قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: (اعلم): أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- قد أجاد في صنيعه في هذا الباب حيث أورد حديث المزارعة بطرقه المختلفة، فقد أورده من حديث تسعة من الصحابة - ﵃ -، وهم: أُسيد بن ظهير، وجابر بن عبد اللَّه، ورافع بن خديج، وظُهير بن رافع، عم رافع بن خديج، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدريّ، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد اللَّه بن عبّاس، وأبو هريرة - ﵃ -، وبيّن اختلاف طرق هؤلاء بيانًا شافيًا، ولا سيّما حديث رافع - ﵁ -، فقد أخرجه من رواية ستة عشر راويًا، اثنان منهم صحابيان: أسيد ظهير، وعبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، وأربعة عشر منهم تابعيّون، وهم مجاهد، وطاوس (^١)، وعطاء بن أبي رباح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق، وسعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، وحنظلة بن قيس، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن سيرين، والزهريّ (^٢)، وأبو النجاشيّ عطاء بن صُهيب، وعيسى بن سهل بن رافع بن خَدِيج --رحمهم اللَّه تعالى--، وأنا -إن شاء اللَّه تعالى- سازيده -مستعينًا باللَّه ﷾- شرحًا، وإيضًا، على حسب ما أراه لائقًا به، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٨٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا خَالِدٌ -هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ رَافِعِ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ، أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى قَوْمِهِ، إِلَى بَنِي حَارِثَةَ، فَقَالَ: يَا بَنِي حَارِثَةَ، لَقَدْ دَخَلَتْ عَلَيْكُمْ مُصِيبَةٌ، قَالُوا مَا هِيَ؟ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذًا نُكْرِيهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْحَبِّ، قَالَ: «لَا»، قَالَ: وَكُنَّا نُكْرِيهَا بِالتِّبْنِ، فَقَالَ: «لَا»، وَكُنَّا نُكْرِيهَا بِمَا عَلَى الرَّبِيعِ السَّاقِي، قَالَ: «لَا، ازْرَعْهَا، أَوِ امْنَحْهَا أَخَاكَ».
خَالَفَهُ مُجَاهِدٌ).
_________________
(١) رواية مجاهد وطاوس عن رافع منقطعة، كما سيبينه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-.
(٢) راوية الزهريّ، عن رافع - ﵁ - منقطعة، كما سيأتي بيانه، إن شاء اللَّه تعالى.
[ ٣١ / ١٠٣ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن إبراهيم) بن صُدْران الأزدي السَّلَميّ -بالفتح- أبو جعفر المؤذّن البصريّ، صدوق [١٠] ٦٦/ ٨٢.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (عبد الحميد بن جعفر) الأنصاريّ المدنيّ، صدوقٌ رُمي بالقدر، وربّما وهم [٦] ٢٦/ ٩١٤.
٤ - (أبوه) جعفر بن عبد اللَّه بن الحكم الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٣] ١٤٥/ ١١١٢.
٥ - (رافع بن أُسيد بن ظهير) الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، مقبول [٣].
روى عن أبيه هذا الحديث، وعنه جعفر بن عبد اللَّه الأنصاريّ، واختُلف في الحديث على أُسيد. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.
٦ - (أُسيد -بضمّ الهمزة- ابن ظُهير -مصغّرًا -) ابن رافع بن عديّ بن زيد بن عمرو ابن زيد بن جُشَم بن حارثة الأنصاريّ الأوسيّ، يكنى أبا ثابت، له ولأبيه صحبة (^١)، وهو أخو عبّاد بن بشر لأمه، قيل: إنه ابن أخي رافع بن خَدِيج، وقيل: ابن عمّه. روى عن الحسن البصريّ، وجعفر بن أبي المغيرة، وغيرهما. وعنه ابنه رافع، وزياد أبو الأبرد، وعكرمة بن خالد، ومجاهد. استُصغر يوم أُحد، وشَهِد الخندق، ومات في خلافة مروان بن الحكم. وقال ابن عبد البرّ: توفّي في خلافة عبد الملك بن مروان. وفرّق ابن حبّان، والحاكم بين أُسيد بن ظُهير الصحابيّ، وبين أُسيد بن ظُهير ابن أخي رافع بن خَدِيج الذي يروي عنه أبو الأبرد، فقال الحاكم: لا تصحّ صحبته؛ لأن في إسناده أبا الأبرد، وهو مجهول. وقال ابن حبّان: قيل: له صحبة، ولا يصحّ عندي؛ لأن إسناد خبره فيه اضطراب، هكذا قال في ثقات التابعين، وذكر قبل ذلك أُسيد بن ظُهير في الصحابة، ولم يتردّد. والذي روى عنه أبو الأبرد فقد صحّح الترمذيّ أنه أُسيد ابن ظهير، صاحب الترجمة، وصحّح حديثه (^٢). روى له الأربعة، وله عند جميعهم حديث الباب، وحديث: "صلاة في مسجد قباء كعمرة" عند الترمذيّ، وابن ماجه أيضًا: واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم
_________________
(١) "الإصابة" ١/ ٧٦ - ٧٧. لكن في إثباته الصحبةَ لأُسيد نظرٌ؛ لأن الصحبة لأبيه لا له. فليتأمل.
(٢) "تهذيب التهذيب" ١/ ١٧٦ - ١٧٧.
[ ٣١ / ١٠٤ ]
ثقات، غير رافع بن أسيد، فمجهول. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وخالد، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه مرّتين، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيرِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أنَّهُ خَرَجَ إِلَى قَوْمِهِ، إِلَى بَنِي حَارِثَةَ) بن الحارث بن الخزر، بطن من الأنصار، والجارّ والمجرور بدل من قوله: "إلى قومه" (فَقَالَ) أسيد (يَا بَنِي حَارِثَةَ لَقَدْ دَخَلَتْ عَلَيْكُمْ مُصِيبَةٌ) أي لمنعهم مما يرونه رفقًا بهم، والتعامل بإجار الأرض، وإن كان الرفق، واللطف فيما شرعه اللَّه ﷾؛ لأن اللَّه تعالى أعلم بمصالح عباده، وهم لا يعلمون، كما قال اللَّه -﷿-: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] (قَالُوا: مَا هِيَ؟) المصيبة التي دخلت علينا (قَالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ) أي وأنتم أكثر معاشكم منه (قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ) مرتب على محذوف، أي فلما سمعنا ذلك، ذهبنا إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فقلنا: يا رسول اللَّه (اِذًا) هي حرف جزاء وجواب، أي إذا كان الأمر كذلك، من نهي كراء الأرض بالدراهم، والدنانير (نُكْرِيهَا) بضن أوله، من الإكراء: أي نؤاجرها (بشَيْءٍ مِنَ الْحَبِّ) أي ببعض ما يخرج منها (قَالَ) - ﷺ - (لَا) أي تُكرُوها بشيء من الحبّ أيَضًا (قَالَ: وَكُنَّا نُكْرِيهَا بِالتِّبْنِ) أي فما حكمه؟، و"التِّبْن" -بكسر التاء المثنّاة، وتُفتح، وسكون الباء الموحّدة، آخره نون-: هو ساق الزرع بعد دِيَاسته. والمَتْبَنُ، والْمَتْبَنَة: بيت التبن. أفاده الفيّوميّ. وقال المجد في "القاموس": "التبن بالكسر: عَصِيفَةُ الزرع من بُرْ، ونحوه، ويُفتَح. انتهى.
(فَقَال) - ﷺ - (لَا) أي لا تكروها به (وَكُنَّا نُكْرِيهَا بِمَا عَلَى الرَّبِيعِ) بفتح الراء، وكسر الموحّدة: النهر الصغير، وجمعه أربعاء، وأربعةٌ، مثلُ نصيبٍ وأَنصباء، وأنصبة، وقوله (السَّاقِي) صفة لـ "الربيع"، والمعنى: نُكريها بما يُزرَعُ على حافتي الربيع الذي يَسقِي الزرعَ (قَالَ) - ﷺ - (لَا) تفعلوا هذا أيضًا (ازْرَعْهَا أَوِ امْنَحْهَا أَخَاكَ) الخطاب لصاحب الأرض، أمره أن يزرعها بنفسه، إن احتاج إليها، أو يعطيها لأخيه المحتاج إليها، إن كان مستغنيًا عنها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أُسيد بن ظهير - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لأن في إسناده رافع بن أُسيد، وهو مجهول العين، لم يرو عنه غير جعفر بن
[ ٣١ / ١٠٥ ]
عبد اللَّه الأنصاريّ، وقال عنه في "التقريب": مقبول، أي حيث يُتابع، ودم يتابع هنا، بل خالفه من هو ثقة حافظ، وهو مجاهد بن جبر، كما بيّنه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بعدُ.
وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا-٢/ ٣٨٨٩ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٥٨٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ مُجَاهِدٌ) يعني أن مجاهد بن جبر الإمام المثبت الحجة خالف رافع بن أُسيد في روايته لهذا الحديث، فجعله عن أُسيد بن ظهير، عن رافع بن خَدِيج - ﵁ -، كما بيّنه بقوله:
٣٨٩٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ آدَمَ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ -وَهُوَ ابْنُ مُهَلْهَلٍ- عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ، قَالَ: جَاءَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَاكُمْ عَنِ الْحَقْلِ، وَالْحَقْلُ الثُّلُثُ، وَالرُّبُعُ، - وَعَنِ الْمُزَابَنَةِ. وَالْمُزَابَنَةُ شِرَاءُ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِكَذَا وَكَذَا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) الْمُخرَّميّ، أبو جعفر البغداديّ ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠.
٢ - (يحيى ابن آدم) أبو زكريا الكوفيّ ثقة حافظ فاضل [٩] ١/ ٤٥١.
٣ - (مُفَضَّل بن مُهَلْهَل) أبو عبد الرحمن الكوفيّ الثقة الثبت النبيل العابد [٧] ٢٥/ ١٢٤٠.
٤ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٦] ٢/ ٢.
٥ - (مجاهد) بن جبر، أبو الحجّاج المخزوميّ مولاهم المكيّ الثقة الثبت الفقيه الإمام في التفسير وغيره من العلوم [٣] ٢٧/ ٣١.
٦ - (أُسيد بن ظهير) المذكور في السند الماضي.
٧ - (رافع بن خَدِيج) بن عديّ الحارثي الأوسي الأنصاريّ، الصحابيّ الجليل، أول مشاهده أُحدٌ، ثم الخندق، مات - ﵁ - سنة (٧٣) أو (٧٤) وقيل: قبل ذلك، وقد تقدّمت ترجمته في ١١٢/ ١٥٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أُسيد بن ظُهير، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أن فيه رواية صحابي عن صحابي، وتابعي عن تابعيّ عند من يقول بتابعية منصور. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣١ / ١٠٦ ]
شرح الحديث
(عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْر) بتصغير الاسمين - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: جَاءَنَا رَافِعُ ابْنُ خَدِيجٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَاكُمْ، عَنِ الْحَقْلِ) -بفتح الحاء المهملة، وسكون القاف، آخره لام-: الأرض الْقَرَاح (^١)، وهي التي لا شجر بها، وقيل. هو الزرع إذا تشعّب ورقه، ومنه أُخِذت المحاقلة، وهي بيع الزرع في سُنبله، وجمعه حُقُول، مثلُ فَلْس وفُلُوس. قاله الفيّوميّ (^٢). وقال المجد: الْحَقْل: قَرَاحٌ طيّبٌ يُزرع فيه، كالْحَقْلة، والزرع قد تشغب ورقُهُ، وظهر، وكثُر، أو استجمع خروج نباته، أو ما دام أخضر، وقد أحقل في الكلّ. والمَحاقل: الْمَزَارع، والْمُحَاقَلَةُ: بيع الزرع قبل بدوّ صلاحه، أو بيعه في سنبله بالحنطة، أو المزارعة بالثلث، أو الربع، أو أقلّ، أو أكثر، أو اكتراء الأرض بالحنطة. انتهى (^٣).
والمراد بالحقل هنا: كراء المزارع، كما بيّنه بقوله (وَالْحَقْلُ الثُّلُثُ، وَالرُّبُعُ) أي كراء الأرض بثلث ما يخرُج منها، أو بربعه (وَعَنِ المُزَابَنَةِ) مفاعلة من الزَّبْن -بفتح الزاي، وسكون الموحّدة، آخره نون-: وهو الدفع، يقال: زَبَنت الناقة حالبها زَبْنًا، من باب ضرب: دفعته برجلها، فهي زبون بالفتح، فَعُول بمعنى فاعل، مثلُ ضَرُوب بمعنى ضارب، وحَرْبٌ زَبُون بالفتح أيضًا؛ لأنها تَدْفع الأبطال عن الإقدام خوف الموت، وزَبَنتُ الشيءَ زَبْنًا: إذا دفعته، فأنا زَبُون أيضًا. وقيل: للمشتري زَبُون؛ لأنه يدفع غيره عن أخذ المبيع، وهي كلمة مولّدة، ليست من كلام أهل البادية، ومنه الزبانية؛ لأنهم يدفعون أهل النار إليها، وزُبانى العَقرَب قَرْنهُا، والمزابنة: بيع الثمر في رؤوس النخل بتمر كيلًا. قاله الفيّوميّ. (وَالمُزَابَنَةُ شِرَاءُ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ) أي الثمر الذي على رؤوس النخل (بِكَذَا وَكَذَا وَسْقًا) بفتح الواو، وسكون المهملة، ويجمع على وُسُوق، كفلس وفلوس، ويجوز كسر الواو، ويُجمع على أوساق، كحِمل وأحمال، وأصل الوسق حِمْلُ بعير، يقال: عنده وَسْقٌ من تمر. وقال الأزهريّ: الوسق ستّون صاعًا بصاع النبيّ - ﷺ -، والصاع خمسة أرطال وثلث، والوسق على هذا الحسابِ مائة وستّون منًّا. والوسق ثلاثة أقفزة. أفاده الفيّوميّ. والمراد به هنا المكيل، كما بينه يقول (مِنْ تَمْرٍ) يعني أن المزابنة معناها: أن يشتري الثمر على رؤوس النخل بمقدار من التمر الذي في
_________________
(١) القراح بالفتح، وزان كلام: المزرعة التي ليس فيه بناء، ولا شجر. اهـ المصباح.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٤٤.
(٣) "القاموس" ص ٨٨٧.
[ ٣١ / ١٠٧ ]
الجرين، أو نحوه.
[تنبيه]: الظاهر أن تفسير الحقل، والمزابنة من رافع بن خَدِيج - ﵁ -، ويحتمل أن يكون من غيره، لكن الأول أقرب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث رافع بن خَدِيج - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢/ ٣٨٩٠ و٣٨٩١ و٣٨٩٢ و٣٨٩٣ و٣٨٩٤ و٣٨٩٥ و٣٨٩٦ و٣٨٩٧ و٣٨٩٨ و٣٨٩٩ و٣٩١٣ و١٣٩٤ و٣٩١٥ و٣٩١٦ و٣٩١٧ و٢٩١٨ و٣٩٢٢ و٣٩٢٣ و٣٩٢٤ و٣٩٢٥ و٣٩٢٦ و٣٩٢٧ و٣٩٢٨ و٣٩٢٩ و٣٩٣٠ و٣٩٣١ و٣٩٣٢ و٣٩٣٣ و٣٩٣٤ و٣٩٣٥ و٣٩٣٦ و٣٩٣٧ و٣٩٣٨ و٣٩٣٩ و٣٩٤٠ و٣٩٤١ و٣٩٤٢ و٣٩٤٣ و٣٩٤٤ و٣٩٤٥ و٣٩٤٦ و٣٩٤٩ و٣٩٥٠ و٣٩٥١ و٣٩٥٢.
وفي "الكبرى" ١/ ٤٥٩٠ و٤٥٩١ و٤٥٩٢ و٤٥٩٣ و٤٥٩٤ و٤٥٩٥ و٤٥٩٦ و٤٥٩٧ و٤٥٩٨ و٤٥٩٩ و٤٦٠٠ و٤٦١٣ و٤٦١٤ و٤٦١٦ و٤٦١٧ و٤٦٢٣ و٤٦٢٤ و٤٦٢٥ و٤٦٢٦ و٤٦٢٧ و٤٦٢٨ و٤٦٢٩ و٤٦٣٠ و٤٦٣٢و ٤٦٣١ و٤٦٣٣ و٤٦٣٤ و٤٦٣٦ و٤٦٣٧ و٤٦٣٨ و٤٦٣٩ و٤٦٤٠ و٤٦٤١ و٤٦٤٢ و٤٦٤٣ و٤٦٤٤ و٤٦٤٥ و٤٦٤٦ و٤٦٤٧ و٤٦٥٣ و٤٦٥٤ و٤٦٥٥ و٤٦٥٦ و٤٦٥٧.
وأخرجه (خ) في "الإجارة" ٢٢٨٦ و"المزارعة" ٢٣٢٧ و٢٣٣٩ و"المساقاة" ٢٣٨٤ (م) في "البيوع" ١٥٤٧ و١٥٤٨ (د) في "البيوع" ٣٣٨٩ و٣٣٩٢ و٣٣٩٣ و٣٣٩٤ و٣٣٩٥ و٣٣٩٧ و٣٣٩٨ و٣٣٩٩ و٣٤٠٠ و٣٤٠١ و٣٤٠٢ (ت) في "البيوع" ١٣٠٣ و"الأحكام" ١٣٨٤ (ق) في "التجارات" ٢٢٦٧ و"الأحكام" ٢٤٤٩ و٢٤٥٣ و٢٤٥٨ و٢٤٥٩ و٢٤٦٠ و٢٤٦١ و٢٤٦٥ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٩٠ و٤٥٢٢ و٥٢٩٥٧ و"مسند المكيين" ١٥٣٩٦ و١٥٣٨٤ و١٥٣٩٧ و"مسند الشاميين" ١٦٨٠٥ و١٦٨٢٧ و١٦٨٣٦ (الموطأ) في "كراء الأرض" ١٤١٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع، وسيأتي اختلاف العلماء في المراد بالنهي المذكور. (ومنها): جواز حراثة الأرض، وزراعتها؛ بل ورد فيه من الفضل ما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"
[ ٣١ / ١٠٨ ]
من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "ما من مسلم، يَغرِس غَرْسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمةٌ، إلا كان له به صدقة".
وأما الحديث الوارد في الذمّ وهو ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من حديث أبي أمامة الباهليّ - ﵁ -، قال -ورأى سِكَّةٌ، وشيئا من آلة الحرث- فقال: سمعت النبي - ﷺ -، يقول: "لا يدخل هذا بيت قوم، إلا أدخله اللَّه الذُّلُّ". وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج": "إلا أدخلوا على أنفسهم ذُلّا، لا يَخرُج عنهم إلى يوم القيامة".
فمحمول على ما إذا شغله ذلك عن الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، والقيام بالواجبات، ولذلك قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في ترجمته لهذا الحديث -بعد ذكر "باب فضل الزرع والغرس": ما نصّه: "باب ما يُحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحدّ الذي أُمر به". انتهى (^١).
(ومنها): الحثّ على "الإحسان بمنح الأرض لمن يحتاج إلى زراعتها، وقد عمل بهذا الصحابة - ﵃ -، ولذلك ترجم البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: "باب ما كان من أصحاب النبيّ - ﷺ - يُواسي بعضهم بعضًا في الزراعة والثمر"، ثم أورد حديث رافع بن خديج - ﵁ - من طريق أبي النجاشيّ، عن رافع، عن عمه ظهير بن رافع - ﵄ - الآتي رقم-٣٩٥٠ - إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): حرص الشارع على الحثّ في التراحم، والتعاطف، وعدم طلب المقابل على "الإحسان" والترغيب إلى ما فيه جلب المودّة والمحبّة، والترهيب عن ما يورث الشحناء، والبغضاء، والحقد، والحسد؛ فإن هذا هو سبب النهي عن المزارعة، كما بُين ذلك في بعض طرق حديث رافع - ﵁ -، فقد أخرج مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" عن حنظلة بن قيس الأنصاريّ، قال: سألت رافع بن خديج، عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي - ﷺ -، على الْمَاذْيَانَاتِ، وأَقْبَال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا، ويَسلَم هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم، مضمون فلا بأس به. انتهى (^٢).
(ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من كمال إيمانهم، وتقديمهم أمر الشارع على
_________________
(١) راجع "صحيح البخاري" بنسخة "الفتح" ٥/ ٢٦٦ - ٢٦٨. "كتاب الحرث والمزارعة". رقم ٢٣٢٠ و٢٣٢١.
(٢) راجع "صحيح مسلم" بنسخة شرح النوويّ ١٠/ ٤٤٩. رقم ٣٩٢٩.
[ ٣١ / ١٠٩ ]
هوى أنفسهم، وثقتهم بأن كلّ الخير مضمون فيما أمر اللَّه ﷾ به، لا فيما يبدو لهم، ويظنّون الخيريّة فيه، فقد قال هذا الصحابيّ الجليل - ﵁ -: "نهانا رسول اللَّه - ﷺ - عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية اللَّه، ورسوله - ﷺ - أنفع لنا"، فبيّن أن النفع الظاهر للنفس لا يُعتمد عليه، بل الاعتماد على ما شرعه اللَّه تعالى، فان الخير كله مضمون فيه، وهذا هو واجب كلّ مسلم إذا سمع نهي الشارع أن يقول: سمعًا وطاعة للَّه ﷾ ولرسوله - ﷺ -، ويعتقد أن الخير كلّه في ذلك، وإن كان يظهر له بادئ ذي بدء أنَّ ما نهى عنه كان نافعًا له، ورافقًا به، فإن اللَّه ﷾ أعلم بمصالح عباده منهم لأنفسهم، كما قال -﷿-: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المزارعة:
قال الإمام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: المزارعة جائزة في قول كثير من أهل العلم، قال البخاريّ: قال أبو جعفر: ما بالمدينة أهل بيت إلا ويزرعون على الثلث والربع. وزارع عليّ، وسعد، وابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عليّ، وابن سيرين. وممن رأى ذلك سعيد بن المسيّب، وطاوسٌ، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهريّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابنه، وأبو يوسف، ومحمد. وروي ذلك عن معاذ، والحسن، وعبد الرحمن بن يزيد. قال البخاريّ: وعامل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر، فلهم كذا.
وكرهها عكرمة، ومجاهد، والنخعيّ، وأبو حنيفة،. وروي عن ابن عبّاس الأمران جميعًا.
وأجازها الشافعيّ في الأرض بين النخيل، إذا كان بياض الأرض أقلّ، فإن كان أكثر فعلى وجهين، ومنعها في الأرض البيضاء؛ لما روى رافع بن خديج - ﵁ -، قال: كنّا نُخابر على عهد رسول اللَّه - ﷺ -، فذكر أن بعض عمومته أتاه، فقال: نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية اللَّه، ورسوله - ﷺ - أنفع لنا، قلنا: ما ذاك؟ قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "من كانت له أرضٌ، فليَزرَعها، ولا يُكريها بثلث، ولا بربع، ولا بطعام مسمّى"، وعن ابن عمر - ﵄ - قال: ما كنّا نرى بالمزارعة بأسًا حتى سمعت رافع ابن خَديج يقول: نهى رسول اللَّه - ﷺ - عنها. وقال جابر - ﵁ -: نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن المخابرة.
وهذه كلها أحاديث صحاح متّفقٌ عليها، والمخابرة؛ المزارعة، واشتقاقها من
[ ٣١ / ١١٠ ]
الْخَبَار، وهي الأرض الليّنة، والْخَبِير: الأَكّار. وقيل: المخابرة: معاملة أهل خيبر.
وقد جاء حديث جابر - ﵁ - مفسّرًا، فروى البخاريّ بإسناده عن جابر - ﵁ - قال: كانوا يزرعونها بالثلث، والربع، والنصف، فقال النبيّ - ﷺ -: "من كانت له أرضٌ، فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن لم يفعل، فليُمسك أرضه". ورُوي تفسيرها عن زيد بن ثابت - ﵁ -، فقد روى أبو داود بإسناده عن زيد - ﵁ - قال: نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن المخابرة، قلت: وما المخابرة؟ قال: أن يأخذ الأرض بنصف، أو ثلث، أو ربع.
