٨٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ أُعْمِرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و"إسحاق بن إبراهيم": وابن راهويه. و"عيسى": وابن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ. و"عبدة ابن سليمان": هو الكلابيّ الكوفيّ.
وقوله: "من أُعمر الخ" ببناء الفعل للمفعول. والحديث صحيح، تفرد به المصنّف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٨١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "الْعُمْرَى جَائِزَةٌ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و"محمد": هو ابن جعفر غندر. و"النضر بن أنس": هو أبو مالك البصريّ، ولد أنس بن مالك الأنصاريّ الصحابي الشهير - ﵁ -، ثقة [٣] ٢/ ٣٣٩٣. و"بَشِير بن نهَيك" -بفتح النون، وكسر الهاء، آخره كاف- السدوسيّ، أبو الشعثاء البصريّ، ثقة [٣] ١٤١/ ١١٠٧. والسند مسلسلٌ بالبصريين، غير أبي هريرة - ﵁ -، فمدنيّ، وشيخ المصنّف هو أحد مشايخ الستة الذين يروون عنهم بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة. والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
_________________
(١) وفي نسخة: "ثنا".
[ ٣٠ / ٢٥٧ ]
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٨٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَأَلَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ عَنِ الْعُمْرَى؟، فَقُلْتُ: حَدَّثَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ شُرَيْحٍ، قَالَ: "قَضَى نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ -، أَنَّ الْعُمْرَى جَائِزَةٌ". قَالَ: قَتَادَةُ: قُلْتُ: (^١): حَدَّثَنِي (^٢) النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: "الْعُمْرَى جَائِزَةٌ"، قَالَ: قَتَادَةُ: وَقُلْتُ: كَانَ الْحَسَنُ، يَقُولُ: الْعُمْرَى جَائِزَةٌ، قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّمَا الْعُمْرَى، إِذَا أُعْمِرَ وَعَقِبَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَإِذَا (^٣) لَمْ يَجْعَلْ عَقِبَهُ مِنْ بَعْدِهِ، كَانَ لِلَّذِي يَجْعَلُ شَرْطَهُ، قَالَ قَتَادَةُ: فَسُئِلَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ؟، فَقَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "الْعُمْرَى جَائِزَةٌ"، قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ الْخُلَفَاءُ لَا يَقْضُونَ (^٤) بِهَذَا، قَالَ عَطَاءٌ: "قَضَى بِهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح.
وقوله: "إذا أُعمر، وعَقِبَه من بعده" "أُعمِرَ" بالبناء للمفعول، و"عقبَه" بالنصب على المعية، ولا يصحّ الرفع بالعطف على الضمير المرفوع في "أُغمِر"؛ لعدم التأكيد والفصل. كذا قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: العطف بلا فاصل ضعيف، وليس ممتنعًا قطعًا، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْع مُتْصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْل يَرِدْ … فِي النَّظمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
وقال في "باب المفعول معه":
وَالْعَطْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلَا ضُعْفٍ أَحَقُّ … وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضُعْفِ النَّسَقْ
فجعله مختارًا، والحاصل أن الرواية إن كانت بالنصب، فذاك؛ لأنه الموافق للجادّة، وإن كانت بالرفع، فله وجه على قلّة. ويمكن أن يُجعل قوله: "وعقبُهُ من بعده" مبتدأ وخبرًا، والجملة في محلّ نصب على الحال، وهذا أقرب. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "فإذا لم يجعل عقبَهُ من بعده" أي إذا لم يذكر عقبه من بعد ذكر المُعمَر له،
_________________
(١) وفي نسخة: "وقلت"، وفي أخرى: "فقلت".
(٢) وفي نسخة: "حدّث".
(٣) وفي نسخة: "وإذا".
(٤) وفي نسخة: "إن الخلفاء لا يقضون"، وفي أخرى: "فكان الخلفاء الخ"
[ ٣٠ / ٢٥٨ ]
بل اقتصر على ذكره فقط. وقوله: "شرطه" بالرفع اسم كان مؤخّرًا، وخبره الجارّ والمجرور السابق، يعني أنه إذا لم يذكر عقبه من بعده، وشرط أن يرجع إليه بعد موت المعمَر له، فله هذا الشرط الذي شرطه.
وحاصل هذا الكلام أن الزهريّ -رحمه اللَّه تعالى- يرى أن العمرى الواجبة اللازمة هي التي يقول فيها الواهب: هي لك، ولعقبك من بعدك، وأما إذا لم يذكر قوله: "ولعقبك من بعدك" فإنها ترجع للواهب، وقد تقدّم أن الجمهور لا يرون الرجوع في هذه الصورة أيضًا كالأولى، وهو الأرجح، وإنما هذا رأي للزهريّ، واحتجّ بعدم قضاء الخلفاء به، وعارضه عطاء بن أبي رباح بأن من الخلفاء من قضى به، وهو عبد الملك بن مروان، عملًا بظاهر النصّ، وبما عليه جمهور أهل العلم، وهو الحقّ.
وقد تقدّم قول ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن ذكر الاختلاف، ومخالفة القاسم بن محمد في المسألة: ما نصّه: وقول القاسم: لا يُقبل في مخالفة من سمّينا من الصحابة والتابعين، فكيف يُقبل في مخالفة قول سيّد الموسلين - ﷺ -، ولا يصحّ أن يدّعَى إجماع أهل المدينة؛ لكثرة من قال بها منهم، وقضى طارق بالمدينة بأمر عبد الملك بن مروان. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "لا يقضون بهذا" أي بهذا الإطلاق، بل يأخذون على وفق التقييد. وقوله: "قضى بها" أي بالعمرى على إطلاقها.
والحديث أخرجه مسلم، مختصرا، دون قصّة هشام، ودون قولي الزهريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…