واحتجّ الأولون بما روى ابن عمر - ﵄ - قال: إن رسول اللَّه - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرُج منها، من زرع، أو ثمر. متّفقٌ عليه. وقد رُوي ذلك عن ابن عبّاس، وجابر بن عبد اللَّه - ﵃ -. وقال أبو جعفر: عامل رسول اللَّه - ﷺ - أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر، ثم عمر، وعثمان، وعلي - ﵃ -، ثم أهلوهم إلى اليوم، يُعطُون الثلث، والربع، وهذا أمر صحيحٌ، مشهور، عَمِل به رسول اللَّه - ﷺ - حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدون حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعده، فروى البخاريّ عن ابن عمر أن النبيّ - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرُجُ منها، من زرع، أو ثمرٍ، فكان يُعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسقًا تمرًا، وعشرون وسقًا شعيرًا، فقسم عمر - ﵁ - خيبر، فخيّر أزواج النبيّ - ﷺ - أن يَقطع لهنّ من الأرض والماء، أو يُمضي لهنّ الأوسق، فمنهنّ مقلًا اختار الأرض، ومنهنّ من اختار الأوسق، فكانت عائشة - ﵂ - اختارت الأرض.
ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ؛ لأن النسخ إنما يكون في حياة رسول اللَّه - ﷺ -، فأما شيء عمل به إلى أن مات، ثم عمل به خلفاؤه بعده، وأجمعت الصحابة - ﵃ -، وعملوا به، ولم يُخالف فيه منهم أحد، فكيف يجوز نسخه، ومتى كان نسخه؟، فإن كان نُسخ في حياة رسول اللَّه - ﷺ -، فكيف عُمل به بعد نسخه؟، وكيف خَفِي نسخه؟، فلم يبلغ خلفاءه، مع اشتهار قصّة خيبر، وعَملهم فيها؟ فأين كان رواي النسخ حتى لم يذكروه، ولم يخبرهم به؟.
فأما ما احتجّ به المانعون، فالجواب عن حديث رافع بن خديج - ﵁ - من أربعة أوجه:
[أحدها]: أنه قد فُسّر المنهي عنه في حديثه بما لا يُختَلَفُ في فساده، فإنه قال: كنّا أكثر الأنصار حَقْلًا، فكنّا نكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربّما أخرجت هذه، ولم تُخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما بالذهب والورق، فلم ينهنا. متّفقٌ عليه. وفي لفظ: فأما بشيء معلوم، مضمون، فلا بأس. وهذا خارجٌ عن محلّ الخلاف، فلا دليل فيه عليه، ولا تعارض بين الحديثين.
[الثاني]: أن خبره ورد في الكراء بثلث، أو ربع، والنزاع في المزارعة، ولم يدلّ
[ ٣١ / ١١١ ]
حديثه عليها أصلًا، وحديثه الذي في المزارعة يُحمل على الكراء أيضًا؛ لأن الفضّة واحدةٌ، رُويت بألفاظ مختلفة، فيجب تفسير أحد اللفظين بما يوافق الآخر.
[الثالث]: أن أحاديث رافع - ﵁ - مضطربة جدًّا، مختلفة اختلافا كثيرًا، يوجب ترك العمل بها لو انفردت، فكيف يُقدّم على مثل حديثنا؟ قال الإمام أحمد: حديث رافع ألوان. وقال أيضًا: حديث رافع ضُرُوبٌ. وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدلّ على النهي كان لذلك، منها: الذي ذكرناه، ومنها: خَمْسٌ أخرى. وقد أنكره فقيهان من فقهاء الصحابة: زيد بن ثابت، وابن عبّاس - ﵃ -، قال زيد بن ثابت: أنا أعلم بذلك منه، وإنما سمع النبيُّ - ﷺ - رجلين قد اقتتلا، فقال: "إن كان هذا شأنكم، فلا تُكروا المزارع". رواه أبو داود، والأثرم. وروى البخاريّ، عن عمرو بن دينار، قال: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبيّ - ﷺ - نهى عنها، قال: إن أعلمهم -يعني ابن عبّاس- أخبرني أن النبيّ - ﷺ - لم يَنْهَ عنها، ولكن قال: "أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خَراجًا معلومًا".
ثم إن أحاديث رافع - ﵁ - منها ما يُخالف الإجماع، وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق، ومنها ما لا يُختَلَف في فسادهَ، كما بيّنّاه، وتارة يُحدّث عن بعض عمومته، وتارة عن سماعه، وتارة عن ظُهير بن رافع - ﵁ -، وإذا كانت أخبار رافع هكذا، وجب اطّراحها، واستعمال الأخبار الواردة في شأن خيبر الجارية مجرى التواتر التي لا اختلاف فيها، وبها عمل الخلفاء الراشدون، وغيرهم، فلا معنى لتركها بمثل هذه الأحاديث الواهية.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قوله: "الأحاديث الواهية" فيه نظر لا يخفى، فكيف تكون واهية، وقد أخرجها الشيخان؟، واعتمدا عليها، بل الصواب أنها صحيحة، ويجب تأويلها بما لا يتنافَى مع حديث شأن خيبر، وذلك هو التأويل الأول في كلام ابن قُدامة، وغير ذلك مما سنبيّنه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
قال: [الجواب الرابع]: أنه لو قُدّر صحّة خبر رافع (^١)، وامتنع تأويله، وتعذّر الجمع، لوجب حمله على أنه منسوخ؛ لأنه لا بدّ من نسخ أحد الخبرين، ويستحيل القول بنسخ حديث خيبر؛ لكونه معمولًا به من جهة النبيّ - ﷺ - إلى حين موته، ثم من بعده إلى عصر التابعين، فمتى كان نسخه؟.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعوى النسخ هنا غير صحيحة؛ لأن النسخ لا يُصار
_________________
(١) هذه عبارة سخيفة، كيف يقول: لو قدّر، مع كونه هو الواقع حقيقة، لا تقديرًا، إن هذا لشيء عجاب.
[ ٣١ / ١١٢ ]
إليه إلا عند تعذّر العمل بالنصّ، وهنا لا تعذّر، بل يحمل على أحد المحامل التي ذكرها هو أو غيره، كما فعل هو هنا في حديث جابر، وزيد بن ثابت - ﵄ - حيث قال:
وأما حديث جابر - ﵁ - في النهي عن المخابرة، فيجب حمله على أحد الوجوه التي حُمل عليها خبر رافع، فإنه قد روى حديث خيبر أيضًا، فيجب الجمع بين حديثيه مهما أمكن، ثم لو حُمل على المزارعة لكان منسوخًا بقصّة خيبر؛ لاستحالة نسخها، كما ذكرنا، وكذلك القول في حديث زيد بن ثابت - ﵁ -.
قال؛ فإن قال أصحاب الشافعيّ: تحُمل أحاديثكم على الأرض التي بين النخيل، وأحاديث النهي على الأرض البيضاء؛ جمعًا بينهما. قلنا: هذا بعيد لوجوه خمسة:
[أحدها]: أنه يبعُدُ أن تكون بلدةٌ كبيرةٌ يأتي منها أربعون ألف وسق، ليس فيها أرض بيضاء، ويبعد أن يكون قد عاملهم على بعض الأرض دون بعض، فينقل الرواة كلهم القصّة على العموم من غير تفصيل، مع الحاجة إليه.
[الثاني]: أن ما يذكرونه من التأويل لا دليل عليه، وما ذكرناه دلّ عليه بعض الروايات، وفسّره الراوي بما ذكرناه، وليس معهم سوى الجمع بين الأحاديث، والجمع بينهما يحمل بعضها على ما فسّره راويه به أولى من التحكّم بما لا دليل عليه
[الثالث]: أن قولهم يُفضي إلى تقييد كلّ واحد من الحديثين، وما ذكرناه حملٌ لأحدهما وحده.
[الرابع]: أن فيما ذكرناه موافقة عمل الخلفاء الراشدين، وأهليهم، وفقهاء الصحابة، وهم أعلم بحديث رسول اللَّه - ﷺ -، وسنّته، ومعانيها، وهو أولى من قول من خالفهم.
[الخامس]: أن ما ذهبنا إليه مُجمَعٌ عليه، فإن أبا جعفر روى ذلك عن أهل كلّ بيت بالمدينة، وعن الخلفاء الأربعة، وأهليهم، وفقهاء الصحابة، واستمرار ذلك، وهذا مما لا يجوز خفاؤه، ولم يُنكره من الصحابة منكِرٌ، فكان إجماعًا، وما رُوي في مخالفته، فقد بيّنّا فساده، فيكون هذا إجماعًا من الصحابة - ﵃ -، لا يسوغ لأحد خلافه.
والقياس يقتضيه، فإن الأرض عينٌ تُنمّى بالعمل فيها، فجازت المعاملة عليها ببعض نمائها، كالأثمان في المضاربة، والنخل في المساقاة، أو نقول: أرضٌ، فجازت المزارعة عليها، كالأرض بين النخيل، ولأن الحاجة داعيةٌ إلى المزارعة؛ لأن أصحاب الأرض قد لا يقدرون على زرعها، والعمل عليها، والأكَرَةُ يحتاجون إلى الزرع، ولا أَرْضَ لهم، فاقتضت حكمة الشرع جواز المزارعة، كما قلنا في المضاربة، والمساقات، بل الحاجة ههنا آكد؛ لأن الحاجة إلى الزرع آكد منها إلى غيره؛ لكونه مُقتاتًا، ولكون الأرض لا يُنتفع بها إلا بالعمل عليها، بخلاف المال، ويدلّ على ذلك
[ ٣١ / ١١٣ ]
قول راوي حديثهم: نهانا رسول اللَّه - ﷺ - عن أمر كان لنا نافعًا، والشارع لا ينهى عن المنافع، وإنما ينهى عن المضارّ والمفاسد، فدلّ على غلط الراوي في النهي عنه، وحصول المنفعة فيما ظنّه منهيًّا عنه. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- تحقيقٌ نفيسٌ، غير محاولته لتضعيف حديث رافع بن خديج - ﵁ -، فإنه غير مقبول، فإن الحديث صحيح، وقد اتفق الشيخان على تخريجه، والجمع بينه وبين حديث قصّة خيبر ممكنٌ، كما سبق في كلامه هو، فكيف يضعّفه؟.
والحقّ أن الحديث صحيح، وأنه لا يعارض الحديث المذكور، كما قاله الحذّاق العارفون بعلل الأحاديث، وفقهها، فمن تأمّله، وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمل مجملها على مفسّرها، ومطلقها على مقيّدها على أن الذي نهى عنه - ﷺ - في حديثهما كان أمرًا بين الفساد، وهي المزارعة الظالمة الجائرة، فإنه - ﵁ - قال: "كنا نُكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربّما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه"، وفي لفظ: "كان الناس يؤاجرون على عهد رسول اللَّه - ﷺ - بما على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع"، وقال أيضًا: "ولم يكن لهم كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، وأما بشيء معلوم، مضمون، فلا بأس"، فهذا، وما أشبهه من حديثه من أبين ما فيه، وأصحّه، وأصرح ما فسّر به ما أجمله، أو أطلقه، أو اختصره في سائر رواياته، فالواجب أن تُحْمَلَ تلك المجملاتُ على المفسّر المبيّن، المتّفق عليه لفظًا، وحكمًا.
قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدلّ على أن النهي كان لتلك العلل.
وقال الإمام الليث بن سعد -رحمه اللَّه تعالى-: الذي نهى عنه رسول اللَّه - ﷺ - أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز.
وأيضًا فقد وقع في حديث جابر - ﵁ - نحو ما وقع في حديث رافع، لكن الجواب هو الجواب المذكور، فقد وقع في بعض طرقه: "أنهم كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القِصْرَى (^٢)، ومن كذا، ومن كذا، فقال - ﷺ -: من كان له أرض، فليزرعها، أو
_________________
(١) "المغني" ٧/ ٥٥٥ - ٥٦١. "كتاب المزارعة".
(٢) "القِصْريْ" بكسر القاف، وسكون الصاد المهملة هي الرواية "الصحيحة" وهو ما يبقى من الحبوب في سنبله بعد الدَّوْس، وهي لغة شاميّة، قاله ابن دُريد. وقد قيّده بعضهم بفتح القاف مقصورًا، وبعضهم بضمّها مقصورًا. اهـ "المفهم" ٥/ ٤١٠. وقال في "القاموس": الْقِصْرَى بالكسر، والْقَصَرُ، والقَصَرَةُ محركتين، والْقُصْرَى كبُشْرَى: ما يَبْقَى في الْمُنْخُلِ بعد الانتخال، أو يَخْرُج من القَتَّ بعد الدوسة الأُولى، أو القِشرةُ العُلْيَا من الجبّة. انتهى
[ ٣١ / ١١٤ ]
ليمنها أخاه"، فهذا مفسّر مبين ذُكر فيه سبب النهي، وأُطلق في غيره من الألفاظ، فينصرف مطلقها إلى هذا المقيّد المبيّن، وأن المراد بالنهي هو هذا النوع.
وقال الإمام البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "السنن الكبرى" -٦/ ١٣٣ - ١٣٦ -: "باب من أباح المزارعة بجزء معلوم مشاع، وحمل النهي عنها على التنزيه، أو على ما لو تضمّن العقد شرطًا فاسدًا"، ثم أورد الأحاديث، وأورد إنكار ابن عبّاس، وزيد بن ثابت - ﵃ - على رافع ابن خَدِيج، حيث قال ابن عبّاس - ﵄ -: "إن رسول اللَّه - ﷺ - لم يُحرّم المزارعة، ولكن أمر أن يرفُق الناس بعضهم من بعض (^١). وقال زيد بن ثابت - ﵁ -: يغفر اللَّه لرافع بن خَدِيج أنا واللَّه كنت أعلم بالحديث منه، إنما أتى رجلان من الأنصار إلى رسول اللَّه - ﷺ -، قد اقتتلا، فقال: "إن كان هذا شأنكم، فلا تُكروا المزارع"، فسمع قوله: "لا تُكروا المزارع".
قال البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: زيد بن ثابت، وابن عبّاس - ﵃ - كأنهما أنكرا -واللَّه أعلم- إطلاق النهي عن كراء المزارع، وعَنَى ابن عبّاس بما لم يُنه عنه من ذلك كراءها بالذهب والفضّة، وبما لا غرر فيه، وقد قيّد بعض الرواة عن رافع الأنواع التي وقع النهي عنها، وبيّن علّة النهي، وهي ما يُخشى على الزرع من الهلاك، وذلك غرر في العوض، يوجب فساد العقد. قال: وقد روينا عن زيد بن ثابت ما يوافق رواية رافع بن خديج وغيره، فدلّ أن ما أنكره غير ما أثبته. واللَّه أعلم.
قال: ومن العلماء من حمل أخبار النهي على ما لو وقعت بشروط فاسدة، نحو شرط الجداول، والماذْيَانات، وهي الأنهار، وهي ما كان يشترط على الزارع أن يزرعه على هذه الأنهار خاصّة لربّ المال، ونحو شرط القصارة، وهي ما بقي من الحبّ في السنبل بعد ما يداس، ويقال القِصْرَى، ونحو شرط ما يسقي الربيع، وهو النهر الصغير، فكانت هذه، وما أشبهها شروطا شرطها ربّ المال لنفسه خاصّةً، سوى الشرط على النصف، والربع، والثلث، فيرى أن نهي النبيّ - ﷺ - عن المزارعة إنما كان لهذه الشروط؛ لأنها مجهولة، فإذا كانت الحصص معلومةً، نحو النصف، والثلث، والربع، وكانت الشروط الفاسدة معدومةً، كانت المزارعة جائزة، وإلى هذه ذهب أحمد بن حنبل، وأبو عُبيد، ومحمد بن إسحاق بن خُزيمة، وغيرهم من أهل الحديث، وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من أصحاب الرأي -رحمهم اللَّه تعالى-، والأحاديث التي مضت في معاملة النبيّ - ﷺ - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر، أو زرع دليلٌ لهم في هذه المسألة.
وقال أيضًا: ومن ذهب إلى هذا زعم أن الأخبار التي ورد النهي فيها عن كرائها
_________________
(١) هكذا نسخة السنن الكبرى" للبيهقي "من بعض" بـ "من"، فليُنظر.
[ ٣١ / ١١٥ ]
بالنصف، أو الثلث، أو الربع إنما هو لما كانوا يُلحقون به من الشروط الفاسدة، فقصر بعض الرواة بذكرها، وقد ذكرها بعضهم، والنهي يتعلّق بها دون غيرها. انتهى المقصود من كلام البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد أجاد البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وأفاد في كلامه المذكور.
والحاصل أن المزارعة جائزة، إلا ما كان فيها العوض مجهولًا، أو دخلت فيه الشروط الفاسدة، على ما فُصّل آنفًا.
فبهذا تتفق السنن المأثورة عن رسول اللَّه - ﷺ -، وتتآلف، ويزول عنها الاضطراب المتوهّم، والاختلاف الذي يظهر في بادئ الرأي، ويظهر أن لكلّ منها وجهًا صحيحًا، ومَرَدًّا مَليحًا، وأن ما نهى عنه النبيّ - ﷺ - غير ما أباحه وفعله، وفعله أيضًا خلفاؤه الراشدون، وصحابته الأكرمون، - ﵃ -، وهذا هو الواجب، والواقع في نفس الأمر، وللَّه الحمد، والمنّة، وله الفضل والنعمة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٩١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يُحَدِّثُ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ، قَالَ: أَتَانَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَيْرٌ لَكُمْ، نَهَاكُمْ عَنِ الْحَقْلِ، وَقَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَمْنَحْهَا، أَوْ لِيَدَعْهَا»، وَنَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْمَالُ الْعَظِيمُ مِنَ النَّخْلِ، فَيَجِيءُ الرَّجُلُ، فَيَأْخُذُهَا بِكَذَا وَكَذَا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد": هو ابن جعفر المعروف بغندر.
وقوله: "أمر كان لنا نافعًا الخ". [فإن قيل]: كيف قال هذا الصحابيّ - ﵁ - "نهانا رسول اللَّه - ﷺ - عن أمر كان لنا نافعًا"، وهو من أعلم الناس أن الشارع لا ينهى عن المنافع، وإنما ينهى عن المضارّ، والمفاسد؟.
[قلت]: نعم أنه لا ينهى عن المنافع، وإنما ينهى عن المضارّ، إلا أن هذه المنافع، إنما منشؤها ظنهم فقط، وليست واقعة في نفس الأمر،، فإنهم ظنّوا أن قد كان لهم في ذلك المنهي عنه منفعة لهم حيث إنهم أصحاب الأراضي، والشروط ملائمة لهم، فإن الأرضى غالبًا إنما تخرج الزرع أكثر في مكان الماء، وأقبال الجداول وهذا في
_________________
(١) "السنن الكبرى" ٦/ ١٣٣ - ١٣٥.
[ ٣١ / ١١٦ ]
مصالحهم، وهذه مصلحة قاصرة، وتضرّر المزارع أكثر، وأكثر، ونظر الشارع واسعٌ، فإنه يراعي مصالح عموم المسلمين، لا المصحلة القاصرة على بعض الأفراد، ولهذا نهى عن مثل هذه المعاملات الظالمة، حيث كانت المنفعة، منفعة جزئيّة خاصّة بربّ الأرض؛ حيث اختصّ بخيار الزرع، وما يَسعَدُ منه بالماء، وما على أَقْبال الجداول، فهذه هي المنفعة التي تخيّلوها، وبمقابلها المضرّة البحتة على المزارع، فعدالة الشارع الحكيم اقتضت النهي عن ذلك، ونظير ذلك في باب الربا المنفعة التي يختصّ بها المرابي من أخذه الزيادة، مع تضرّر المأخوذ منه، فنهى الشارع عنها؛ لأن الشارع لا يبيح لأحد منفعة يترتّب عليها مضرّة إخوانه، فقد قال رسول اللَّه - ﷺ -: "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يَخذُله، ولا يحقره … " الحديث، أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
فلذلك لَمّا أدرك ذلك الصحابيّ غنى أن المنفعة التي يراها الشارع منفعة محقّقة لكلا الجانبين، بخلاف المنفعة التي كانون يظنّونها فإنها منفعة قاصرة، قال: (وطاعة رسول اللَّه - ﷺ - خير لكم". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: "أو ليدَعْها": أي ليترك زرعها، وليُهملها. [فإن قيل]: كيف يأمر النبيّ - ﷺ - بإهمالها، وهو تضييع لمنفعتها، فيكون من إضاعة المال، وقد ثبت النهي عنه؟.
[وأجيب]: يحمل النهي على إضاعة عين المال، أو منفعة لا تُخلَف؛ والأرض إذا تُركت بغير زرع لم تتعطّل منفعتها، فإنها قد تنبت من الكلإ، والحطب، والحشيش ما ينفع في الرعي وغيره، مثل منفعة الزراعة، بل قد يكون الانتفاع بهذا أكثر من الانتفاع بالزراعة، كما هو مشاهدٌ في بعض البلدان، أو بعض الأحيان. وعلى تقدير أن لا يحصل ذلك، فقد يكون تأخير الزرع عن الأرض إصلاحًا لها، كما يفعله كثير من الناس الخبراء بشؤون الزراعة قصدًا، فقد تُخلِف في السنة التي تليها أكثر مما فات في سنة الترك، وهذا كلّه إن حُمل النهي عن الكراء على عمومه، فأما لو حُمل الكراء على ما كان مألوفًا لهم من الكراء بجزء مما يخرج منها، ولا سيّما إذا كان غير معلوم، فلا يستلزم ذلك تعطيل الانتفاع بها في الزراعة، بل يُكريها بالذهب، أو الفضّة، كما تقرّر ذلك (^١).
والحديث صحيح، كما سبق القول فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
_________________
(١) راجع "الفتح" ٥/ ٢٩٣. "كتاب الحرث والمزارعة".
[ ٣١ / ١١٧ ]
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٩٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ، قَالَ: أَتَى عَلَيْنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، فَقَالَ: - وَلَمْ أَفْهَمْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَاكُمْ عَنْ أَمْرٍ، كَانَ يَنْفَعُكُمْ، وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، خَيْرٌ لَكُمْ مِمَّا يَنْفَعُكُمْ، نَهَاكُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الْحَقْلِ، وَالْحَقْلُ الْمُزَارَعَةُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ، فَاسْتَغْنَى عَنْهَا، فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، أَوْ لِيَدَعْ، وَنَهَاكُمْ عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ الرَّجُلُ يَجِيءُ إِلَى النَّخْلِ الْكَثِيرِ بِالْمَالِ الْعَظِيمِ، فَيَقُولُ: خُذْهُ بِكَذَا وَكَذَا وَسْقًا مِنْ تَمْرِ ذَلِكَ الْعَامِ).
قال الجامع عفاَ اللَّه تعالى عنه: "محمد بن قُدامة": هو القرشيّ مولاهم المصّيصيّ، ثقة [١٠]. و"جرير": هو ابن عبد الحميد.
وقوله: "فقال: ولم أفهم": لعل المراد لم أفهم سرّ هذا النهي، أو لم أفهم بأيّ سبب جاء النهي. أفاده السنديّ.
وقوله: "بالمال العظيم" متعلّق بـ "الكثير"، والمراد عظم ثمره، وكثرته، يعني أن ذلك النخل كثير الثمر، عظيم الفوائد. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد سبق القول فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٩٣ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَيْدُ بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: نَهَاكُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، أَنْفَعُ لَنَا، قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا، فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق": هو الْجُوزَجانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظٌ، رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
[تنبيه]: هذا الذي ذكرته من كون شيخ المصنّف هنا هو "إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق" الْجُوزجانيّ هو الذي وقع في نسخ "المجتبى"، وكذا في "تحفة الأشراف" ٣/ ١٣٩ - ووقع في "الكبرى" -٣/ ٩٠ -: ما نصّه: أخبرني إسحاق بن يعقوب بن إسحاق، وهو شيخ آخر للمصنّف، وهو:
"إسحاق بن يعقوب" بن إسحاق البغداديّ، أبو محمد، سكن الشام، ثقة [١١١].
روى عن عفّان، ومعاوية بن عمرو الأزديّ، وتفرّد بالرواية عنه المصنّف، وقال: ثقة. انظر "تهذيب التهذيب" ١/ ١٣١ - و"التقريب" ص٣٠ -، ولم يتبيّن لي أيّهما
[ ٣١ / ١١٨ ]
الصواب هنا؛ لأن كلًّا منهما يروي عن عفّان بن مسلم، ويروي عنه المصنّف، لكن مثل هذا لا يؤثّر في صحّة الحديث، فإن كلًّا منهما ثقة، فلا يضرّ عدم معرفة عينه. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"عفّان": هو ابن مسلم الصّفّار البصريّ. و"عبد الواحد": هو ابن زياد العبديّ مولاهم البصريّ.
و"سعيد بن عبد الرحمن" بن عبد اللَّه الزُّبَيديّ -بضمّ الزاي- أبو شَيبة الكوفيّ، قاضي الريّ، مقبول [٦].
قال البخاريّ: لا يُتابع في حديثه. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة. وقال ابن عديّ: ليس بذاك المعروف. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: يروي المقاطيع، مات سنة (١٥٦). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
وقوله: "حدّثني أُسيد بن رافع بن خديج" هكذا وقع في نسخ "المجتبى"، و"الكبرى"، إلا أن فيها أُلحقت لفظة "أخي" بين قوسين هكذا: حدّثني أسيد بن [أخي] رافع بن خديج، والظاهر أن هذا هو الصواب، كما في "تحفة الأشراف" -٣/ ١٣٩ - وقول المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بعد هذا: خالفه الخ يدلّ على هذا.
وأما أُسيد بن رافع بن خَديج، فستأتي روايته برقم ١٣٩٥ و٣٩٥٢ -، من رواية بكير ابن عبد اللَّه بن الأشجّ، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج.
وذكر في "تهذيب التهذيب" - ١/ ١٧٦ - أنه من طريق مجاهد: عن أسيد بن أخي رافع بن خَدِيج، واختلف على مجاهد فيه أيضًا، والحديث واحد. انتهى.
والحاصل أن الظاهر هنا أنه أسيد ابن أخي رافع بن خديج، وهو أُسيد بن ظهير المتقدّم، على ما قيل. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث ضعيف؛ لأن في سنده سعيد بن عبد الرحمن، وقد سبق الكلام فيه، وقد خالف عبد الكريم الجزريّ -كما بينه المصنّف بعدُ-وهو أثبت، وأحفظ منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ عَبْدُ الْكَرِيم بْنُ مَالِكٍ) يعني أن عبد الكريم بن مالك الجزريَّ خالف سعيد بن عبد الرحمن، فجعلهَ عن ابن رافع بن خَديج، عن أبيه، كما بين ذلك بقوله:
٣٨٩٤ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو- عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَخَذْتُ بِيَدِ طَاوُسٍ، حَتَّى أَدْخَلْتُهُ عَلَى ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، فَحَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، أَنَّهُ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، فَأَبَى طَاوُسٌ، فَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا).
[ ٣١ / ١١٩ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبيدُ اللَّه بن عمرو": هو الْجزريّ، أبو وهب الرّقّيّ الثقة. و"عبد الكريم": هو ابن مالك، أبو سعيد الجزريّ الثقة الثبت.
و"ابن رافع بن خَديج"، غير مُسمَّى هنا، ولا في "صحيح مسلم"، كما قال في "تحفة الأشراف" ج ٣/ ص ١٦١ - وأما ما قاله في "التقريب" مما نصّه: (م س) ابن رافع بن خديج، عن أبيه في النهي عن المزارعة، له ولدان: هُرَير، وعَبَاية، تقدّما. انتهى. ففيه نظر؛ لأن هريرًا ليس ابنه، وإنما هو حفيده، فقد تقدّم له في ترجمته: ما نصّه: هرير -بالتصغير- ابن عبد الرحمن بن رافع بن خدِيج الأنصاريّ، مقبول [٥]. فتنبّه.
وأما عَبَاية: فهو -بفتح أوله، والموحّدة الخفيفة، وبعد الألف تحتانيّة خفيفة- ابن رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاريّ الزرقيّ، أبو رفاعة المدنيّ، ثقة [٣] ٩/ ٣١١٦.
والحديث أخرجه مسلم، ولفظه من طريق حماد بن زيد، عن عمرو، أن مجاهدا، قال لطاوس: انطلق بنا إلى ابن رافع بن خديج، فاسمع منه الحديث، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -، قال: فانتهره، قال: إني واللَّه لو أعلم أن رسول اللَّه - ﷺ - نهى عنه، ما فعلته، ولكن حدثني من هو أعلم به منهم -يعني ابن عباس- أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "لأن يمنح الرجل أخاه أرضه، خير له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ،، عَنْ أَبيِ حَصِينِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ: عَنْ رَافِعٍ، مُرْسَلًا) أراد بهذا أن أبا حصين خالف عبد الكريم الجزريّ، فجعله منقطعًا، بإسقاط الواسطة بين مجاهد، ورافع، فقال: عن مجاهد، عن رافع، بينما هو جعله متّصلًا بذكر الواسطة، وهو ابن رافع بن خَدِيج، وإنما كانت رواية أبي حصين منقطعة؛ لأن مجاهدًا لم يلق رافع بن خديج - ﵁ -، كما بُيّن في ترجمته من "تهذيب التهذيب" ٤/ ٢٦.
وقوله: "مرسلًا" حال من فاعل "قال"، ومراده بالمرسل المنقطع، وكثيرًا ما يستعمل المصنّف، وأبو داود الإرسال بمعنى الانقطاع، وهو مذهب بعض المحدّثين، وهو المعروف عند الأصوليين، قال في "الكوكب الساطع" مبيّنا تعريفه، وحكمه عندهم:
قَوْلُ سِوَى الصَّاحِبِ قَالَ: الْمُصْطَفَى … مُرْسَلُنَا ثُمَّ احْتِجَاجَهُ اقْتَفَى
ثَلَاَثةُ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامُ … وَقِيلَ إِنْ أَرْسَلَهُ إِمَامُ
وَقِيلَ مِنْ أَهْلِ القُرُونِ الْخُرَّدِ (^١) … وَقِيلَ أَقْوَى حُجَّةً مِنْ مُسْنَدِ
وَرّدُّهُ الأَقْوَى وَقَوْلُ الأَكْثَرِ … كَالشَّافِعِي وَأَهْلِ عِلْمِ الْخَبَرِ
_________________
(١) جمع خَريدة، وهي النفيسة، أي القرون المفضّلة.
[ ٣١ / ١٢٠ ]
مَا لَمْ يَكُ الْمُرْسِلُ لَا يَعْتَمِدُ … إِلاَّ عَنِ العُدُولِ أَوْ بَعْتِضِدُ
مُرْسَلُ تَابِعٍ مِنَ الْكِبَارِ … بِقَوْلِ صَاحِبٍ أَوِ انْتِشَارِ
أَوْ فِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ أَهْلِ الْعَصْرِ أَوْ … بِقَولِ جُمهُورٍ وَمُرْسَلٍ رَأَوْا
أَوْ مُسْنَدٍ أَوْ بِقِيَاسٍ يُوجَدُ … فَالحُجَّهُ المَجْمُوعُ لَا الْمُنْفَرِدُ
أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سِوَى مُرْسَلِهِ … فَالأَظْهَرُ انْكِفَافُنَا لأَجْلِهِ
وأما المرسل عند أكثر متأخّري المحدّثين فهو ما رفعه التابعيّ مطلقًا إلى النبيّ - ﷺ -، وقيل: التابعيّ الكبير، وإلى هذا، وحكمه عندهم أشرت في "شافية الْغُلل في ألفية العلل"، فقلت:
مَا رَفَعَ التَّابِعُ مُطلَقًا إِلَى … نَبِيِّنَا الْمُرّسَلُ عِنْدَ النُّبَلَا
وَقِيلَ بَلْ كَبِيرُهُم أَوْ مُطلَقُ … مُنْقَطِع كَذَا الخِلَافَ حَقَّقُوا
وَالأَرْجَحُ الأَوَّلُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا … فِي حُكْمِهِ فَالأَكَثَرُونَ ضَعَّفُوا
ذَكَرَهُ الحَاكِمُ عَنْ جَمَاعَةِ … أَهْلِ الْحَدِيثِ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ
مِثلِ سعيدٍ مَالِكٍ وَالزُّهْرِي … وَأَحْمَدٍ وَالشَّافِعِيِّ الغُرِّ (^١)
كَذَاكَ الاوْزَاعِي وَفِي أَكْثَرِ مَا … ذَكَرَ يُنْظَرُ فَلَيْسَ مُحْكَمَا
وَلَا يَصِحُّ عَنْهُمُ الطَّعْنُ عَلَى … عُمُومِهِ بَلَى لِبَعْضٍ نُقِلَا
وَشَرَطَ الْحَبْرُ الإِمَامُ الشَّافِعِي … فِي مُرْسَلٍ يَقْبَلُهُ، عَنْ تَابِعِي
عَدَمَ نَقْلِهِ لِمَنْ لَا يُقْبَلُ … وَعَدَمَ الْخِلَافِ حِينَ يَنْقُلُ
لِسَائِرِ الْحُفَّاظِ فِيمَا أَسْنَدَا … وَكَؤنَهُ مِنَ الكِبَارِ اعْتَمَدَا
وَأَيْضًا اشْتَرَطَ فِي مُرْسَلِهِ … كَوْنَهُ مَعْضُودًا بِمُرْسِي أَصْلِهِ
تَعْضِدُهُ أَشْيَاءُ مِنْهَا الأَقَوَى … كَوْنُهُ مُسْنَدًا بِوْجْهِ أَقْوَى
كَذَاكَ مُرْسَلٌ أَتَى عَمَّنْ نَقَلْ … عَنْ غَيْرِ مَنْ أَرْسَلَ عَنْهُ حَمَلْ
كَذَاكَ إِنْ وَافَقَهُ مَا قَدْ وَرَدْ … عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الْمُعْتَمَدْ
كَذَاكَ إِنْ وَافَقَهُ مَا نُقِلَا … عَنْ جُلِّ أَهلِ العِلمِ أَيْضًا قُبِلَا
_________________
(١) بالضمّ جمع أَغَرّ، صفة للجميع.
[ ٣١ / ١٢١ ]
هَذَا خُلَاصَةُ مَقَالِ الشَّافِعِي … فِي مُرْسَلٍ يقْبَلُهُ عَنْ تَابِعِي
وَهوَ لَدَى الْحُجَّةِ دُونَ الْمُتَّصِلْ … وَنَحْوُ مَا قَالَهُ أَيْضًا قَدْ نُقِلْ
عَنْ غَيْرِهِ مِنْ جُلِّ أَهْلِ الْعِلْمِ … كَنَجْلِ حَنْبَل حَلِيفِ الْحِلْمِ
ثم أورد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية أبي عوانة، عن أبي حَصِين، عن مجاهد، فقال:
٣٨٩٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ أَمْرٍ، كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، نَهَانَا أَنْ نَتَقَبَّلَ الأَرْضَ بِبَعْضِ خَرْجِهَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ. و"أبو حَصِين" -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين-: هو عثمان بن عاصم الأسديّ الكوفيّ.
وقوله: "وقول رسول اللَّه - ﷺ -" مبتدأ، خبره "على الرأس والعين"، وهو كناية عن قبوله، وتقديمه على ما تهواه أنفسهم، من النفع المظنون لهم.
وقوله: "أن نتقبّل الأرض": أي نُكريها. وقوله: "ببعض خَرْجها" -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الراء: أي ما يخرج منها، من ثمر، وحبوب.
والحديث في إسناده انقطاع، لكن المتن صحيح بالأسانيد المتقدّمة والآتية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقول (تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ) الضمير لأبي حَصِين: يعني أن إبراهيم بن مهاجر تابع أبا حصين في إرسال هذا الحديث، كما بيّنه بقوله:
٣٨٩٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى أَرْضِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ، فَقَالَ: «لِمَنْ هَذِهِ الأَرْضُ؟»، قَالَ: لِفُلَانٍ أَعْطَانِيهَا بِالأَجْرِ، فَقَالَ: «لَوْ مَنَحَهَا أَخَاهُ»، فَأَتَى رَافِعٌ الأَنْصَارَ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَاكُمْ عَنْ أَمْرٍ، كَانَ لَكُمْ نَافِعًا، وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنْفَعُ لَكُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو الرُّهَاويّ الثقة الحافظ.
و"عُبيد اللَّه": هو ابن موسى بن أبي الْمُختار باذام العبسيّ الكوفيّ الثقة الثبت.
و"إسرائيل": هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ الثقة الثبت. و"إبراهيم بن مُهاجر": هو البجليّ الكوفيّ، صدوق، ليّن الحفظ [٥] ٦٨/ ٩٩٢.
وقوله: "وقد عرف أنه محتاج" أي عرف النبيّ - ﷺ - أن ذلك الرجل ذو حاجة وفقر،
[ ٣١ / ١٢٢ ]
ولهذا قال: "لو منحها أخاه". وقوله: "لو منحها أخاه" جواب محذوف، أي لكان خيرًا له. وهذا يُفهم منه أنه - ﷺ - إنما قاله ترغيبًا لصاحب الأرض أن لا يأخذ عليها أجرًا، بل الأحسن له أن يدفعها لأخيه دون مقابل؛ لكون الرجل محتاجًا.
وقوله: "إن رسول اللَّه - ﷺ - نهاكم الخ" أي نهي تنزيه، لا نهي تحريم بدليل الأحاديث الآخر، كما تقدّم تحقيقه.
والحديث سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الْحَقْلِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد": هو ابن جعفر غندر. و"الحكم": هو ابن عُتيبة. وقوله: "عن الحقل" -بفتح، فسكون-: أي الزرع، والمراد به هنا كراء المزارع، وقد عرفت فيما سبق معنى النهي المذكور.
والحديث سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٩٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ خَالِدٍ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَنَهَانَا عَنْ أَمْرٍ، كَانَ لَنَا نَافِعًا، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ يَمْنَحْهَا، أَوْ يَذَرْهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"عبد الملك": هو ابن ميسرة الهلاليّ الزّرّاد، أبو زيد العامريّ الكوفيّ. والحديث فيه انقطاع، كما سبق قريبًا، لكن المتن صحيح بما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٩٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَنَهَانَا عَنْ أَمْرٍ، كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَيْرٌ لَنَا، قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَذَرْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الرحمن بن خالد": هو القطّان الواسطيّ، ثم الرَّقّيّ، صدوق [١١] ٧/ ٧٥٣. و"حجاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ.
[ ٣١ / ١٢٣ ]
و"عبد الملك": هو ابن ميسرة المذكور في السند الذي قبله. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.
وقوله: "وطاوس، ومجاهدٍ" بالجرّ عطفًا على عطاء، فعبد الملك يروي عن الثلاثة.
والحديث صحيح، وإن كان في هذا الإسناد إنقطاع؛ لأن مجاهدًا لم يسمع من رافع،
كما سبق، وكذا عطاء، وطاوس، كما سينبّه عليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ طَاوُسًا لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ) أي من رافع بن خديج - ﵁ -، كما بيّنته عبارة "الكبرى"، كما سيأتي.
وقوله: "مما يدلّ الخ" - جارّ ومجرور خبر مقدّمٌ لقوله: "أخبرني محمد بن عبد اللَّه الخ" بتقدير اسم موصول، أي ما أخبرني الخ، ويوضّح ذلك ما في "الكبرى"، ولفظه: "قال أبو عبد الرحمن: ومما يدلّ على أن طاوسًا لم يسمع هذا الحديث من رافع بن خديج أن محمد بن عبد اللَّه بن المبارك قال: حدثنا زكريا بن عديّ الخ.
وحذف الموصول، وإبقاء صلته جائز في العربية، كما في قول حسّان بن ثابت - ﵁ -:
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ
والتقدير: ومن يمدحه، وليست جملة "يمدحه" معطوفةً على "يهجو" لفساد المعنى (^١). واللَّه تعالى أعلم.
وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الكلام بيان أن رواية طاوس المذكوة فيها انقطاع، كرواية مجاهد؛ لأنه لم يسمع هذا الحديث من رافع بن خديج - ﵁ - وإنما سمعه بواسطة.
ووجه استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بالرواية الآتية على أن طاوسًا لم يسمع هذا الحديث من رافع - ﵁ - أن قول مجاهد له: اذهب إلى ابن رافع بن خديج، فاسمع منه الخ يدلّ على أنه لم يسمعه من رافع - ﵁ -؛ لأنه لو سمع منه لما طلب منه مجاهد أن يسمعه من ابنه، فتبيّن أن هذه الرواية منقطعة. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق -رحمه اللَّه تعالى- الرواية التي استدلّ بها على أن طاوسًا لم يسمع هذا الحديث من رافع - ﵁ -، فقال:
٣٩٠٠ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ:
_________________
(١) راجع "حاشية الخضريّ على ألفية ابن مالك في النحو" ١/ ١٠٤.
[ ٣١ / ١٢٤ ]
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ يَكْرَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ أَرْضَهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا يَرَى بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ بَأْسًا، فَقَالَ لَهُ مُجَاهِدٌ: اذْهَبْ إِلَى ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، فَاسْمَعْ مِنْهُ حَدِيثَهُ، فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْهُ، مَا فَعَلْتُهُ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - إِنَّمَا قَالَ: «لأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَرْضَهُ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ) المخرّميّ المذكور قريبًا.
٢ - (زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ) بن الصلت التيمي مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقة جليل حافظ، من كبار [١٠] ٢٨/ ٥٥١.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨] ٣/ ٣.
٤ - (عمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (طَاوُسٌ) بن كيسان الحميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ الفارسيّ، يقال: ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١.
٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) الأثرم -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: كَانَ طَاوُس) ابن كيسان -رحمه اللَّه تعالى- (يَكْرَهُ) بفتح أوله، من الكراهية (أَنْ يُؤَاجِرَ أَرْضَهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا يَرَى بالثُّلُثِ وَالرُّبُع بَأْسًا) ولعله حمل النهي على المؤاجرة بالذهب والفضّة، وأباح بالثلثَ والربع؛ لأنه - ﷺ - عامل أهلِ خيبر على شطر ما يخرج منها (فَقَالَ: لَهُ مُجَاهِدٌ: اذْهَبْ إِلَى ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) الظاهر إنما قاله له ذلك؛ لئلا يتعامل بالمزارعة؛ لأنه كان يُزارع، ومجاهد لا يرى ذلكَ، فأراد أن يقيم عليه الحجة في ذلك بما يسمعه من حديث
[ ٣١ / ١٢٥ ]
رافع بن خديج - ﵁ - بواسطة ابنه.
وهذا الذي رواه عمرو بن دينار مما جرى لمجاهد مع طاوس وقع له مثله معه، فقد أخرج الشيخان واللفظ لمسلم من طريق سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، وعبد اللَّه بن طاوس، عن طاوس، أنه كان يخابر، قال عمرو: فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، لو تركت هذه المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبيّ - ﷺ -، نهى عن المخابرة؟، فقال: أي عمرُو، أخبرني أعلمهم بذلك -يعني ابن عبّاس- أن النبيّ - ﷺ -، لم يَنْهَ عنها، إنما قال: "يمنح أحدكم أخاه، خير له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما".
(فَاسْمَعْ مِنْهُ حَدِيثَهُ) أي الحديث الذي يحدّث به عن أبيه في النهي عن المخابرة، فإن المشهور في معنى المخابرة أنها المعاملة على الأرض ببعض ما يخرُج منها، فتدخل في النهي الصورة التي يتعامل بها طاوس، فأراد أن يسمع الحديث، فيترك تلك المعاملة.
(فَقَالَ) طاوس (إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْهُ) أي عن هذا التعامل الذي أتعامله أنا في مؤاجرة الأرض (مَا فَعَلْتُهُ) هذا دليل على أن طاوسًا لم يصدّق بحديث النهي عن المخابرة على إطلاقه، وذلك لأنه يعتقد أن ابن عباس - ﵄ - أعلم من رافع بن خديج - ﵁ -، فخديج وإن كان سمع ذلك إلا أنه أجراه على ظاهره، وابن عبّاس حمله على التنزيه، وهو أعلم منه، فيقدّم ما قاله، وقد سبق أن رافعًا - ﵁ - أيضًا قائل بهذا، على ما يدلّ عليه بعض رواياته، فتفطّن. واللَّه تعالى أعلم.
(وَلَكِنْ حَدَّثَني مَن هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ) أي من رافع بن خديج - ﵁ - الذي حدّث بالحديث على إطلاقه، ولم يقيده، ولم يفصّله. وقوله (ابْنُ عَبَّاسٍ) بالرفع بدل من "مَنْ هو"، أو عطف بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفعِ بتقدير مبتدإ، أي هو ابن عبّاس، أو إلى النصب، أي أعني ابن عبّاس - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - إِنَّمَا قَالَ) وفي رواية البخاريّ من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبيّ - ﷺ - نهى عنه، قال: أي عمرُو، إني أُعطيهم وأُعِنيُهم، وإن أعلمهم أخبرني -يعني ابن عبّاس - ﵄ - أن النبيّ - ﷺ -، لم ينه عنه، ولكن قال: "أن يمنح أحدكم أخاه، خير له من أن يأخذ عليه خَرْجًا معلومًا".
وقوله: "لم ينه عنه" أي عن إعطاء الأرض بجزء مما يخرُج منها، ولم يُرِد ابن عبّاس بذلك نفي الرواية المثبتة للنهي مطلقًا، وإنما أراد أن النهي الوارد عنه ليس على حقيقته، وإنما هو على الأولويّة. وقيل: المراد أنه لم ينه عن العقد الصحيح، وإنما نهى عن الشرط الفاسد، لكن قد وقع في رواية الترمذيّ: "أن النبيّ - ﷺ - لم يُحرّم المزارعة"،
[ ٣١ / ١٢٦ ]
فيقوّي التأويل الأول. أفاده في "الفتح" (^١).
("لَأَنْ يَمْنَح) بفتح اللام؛ لأنها لام ابتداء، و"يمنح" بفتح النون، وكسرها: أي يُعطي، قال الفيّوميّ: الْمِنْحَةُ بالكسر في الأصل: الشاة، أو الناقة، يُعطيها صاحبها رجلًا، يشرب لبنها، ثم يردّها إذا انقطع اللبن، ثم كثُر استعماله حتى أُطلق على كلّ عطاء، ومَنَحْتُهُ مَنْحًا، من بأبي نفع، وضرب: أعطيتُهُ، والاسم الْمَنِيحَةُ. انتهى.
والمؤوّل بالمصدر مبتدأ، خبره قوله: "خير"، فهو نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] (أَحَدُكُم أَخَاهُ أَرْضَهُ) "أخاه" مفعول أول لـ "يمنح"، و"أرضه" مفعوله الثاني (خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا) بفتح الخاء المعجمة: أي أجرة، قال الفيّوميّ: الْخَرَاج، والْخَرَاجُ: ما يَحصُلُ من غلّة الأرض، ولذا أطلق على الجزية. انتهى (مَعْلُومًا) يعني أن إعطاءه الأرض لأخيه، لينتفع بها بدون عِوَضٍ أعظم أجرًا عند اللَّه تعالى من أخذه أجرًا معلومًا عليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المر جع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢/ ٣٩٠٠ - وفي "الكبرى" ١٤٦٠٠. وأخرجه (خ) في "المزارعة" ٢٣٣٠ و٢٣٤٢ و"الهبة" ٢٦٣٤ (م) في "البيوع" ١٥٥٠ (د) في البيوع" ٣٣٨٩ (ت) في "الأحكام"١٣٨٥ (ق) في "الأحكام" ٢٤٥٦ و٢٤٥٧ و٢٤٦٢ و٢٤٦٤ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٠٨٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): جواز المزارعة، لقول ابن عبّاس - ﵄ -، كما في رواية الشيخين: "إن النبيّ - ﷺ - لم يَنْهَ عنه"، أي لم يحرّمه، كما صرّح الترمذيّ به في روايته. (ومنها): استحباب المواساة بمنح الأرض لمن لا يجدها بدون عوض؛ لقوله - ﷺ -: "لأن يمنح أحدكم أخا له أرضه الخ". (ومنها): أنه يدلّ على أن طاوسًا يرى ابن عبّاس - ﵄ - أعلم من رافع بن خَدِيج - ﵁ -، وهو كذلك، فإنه كان يلقّب بالحبر والبحر؛ لسعة علمه بسبب دعوة النبيّ
_________________
(١) راجع "الفتح" ٥/ ٢٨١.
[ ٣١ / ١٢٧ ]
- ﷺ -، بقوله: "اللهم فقّهه في الدين، وعلمه التأويل"، كما رواه أحمد في "مسنده"، وقد بُين سببُ ذلك فيما رواه الشيخان عن ابن عبّاس - ﵄ -، قال: إن النبيّ - ﷺ -، أتى الخلاء، فوضعت له وَضُوءا، فلما خرج، قال: "من وضع هذا؟ "، قالوا: ابن عبّاس، قال: "اللَّهم فقهه في الدين". وفي رواية ابن ماجه في "سننه": قال: ضمّني رسول اللَّه - ﷺ - إليه، وقال: "اللهم علّمه الحكمة، وتأويل الكتاب". (ومنها): ما كان عليه السلف من التباحث في المسائل الفقهيّة، واحتجاج بعضهم على بعض؛ إرادة التوصّل إلى ظهور الحقّ، لا لحبّ المحمدة، والتعالي على الأقران. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقول: (وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى عَطَاءٍ فِي هَذَا الْحَدِيث) يعني أن الرواة اختلفوا على عطاء ابن أبي رباح في روايته لهذا الحديث (فَقَالَ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ) العامريّ الزرّاد (عَنْ عَطَاء) بن أبي رباح (عَنْ رَافِعٍ) بن خديج - ﵁ - (وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ) أي في الرواية التي قبل هذه الرواية (وَقالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبيِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ) يعني أن عبد الملك بن أبي سليمان خالف عبد الملك بن ميسرة الزّرّاد في هذا الحديث، فقال: عن عطاء، عن جابر بن عبد اللَّه - ﵄ -، فجعله من مسند جابر - ﵁ - مخالفا له في جعله من مسند رافع بن خديج - ﵁ -، كما بين ذلك بما ساقه بقوله:
٣٩٠١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ عَجَزَ أَنْ يَزْرَعَهَا فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، وَلَا يُزْرِعْهَا إِيَّاهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسماعيل بن مسعود": هو الْجَحْدَريّ، أبو مسعود البصريّ الثقة، من أفراد المصنّف. و"عبد الملك": هو ابن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزَميّ الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهام [٥] ٧/ ٤٠٦. واتّفق اسم أبيه مع اسم والد عبد الملك الزّرّاد المتقدِّم، لكن والد هذا مشهور بكنيته، بخلاف والد ذاك، فإنه لم يشتهر بكنية. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. و" جابر": هو ابن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السُّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -.
وقوله: "فليزرعها" بفتح حرف المضارعة، أي ليزرعها بنفسه، لا بأجير يستأجره لزراعتها. وقوله: "ولا يُزرِعها" بضمّ حرف المضارعة، والمراد بالأخ الأخوّة الدينية، سواء كان معها نسبٌ، أم لا، أي لا يعطها أخاه مزارعة بالأجرة، وهذا النهي كما تقدّم محمول على التنزيه، إن كان بالثلث، والربع، أو بأجرة معلومة، وإن كان بشروط فاسدة، كأن يستثني صاحب الأرض بعضًا مما يخرج لنفسه، أو يدفعه بما على
[ ٣١ / ١٢٨ ]
الماذْياناة، أو السواقي، فعلى التحريم؛ لاشتماله على شروط فاسدة، مضرّة بأحد الجانبين، وتمام شرح الحديث، وفوائده يُعلم مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢/ ٣٩٠١ و٣٩٠٢ و٣٩٠٣ و٣٩٠٤ و٣٩٠٥ و٣٩٠٦ و٣٩٠٧ و٣٩٠١٨ و٣٩٠٩ و٣٩١٠ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٠١ و٤٦٠٢ و٤٦٠٣ و٤٦٠٤ و٤٦٠٥ و٤٦٠٦ و٤٦٠٧ و٤٦٠٨ و٤٦٠٩ و٤٦١٠. وأخرجه (خ) في "المزارعة" ٢٣٤٠ و"الهبة" ٢٦٣٢ و"المساقاة"٢٣٨١ (م) في "البيوع" ١٥٣٦ (ق) في "الرهون" ٢٤٥١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٠٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكْرِيهَا».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لرواية عبد الملك بن أبي سليمان في جعله الحديث عن عطاء، عن جابر - ﵁ -. و"عمرو بن عليّ": هو الفَلاس. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ) يعني أن الأوزاعيّ تابع عبد الملك بن أبي سليمان في روايته لهذا الحديث عن عطاء، عن جابر - ﵁ -، كما بيّنه بقوله:
٣٩٠٣ - (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ لأُنَاسٍ فُضُولُ أَرَضِينَ، يُكْرُونَهَا بِالنِّصْفِ، وَالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ يُزْرِعْهَا، أَوْ يُمْسِكْهَا».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هشام بن عمّار": هو السلميّ الدمشقيّ الخطيب، صدوق، مقرىء، كبر، فصار يتلقّن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] ١٣٤/ ٢٠٢.
و"يحيى بن حمزة": هو أبو عبد الرحمن الدمشقيّ القاضي، ثقة رُمي بالقدر [٨] ٦٠/ ١٧٦٨. و"الأوزاعيّ": هو الإمام المشهور عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الفقيه الثقة
[ ٣١ / ١٢٩ ]
الحجة الجليل [٧] ٤٥/ ٥٦.
وقوله: "فضول أرضين" "فضول":-بالضمّ-: جمع فضل، كفلس وفلوس: بمعنى زائد، يقال: خذ الفضل: أي الزيادة. وقوله: "أرضين" -بفتحتين-: جمع أرض: أي أراض فاضلة عن قدر ما يحتاجونه للزراعة. وقوله: "يُكرونها" بضمّ أوله، من الإكراء: أي يدفعونها لأناس آخرين بالأجرة.
والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَافَقَهُ مَطَرُ بْنُ طَهْمَانَ) يعني أن مطر بن طهمان وافق عبد الملك بن أبي سليمان في روايته عن عطاء، عن جابر، كما تابعه على ذلك الأوزاعيُّ، والتعبير في الأوزاعيّ بالمتابعة، وفي مطر بالموافقة للتفنّن، ثم ساق موافقة مطر، بقوله:
٣٩٠٤ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ أَبُو عُمَيْرِ بْنُ النَّحَّاسِ- وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ - هُوَ الْفَاخُورِيُّ- قَالَا: حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا، وَلَا يُؤَاجِرْهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عيسى بن محمد، أبو عُمير بن النحاس" -بمهملتين- الزملي، ويقال: اسم جدّه عيسى، ثقة فاضل، من صغار [١٠] ٤١/ ١٦٨٨. و"عيسى بن يونس الفاخُوريّ": هو أبو موسى الرّمليّ، صدوق، ربّما أخطأ [١١] ٤٢/ ٣١٧٧.
و"ضمرة": هو ابن ربيعة الفِلسطينيّ، أبو عبد اللَّه، دمشقي الأصل، صدوقٌ يهم قليلًا [٩] ٤١/ ٢٦٨٨.
و"ابن شَوْذب": هو عبد اللَّه بن شَوْذَب الْبَلْخِيّ، أبو عبد الرحمن، سكن البصرة، ثم الشام، صدوقٌ عابد [٧].
قال أبو طالب عن أحمد: ابن شوذب من أهل بَلْخ، نزل البصرة، وسمع بها الحديث، وتفقّه، وكتب، ثم انتقل إلى الشام، فأقام بها، وكان من الثقات. وقال سفيان: كان ابن شَوْذب من ثقات مشايخنا. وقال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أحمد: لا أعلم به بأسًا. وقال مرّةً: لا أعلم إلا خيرًا. وقال ابن معين، هو ابن عمّار، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال كثير بن الوليد: كنت إذا نظرت إلى ابن شَوْذب ذكرت الملائكة. ووثقه أيضًا ابن نُمير، والعجليّ. وأما ابن حزم، فقال: إنه مجهول. ولا التفات إلى قوله، فقد عرفه الأئمة الكبار: أحمد، هو ابن معين، وأبو حاتم، وغيرهم، فماذا بعد هؤلاء؟. ولد سنة (٨٦) ومات سنة (٦)
[ ٣١ / ١٣٠ ]
أو أول (١٥٧) وقيل: سنة (٢٤٤). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، وحديث أنس بن مالك - ﵁ - في "كتاب القسامة" "باب القود" ٧/ ٤٧٣٠ - "أن رجلًا أتى بقاتل وليّه " الحديث.
و"مطر بن طهمان": هو الورّاق، أبو رجاء السلميّ مولاهم الْخُرَاسانيّ، سكن البصرة، صدوقٌ كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف [٦] ٣٨/ ٣٢٧٦.
والحديث أخرجه مسلم، ولا يضرّ كون مطرِ في إسناده، وقد ضُعّف في عطاء، كما مرّ آنفًا؛ لأنه تابعه غيره، كما مرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٠٥ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، رَفَعَهُ: "نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم" الأسديّ المعروف أبوه بابن عُليّة، البصريّ، نزيل دمشق وقاضيها، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩.
و"يونس": هو ابن محمد: هو أبو محمد المؤدّب البغداديّ، ثقة ثبت، من صغار [٩] ١٥/ ١٦٣٢. و"حماد": هو ابن زيد (^١). وتقدّم المراد بالنهي عن كراء الأرض، فلا تغفل.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَافَقَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيجٍ عَلَى النَّهْي، عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ) يعني أن ابن جُريج وافق مطرًا الوراق عن عطاء، عن جابر - ﵁ - في النهي عن كراء الَأرض، وذلك لأن النهي عن المخابرة، والمحاقلة بمعنى النهي عن كراء الأرض، ثم ساق رواية ابن جريج بقوله:
٣٩٠٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: "نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَبَيْعِ الثَّمَرِ، حَتَّى يُطْعَمَ، إِلاَّ الْعَرَايَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
_________________
(١) كون حماد هنا هو ابن زيد هو الصواب كما صرّح به في "صحيح مسلم" برقم ٣٨٩٣ -، و"تحفة الأشراف" ٢/ ٢٤٤، وقد أخطأ أصحاب برنامج الحديث الشريف، في النسائيّ برقم ٣٨٧٨ - فترجموا لحماد بن سلمة، وهو غلط فاحش، فتنبّه.
[ ٣١ / ١٣١ ]
٢ - (المفَضَّل) بن فَضَالَة بن عُبيد بن ثُمامة الْقِتْبَانيّ، أبو معاوية المصريّ القاضي، ثقة عابد [٨] ٤٢/ ٥٨٦.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلّس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدْرُس المكيّ، صدوق يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥.
٦ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى - عنهما ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين غير شيخه، فبَغْلَاني، وشيخ شيخه، فمصريّ. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ -: "نَهَى، عَنِ المُخَابَرَةِ) قال ابن الأثير: قيل: هي المزارعة على نصيب معين، كالثلث، والربع، وغيرهما، والْخُبْرة: النصيب. وقيل: هو من الْخَبَار: الأرض الليّنة. وقيل: أصل المخابرة من خيبر؛ لأن النبيّ - ﷺ - أقرّها في أيدي أهلها على النصف من محصولها، فقيل: خابرهم: أي عاملهم في خيبر. انتهى (^١).
(وَالمُزَابَنَةِ) هي بيع الرُّطَب في رؤوس النخل بالتمر، وأصله من الزَّبْنِ، وهو الدّفْعُ، كأن كلّ واحد من المتبايعين يزبِنُ صاحبه عن حقّه بما يزداد منه، وإنما نُهي عنها؛ لما يقع فيها من الغبن، والجهالة. قاله ابن الأثير (^٢).
(وَالْمُحَاقَلَةِ) قال ابن الأثير: المحاقلة مختلف فيها، قيل: هي اكتراء الأرض بالحنطة، هكذا جاء مفسّرًا في الحديث، وهو الذي يسمّيه الزرّاعون: المحارثة. وقيل: هي المزارعة على نصيب معلوم، كالثلث، والربع، ونحوهما. وقيل: هي بيع الطعام
_________________
(١) "النهاية" ٢/ ٧.
(٢) "النهاية" ٢/ ٢٩٤.
[ ٣١ / ١٣٢ ]
في سنبله بالبرّ. وقيل: بيع الزرع قبل إدراكه. وإنما نُهي عنها؛ لأنها من المكيل، ولا يجوز فيه إذا كان من جنس واحد، إلا مثلًا بمثل، ويدًا بيد، وهذا مجهولٌ، لا يُدرى أيهما أكثر. انتهى (^١).
(وَبَيْعِ الثمَرِ، حَتَّى يُطْعَمَ) بالبناء للمفعول: أي حتى يصير صالحًا للأكل (إِلَّا الْعَرَايَا) جمع عَرِية، كعَطيّة، وعطايا، وهَديّة وهدايا، وقد فِسّرت بتفاسير. قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف في تفسيرها، فقيل: إنه لَمّا نَهَى عن المزابنة، وهو بيع الثمر في رؤوس النخل بالتمر رَخّص في جملة المزابنة في العرايا، وهو أن من لا نخل له، من ذوي الحاجة يُدرك الرُّطَب، ولا نقد بيده يشتري به الرطب لعياله، ولا نخل له يُطعمهم منه، ويكون قد فضل له من قوته تمر، فيجيىء إلى صاحب النخل، فيقول له: بِعْني ثمر نخلة، أو نخلتين بِخَرْصها من التمر، فيُعطيه ذلك الفاضل من التمر بثمر تلك النخلات؛ ليُصيب من رُطَبها مع الناس، فرَخَّص فيه، إذا كان دون خمسة أوسق. والْعَريّة: فَعيلة بمعنى مفعولة، من عراه يعروه: إذا قصده. ويحتمل أن تكون فَعِيلة بمعنى فاعلة، من عَرِيَ يَعْرَى: إذا خلع ثوبه، كأنها عُرِّيت من جملة التحريم، فعَرِيت: أي خرجت. انتهى كلام ابن الأثير (^٢).
وقال السنديّ: وظاهر هذا الاستثناء أن المراد ما يُعطيه صاحب المال لبعض الفقراء، من نخلة، أو نخلتين، ثم يثقُل عليه دخول الفقير في ماله كلّ يوم لخدمة النخلة، فيستردّ منه النخلة على أن يعطيه قدرًا من التمر في أوانه، ولا يناسب للحديث تفسير العريّة بنخلة يشتريها من يريد أكل الرطب، ولا نقد بيده، يشتريها به، فيشتريها بتمر بقي من قوته، إذ لا وجه للرخصة في الشراء قبل بدوّ الصلاح، بل هو أحوج إلى اشتراط بدوّ الصلاح من غيره، فكيف يُرخّص له في خلافه من غير حاجة، إلا أن يُجعل الاستثناء عن المزابنة، كما في سائر الأحاديث، وإن كان بعيدًا من هذا الحديث، فليُتأمّل. انتهى كلام السنديّ (^٣).
وسيأتي تمام البحث في ذلك في "كتاب البيوع"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
_________________
(١) "النهاية" ١/ ٤١٦.
(٢) "النهاية" ٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٣) "شرح السنديّ" ٧/ ٣٧ - ٣٨.
[ ٣١ / ١٣٣ ]
حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢/ ٣٩٠٦ و٣٩٠٧ و"البيوع" ٢٨/ ٤٥٢٣ و٤٥٢٤ وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٠٦ و٤٦٠٧ و"البيوع" ٢٧/ ٦١١٤ و٦١١٥. وأخرجه (خ) في "المزارعة" ٢٣٤١ و"المساقاة" ٢٣٨١ و"الهبة" ٢٦٣٣ (م) في "البيوع" ١٥٣٦ (د) في "البيوع" ٢٣٧٠ و٢٣٧٣ (ق) في "التجارات" ٢٢١٦ و٢٢٦٦ و"الأحكام" ٢٤٥١ و٢٤٥٤ (أحمد) في "مسند المكثرين" ١٣٨٣٠ و١٣٨٥٧ و١٣٩٤٢ و١٤٣٩٩ و١٤٣٩٩ و٢٧٥٥ و١٤٥٨٨ و١٤٧٨٩ و١٤٨٥٥٩ و٢٦١٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ) يعني أن يونس بن عُبيد العبديّ تابع ابن جُريج في رواية
هذا الحديث عن عطاء، عن جابر - ﵁ -، كما بيّنه بقوله:
٣٩٠٧ - (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنِ الثُّنْيَا إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "زياد بن أيوب": هو البغداديّ المعروف بدلّويه.
و"عبّاد بن العوّام" بن عمر بن عبد اللَّه بن المنذر بن مُصعب بن جَنْدل الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقة [٨].
قال الحسن بن عَرَفة: سألني وكيع عنه أتحدّث عنه؟، فقلت: نعم قال: ليس عندكم أحد يشبهه. وقال الفضل بن زياد عن أحمد: كان يُشبه أصحاب الحديث. وقال الأثرم، عن أحمد: مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة. وقال ابن معين، والعجليّ، وأبو داود، والنسائيّ، وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن خِراش: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، ووثقه البزار. وقال القرّاب: وُلد سنة (١١٨). وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان يتشيّع، فأخذه هارون، فحبسه، ثم خَلَّى عنه، فأقام ببغداد، ومات سنة (١٨٥)، وكذا أرّخه غير واحد. وقال حاتم بن الليث، عن سعيد بن سليمان: حدّثنا عناد العوّام، وكان من نبلاء الرجال في كلّ أمره، ومات سنة ستّ. وكذا أرخه أبو موسى الْعَنَزيّ، وأبو أميّة. وقال أسلم الواسطيّ: مات سنة (٨٧).
روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثمانية أحاديث: هذا الحديث، و٢/ ٤٠٠٢ حديث ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية [النساء: ٩٣]، و٥٠/ ٤٥٧٨ حديث أبي بكرة - ﵁ -: نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن بيع الفضّة
[ ٣١ / ١٣٤ ]
بالفضة … الحديث، و٦٠/ ٤٦١٢ حديث عبد اللَّه بن عمرو - ﵄ -: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "لا يحل سَلَف وبيع"، و٧٤/ ٤٦٣٣ حديث جابر - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - نهى عن المحاقلة … " الحديث، و٤٣/ ٤٨٤١ حديث عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "في الأسنان خمس من الإبل"، و٧٩/ ٥٢٨٣ حديث أنس - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - كان يتختّم في يمينه، و٣٧/ ٥٤٩٤ حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -: كان رسول اللَّه - ﷺ - يتعوّذ من عين الجانّ. … " الحديث.
و"سفيان بن حسين": هو الواسطيّ، ثقة في غير الزهريّ باتفاقهم [٧] ٤١/ ١٧١٦.
و"يونس بن عُبيد": هو العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] ٨٨/ ١٠٩.
وقوله: "وعن الثُّنْيَا إلا أن تُعلَم": "الثنيا" -بضمّ المثلثة، وسكون النون، مقصورًا، كالدنيا: اسم من الاستثناء، و"تُعلم" بالبناء للمفعول: أي ونهى النبيّ - ﷺ - عن استثاء شيء مجهول؛ لأنه يؤدي إلى النزاع، وكذلك لا يجوز استثناء قيل معلوم؛ لأنه قد لا يبقى بعده شيء.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَفِي رِوإيَةِ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى كَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ عَطَاء لَمْ يَسْمَعْ من جَابِر حَدِيثَهُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مَنْ كَانَ لَهُ أُرْضٌ فَلْيَزرَعْهَا) هذا الكلام من المصنّف مشكلٌ؛ لأنه ثبت حديث عطاء، عن جابر - ﵁ - في "الصحيحين"، وغيرهما، كما سيتّضح قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. ثم ذكر رواية همّام التي أشار إليها بقوله:
٣٩٠٨ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَأَلَ عَطَاءً سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَ جَابِرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكْرِيهَا أَخَاهُ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن يحيى": هو الأوديّ، أبو جعفر الكوفيّ العابد الثقة [١١] ٣٨/ ١٢٧٤ من أفراد المصنّف. و"أبو نعيم": هو الفضل بن دُكين.
و"همام بن يحيى": هو العوذيّ البصريّ. و"سليمان بن موسى": هو الأشدق الدمشقيّ، صدوق في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل [٥] ٧/ ٥٠٤.
هكذا ساق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا، وفي "الكبرى" ٣/ ٩٢ رقم ٤٦٠٠ - هذه الرواية وهي بعكس رواية مسلم في "صحيحه"، فقد أخرجه من الوجه الذي أخرجه المصنّف، ودونك ولفظه، قال -رحمه اللَّه تعالى-:
حدثنا شيبان بن فَرُّوخَ، حدثنا همام، قال: سأل سليمان بن موسى عطاءً، فقال:
[ ٣١ / ١٣٥ ]
أحدثك جابر بن عبد اللَّه، أن النبي - ﷺ -، قال: "من كانت له أرض، فليزرعها، أو ليزرعها أخاه، ولا يُكرِها"؟ قال: نعم.
فهذا صريح في أن السائل هو سليمان بن موسى، والمسؤول هو عطاء، بخلاف رواية المصنّف، فإنه بالعكس، والذي يظهر لي أن رواية المصنّف مقلوبة، والدليل على ذلك أن الحديث أخرجه الشيخان، من رواية عطاء، عن جابر، فأخرجه البخاريّ في "الحرث والمزارعة"
٢٣٤٠ - حدثنا عبيد اللَّه بن موسى أخبرنا الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر - ﵁ -، قال: كانوا يزرعونها بالثلث، والربع، والنصف، فقال النبي - ﷺ -: "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها، فإن لم يفعل فليمسك أرضه".
وفي "كتاب الهبة، وفضلها" قال:
٢٦٣٢ - حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا الأوزاعيّ، قال: حدثني عطاء، عن جابر - ﵁ -، قال: كانت لرجال منا فُضول أرضين، فقالوا: نؤاجرها بالثلث، والربع، والنصف؟، فقال النبيّ - ﷺ -: "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه".
وأخرجه مسلم من عدّة طرق، عن عطاء، عن جابر - ﵁ -، فأخرجه من رواية مطر الوراق، والأوزاعيّ، وبُكيبر بن الأخنس، وعبد الملك بن ميسرة، أربعتهم، عن عطاء، عن جابر - ﵁ -.
وقد صرّح عطاء بالسماع في رواية ابن ماجه، ولفظه:
٢٤٥١ - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقيّ، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعيّ، حدثني عطاء، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه، يقول: كانت لرجال منا فضول أرضين، يؤاجرونها على الثلث والربع، فقال النبيّ - ﷺ -: "من كانت له فضول أرضين فليزرعها، أو ليزرعها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن سماع عطاء لهذا الحديث من جابر بن عبد اللَّه - ﵁ -، مما لا شكّ فيه، ولا ارتياب، والذي يظهر لي أن رواية المصنّف دخلها القلب، من بعض رواتها، أو منه -فسبحان من لا يسهو، ولا يغفل- فجعل السائل عطاءً، والمسؤول سليمان بن موسى، فاستنبط منه المصنّف أن رواية عطاء المتقدّمة منقطعة؛ لأنه إنما سمعها من سليمان بن موسى الأشدق، هذا الذي يفهم من كلامه.
ولكن كيف ساغ له ذلك؟ وسليمان عن جابر منقطع؛ لأنه لم يسمع منه، كما صرّح بذلك ابن معين، وغيره، كما ذكره في ترجمته من "تهذيب التهذيب" ٢/ ١١١ - ١١٢ -
[ ٣١ / ١٣٦ ]
وهذا الحديث اتفق أصحاب الصحاح، وغيرهم على تخريجه؟.
والحاصل أن الحديث صحيح متصل بسماع عطاء، من جابر بن عبد اللَّه - ﵁ -، وأن قول المصنّف هذا فيه نظر من وجوه:
١ - اتفاق الشيخين على إخراج الحديث في "صحيحيهما، من رواية عطاء، عن جابر بن عبد اللَّه - ﵄ -.
٢ - أن الفضّة المذكورة بعكس ما قصّه مسلم في "صحيحه".
٣ - أنه لو سُلّم ما قاله للزم عدم اتصال الحديث بوجه من الوجوه؛ لأن سليمان بن موسى لم يسمع من جابر - ﵁ -، ولا حديثًا واحدًا كما تقدّم، بخلاف عطاء، فإنه ممن سمع منه غير هذا الحديث، وأكثر الرواية عنه، ففي الكتب الستة من روايته عنه ثمانية وستون حديثًا، راجع "تحفة الأشراف" -٢/ ٢٢٠ - إلى ص ٢٤٦ - هذا بالنسبة للكتب الستة، فما بالك إذا ضمّت رواياته التي في غيرها من الكتب الحديثية. ولم أرَ من تعرّض لكلام المصنّف هذا، واللَّه تعالى المستعان.
والحديث أخرجه مسلم، وسبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَقَدْ رَوَى النَّهْيَ، عَنِ الْمُحَاقَلَةِ يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أراد -رحمه اللَّه تعالى- بهذا أن يزيد تابع عطاء في رواية هذا الحديث عن جابر - ﵁ -، كما بيّنه بقوله:
٣٩٠٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنِ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: نَهَى عَنِ الْحَقْلِ، وَهِيَ الْمُزَابَنَةُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إدريس": هو الحنظليّ، أبو حاتم الرازيّ الحافظ الناقد، إمام الجرح والتعديل [١١] ١١٢/ ٢٨٧٩.
و"أبو توبة": هو الربيع بن نافع الحلبي، نزيل طَرَسُوس، ثقة حجة عابد [١٠]. قال أبو حاتم: ثقة صدوقٌ حجة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه، وذكر أبا توبة، فأثنى عليه، وقال: لا أعلم إلا خيرًا. وقال النسائيّ: أخبرنا سليمان بن الأشعث، سمعت أحمد يقول: أبو توبة لم يكن به بأس، كان يجيئني. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الآجريّ، عن أبي داود: أبو توبة كان يحفظ الطوال، يجىء بها، ورأيته يمشي حافيًا، وعلى رأسه طويلة، وكان يقال: إنه من الأبدال. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، ومات سنة (٢٤١). روى له الجماعة،
[ ٣١ / ١٣٧ ]
سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وفي ٥٠/ ٤٥٧٩ - في "البيوع " حديث أبي بكرة - ﵁ -: "نهانا رسول اللَّه - ﷺ - أن نبيع الفضّة بالفضّة … " الحديث.
و"معاوية بن سَلاّم": هو أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩.
و"يحيى بن أبي كثير" صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلّس [٥] ٢٣/ ٢٤.
و"يزيد بن نُعيم" بن هَزّال الأسلميّ، مقبول [٥].
روى عن أبيه، وجدّه، ويقال: مرسل، وجابر، ويقال: لم يسمع منه، والصحيح أنه متصل، وقع التصريح بسماعه منه عند مسلم، وقال البخاريّ: سمع من جابر. وعنه زيد بن أسلم من أقرانه، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو أكبر منه، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، له عند مسلم، والمصنّف هذا الحديث فقط، وله عند أبي داود ثلاثة أحاديث.
وقوله: "نهى عن الحَقْل، وهي المزابنة"، هذا في رواية المصنّف أن الحقل هي المزابنة، وهي مخالفة لتفسير جابر - ﵁ - في رواية مسلم، فقد أخرجه من الوجه الذي أخرجه منه المصنّف، ودونك نصّه:
وحدثنا الحسن الحلواني، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية، عن يحيى بن أبي كثير، أن يزيد بن نعيم أخبره، أن جابر بن عبد اللَّه أخبره، أنه سمع رسول اللَّه - ﷺ -، ينهى عن المزابنة، والحقول، فقال جابر بن عبد اللَّه: المزابنة الثمر بالتمر، والحقول كراء الأرض.
فهذه الرواية صريحة أن الحقل غير المزابنة، وهذا التفسير هو المشهور، فقد ثبت في حديث عبد اللَّه بن عمر، - ﵄ -: أن رسول اللَّه - ﷺ -، نهى عن المزابنة، والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر كيلا، وبيع الكرم بالزبيب كيلا. متّفق عليه. وفي حديث أبي سعيد الخدريّ، - ﵁ -، أن رسول اللَّه - ﷺ -، نهى عن المزابنةُ، والمحاقلة، والمزابنةُ اشتراءُ الثمر بالتمر في رءوس النخل.
والحاصل أن التفسير الذي في رواية مسلم هو المشهور في غير حديث جابر - ﵁ -، وسنعود إلى تمام البحث فيه في "كتاب البيوع"، إن شاء اللَّه تعالى.
والحديث أخرجه مسلم، كما مرّ آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ ٣١ / ١٣٨ ]
وقوله (خَالَفَهُ هِشَامٌ، وَرَوَاهُ عَنْ يَحيَىَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ) يعني أن هشام بن أبي عبد اللَّه الدستوائيّ خالف معاوية بن سلّام في إسناد هذا الحديث، فرواه عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن جابر بن عبد اللَّه - ﵄ -، لكن هذه المخالفة لا تضرّ، ولذلك أخرجه مسلم من الطريقين، وإن كان في لفظ المتن اختلاف، ثم ساق رواية هشام بقوله:
٣٩١٠ - (أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَاضَرَةِ، وَقَالَ: «الْمُخَاضَرَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَزْهُوَ، وَالْمُخَابَرَةُ: بَيْعُ الْكَرْمِ بِكَذَا وَكَذَا صَاعٍ).
قاَلَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "أخبرنا الثقة" هذا الثقة لم يتبيّن لي من هو؟، فإن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- روى لحماد بن مسعدة في ثمانية مواضع من هذا الكتاب، فكلّها نصّ على اسم من روى عنه، إلا في هذا الموضع، فقد روى برقم ١٠٤٠ عن عُبيد اللَّه بن سعيد السرخسيّ، عنه، وفي ٣٤٤٦ عن إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه، عنه، وفي ٣٨٥٢ عن إسحاق، عنه أيضًا، وفي ٤٠٦٦ عن محمد بن بشّار، عنه، وفي ٤٦٧٩ عن هارون بن عبد اللَّه، عنه، وفي ٥١٨٣ عن عُبيد اللَّه بن سعيد المتقدِّم، عنه، وفي ٥٤٨٩ عن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن، فهولاء هم الذين روى عنهم حديث حماد بن مسعدة، فيحتمل أن يكون أحد هؤلاء، ويحتمل أن يكون غيره ..
[تنبيه]: اختلف العلماء في قبول التعديل على الإبهام، من غير تسمية المرويّ عنه، كقول الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أخبرنا الثقة، وكذلك قول المصنّف المذكور هنا:
فقال أبو بكر الصيرفيّ، والخطيب البغداديّ: لا يُقبل؛ لجواز أن يكون فيه جرحٌ لم يَطلع عليه قائل ذلك، وصححه النوويّ، قال: وقد وَصَفَ مالك بذلك عبدَ الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف؛ لخفاء حاله عليه.
وقيل: يُقبل مطلقًا، كما لو عيّنه؛ لأنه مأمون في الحالتين، واختار إمام الحرمين القبول، إن وقع من إمام عارف بأسباب "الجرح والتعديل" والاختلافِ في ذلك، ورجّحه الرافعي في "شرح مسند الشافعيّ".
ولم يَحْكِ ابن الصلاح، والنوويّ هذا القول على هذا الوجه، بل حكياه على وجه أن قائل ذلك إن كان مجتهدًا قُبل في حقّ مقلّديه، دون غيرهم بأن يذكر لأصحابه قيام الحجة عنده على الحكم، وقد عَرَفَ هو من روى عنه، وعلى هذا الوجه تكون الأقوال
[ ٣١ / ١٣٩ ]
ثلاثة، وعلى التقرير الأول قولان فقط؛ لأنه لا قائل بالقبول من غير عارف بأسباب الجرح والتعديل.
وكذا اختلفوا لو قال: حدّثني من لا أتهم، كما يقع ذلك في عبارة الشافعي، وغيره، فقال ابن السبكيّ: هو كقوله: أخبرنا الثقة، فيكون مقبولًا في قول، وغير مقبول في قول آخر. وقال الذهبيّ: ليس توثيق أصلا؛ لأنه نفيٌ للتهمة من غير تعرّض لإتقانه، وكونه حجة. قال ابن السبكيّ: وهذا صحيح، غير أن هذا إذا وقع من الشافعيّ محتجًّا به على حكم في دين اللَّه، فهو والتوثيق سواء في أصل الحجة، وإن كان مدلوله لا يزيد على ما ذكره الذهبيّ، فمن ثمّ خالفناه في مثل الشافعيّ، أما من ليس مثله، فالأمر كما قال. انتهى.
وإلى هذا أشار في "الكوكب الساطع"، حيث قال:
وَالوَصْفُ مِنْ كَالشَّافِعِيِّ بِالثِّقَة … عِنْدَ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ تَوْثقَهْ
وَقِيلَ لَا وَمِثْلُهُ لَا أَتَّهِمْ … وَالذَّهَبِيُّ لَيْسَ تَوْثِيقًا نَسِمْ (^١)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن مثل المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يُقبل تعديله على الابهام؛ لأنه لا يتساهل في الجرح والتعديل، فالحقّ قبول تعديله على الإبهام. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "المخاضرة": قال ابن الأثير: "المخاضرة": هي بيع الثمار خَضْرًا، لم يبد صلاحها. انتهى. وهي معنى قوله: بيع الثمر قبل أن يزهو،: يقال: زها النخل يزهو: إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يُزهي: إذا اصفرّ، واحمرّ. وقيل: هما بمعنى الاحمرار والاصفرار. ومنهم من أنكر يزهُو، ومنهم من أنكر يزهي. قاله ابن الأثير (^٢).
وقال الفيّوميّ: زها النخل يَزهُو زَهْوًا، والاسم الزُّهُوُّ بالضمّ: ظهرت الحمرة والصفرة في ثمره. وقال أبو حاتم: وإنما يُسمّى زَهْوًا إذا خَلَصَ لون الْبُسْرة في الحمرة، أو الصفرة، ومنهم من يقول: زها النخل: إذا نبت ثمره، وأزهى: إذا احمّر، أو اصفرّ، وزها النبت يزهو زَهْوًا: بلغ. انتهى.
وقوله؛ "بيع الكرم الخ": أي بيع العنب الذي على رؤوس الكرم بالزبيب الذي في البيت مثلًا.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
_________________
(١) راجع شرحي المسمّى "الجليس الصالح النافع بتوضيح معاني الكوكب الساطع" ص ٢٩٤ - ٢٩.
(٢) "النهاية" ٢/ ٣٢٣.
[ ٣١ / ١٤٠ ]
حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،) يعني أن عمر بن أبي سلمة خالف يحيى بن أبي كثير، فجعله عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، وهذا الاختلاف أيضًا لا يضرّ بصحّة الحديث، فإنه صحيح بالطريقين، فالحديث ثابت من حديث جابر، وأبي هريرة - ﵄ -، عند الشخين، وغيرهما من عدّة طرق، فتنبّه.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" عمرو بفتح العين، بدل عُمر بضمّها، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق رواية عمر بن أبي سلمة بقوله:
٣٩١١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. و"سعد بن إبراهيم": هو الزهريّ المدنيّ القاضي.
و"عمر بن أبي سلمة" بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، قاضي المدينة، صدوقٌ يُخطىء [٦].
قال ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس يُحتجّ بحديثه. وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: كان شعبة يُضعّف عمر بن أبي سلمة. وقال أبو قُدامة: قلت لابن مهديّ: إن شعبة أدركه، ولم يحمل عنه، قال: أحاديثه واهية. وقال ابن أبي خيثمة: سألت أبي عنه؟ فقال: صالح إن شاء اللَّه، وكان يحيى بن سعيد يختار محمد بن عمرو عليه. وقال أحمد: لم يسمع شعبة منه شيئًا. وقال ابن المدينيّ: تركه شعبة، وليس بذاك. وقال ابن معين: ليس به بأس. وفي رواية: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: هو عندي صالح صدوقٌ في الأصل، ليس بذاك القويّ، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، يُخالف في بعض الشيء. وقال العجليّ: لا بأس به. وقال الجُوزجانيّ: ليس بقويّ في الحديث. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن خزيمة: لا يُحتجّ بحديثه. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن حنبل: هو صالح ثقة، إن شاء اللَّه. وقال البخاريّ في "التاريخ": صدوقٌ إلا أنه يُخالف في بعض حديثه. وذكره الْبَرْقيّ في "باب من احتُمل حديثه من المعروفين"، قال: وأكثر أهل العلم بالحديث يُثَبِّتونه. وقال ابن عديّ: حسن الحديث، لا بأس به. وقال الدُّوريّ: سألت ابن معين عن حديث من حديثه؟، فقال: صحيح، وسألته عن آخر، فاستحسنه. وحكى ابن أبي خيثمة أن ابن
[ ٣١ / ١٤١ ]
معين ضعّفه، رواه هُشيم عنه. وذكره ابن حنان في "الثقات"، وقال: قدِم واسط، فكتب عنه هشيم، وأبو عوانة، وكان على قضاء المدينة، قيَّده عبد اللَّه بن عليّ بالشام سنة (١٣٢) وكذا ذكر ابن سعد، وخليفة، وفي رواية عن خليفة: قُتل سنة (١٣٣) والصحيح الأول
روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و١٦/ ٤٩٨٠ -: حديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: "إذا سرق العبد، فبعه، ولو بِنَشٍّ"، وقال: قال أبو عبد الرحمن: عمر بن أبي سلمة ليس بالقويّ في الحديث. انتهى.
والحديث أخرجه مسلم، ٣٩١٠ - من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، وقد سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، فَفَالَ: عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) يعني أن محمد ابن عمرو بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، خالف كلًّا من يحيى بن أبي كثير، وعمر ابن أبي سلمة، فرى الحديث عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، وهذا الاختلاف أيضًا لا يضرّ؛ لأن محمد بن عمرو لم يتفرد به، بل تابعه أبو سفيان، مولى ابن أبي أحمد، فرواه عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، أخرجه الشيخان به، فأخرجه البخاريّ في "البيوع" ٢١٨٦ ومسلم في "البيوع" من هذا الوجه.
والحاصل أنَّ حديث أبي سعيد - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم، ثم ساق رواية محمد بن عمرو، فقال:
٣٩١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ آدَمَ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. "عبد الرحيم": هو ابن سليمان الكنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقة، له تصانيف، من صغار [٨] ٥٧/ ٢٣٠٥. والحديث متّفقٌ عليه من رواية أبي سفيان، عن أبي سعيد - ﵁ -، كما مرّ أنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُمُ الأَسْوَدُ بْنُ الْعَلَاءِ، فَقَالَ: عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ رَافِع بْنِ خَدِيجٍ) يعني أن الأسود بن العلاء بن جارية الثقفيّ، خالف الثلاثة: يحيى بن أبي كثير، وعمر بن أبي سلمة، ومحمد بن عمرو، فرواه عن أبي سلمة، عن رافع بن خديج - ﵁ -، وهذا
[ ٣١ / ١٤٢ ]
الاختلاف أيضًا لا يضرّ؛ فإن الحديث ثابت عن رافع بن خديج - ﵁ - من عدّة طرق عند الشيخين، وغيرهما، كما تقدّم بيانه في -٢/ ٣٨٩٠ - فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق رواية الأسود بن العلاء، بقوله:
٣٩١٣ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "زكريا بن يحيى": هو السِّجْزيّ الحافظ المعروف بخيّاط السنّة.
و"محمد بن يزيد بن إبراهيم": هو محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم -نُسب لجده- أبو بكر التُّستريُّ، نزيل البصرة، مقبول، من صغار [١٠].
روى عن أبي قُتيبة، ومعاذ بن هشام، وعبد اللَّه بن حُمْران، وغيرهم. وعنه ابن ماجه، وأبو بكر البزار، وزكريا السجزيّ، وجماعة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.
و"عبد اللَّه بن حُمران" -بضمّ المهملة، وسكون الميم- ابن عبد اللَّه بن حُمران بن أبان الأُمويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن البصريّ، صدوقٌ يُخطىء قليلًا [٩].
قال ابن معين: صدوق صالح. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث صدوقٌ. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُخطىء. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال ابن شاهين: شيخٌ ثقةٌ مُبرِّرٌ. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٠٦) وقال غيره: سنة (٥). علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تبيه]: وقع في معظم نسخ "المجتبى"، والكبْرى" "عبيد اللَّه بن حمران"، مصغّرًا، بدل "عبد اللَّه" مكبّرًا، وهو تصحيف، والصواب عبد اللَّه مكبّرًا، وهو الذي في النسخة الهندية، و"تُحفة الأشراف"، و"التقريب"، و"تهذيب التهذيب". فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيحٌ، كما سبق الكلام فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) يعني أن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق روى هذا الحديث عن رافع بن خديج - ﵁ -، كما رواه أبو سلمة وغيره عنه.
[ ٣١ / ١٤٣ ]
[تنبيه]: تعبيره بقوله: (وقد رواه، مثل تعبيره فيما مضى تارة بتابعه، وتارة بوافقه، وهو من التفنّن بالعبارة، فكلها تعتبر متابعة، واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- روايته بقوله:
٣٩١٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُرَّةَ، قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ، عَنِ الْمُزَارَعَةِ، فَحَدَّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"أبو عاصم": هو الضّحّاك بن مَخلَد النبيل البصريّ.
و"عثمان بن مُرّة" البصريّ، مولى قريش، لا بأس به [٧].
قال ابن معين: صالح. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وذكره ابن حبّان في، "الثقات"، تفرّد به مسلم، له عنده حديث واحد في الشرب في إناء الفضّة، والمصنّف، وله عنده حديث الباب فقط.
والحديث صحيح، وأصله متّفقٌ عليه (^١)، وهو بهذا الإسناد من أفراد المصنّف - رحمه اللَّه تعالى -، أخرجه هنا-٢/ ٣٩١٤ و٣٩١٥ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦١٤ و٤٦٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ مَرَّة أُخْرَى) ظاهر هذه العبارة أن الرواية مرّة أخرى من المصنّف لتلاميذه، وعبارة "الكبرى" ظاهرة أنها من عمرو بن عليّ للمصنّف ومن معه، ولفظه: "أخبرنا عمرو بن عليّ مرّة أخرى، قال الخ"، وليس فيه. "قال أبو عبد الرحمن الخ"، والأمر في ذلك سهل؛ إذ يحتمل أن يقع الإخبار مرّتين من المصنّف لتلاميذه، كما وقع له من شيخه. واللَّه تعالى أعلم.
٣٩١٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ: أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ، عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، فَقَالَ: قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ").
والحديث صحيح، كما سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَاخْتُلِفَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ فِيهِ) يعني أن هذا الحديث رواه سعيد بن
_________________
(١) فقد أخرجه البخاريّ برقم ٢٣٢٧ ومسلم برقم ٣٩٢٨، من رواية حنظلة بن قيس، أنه سأل رافع ابن خديج عن كراء الأرض؟ فقال: "نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن كراء الأرض … " الحديث، واللفظ لمسلم.
[ ٣١ / ١٤٤ ]
المسيّب، واختَلَفَ الرواة عليه، فرواه أبو جعفر الْخَطْميّ، عُمير بن يزيد، عنه، عن رافع بن خَدِيج، ورواه طارق بن عبد الرحمن، عنه، واختلف الرواة عليه، فرواه أبو الأحوص، عنه، عن سعيد، عن رافع، بلفظ: نهى رسول اللَّه - ﷺ -، عن المحاقلة، والمزابنة، وقال: "إنما يزرع ثلاثة: رجلٌ له أرض فهو يزرعها، أو رجل مُنِح أرضا فهو يزرع ما مُنِح، أو رجل استكرى أرضا بذهب أو فضة".
ورواه إسرائيل بن يونس، عن طارق فروى قوله: "نهى رسول اللَّه - ﷺ -، عن المحاقلة، والمزابنة" مرسلًا، بدون ذكر رافع، وجعل قوله: "إنما يزرع ثلاثة الخ": من قول سعيد، موقوفًا عليه.
ورواه سفيان الثوريّ، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد، موقوفًا عليه، بلفظ: "لا يصلح الزرع غير ثلاث الخ".
ورواه الزهريّ، عن سعيد، مرسلًا، بلفظ: "أن رسول اللَّه - ﷺ - نهى عن المحاقلة، والمزابنة".
ورواه محمد بن عبد الرحمن بن لَبيبة، عن سعيد، عن سعد بن أبي وقّاص - ﵁ -، مرفوعًا، بلفظ: "كان أصحاب المزارع يُكرون في زمان رسول اللَّه - ﷺ - … " الحديث، وسنتكلّم على درجة كلّ رواية عند ذكرها، إن شاء اللَّه تعالى.
ثم أورد رواية أبي جعفر الْخَطْميّ، عُمير بن يزيد، فقال:
٣٩١٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ -وَاسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ يَزِيدَ- قَالَ: أَرْسَلَنِي عَمِّي، وَغُلَامًا لَهُ، إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَسْأَلُهُ عَنِ الْمُزَارَعَةِ، فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا، حَتَّى بَلَغَهُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ حَدِيثٌ، فَلَقِيَهُ، فَقَالَ رَافِعٌ: أَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - بَنِي حَارِثَةَ، فَرَأَى زَرْعًا، فَقَالَ: «مَا أَحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ؟»، فَقَالُوا: لَيْسَ لِظُهَيْرٍ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ أَرْضُ ظُهَيْرٍ؟»، قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنَّهُ أَزْرَعَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «خُذُوا زَرْعَكُمْ، وَرُدُّوا إِلَيْهِ نَفَقَتَهُ»، قَالَ: فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا، وَرَدَدْنَا إِلَيْهِ نَفَقَتَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير أبي جعفر الخَطمي، فإنه من رجال الأربعة، وهو عُمير بن يزيد بن حَبيب الأنصاريّ الْخَطْميّ- بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة- المدنيّ، نزيل البصرة، وثّقه ابن معين، وابن نُمير، والعجليّ، والنسائيّ، وغيرهم [٦] ١٦/ ١٦.
و"يحيى": هو القطّان.
وقوله: "عمي" لم يُسمَّ. وقوله: "ما أحسن زرع ظُهير" هو عمّ رافع بن خَدِيج
[ ٣١ / ١٤٥ ]
- ﵄ -. وقوله: "أليس أرض ظهير" اسم "ليس" ضمير يعود إلى الموضع، و"أرض" بالنصب خبرها، أي أليس هذا الموضع أرض ظُهير؟. ويحتمل أن يكون "أرضُ ظهير" اسمها، وخبرها محذوف، أي ليس أرض ظُهير هذه؟. وقوله: "أزرعها": أي أعطاها غيره ليزرعها بالأجرة. وقوله: "خذوا زرعكم" هذا يقتضي أن الزرع بالعقد الفاسد ملحق بالزرع في أرض غيره بغير إذنه، فيجب أن يُرد الزرع إلى صاحب الأرض؛ لأنه نماء أرضه، وُيعوّض المزارع بدفع عوض ما أنفقه في ذلك الزرع، وكون هذا بسبب فساد العقد يوضّحه رواية ابن المسيّب، عن سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - الآتية في ٣٩٢١ - بلفظ: كان أصحاب المزارع، يُكرون في زمان رسول اللَّه - ﷺ - مزارعهم، بما يكون على الساقي من الزرع، فجاءوا رسول اللَّه - ﷺ -، فاختصموا في بعض ذلك، فنهاهم رسول اللَّه - ﷺ -، أن يكروا بذلك، وقال: "أكروا بالذهب والفضة".
فهذا هو الذي تضمّن شرطًا فاسدًا، فصار العقد فاسدًا، فمثل هذا يوجب ردّ الزرع لصاحب الأرض، وتعويض المزارع ما أنفقه فيه.
والحديث صحيح، وأخرجه أبو داد في "سننه" ٣٣٩٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَرَوَاهُ طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمَنِ عَنْ سَعِيدٍ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ) يعني أن طارق بن عبد الرحمن روى هذا الحديث عن سعيد بن المسيّب، ولكن اخْتَلَفَ الرواة عليه، وقد ذكرنا وجه اختلافهم ملخّصًا، فيما سبق، وسنوضّحه أيضًا فيما بعد عند تفصيل المصنّف له. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق رواية طارق بقوله:
٣٩١٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَقَالَ: «إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ، فَهُوَ يَزْرَعُهَا، أَوْ رَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا، فَهُوَ يَزْرَعُ مَا مُنِحَ، أَوْ رَجُلٌ اسْتَكْرَى أَرْضًا بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا، غير:
١ - (طارق) بن عبد الرحمن البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، صدوق، له أوهام [٥].
قال ابن معين، والعجليّ، وابن نُمير، والدارقطنيّ، ويعقوب بن سفيان: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ليس بذلك، هو دون مُخارق. وقال عليّ ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: طارق بن عبد الرحمن ليس عندي باقوى من ابن
[ ٣١ / ١٤٦ ]
حرملة، وطارق، وإبراهيم بن مُهاجر يَجريان مَجْرَى واحدٍ. وذكره ابن الْبَرْقيّ في "باب من احتمل حديثه"، فقال فيه: وأهل الحديث يُخالفون يحيى بن سعيد، ويُوثّقونه. وحكى الساجيّ عن أحمد: في حديثه بعض الضعف. روى له الجماعة، له عند المصنّف هذا الحديث فقط.
و"أبو الأحوص": هو سلام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ.
وقوله: "وقال: إنما يزرع الخ" هو معطوف على جملة "قال: نهى رسول اللَّه - ﷺ - الخ"، فهو على هذه الرواية مرفوع. وقوله: "مُنح" بالبناء للمفعول، أي أُعطي. وقوله: "استكرى" أي اكتراها، بمعنى أخذها بالكراء، فالسين والتاء زائدتان.
والحديث صحيح، دون الكلام الأخير، فإنه موقوفٌ على سعيد، كما يأتي فيما بعده، وأخرجه أبو داود في ٣٤٠٠ "البيوع والإجارات" - "باب في التشديد في ذلك" وابن ماجه ٢٤٤٩ في "الرهون" - "باب المزارعة بالثلث والربع". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (مَيَّزَهُ إِسْرَائِيلُ عَنْ طَارِقٍ، فَأَرْسَلَ الكَلَامَ الأَوَّلَ) أي جعل قوله: "نهى رسول اللَّه - ﷺ - الخ" من كلام النبيّ - ﷺ -، وأسقط رافعًا (وَجَعَلَ الأَخِيرَ) أي قوله: "إنما يزرع ثلاثة الخ" (مِنْ قَوْلِ سَعِيد) يعني أن إسرائيل بن يونس خالف أبا الأحوص، فجعل أول الحديث وهو قوله: "نهى رسول اللَّه - ﷺ - الخ" مرسلًا، وجعل آخر الحديث، وهو قوله: "إنما يزرع الخ" موقوفًا على سعيد بن المسيّب، ووافقه على إرسال الأول ابنُ شهاب، وعلى وقف الثاني على سعيد الثوريّ، كما يأتي بيان ذلك قريبًا.
والظاهر أن وقف الجزء الأخير من الحديث هو الأرجح؛ لمتابعة الثوريّ لإسرائيل، وأما إرسال الجزء الأول منه، فالذي يظهر ترجيح الوصل؟ لمتابعة أبي جعفر الخطميّ لأبي الأحوص على ذلك، كما سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ساق رواية إسرائيل بقوله:
٣٩١٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنِ الْمُحَاقَلَةِ"، قَالَ: سَعِيدٌ … فَذَكَرَهُ نَحْوَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو الرُّهاويّ الحافظ، من أفراد المصنّف. و"عُبيد اللَّه بن موسى": هو ابن باذام العبسيّ الكوفيّ الحافظ.
وقوله: "قال سعيد"، فذكر نحوه، أي ذكر سعيد بن المسيّب معنى قوله: "إنما يزرع
[ ٣١ / ١٤٧ ]
ثلاثة: رجلٌ الخ"، والمراد أن هذا الكلام من قول سعيد، وليس مرفوعًا، كما هو في رواية أبي الأحوص المتقدّمة، وإنما المرفوع هو قوله: "نهى رسول اللَّه - ﷺ -، وهو أيضًا مرسلٌ، فإنه لم يذكر فيه رافعًا - ﵁ -، كما ذكر في رواية أبي الأحوص. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، هو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ طَارِقٍ) يعني أن هذا الحديث رواه أيضًا سفيان الثوريّ، عن طارق بن عبد الرحمن، متابعًا لرواية إسرائيل، لكن في الجزء الأخير الموقوف على سعيد -رحمه اللَّه تعالى-، كما بيَّنهُ بقوله:
٣٩١٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ -وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ طَارِقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، يَقُولُ: "لَا يُصْلِحُ الزَّرْعَ، غَيْرُ ثَلَاثٍ: أَرْضٍ يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا، أَوْ مِنْحَةٍ، أَوْ أَرْضٍ بَيْضَاءَ، يَسْتَأْجِرُهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عليّ بن ميمون": هو أبو العبّاس الرّقّيّ العطّار الثقة، من أفراد المصنّف. و"محمد": هو ابن يوسف الفِرْيابيّ. و"سفيان": هو الثوريّ.
والحديث صحيح موقوف على سعيد، وهو المسمّى في مصطلح أهل الحديث بالمقطوع، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٢/ ٣٩١٩ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦١٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَرَوَى الزُّهْرِيّ الكَلَامَ الأَوَّلَ، عَنْ سَعِيدٍ، فَأَرْسَلَهُ) يعني أن الزهريّ روى الجزء الأول من الحديث المذكور، عن سعيد بن المسيّب، مرفوعًا، لكنه جعله مرسلًا، بإسقاط الصحابيّ، موافقًا لرواية إسرائيل، عن طارق المتقدّمة، لكن هذا الإرسال لا يضرّ، فقد صحّ عن سعيد متصلًا فيما تقدّم.
ثم بين رواية الزهريّ المذكورة بقوله:
٣٩٢٠ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسِيَّبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: "نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو مصريّ حافظ ثقة.
والحديث صحيح بما تقدّم، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا-٢/ ٣٩٢٠ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٢٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
[ ٣١ / ١٤٨ ]
حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ لَبِيبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبيِ وَقَّاصٍ) يعني أن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة خالف الرَواة عن سعيد الذين تقدّم بيان رواياتهم فيما مضى، فإن عمير بن يزيد رواه متصلًا بذكر رافع، وكذلك طارق بن عبد الرحمن، على اختلاف عليه في الوصل والإرسال، والرفع والوقف، ورواه الزهريّ مرسلًا، فخالفهم محمد بن عبد الرحمن، فرواه متّصلًا، لكن جعله من مسند سعد بن أبي وقّاص - ﵁ -، لكن محمد بن عبد الرحمن ضعيف، فتعدّ مخالفته لهم منكرةٌ. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق -رحمه اللَّه تعالى- رواية محمد بن عبد الرحمن هذه بقوله:
٣٩٢١ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِكْرِمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ لَبِيبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ الْمَزَارِعِ، يُكْرُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَزَارِعَهُمْ، بِمَا يَكُونُ عَلَى السَّاقِي مِنَ الزَّرْعِ، فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَاخْتَصَمُوا فِي بَعْضِ ذَلِكَ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُكْرُوا بِذَلِكَ، وَقَالَ «أَكْرُوا بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبيد اللَّه بن سعد بن إبراهيم": هو الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ قاضي أصبهان، ثقة [١١] ١٧/ ٤٨٠. و"عمه": هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤. و"أبوه": هو إبراهيم بن سعد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤.
و"محمد بن عكرمة" بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ المدنيّ، مقبول [٦].
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال الذهبيّ في "الميزان": لم يرو عنه سوى إبراهيم ابن سعد. تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث، فقط.
و"محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة" -بفتح اللام، وكسر الموحّدة، وسكون التحتانيّة، وفتح الموحّدة الأخرى- ويقال: ابن أبي لبيبة، ويقال: إن لبيبة أمه، وأبا لبيبة أبوه، واسمه وَزدان، المكيّ، ضعيفٌ، كثير الإرسال [٦].
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ابن أبي لبيبة الذي يحدّث عنه وكيع ليس حديثه بشيء. وقال الدارقطنيّ: ضعيف. وذكره ابن حنان في "الثقات". تفرّد به أبو داود، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط.
[ ٣١ / ١٤٩ ]
وقوله: "بما يكون على الساقي من الزرع" أي بما ينبت على طرفي النهر من الزرع، فيجعلونه كراء الأرض. وقوله: "أُكْرُوا" بفتح الهمزة، أمر من الإكرا: أي آجروا الأرضَ بالذهب والفضة.
والحديث ضعيف؛ لما ذكرناه آنفًا، أخرجه المصنّف هنا -٢/ ٣٩٢ أو في "الكبرى" ٤٦٢٢ وأخرجه أبو داود في ٣٣٩١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَقَد رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُلَيْمَانُ، عَنْ رَافِعٍ، فَقَالَ: عَنْ رَجُلٍ مِنْ عُمُومَتِهِ) يعني أن سليمان بن يسار روى هذا الحديث عن رافع بن خَدِيج، عن رجل من عمومته، مبهمًا، وقد سمّي في رواية غيره، أنه ظُهير بن رافع - ﵁ -، وقد أخرجه الشيخان من رواية أبي النجاشيّ عطاء بن صُهيب، عن رافع، عنه، وسيأتي للمصنّف برقم - ٣٩٥٠ - إن شاء اللَّه تعالى.
ثم ساق رواية سليمان المذكورة، بقوله:
٣٩٢٢ - (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَيُّوبُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ بِالأَرْضِ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَنُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى، فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلٌ مِنْ عُمُومَتِىي، فَقَالَ: نَهَانِى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَنْفَعُ لَنَا، نَهَانَا أَنْ نُحَاقِلَ بِالأَرْضِ، وَنُكْرِيَهَا بِالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى، وَأَمَرَ رَبَّ الأَرْضِ أَنْ يَزْرَعَهَا، أَوْ يُزْرِعَهَا، وَكَرِهَ كِرَاءَهَا، وَمَا سِوَى ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغداديّ، أبو هاشم، طوسيّ الأصل، و"دلويه" لقبه، وكان يغضب منه، ولقبه أحمد شعبة الصغير، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (ابن عليّة) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقة حافظ [٨] ١٩/ ١٨.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد [٥] ٤٢/ ٤٨.
٤ - (يعلي بن حكيم) الثقفيّ مولاهم المكيّ، نزيل البصرة، ثقة [٦] ٣٧/ ٣٢٧٢.
٥ - (سليمان بن يسار): هو الهلاليّ المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة - ﵄ -، ثقة فاضلٌ، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، من كبار [٣] ١٢٢/ ١٥٦.
٦ - (رافع بن خديج) - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدّم قريبًا.
[ ٣١ / ١٥٠ ]
٧ - (عمه) هو: ظهير بن رافع - رضي اللَّه تعالى عنه -. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى يعلى، غير شيخه، فبغداديّ، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمه، وصحابيّ عن صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ بِالأَرْضِ) أي نتعامل فيها بالمزارعة (عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَنُكْرِيَها) بضمّ أوله من الَإكراء (بالثُّلُثِ، وَ) بمعنى "أو" (الرُّبُع) أي بأن تكون أجرتها ثلث ما يخرج منها، أو ربعه (وَ) بَمعنى "أو" أيضًا (الطَّعَام المُسَمَّى) أي بأن يكون طعام معيّن مقداره أجرةً لها (فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلٌ مِنْ عُمُومَتِي) سيأتي أنه ظُهير بن رافِع الأنصاريّ الأوسي - ﵁ - (فَقَالَ: نَهَانِي) ولفظ مسلم: "نهانا" (رَسُوْلُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا) أي حسب ظنّهم، وإلا فالواقع أنه ضارّ لهم؛ لأن اللَّه ﷾ لا يُحرّم إلا ما فيه ضرّ عاجل، أو آجل (وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ) -﷿- (وَرَسُولِهِ) - ﷺ -، و"الطواعية" على وزن الكَرَاهية: بمعنى الطاعة، كما في "القاموس". يقال: أطاعة إطاعة: أي انقاد له، وطاعه طوعًا، من باب قال، وبعضهم يُعدّيه بالحرف، فيقول: طاع له، وفي لغة من بأبي باع، وخاف، والطاعة اسم منه، والفاعل من الرباعي مُطيع، ومن الثلاثي طائع، وطيِّعٌ. قاله الفيّوميّ.
(أَنْفَعُ لَنَا) أي أكثر نفعًا لنا من النفع الذي نظنه في هذه المعاملة (نَهَانَا أَنْ نُحَاقِلَ بالأَرْضِ) جملة "نهانا الخ" جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا لسؤال مقدّر، كأن سائلًا قال له: وما الذي نهاكم - ﷺ - عنه؟، فأجاب بقوله: "نهانا أن نحاقل بالأرض" (وَنُكْرِيَهَا بِالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَام الْمُسَمَّى) وقوله (وَأَمَرَ) عطف على "نهانا" (رَبَّ الأَرْضِ) أي صاحبها، وفيه إطلاق لفظ الرب، مضافًا على غير اللَّه تعالى، قال الفيّوميّ: الربُّ يُطلق على اللَّه ﵎، معرَّفًا بالألف والسلام، ومضافًا، ويُطلق على مالك الشيء الذي لا يعقل، مضافًا إليه، فيقال: ربّ الدَّين، وربّ المال، ومنه قوله - ﷺ - في ضالّة الإبل: "حتى يلقاها ربها"، وقد استُعمل بمعنى السيّد، مضافًا إلى العاقل أيضًا، ومنه قوله - ﷺ -: "حتى تلد الأمة ربّتها"، وفي رواية: "ربها"، وفي التنزيل حكايةً عن يوسف - ﵇ -: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ الآية [يوسف: ٤١]. قالوا: ولا يجوز
[ ٣١ / ١٥١ ]
استعماله بالألف واللام للمخلوق بمعنى المالك؛ لأن اللام للعموم، والمخلوق لا يملك جميع المخلوقات، وربّما جاء باللام عوضًا عن الإضافة، إذا كان بمعنى السيّد، قال الحارث بن حِلِّزَة [من الخفيف]:
فَهُوَ الرَّبُّ وَالشَّهِيدُ عَلَى يَوْ … مِ الْحِيَارَينِ (^١) وَالْبَلَاءُ بَلَاءُ
وبعضهم يمنع أن يقال: هذا ربّ العبد، وأن يقول العبد: هذا ربّي، وقوله - ﷺ -: "حتى تلد الأمة ربّها"، حجّةٌ عليه. انتهى (^٢).
(أَنْ يَزْرَعَهَا) بفتح أوله مبنيَّا للفاعل، أي يزرع أرضه بنفسه (أَوْ يُزْرِعَهَا) بضمّ أوله مبنيًّا للمفعول، أي يُعطيها لغيره لينتفع بزراعتها (وَكَرِهَ كِرَاءَهَا) الظاهر أنه الكراء المذكور، من الثلث، والربع، والطعام المسمّى، فيكون عطفه على ما قبله للتأكيد (وَمَا سِوَى ذَلِكَ) يحتمل أن يكون معطوفًا على ما قبله، فيكون المعنى: وكره المذكور، وغير ذلك، مما يُفسد العقد، كان يؤاجره على الماذيانات، وأقبال الجداول، كما سيأتي في -٣٩٢٦ -: (كان الناس على عهد رسول اللَّه - ﷺ - يؤاجرون على الماذيانات، وأقبال الجداول، فيسلم هذا، ويَهلك هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه".
ويحتمل أن يكون "ما سوى ذلك" مبتدأ خبره محذوف، تقديره: جائزٌ، يعني أن ما سوى ما ذُكر من الثلث، والربع، والطعام المسمّى، جائز أن يكون أجرة للأرض، وذلك مثل الدراهيم، والدنانير المسمّى، فيكون بمعنى قول رافع - ﷺ - في الرواية الآتية بعد حديثين، لَمّا سئل عن كرائها بالدينار والدرهم، قال: "ليس بها بأس بالدينار والدرهم"، وبمعنى قوله في الرواية التي بعدها: "فأما شيء معلوم، مضمون، فلا بأس به"، وأصرح منهما الرواية التي بعده: "عن حنظلة بن قيس، قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض، فقال: نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن كراء الأرض، قال: فقدت: أبا الذهب والورق؟، فقال: أما الذهب والورق، فلا بأس به". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث رافع بن خديج، عن رجل من عمومته - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) "الحِياران" اسم موضع. قاله في "لسان العرب".
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢١٤.
[ ٣١ / ١٥٢ ]
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢/ ٣٩٣٣ و٣٩٢٣ و٣٩٢٤ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٢٣ و٤٦٢٤ و٤٦٢٥. وأخرجه (خ) في "الحرث والمزارعة" ٢٣٤٦ و٢٣٤٧ (م) في "البيوع" ٣٩٢٢ (د) في "البيوع والإجارات" ٣٣٩٥ و٣٣٩٦ (ق) في "الرهون" ٢٤٦٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (أَيُّوبُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ يَعْلَى) يعني أن أيوب السختيانيّ لم يسمع هذا الحديث من يعلي بن حكيم، وإنما أخذه عنه مكاتبة، وليس غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا تضعيف الحديث، بل غرضه بيان كيفيّة أخذ أيوب عن يعلي بن حكيم، وإنما بيّن ذلك؛ للاختلاف بين العلماء في جواز المكاتبة بالحديث، والصحيح صحّتها
وصورة الكتابة: أن يكتب الشيخ مسموعه لحاضر، أو غائب بخطّه، أو يأمر من يكتب له، وهي ضربان:
[إحداهما]: مقرونة بالإجازة، كان يقول: أجزتك ما كتبت لك، أو نحوه من العبارة، وهذه في الصحّة والقوّة، كالمناولة المقرونة بالإجازة.
[الثانية]: مجرّدة عن الإجازة، وهذه منع الرواية بها قوم، منهم: القاضي أبو الحسن الماورديّ الشافعيّ في الحاوي، والآمديّ، وابن القطّان. وأجازها كثيرون من المتقدّمين، والمتأخّرين، منهم: أيوب السختياني، ومنصور، والليث، وابن سعد، وابن أبي سَبْرة، وغير واحد من الشافعيّة، وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث، ويوجد في مصنّفاتهم كثيرًا: كتَبَ إليّ فلان، قال: حدّثنا فلانٌ، والمراد به هذا، وهو معمول به عندهم، معدود في الموصول من الحديث، دون المنقطع؛ لإشعاره بمعنى الإجازة، بل قال السمعانيّ: هي أقوى من الإجازة. قال الحافظ السيوطيّ: وهو المختار، بل وأقوى من أكثر صور المناولة، وفي "صحيح البخاريّ" في "الأيمان والنذور" وكتب إنّي محمد بن بشّار … وليس فيه بالمكاتبة عن شيوخه غيره، وفيه، وفي "صحيح مسلم" أحاديث كثيرة بالمكاتبة في أثناء السند.
وقال البيهقيّ في "المدخل": ما معناه: في هذا الباب آثار كثيرة عن التابعين، فمن بعدهم، وكُتُبُ النبيّ - ﷺإلى عُمّاله بالأحكام شاهدة لقولهم (^١).
والحاصل أن المكاتبة بالحديث من الطرق الصحيحة المتّصلة، تجوز الرواية، والعمل بها. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع "تدريب الراوي" ٢/ ٥٥ - ٥٧.
[ ٣١ / ١٥٣ ]
ثمّ ساق الرواية التي تبيّن أن أيوب السختيانيّ لم يسمع من يعلى، وإنما أخذه بالمكاتبة، فقال:
٣٩٢٣ - (أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ، أَنِّي سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، يُحَدِّثُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ الأَرْضَ، نُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى).
و"محمد بن عُبيد" بن حساب -بكسر الحاء، وتخفيف السين المهملتين -الْغُبَريّ- بضم الغين المعجمة، وتخفيف الموحّدة- البصريّ، ثقة [١٠].
قال أبو حاتم: صدوقٌ. وقال النسائيّ، ومَسلَمة: ثقة. وقال الآجريّ، عن أبي داود: ابن حساب فوق الزبيريّ -يعني عبد اللَّه بن محمد بن الْمِسْوَر الزبيريّ- بكثير، ابنُ حساب عندي حجةٌ. قال محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ: مات سنة (٢٣٨) روى عنه مسلم، وأبو داود، والمصنّف، له عنده هذا الحديث فقط.
و"حمّاد": هو ابن زيد. و"أيوب": هو ابن أبي تميمة السختيانيّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ سَعيد، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ) يعني أن سعيد بن أبي عروبة مِهْران تابع أيوب في رواية هذا الحديث عن يعلي بن حكيم، كما بيّن روايته بقوله:
٣٩٢٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَزَعَمَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُ، فَقَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَنْفَعُ لَنَا، قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكَارِيهَا بِثُلُثٍ، وَلَا رُبُعٍ، وَلَا طَعَامٍ مُسَمًّى»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسماعيل بن مسعود": هو الجحدريّ البصريّ. و"خالد بن الحارث": هو الْهُجيميّ البصريّ. والإسناد مسلسل بالبصريين إلى يعلى.
والحديث أخرجه مسلم من طريق خالد بن الحارث، وعبد الأعلى، وعبدة كلهم، عن سعيد بن أبي عروبة، بسند المصنّف، لكن لم يسق متنه، أحاله على رواية أيوب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ ٣١ / ١٥٤ ]
وقوله (رَوَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ رَافِع، فاخْتُلِف) بالبناء للمفعول (عَلَى رَبِيعَةَ) بن أبي عبد الرحمن (فِي رِوايَتِهِ) زاد في "الكبرى": "عنه فيه"، والضمير في "عنه" لحنظلة، وفي "فيه" للحديث. يعني أن حنظلة بن قيس الزُّرَقيّ روى هذا الحديث عن رافع بن خديج - ﵁ -، ورواه عنه ربيعة الرأي، لكن الرواة اختلفوا على ربيعة فيه، فرواه عنه الليث، عن حنظلة، عن رافع، عن عمه، مرفوعًا، ورواه الأوزاعيّ، عنه، عن حنظلة، عن رافع، مرفوعًا، ولم يذكر عمه، ووافق الأوزاعيّ مالكٌ في الإسناد، وخالفه في المتن، كما سيأتي، ورواه الثوريّ، عنه، عن حنظلة، عن رافع، موقوفًا عليه، ولم يذكر أيضًا عمه.
ثم إن هذا الاختلاف لا يضرّ، أما بالنسبة للرفع والوقف، فترجّح رواية الرفع؛ لأن معها زيادة علم من ثقات حفّاظ، وأما بالنسبة لذكر عمّ رافع، وعدمه، فيُحمل على أن رافعًا، سمعه من عمّه، ثم سمعه من النبيّ - ﷺ -، فكان يُحدّث عنهما، ولذلك أخرج الحديث الشيخان من رواية حنظلة، عن رافع، كما سنبيّنه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق روايات ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلة بن قيس، عن رافع، فقدم رواية الليث، عن ربيعة، فقال:
٣٩٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ، وَشَيْءٍ مِنَ الزَّرْعِ، يَسْتَثْنِي صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ كِرَاؤُهَا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟، فَقَالَ رَافِعٌ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ، بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) الْمُخَرِّميِّ البغداديّ الثقة الحافظ [١١] ٤٣/ ٥٠.
٢ - (حُجَين بن المثنّى) أبو عمير اليماميّ، سكن بغداد، وولي قضاء خُرَاسان، ثقة [٩] ١٨٠/ ١١٥٠.
٣ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت الفقيه المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٤ - (ربيعة) بن أبي عبد الرحمن فَرُّوخ، أبو عثمان المدنيّ، المعروف بربيعة الرأي، ثقة فقيه مشهورٌ، قيل: كانوا يتّقونه لموضع الرأي [٥] ٣٦/ ٧٢٩.
٥ - (حنظلة بن قيس) بن عمرو بن حِصْن بن خلْدة الزُّرَقيّ المدنيّ، ثقة [٢].
[ ٣١ / ١٥٥ ]
قال ابن سعد، عن الواقديّ: كان ثقة قليل الحديث. وحُكي عن الزهريّ قال: ما رأيت من الأنصار أحزّم، ولا أجود رأيًا من حنظلة بن قيس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: رأى عمر، وعثمان. وذكره ابن عبد البرّ في الصحابة، جانحًا لقول الواقدي: إنه وُلد في عهد النبيّ - ﷺ -. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف حديث الباب فقط. والباقيان تقدما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ربيعة، والليث مصريّ، والباقيان بغداديان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي) بالإفراد، وهو ظُهير بن رافع - ﵁ -. وفي رواية البخاريّ، من طريق الأوزاعيّ، عن ربيعة: "حدّثني عَمَّاي" بالتثنية، قال الحافظ في "الفتح": هما ظُهير بن رافع، والآخر قال الكلاباذيّ: لم أقف على اسمه، وذكر غيره أن اسمه مُظَهِّر -وهو بضمّ الميم، وفتح الظاء، وتشديد الهاء المكسورة- وضبطه عبد الغنيّ، وابن ماكولا هكذا زعم بعض من صنّف في المبهمات، ورأيت في الصحابة لأبي القاسم البغويّ، ولأبي عليّ بن السكن، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن يعلي بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خَدِيج: أن بعض عمومته، قال سعيد: زعم قتادة أن اسمه مُهَير، فذكر الحديث، فهذا أولى أن يُعتمد، وهو بوزن أخيه ظُهير، كلاهما بالتصغير. انتهى (^١).
(أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإكراء رباعيًّا (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ) -بفتح الهمزة، وسكون الراء، وكسر الموحّدة-: جمع رَبيع -بفتح الراء، وكسر الموحّدة: وهو النهر الصغير، والمعنى أنهم كانوا يُكرون الأرض، ويشترطون لأنفسهم ما ينبُتُ على الأنهار (وَشَيْءِ) بالجرّ عطفًا على "ما ينبت" (مِنَ الزرْعِ، يَسْتَثْني صَاحِبُ الأرْضِ) ببناء الفعل للمفعول، و"صاحب" مرفوع على الفاعليّة، ومفعوله مقدّر، وقد صُرِّح به في رواية البخاريّ، ولفظه: "يستثنيه صاحب الأرض"، وهو من الاستثناء، أي يُخرجه لنفسه مما للزارع، وقال في "الفتح":
_________________
(١) فتح ٥/ ٢٩٥.
[ ٣١ / ١٥٦ ]
وكأنه يُشير إلى استثناء الثلث، أوالربع، ليوافق الرواية الأخرى (فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -،، عَنْ ذَلِكَ) قال حنظلة بن قيس (فَقُلْتُ لِرَافِعٍ) - ﵁ - (فَكَيْفَ كِراؤُهَا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمْ؟) أيجوز أم لا؟ (فَقَالَ: رَافِعٌ) - ﵁ - (ليْسَ بِهَا) أي بإجارة الأرض (بَأْسٌ، بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ) في "الفتح": يحتمل أن يكون ذلك قاله رافع باجتهاده. ويحتمل أن يكون علم ذلك بطريق التنصيص على جوازه، أو عَلِم أن النهي عن كراء الأرض ليس على إطلاقه، بل بما إذا كان بشيء مجهول، ونحو ذلك، فاستنبط من ذلك جواز الكراء بالذهب والفضّة، ويرجّح كونه مرفوعًا ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح من طريق سعيد بن المسيّب، عن رافع بن خدِيج، قال: "نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن المحاقلة، والمزابنة، وقال: إنما يَزرع ثلاثة: رجلٌ له أرضٌ، ورجلٌ مُنِح أرضًا، ورجلٌ اكترى أرضًا بذهب، أو فضة"، لكن بيّن النسائيّ من وجه آخر أن المرفوع منه النهى عن المحاقلة، والمزابنة، وأن بقيّته مدرجٌ من كلام سعيد بن المسيّب. وقد رواه مالكٌ في "الموطّإ"، والشافعيّ عنه، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب. انتهى ما في "الفتح" (^١)،
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم أن الأرجح كون قوله: "إنما يزرع ثلاثة الخ" من كلام سعيد بن المسيّب -رحمه اللَّه تعالى-، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث رافع بن خَديج، عن عمّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢/ ٣٩٢٥ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٢٦. وأخرجه (خ) في "الحرث، والمزارعة" ٢٣٤٦ و٢٣٤٧ (م) في "البيوع" ٣٩٢٦ و٣٩٢٨ (د) في "المزارعة" ٣٣٩٢ و٣٣٩٣ (ق) في "الرهون" ٢٤٥٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ الأَوْزَاعِيُّ) يعني أن الأوزاعيّ خالف الليث بن سعد في روايته لهذا الحديث، حيث إنه راوه عن ربيعة، عن رافع، عن عمّه، مرفوعًا، فخالفه الأوزاعيّ، فرواه عن ربيعة، عن حنظلة بن قيس الأنصاريّ، عن رافع بن خديج، مرفوعًا، ولم
_________________
(١) "فتح" ٥/ ٢٩٥. "كتاب الحرث والمزارعة". رقم ٢٣٤٦ - و٢٣٤٧.
[ ٣١ / ١٥٧ ]
يذكر عمّه، لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ بصحة الحديث، كما تقدّم، ولذا أخرجه الشيخان من الوجهين، فأخرج البخاريّ رواية الليث بزيادة عقيه، وأخرج مسلم رواية الأوزاعيّ بإسقاطهما. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية الأوزاعيّ التي أشار إليها، فقال:
٣٩٢٦ - (أَخْبَرَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى -هُوَ ابْنُ يُونُسَ- قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، بِالدِّينَارِ، وَالْوَرِقِ؟، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، يُؤَاجِرُونَ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ، فَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَهْلِكُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَهْلِكُ هَذَا، فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلاَّ هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ (^١)، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه المغيرة بن عبد الرحمن أبي أحمد الْحَرَّانيّ، من صغار [١٠] ٩٤/ ٢٠٢٥، فإنه من أفراده، وهو ثقة.
وقوله: "على الماذيانات": بكسر الذال المعجمة، وحكي فتحها: مسايل المياه، مُعَرَّبة (^٢). وقال ابن الأثير: هي جمع ماذِيان، وهو النهر الكبير، وليست بعربيّة، وهي سوادية. انتهى (^٣). وقال الخطّابيّ: هي الأنهار، وهي من كلام المعجم، صارت دخيلًا في كلامهم. انتهى (^٤).
وقال القرطبيّ: الماذيانات معروفة، بكسر الذال، وقد فُتحت، وليست عربيّة، ولكنها سواديّة. وهي مسايل الماء، والمراد بها هنا: ما يَنبُتُ على شطوط الجداول، ومسايل الماء، وهو من باب تسمية الشيء باسم غيره، إذا كان مجاورًا له، وكان منه بسبب. انتهى (^٥).
وقوله: "وأقبال الجداول" بفتح الهمزة، ثم قاف، ثم موحّدة، قال في "النهاية": هي الأوائل، والرؤوس، جمع قُبْل، والقُبْل أيضًا رأس الجبل، والأَكَمَة، وقد يكون جمع قَبَل -بالتحريك- وهو الكلأ في مواضع من الأرض، والقَبَلُ أيضًا: ما استقبلك من الشيء.
_________________
(١) "زجر عنه": من باب قتل: أي منع عن هذا الكراء، لأنه يفضي إلى النزاع.
(٢) "زهر الربى" ٧/ ٣١.
(٣) "النهاية" ٤/ ٣١٣.
(٤) راجع "شرح السندي" ٧/ ٤٣.
(٥) "المفهم" ٤/ ٤٠٨.
[ ٣١ / ١٥٨ ]
انتهى (^١). والجداول: جمع جدول: وهو النهر الصغير.
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ومعنى هذا أن صاحب الأرض كان يُؤاجر أرضه بالثلث، أو بالربع، أوبأن يكون له ما يُزرع على جوانب الأنهار، والجداول، وعلى أفواهها، وكان منهم من يؤاجر أرضه بالماذيانات خاصّةٌ. انتهى (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَافَقَهُ مَالِكُ بْنُ أنسٍ، عَلَى إِسْنَادِهِ، وَخَالَفَهُ فِي لَفْظِهِ) يعني أن مالك بن أنس إمام دار الهجرة وافق الأوزاعيّ --رحمهما اللَّه تعالى-- في إسناد هذا الحديث، حيث روياه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلة بن قيس، عن رافع بن خديج - ﵁ -، لكنه خالفه في متن الحديث، والاختلاف بين المتنين واضح، كما بيّنه بما ساقه بقوله:
٣٩٢٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ؟ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، قُلْتُ: بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَمَّا الذَّهَبُ، وَالْفِضَّةُ، فَلَا بَأْسَ). رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - ﵁ - عَنْ رَبِيعَةَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - ﵁ -، عَنْ رَبِيعَةَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ) يعني أن سفيان بن سعيد الثوريّ -رحمه اللَّه تعالى- وافق الأوزاعيّ، ومالكًا في إسناد هذا الحديث، لكن خالفهما في متنه، فجعله موقوفًا على رافع - ﵁ -، لكن الحكم في مثل هذا لمن رفع؛ لأن معه زيادة علم؛ ولأنهم أكثر. واللَّه تعالى أعلم.
ثم بيّن -رحمه اللَّه تعالى- رواية الثوريّ بقوله:
٣٩٢٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ، بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَقَالَ: حَلَالٌ، لَا بَأْسَ بِهِ، ذَلِكَ فَرْضُ الأَرْضِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. والحديث صحيح مرفوعًا، كما سبق آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب،
_________________
(١) "النهاية" ٤/ ٩.
(٢) "المفهم" ٤/ ٤٠٨ - ٤٠٩.
[ ٣١ / ١٥٩ ]
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ،، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، وَرَفَعَهُ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ) يعني أن يحيى بن سعيد الأنصاريّ تابع ربيعة بن أبي عبد الرحمن في رواية هذا الحدَيث عن حنظلة بن قيس الأنصاريّ، فرواه مرفوعًا، مثل رواية مالك بن أنس، عن ربيعة، وهذا مما يقوّي ترجيح الرفع أيضًا.
ثم ساق رواية يحيى بن سعيد المذكورة بقوله:
٣٩٢٩ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ كِرَاءِ أَرْضِنَا، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذَهَبٌ، وَلَا فِضَّةٌ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُكْرِى أَرْضَهُ بِمَا عَلَى الرَّبِيعِ، وَالأَقْبَالِ، وَأَشْيَاءَ مَعْلُومَةٍ … وَسَاقَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
وقوله: "في حديثه حمّاد بن زيد" يعني يحيى بن حبيب بن عربي البصريّ أخبر المصنّف، ومن معه بهذا الحديث في جملة أحاديث رواها عن حمّاد بن زيد. وقوله: "ولم يكن يومئذ ذهب الخ" يعني أن الناس في ذلك كانوا لا يؤاجرون بالذهب والفضّة، وإنما يؤاجرون بما يكون خطرًا، وهو الكراء الذي يكون مجهولًا، أو معلومًا، لكنه يضرّ بالآخر، كما بيّنه في قوله:، فكان الرجل يُكري أرضه بما على الربيع الخ".
والحديث أخرجه مسلم-١٥٤٧ - من طريق ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن حنظلة الزُّرَقي، أنه سمع رافع بن خديج، يقول: كنا أكثر الأنصار حَقْلًا، قال: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورق، فلم ينهنا. انتهى.
وقوله: "وساقه" الضمير ليحيى بن سعيد، ويحتمل أن يكون لشيخه يحيى بن حبيب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج، وَاخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيّ فِيهِ) يعني أن هذا الحديث رواه أيضًا سالم بن عبد الَله بن عمر، كما رواه من تقدّم ذكر رواياتهم عنه، ورواه عنه الزهريّ، لكن اختُلف عليه فيه، فرواه مالك بن أنس، وعُقيل ابن خالد، عنه، عن سالم، عن رافع، مرفوعًا، وخالفهما شعيب بن أبي حمزة، فرواه عن الزهريّ، قال: بلغنا أن رافع بن خديج، كان يُحدث أن عمّيه أن رسول اللَّه - ﷺ -، الخ، فجعله مرفوعًا، منقطعًا، وفي رواية عن شعيب بإسقاط عميّه، منقطعًا أيضًا،
[ ٣١ / ١٦٠ ]
وتابعه عليه عبد الكريم بن الحارث.
ثم إن هذه الاختلافات لا تضرّ بصحة الحديث؛ لأن الحكم لمن زاد، فيرجح الرفع، والوصل، فليس غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- تضعيف الحديث بالاضطراب، وإنما هو بيان طرق الحديث المختلفة، ولذلك أخرجه الشيخان من رواية سالم، كما سنوضّحه فيما بعد، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق رواية مالك، عن سالم، بقوله:
٣٩٣٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ … وَذَكَرَ نَحْوَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"محمد بن يحيى": هو الذهليّ الحافظ الحجة النيسابوريّ [١١] ١٩٦/ ٣١٤. و"عبد اللَّه بن محمد ابن أسماء": هو الضُّبَعيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة جليل [١٠] ١٩٧/ ٣١٥. و"جُويرية": هو ابن أسماء بن عُبيد الضُّبعيّ البصريّ، عمّ عبد اللَّه الراوي عنه، صدوقٌ [٧] ١٩٧/ ٣١٥.
وقوله: "وذكر نحوه" هكذا نسخ "المجتبى" بالإحالة إلى ما سبق، ثم ذكر متابعة عُقيل لمالك، وهذا مشكلٌ؛ لأنه لم يتقدّم لسالم رواية حتى يُحال عليها، وأما في "الكبرى"، فقد ساق الرواية بتمامها، ونصّه:
٤٦٣٢/ ٤٤ - أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد اللَّه، قال: حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن أسماء، عن جُويرية، عن مالك، عن الزهريّ، أن سالم بن عبد اللَّه، أخبره، وسأله عن كراء المزارع؟، فقال: أخبرنا رافع بن خديج، أن عمّيه، وكانا قد شهدا بدرًا، أخبراه، أن رسول اللَّه - ﷺ - نهى عن كراء المزارع، فترك عبد اللَّه كراءها، وكان يُكريها قبل ذلك (^١). والظاهر أن ما في "المجتبى" فيه سقط، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (وَتَابَعَهُ عُقَيلُ بْنُ خَالِدٍ) يعني أن عقيل بن خالد الأيليّ تابع مالكًا في روايته عن الزهريّ، كما بيّنه بقوله:
٣٩٣١ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يُكْرِى أَرْضَهُ، حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، كَانَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ خَدِيجٍ، مَاذَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فِي
_________________
(١) "السنن الكبرى" ٣/ ١٠٠.
[ ٣١ / ١٦١ ]
كِرَاءِ الأَرْضِ، فَقَالَ رَافِعٌ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ عَمَّيَّ، وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا، يُحَدِّثَانِ أَهْلَ الدَّارِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، أَنَّ الأَرْضَ تُكْرَى، ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ، أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
والسند مسلسل برواية الأبناء، عن الآباء، وبالمصريين إلى عُقيل، فإنه وإن كان أيليًّا، إلا أنه نزل مصر، ومن فوقه مدنيّون، وفيه أحد الفقهاء السبعة، على بعض الأقوال، وهو سالم، وفيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "سمعت عمّيّ"، قد تقدّم أنه رواه عن عمّه، وفي بعض الروايات سماه ظُهيرًا، وفي بعضها يقول: "نهى رسول اللَّه - ﷺ - الخ"، ولا يذكرهما، ولا أحدهما، ولا تنافي بين هذه الروايات، ولا اضطراب فيها، لأنه رواه عنهما، فكان أحيانًا يجمع بينهما، وأحيانا يُفرد أحدهما مبهمًا، وأحيانا يسمّيه ظُهيرًا، وأحيانًا يقول: "نهى رسول اللَّه - ﷺ - "، فلا يذكرهما أصلًا؛ فيحمل على أنه سمعه أولًا من عمّيه، إما على الاجتماع، أو على الانفراد، ثم سمعه من النبيّ - ﷺ -، أو سمعه منه - ﷺ - مجملًا، وسمع تفصيله منهما - كما يأتي تحقيقه في كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-- فكان يُحدِّث بهذا، وبهذا، ولذلك أخرج الحديث الشيخان بالوجهين.
ومما يؤيّد ذلك أنه سيأتي في رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- تصريح رافع بسماعه من النبيّ - ﷺ - برقم ٣٩٤٢ - حيث قال له ابن عمر - ﵄ -: أسمعت النبي - ﷺ - نهى عن كراء الأرض؟ قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: "لا تُكروا الأرض"، وبرقم ٣٩٤٥ - حيث قال ابن عمر: حتى أخبرنا ابن خديج أنه سمع النبيّ - ﷺ - نهى عن الْخِبْر.
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح": وقد استظهر البخاريّ لحديث رافع - ﵁ - بحديث جابر، وأبي هريرة - ﵄ - (^١) رادًّا على من زعم أن حديث رافع - ﵁ - فردٌ، وأنه
_________________
(١) حديث جابر، وأبي هريرة - ﵄ - هو ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه"، فقال: ٢٣٤٠ - حدثنا عبيد اللَّه بن موسى، أخبرنا الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر، - ﵁ -، قال: كانوا يزرعونها بالثلث، والربع، والنصف، فقال النبي - ﷺ -: "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها، فإن لم يفعل فليمسك أرضه". وقال الربيع بن نافع أبو توبة، حدثنا معاوية، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه".
[ ٣١ / ١٦٢ ]
مضطربٌ، وأشار إلى صحّة الطريقين عنه، حيث روى عن النبيّ - ﷺ -، وقد روى عن عمّه، عن النبيّ - ﷺ -، وأشار أن روايته بغير واسطة مقتصرة على النهي عن كراء الأرض، ورويته عن عمّه مفسّرة للمراد، وهو ما بينه ابن عبّاس - ﵄ - في روايته، من إرادة الرفق، والتفضّل، وأن النهي عن ذلك ليس للتحريم. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا (^١).
والحاصل أن حديث رافع بن خَدِيج - ﵁ - صحيح، فلا التفات إلى ما قاله الذين سلكوا مسلكًا غير صواب، مثل القرطبيّ، حيث قال: وعلى الجملة حديث رافع بن خديج مضطربٌ غاية الاضطراب، كما قد وقع في الأصل -يعني "صحيح مسلم" - وفي غيره من كتب الحديث، فينبغي أن لا يُعتمد عليه، وُيتمسّك في جواز كرائها بشيء معلوم بالقياس الذي ذكرناه إلى آخر كلامه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ (^٢) مما يُتعجّب منه كثيرًا؛ فكيف ساغ له أن يقول مضطرب غاية الاضطراب، فينبغي أن لا يُعتمد عليه، كيف لا يُعتمد عليه، وقد اعتمده الأئمة الكبار، مثل البخاريّ، ومسلم، وغيرهما من أصحاب الصحاح، ممن له العلم الواسع، والمعرفة التامّة بعلل الحديث، واستنباط الأحكام الفقهية، فصححوه، وأخرجوه في صحاحهم، واستنبطوا منه أحكام المزارعة التي أودعوها في تراجمهم، كقول البخاريّ: "باب كراء الأرض بالذهب والفضّة"، ثم أورد حديث رافع - ﵁ - محتجًّا به، ثم الأعجب من ذلك قوله: وإنما يُتمسّك بالقياس، سبحان اللَّه يُضعّف ما صححه أهل المعرفة بالحديث والفقه، من الدليل النقليّ، ثم يعتمد على الدليل العقليّ، إن هذا لهو العجب العجاب.
وقوله: "أهل الدار": الدار مؤنّثة،، والجمع أَدْوُر، مثل أفلُس، وتُهْمَز الواو، ولا تُهْمَز، وتُقلَبُ، فيقال: آدُرٌ، وتجُمع أيضًا على دِيَار، ودُور، والأصل في إطلاق الدُّور على المواضع، وقد تطلق على القبائل مجازًا. قاله الفيّوميّ.
وقوله: "ثم خشي عبد اللَّه الخ" يعني أن عبد اللَّه بن عمر - ﵄ -، مع كونه يعدم يقينًا أن الأرض كانت تُكرى في عهده - ﷺ -، لكنه تورّع، وخشي أن يكون صدر منه - ﷺ - حكم بالنهي عنها على الإطلاق، فترك الكراء، تورّعًا، لا تحريمًا؛ لأنه لا نسخ بعده - ﷺ -، وقد كان عبد اللَّه - ﵁ - يعمل به بعده - ﷺ - إلى آخر خلافة معاوية - ﵁ - بمرأى من الناس، فلو كان منسوخًا لبلغه خبر النسخ، فدلّ على أنه تركه لمجرّد ورع فقط.
_________________
(١) "فتح" ٥/ ٢٩٤.
(٢) راجع كلام القرطبيّ في "المفهم" ٤/ ٣١٢ ترى العجب العجاب.
[ ٣١ / ١٦٣ ]
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (أَرْسَلَهُ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ) يعني أن شعيب بن أبي حمزة مِهْران الحمصيّ خالف مالكًا، وعُقيلًا، فرواه عن الزهريّ، عن رافع بن خديج - ﵁ -، فالمراد بالإرسال هنا الانقطاع، كما تقدّم البحث عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية شعيب التي أشار إليها، فقال:
٣٩٣٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ عَمَّيْهِ، وَكَانَا -يَزْعُمُ - شَهِدَا بَدْرًا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وقد وثّقه هو.
وقوله: "يزعم" ولفظ "الكبرى": "وكانا -زعم- شهدا بدرًا"، أي وزعم رافع، أنهما شهدا بدرًا، فالرواية فيها تقديم، وتأخير، والأصل: وزعم كانا شهدا بدرًا، والزعم يطلق على القول الحقّ، وإن كان كثيرًا ما يُطلق على الباطل، كقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ الآية [التغابن: ٧]، والأول هو المراد هنا.
والحديث بهذا الإسناد فيه انقطاع، كما تقدّم آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ، عَنْ شُعَيْبٍ، وَلَمْ يَذكُرْ عَمَّيهِ) أشار به إلى أن عثمان بن سعيد الحمصيّ تابع بشر بن شعيب، في رواية هذا الحديث عن أبيه، منقطعًا، وخالفه في إسقاط عمّه، كما بيّنه بقوله:
٣٩٣٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: لَيْسَ بِاسْتِكْرَاءِ الأَرْضِ، بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، بَأْسٌ، وَكَانَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَى عَنْ ذَلِكَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن محمد بن المغيرة": هو الأزديّ الحمصيّ، صدوقٌ [١١] ٦٩/ ٨٥ من أفراد المصنّف. و"عثمان بن سعيد": هو القرشيّ مولاهم، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة عابد [٩] ٦٩/ ٨٥. و"شُعيب": هو ابن أبي حمزة المذكور في الذي قبله.
وقوله: "وكان رافع الخ" عطفٌ على "كان ابن المسيّب الخ"، فهو من مقول الزهريّ، فيكون منقطعًا.
[ ٣١ / ١٦٤ ]
والحديث بهذا الإسناد منقطع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَافَقَهُ عَلَى إِرْسَالِهِ عَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ الحَارِثِ) يعني أن عبد الكريم بن الحارث الحمصيّ وافق شُعيب بن أبي حمزة في رواية هذا الحديث عن الزهريّ منقطعًا، كما بيّنه بقوله:
٣٩٣٤ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو خُزَيْمَةَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَسُئِلَ رَافِعٌ بَعْدَ ذَلِكَ، كَيْفَ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ؟ قَالَ: بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ مُسَمًّى، وَيُشْتَرَطُ أَنَّ لَنَا مَا تُنْبِتُ مَاذِيَانَاتُ الأَرْضِ، وَأَقْبَالُ الْجَدَاوِلِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو خُزيمة عبد اللَّه بن طَرِيف" البصريّ، روى عن ربيعة الرأي، وعبد الكريم بن الحارث. وعنه ابن وهب، مقبول [٧]. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
و"عبد الكريم بن الحارث": الحضرميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة عابد [٦] ٣٩/ ٣١٦٧.
وقوله: "يُكرُون" بضمّ أوله، من الإكراء، مبنيًّا للفاعل. وقوله: "ويُشتَرَط الخ" بالبناء للمفعول، يعني أن صاحب الأرض يشترط لنفسه أن يكون له ما تُنبته ماذِيَانات الأرض، أي أنهارها الكبار، وأَقبال الجداول، أي أوائل الأنهار الصغار.
والحديث بهذا الإسناد فيه انقطاع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ نَافِعٌ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ) بالبناء للمفعول، يعني أن حديث رافع بن خديج - ﵁ - رواه نافع مولى ابن عمر، عن رافع، وهو السابع ممن رواه من التابعين عنه متّصلًا.
ثم ساق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواياته، فقال:
٣٩٣٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَنَّ عُمُومَتَهُ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ رَجَعُوا، فَأَخْبَرُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ كُلُّ صَاحِبَ مَزْرَعَةٍ، يُكْرِيهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، عَلَى أَنَّ لَهُ مَا عَلَى الرَّبِيعِ السَّاقِي، الَّذِي يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْمَاءُ، وَطَائِفَةٌ مِنَ التِّبْنِ، لَا
[ ٣١ / ١٦٥ ]
أَدْرِي كَمْ هِيَ؟).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"فُضيل هو بن سليمان، أبو سليمان البصريّ.
وقوله: "أنه كان صاحب مزرعة الخ" الضمير لرافع بن خَديج - ﵁ -، يقول ابن عمر - ﵄ -: إنما حفظ رافع - ﵁ - هذا؛ لكونه صاحب مزرعة يُكريها بشروط فاسدة، فسمع النهي، فحفظه؛ لأن العادة أن من ابتُلي بقضيّة يحفظها. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "قد علمنا أنه كان صاحب مزرعة الخ": الظاهر من كلام ابن عمر - ﵄ - واللَّه أعلم- الإشارة إلى أن سبب نهيه - ﷺ - عن كراء المزارع، كونهم يشترطون شروطًا فاسدة، تضرّ بأحد الجانبين، مثل اشتراط أن لصاحب الأرض ما ينبت على جانبي النهر، وكذا اشتراط التبن له، وهذا مما يؤدّي إلى الخصام والنزاع، فلذا نهى رسول - ﷺ - عنه؛ دفعًا للفساد، لا أنه نهى عن المزارعة بالأجرة المعلومة من الدراهيم، والدنانير، ونحوها، مما لا يؤدّي إلى النزاع، فإن ذلك جائز، ومع هذا ترك ابن عمر - ﵄ - المزارعة مطلقًا؟ تورّعًا.
هذا الذي يظهر من كلامه، لكن في رواية البخاريّ ما يدلّ على غير هذا، ولفظه: "قد علمتَ أنا كنّا نُكري مزارعنا على عهد رسول اللَّه - ﷺ - بما على الأربعاء، وبشيء من التبن"، فهذا يدلّ على أن ابن عمر كان يزارع على الصفة التي جاء بها النهي، فعلى هذا فترك ابن عمر - ﵄ -، لا للورع فقط، بل لعلمه بأن النهي للتحريم، فليُتأمل. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "التبن" بكسر التاء، وسكون الموحّدة: ساق الزرع بعد دياسته.
وحديث رافع - ﵁ - من رواية نافع متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، فَقَالَ: عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ) يعني أن هذا الحديث رواه عبد اللَّه بن عون بن أرطبان البصريّ، عن نافع، متابعًا لموسى بن عُقبة، لكنه خالفه في قوله: "عمومته"، فقال: "عن بعض عمومته"، وهذا الاختلاف لا يضرّ؛ لأن "عمومته" يُحمل على بعضهم مجازا. واللَّه تعالى أعلم.
٣٩٣٦ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، كَانَ ابْنُ عُمَرَ، يَأْخُذُ كِرَاءَ الأَرْضِ، فَبَلَغَهُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ شَيْءٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَى إِلَى رَافِعٍ، وَأَنَا مَعَهُ، فَحَدَّثَهُ رَافِعٌ، عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، فَتَرَكَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدُ).
[ ٣١ / ١٦٦ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو المعروف أبوه بابن عليّة، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"يزيد": هو ابن زُريع. وقوله: "شيء": هو النهي عن كراء الأرض. وقوله: "بعدُ" بالبناء على الضمّ، أي بعد ما سمع النهي من رافع بن خديج - ﵁ -. والحديث من رواية ابن عون هذه أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٣٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ كِرَاءَ الأَرْضِ، حَتَّى حَدَّثَهُ رَافِعٌ، عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، فَتَرَكَهَا بَعْدُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. وإسحاق الأزرق: هو ابن يوسف الواسطيّ. والحديث سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعِ،، عَنْ رَافِعٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ عُمُومَتَهُ) يعني أن أيوب السختيانيّ روى هذا الحديث، عن نافع، عن رافع، فخالف موسى بنَ عقبة، وعبد اللَّه بن عون، فترك ذكر "عمومته"، وجعله من مسند رافع نفسه، وقد تقدّم أنه مما لا يضرّ بصحّة الحديث، فلا تغفُل.
ثم ساق رواية أيوب بقوله:
٣٩٣٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ يُكْرِى مَزَارِعَهُ، حَتَّى بَلَغَهُ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، يُخْبِرُ فِيهَا بِنَهْىِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَتَاهُ، وَأَنَا مَعَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ، فَتَرَكَهَا ابْنُ عُمَرَ بَعْدُ، فَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْهَا، قَالَ: زَعَمَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْهَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. وقوله: "حتى بلغه في آخر خلافة معاوية - ﵁ - الخ"، وفي رواية الشيخين، واللفظ للبخاريّ، من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر - ﵄ -، كان يُكري مزارعه على عهد النبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وعِمر، وعثمان، وصدرا من إمارة معاوية، ثم حُدِّث عن رافع بن خَدِيج، أن النبي - ﷺ -، نَهَى عن كراء المزارع، فذهب ابن عمر إلى رافع، فذهبت معه، فسأله، فقال: نهى النبيّ - ﷺ - عن كراء المزارع، فقال ابن عمر: قد علمتَ أنا كنا نُكري مزارعنا على عهد رسول اللَّه - ﷺ -، بما على الأربعاء، وبشيء من التبن.
[ ٣١ / ١٦٧ ]
وقوله: "وصدرًا من إمارة معاوية" قال في "الفتح": وإنما لم يذكر ابنُ عمر خلافة عليّ - ﵁ -؛ لأنه لم يبايعه لوقوع الاختلاف عليه، كما هو مشهور في صحيح الأخبار، وكان يرى أنه لا يبايع لمن لم يجتمع عليه الناس، ولهذا لم يُبايع أيضًا لابن الزبير، ولا لعبد الملك في حال اختلافهما، وبايع ليزيد بن معاوية، ثم لعبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ولعلّ في تلك المدّة -أعني مدّة خلافة عليّ- لم يؤاجر أرضه، فلم يذكرها لذلك. وزاد مسلم في روايته: "حتى إذا كان في آخر خلافة معاوية"، وكان آخر خلافة معاوية في سنة ستّين من الهجرة. انتهى (^١).
وقوله: "زعم رافع": أي قال؛ وقد سبق أن زعم هنا للقول الحقّ.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَافَقَهُ عُبَيْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ، وَكَثِيرُ بْنُ فَرْقَدِ، وَجُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ) يعني تابع أيوبّ السختيانيّ في روايته لهذا الحديث عن نافع: عبيد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ الفقيه المدنيّ، وكثير بن فَرْقد المدنيّ، ثم المصريّ، وجُويرية ابن أسماء الضُّبَعيّ البصريّ، ثلاثتهم عن نافع، عن رافع بن خديج، وليم يذكروا عمومته، بل جعلوه من "مسنده"، ثم ساق روايات هؤلاء الثلاثة على اللفّ والنشر غير المرتّب، (^٢) فقدّم رواية كثير بن فرقد، فقال:
٣٩٣٩ - (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يُكْرِي الْمَزَارِعَ، فَحُدِّثَ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، يَأْثُرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ. قَالَ نَافِعٌ: فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَلَى الْبَلَاطِ، وَأَنَا مَعَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ، فَتَرَكَ عَبْدُ اللَّهِ كِرَاءَهَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو: أبو القاسم المصريّ، ثقة [١١] ١٥٢/ ٢٩٤٤. و"الليث": هو ابن سعد الإمام المصريّ الحجة.
وقوله: "على البلاط" بفتح الموحّدة- قال ابن الأثير: ضرب من الحجارة تُفرش به الأرض، ثم سُمّي المكان بَلاطًا، اتّساعًا، وهو موضع معروف بالمدينة، تكرّر ذكره في
_________________
(١) "فتح" ٥/ ٢٩٣.
(٢) هذا بالنسبة لرواية "المجتبى"، وأما في "الكبرى" فقد رتّبه، فقال: "وافقه كثير بن فَرْقد، وعبيد اللَّه بن عمر، وجويرية بن أسماء"، ثم ساق أحاديهم بالترتيب.
[ ٣١ / ١٦٨ ]
الحديث. انتهى (^١).
وقال ابن منظور: البلاط بالفتح: الحجارة المفروشة في الدار، وغيرها، قال الشاعر [من الرجز]:
هَذَا مَقَامِي لَكِ حَتَّى تَنْضَحِي … رِيًّا وَتَجْتَازِي بَلَاطَ الأَبْطَحِ
وأنشد ابنُ بَرِّيِّ لأبي داود الإياديّ [من الخفيف]:
وَلَقَدْ كَانَ ذَا كَتَائِبَ خُضْرِ … وَبَلَاطٍ يُشَادُ بِالآجُرُونِ
ويقال: دارٌ مُبَلَّطَةٌ بآجُرّ، أو حجارة، ويقال: بَلَطتُ الدارَ، فهي مبلُوطة: إذا فَرَشْتها بآجرّ، أو حجارة. انتهى (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ساق رواية عبيد اللَّه بن عمر بقوله:
٣٩٤٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَ ابْنَ عُمَرَ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، يَأْثُرُ فِي كِرَاءِ الأَرْضِ حَدِيثًا، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ أَنَا، وَالرَّجُلُ الَّذِي أَخْبَرَهُ، حَتَّى أَتَى رَافِعًا، فَأَخْبَرَهُ رَافِعٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، فَتَرَكَ عَبْدُ اللَّهِ كِرَاءَ الأَرْضِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ساق رواية جُوَيرية بن أسماء، فقال:
٣٩٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، حَدَّثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه ممن انفرد به هو وابن ماجه، وهو أبو يحيى المكيّ، ثقة [١١] ١١/ ١١. و"أبوه": هو عبد اللَّه بن يزيد، أبو عبد الرحمن المقرئ المكيّ، بصريّ الأصل، أو الأهواز، ثقة
_________________
(١) "النهاية" ١/ ١٥٢.
(٢) "لسان العرب" ٧/ ٢٦٤.
[ ٣١ / ١٦٩ ]
فاضل، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنة [٩] ٤/ ٧٤٦. و" جُويرية": هو أسماء الضُّبَعيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٤٢ - (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عِنَانٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ، يُكْرِي أَرْضَهُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَبَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَزْجُرُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَ رَافِعًا، ثُمَّ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِي، حَتَّى دُفِعْنَا إِلَى رَافِعٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ - ﷺ -، نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، فَقَالَ رَافِعٌ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، يَقُولُ: «لَا تُكْرُوا الأَرْضَ بِشَيْءٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هشام بن عمّار": هو السلميّ الدمشقيّ الخطيب، صدوقٌ مُقرىء، كبر، فصار يتلقّن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] ١٣٤/ ٢٠٢.
و"يحيى بن حمزة": هو أبو عبد الرحمن الدمشقيّ القاضى، ثقة رمي بالقدر [٨] ٦٥/ ١٧٦٨. و"الأوزاعيّ": هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الإمام المشهور.
و"حَفص بن عِنان" -بنونين- الحنفيّ اليمانيّ، ثقة [٣].
روى عن أبي هريرة، وابن عمر، ونافع مولى ابن عمر، وعنه ابنه عمر، والأوزاعيّ، ويحيى بن أبي كثير. قال ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: سمع أبا هريرة - ﵁ -. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
[تنبيه]: وقع في معظم نسخ "المجتبى"، و"الكبرى": "حفص بن غياث" بدل "حفص بن عِنان"، وهو تصحيفٌ فاحش، والصواب "ابن عنان"، راجعًا تحفة الأشراف" ٣/ ١٥٨ - ١٥٩. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "يزجر" من باب نصر: أي يمنع، وينهى. وقوله: "ثم وجد في نفسه" يعني أن ابن عمر - ﵄ - بعد أن قال- لما سمع رافعًا - ﵁ - ينهى عنه كراء الأرض-: كنا نُكري الأرض قبل أن نعرف رافعًا، ومراده أنه كان يتعامل بذلك سابقًا في عهد النبيّ - ﷺ -، والخلفاء الراشدين، لكنه وجد في نفسه شيئًا من الشكّ والارتياب في النهي عن ذلك؛ إذ يحتمل أن يكون النبيّ - ﷺ - نهى عنه، ولم يصل إليه قبل. وقوله: "فوضع يده الخ" فيه أنه يُشرع الاعتماد على الخادم، ونحوه، لحاجة، من تعب، أو مرض، أو نحو ذلك.
وقوله: "حتى دُفعنا" بضمّ الدال المهملة، وكسر الفاء، يقال: دُفعت إليه بالبناء للمفعول: أي انتهيتُ. قاله الفيّوميّ.
[ ٣١ / ١٧٠ ]
والحديث صحيح، وقال الشيخ الألبانيّ في "الإرواء" - ٥/ ٢٩٨ -: شاذّ بزيادة "بشيء"؛ لأنها تنافي كراءها بالذهب والفضّة، وهو جائز، كما في بعض الطرق، عن رافع التصريح بذلك. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنه لا تنافي بين قوله: "بشىء"، وجواز الإكراء بالدراهيم، والدنانير، فإن المراد بقوله: "بشيء" أي مما يؤدّي إلى النزاع، وهي الصور التي تقدّم بيانها، مثل استثنائه ما على الماذيانات، ونحو ذلك، وقد صحّ في "الصحيحين"، وغيرهما عن رافع - ﵁ -، أنه قال: نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن كراء المزارع، كما تقدّم، ولم يقيده بشيء، بل أطلقه، وهو أيضًا يتعارض مع ما ذكره الشيخ، فما يكون جوابًا هناك يكون جوابا هنا، دون فرق، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٤٣ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَنَافِعٍ، أَخْبَرَاهُ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه - رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"عبد الوهّاب": هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ. و"هشام": هو ابن حسّان القُرْدُوسيّ البصريّ. و"محمد": هو ابن سيرين. و"نافع": هو مولى ابن عمر.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) أشار به إلى أن حديث رافع بن خديج - ﵁ - رواه عنه عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - ﵁ -، وهو ثاني الصحابيين الذين رويا هذا الحديث عن رافع - ﵁ -، فقد تقدّم أُسيد بن ظهير - ﵁ - في ثاني حديثي الباب.
وقوله (وَاختُلِفَ عَلَى عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) بالبناء للمجهول، وزاد في "الكبرى": "في روايته عنه فيه". يعني أن الرواة اختلفوا على عمرو بن دينار، في روايته لهذا الحديث عن ابن عمر - ﵄ -، كما بيّن ذلك بقوله:
٣٩٤٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: كُنَّا نُخَابِرُ، وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، حَتَّى زَعَمَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"سفيان": هو الثوريّ.
وقوله: "كنّا نخابر" تقدّم أن المشهور أن المخابرة هي المزارعة. والحديث أخرجه
[ ٣١ / ١٧١ ]
مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٤٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ، يَقُولُ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَهُوَ يُسْأَلُ عَنِ الْخِبْرِ، فَيَقُولُ: مَا كُنَّا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، حَتَّى أَخْبَرَنَا عَامَ الأَوَّلِ ابْنُ خَدِيجٍ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ -، نَهَى عَنِ الْخِبْرِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا، غير شيخه، فإنه ممن تفرّد به هو، وأبو داود، وهو واسطيّ، ثم رقيّ، صدوق. و"حجّاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ.
وقوله: "يُسأل عن الْخِبْر" ببناء الفعل للمفعول، و"الْخِبْر": قال النوويّ: ضبطناه -بكسر الخاء، وفتحها، والكسر أفصح، وأشهر، ولم يذكر الجوهريّ، وآخرون من أهل اللغة غيره. وحكى القاضي فيه الكسر، والفتح، والضم، ورجّح الكسر، ثم الفتح، وهو بمعنى المخابرة.
وقوله: "حتى أخبرنا عام الأول" أي قبل عامنا هذا. قال في "القاموس"، وشرحه: إذا جعلتَ "أوّلًا" صفة منعته من الصرف، وإلا صرفته، تقول: لَقِيته عامًا أَوَّلَ، ممنوعا من الصرف. قال ابن سِيدَهْ: أُجري مُجرى الاسم، فجاء بغير ألف ولام، ولقيته عامًا أوَّلًا، مصروفًا. قال ابن السِّكِّيت: ولا تقل: عامَ الأَوَّلِ. وقال غيره: هو قليلٌ. قال أبو زيد: يقال: لقِيتُهُ عامَ الأولِ، ويومَ الأوّلِ، بجرّ آخره، وهو كقولك: أتيتُ مسجدَ الجامعِ. قال الأزهريّ: وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه. وحكاه ابن الأعرابيّ أيضًا. وتقول: ما رأيته مذْ عامٌ أوَّلُ، ومذ عامٌ أولَ، ترفعه على الوصف لعام، كأنه قال: أولُ من عامنا، وتنصبه على الظرف، كأنه قال: مذ عام قبلَ عامنا. انتهى (^١)،
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إضافة عام إلى الأول من إضافة الشيء إلى نفسه، كما تقدّم في قول الأزهريّ، وهو ممنوع، فلا بدّ من تأويله، بتقدير مضاف، أي عام الزمن الأول، كما يقدّر في مثل قولك: أتيت مسجد الجامع بالإضافة، أي مسجد المكان الجامع، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ
والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
_________________
(١) "القاموس"، مع "شرحه تاج العروس" ٨/ ١٥٠.
[ ٣١ / ١٧٢ ]
وقوله (وَافَقَهُمَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) يعني أن حمّاد بن زيد تابع الثوريّ، وابن جُريج في رواية هذا الحديث عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن رافع بن خديج - ﵄ -، كما بين ذلك بقوله:
٣٩٤٦ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: كُنَّا لَا نَرَى بِالْخِبْرِ بَأْسًا، حَتَّى كَانَ عَامَ الأَوَّلِ، فَزَعَمَ رَافِعٌ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. وهو من رباعيات المصنف، وهو (١٨٤) من رباعيات الكتاب.
وقوله: "حتّى كان عام الأول": أي حتى كان قبل عامنا هذا، وهو بنصب عام الأول خبرًا لـ"كان"، واسمها مقدّرٌ، أي حتى كان الوقت، ويحتمل أن تكون تامّةً، و"عام الأول" بالرفع اسمها، أي حتى جاء عام الأول.
والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ عَارِمٌ، فَقَالَ: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ) أشار به إلى أن عارمًا محمد بن الفضل السدوسيّ خالف يحيى بن حبيب بن عربيّ في روايته لهذا الحديث، فرواه عن حماد بن زيد، عن عمر بن دينار، عن جابر بن عبد اللَّه - ﵄ -، فجعله من مسند جابر، بدل كونه من مسند رافع بن خديج - ﵃ -، وليس غرض المصنّف - رحمه اللَّه تعالى - بهذا تضعيف الحديث بالاضطراب، بل غرضه بيان الاختلاف الواقع في إسناده، فلا يضرّ الاختلاف، بل يُجعل مما روي عن حديث رافع، وجابر كليهما - ﵄ -، ولذا أخرجه الشيخان من حديثهما:
فأما حديث رافع - ﵁ -، فقد تقدّم تخريجهما له، وأما حديث جابر - ﵁ -، فأخرجه البخاريّ، من رواية عطاء، عن جابر - ﵁ -، وأخرجه مسلم بطرق متعدّدة عن جابر - ﵁ -، وقد تقدّم بيان هذا كله مستوفىً في شرح حديث جابر - ﵁ - برقم ٣٩٠١، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ساق رواية عارم التي أشار إليها بقوله:
٣٩٤٧ - (^١) قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو
_________________
(١) أثبت في بعض النسخ هنا كلمة "قال" وليست هي من المصنّف، بل من تلاميذه، فتنبّه.
[ ٣١ / ١٧٣ ]
إبراهيبم بن يونس بن محمد البغداديّ، نزيل طرسوس، و"حَرَميّ" بلفظ النسبة لقبه، صدوقٌ [١١] ١٧٥٣/ ٥٤ من أفراد المصنّف. و"عارم": هو محمد بن الفضل السدوسيّ، أبو النعمان البصريّ، وعارم لقبه، ثقة ثبت تغيّر في آخر عمره، من صغار [٩] ٤٦/ ١٧٢٨.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسلِم الطَّائِفِيُّ) أشار به إلى أن حمّاد بن زيد لم ينفرد بهذه الرواية، بل تابعه عليها محمد بن مسلم الطائفيّ، كما بين روايته بقوله:
٣٩٤٨ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الْمُخَابَرَةِ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح،
"محمد بن عامر": هو الأنطاكيّ، نزيل الرملة، ثقة [١١] ٨/ ٣١٣. من أفراد المصنّف. و"سُريج": هو ابن النعمان بن مروان الجوهريّ، أبو الحسن البغداديّ، خُراسانيّ الأصل، ثقة يهم قليلًا، من كبار [١٠] ١٠/ ٢٤٥٥.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" "شُريح" بالشين المعجمة، آخره حاء مهملة، بدل "سُريج" بالسين المهملة، والجيم، وهو غلط فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"محمد بن مسلم"، واسم جدّه سوس، وقيل: سوسن، بزيادة نون في آخره. وقيل: بتحتانيّة بدل الواو فيهما، وقيل: مثلُ حُنين، الطائفيّ، يُعد في المكيين، صدوق يُخطىء [٨].
قال عبّاس الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة، لا بأس به، وابن عُيينة أثبت منه، وكان إذا حدّث من حفظه يُخطىء، وإذا حدّث من كتابه، فليس به بأس، وابن عُيينة أوثق منه في عمرو ابن دينار، ومحمد بن مسلم أحبّ إليّ من داود العطّار في عمرو. وقال إسحاق ابن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال حجاج بن الشاعر، عن عبد الرزّاق: ما كان أعجب محمد بن مسلم إلى الثوريّ. وقال العجليّ، وأبو داود: ثقة. وقال البخاريّ، عن ابن مهديّ: كتبه صحاح. وقال أبو داود: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال. يُخطىء. وقال الساجيّ: صدوق يَهِم في الحديث، رَوَى عن عمرو ابن دينار حديثًا يَحتجّ به القدرية، لم يروه غيره، فأحسبه اتهُّم بالقدر لروايته. وقال يعقوب بن سُفيان: ثقة، لا بأس به، وإن كان ابن عيينة أحبّ منه. وذكر له ابن عديّ
[ ٣١ / ١٧٤ ]
أحاديث، وقال: له أحاديث حسان غرائب، وهو صالح الحديث، لا بأس به، ولم أر له حديثًا منكرًا. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ما أضعف حديثه. وقال الميمونيّ: ضعّفه أحمد على كلّ حال، من كتاب، وغير كتاب. مات قبل التسعين ومائة. علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، له عند مسلم حديث واحد متابعة، حديث ابن عبّاس - ﵄ - في ترك الوضوء مما مسّت النار، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان: هذا، وفي "كتاب القسامة " -٣٥/ ٤٨٠٣ - حديث ابن عبّاس - ﵁ -: "قتل رجل رجلًا على عهد رسول اللَّه - ﷺ -، فجعل النبيّ - ﷺ - ديته اثني عشر ألفًا".
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (جَمَعَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ الحَدِيثَينِ، فَقَالَ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ) يعني أن سفيان ابن عيينة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه - ﵃ -، فجمع بين حديثي الصحابيين، وهذا يؤيّد ما تقدّم أن الحديث صحيح ثابت عنهما جميعًا، ثم ذكر رواية ابن عيينة، بقوله:
٣٩٤٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَنَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ، كِرَاءِ الأَرْضِ بِالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" بعد قوله: "أخبرنا عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن": ما نصّه: "حدّثنا ابن المسور"، وهذا غلط فاحش، وإنما المسور جد عبد اللَّه بن محمد الأعلى، فإنه: عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة الزهريّ البصريّ، ومن الغريب أن نسخة "الكبرى" كانت خالية منه، فألحق المحقق بين قوسين، هكذا: وأخبرنا عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن، قال: [حدّثنا ابن المسور، قال: حدّثنا] سفيان بن عيينة الخ، وهذا من عجائب محقّقي عصرنا هذا الذين يتولّون التحقيق بدون أن يكون لهم إلمام بهذا الفنّ، فيُلحقون كلّ ما يرونه زائدًا على أنه نسخة من نُسخ الكتاب، دون أن يتأملوا صحته، فليس لهم غرض، إلا التجارة بالكتب المشحونة بالأخطاء، وهذا من إضاعة الأمانة، فإن هذا العمل كان من أمانات أهل العلم، فتولّاه التجّار طمعًا في المال، فأضاعوا الأمانات العلمية، ولقد أخبر النبيّ - ﷺ - بأن إضاعة الأمانة من علامة الساعة، وذلك فيما أخرجه البخاريّ من حديث أبي
[ ٣١ / ١٧٥ ]
هريرة - ﵁ - لمّا سأل أعرابي النبيّ - ﷺ -، متى الساعة؟، قال له النبيّ - ﷺ -: "فإذا ضُيّعت الأمانة، فانتظر الساعة"، قال. كيف إضاعتها؟، قال: "إذا وُسّد الأمرُ إلى غير أهله، فانتظر الساعة". فإنا للَّه، وانا إليه راجعون.
والإسناد من رباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٨٥) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وقد تقدّم غير مرّة.
وقوله: "حتى يبدو صلاحه" أي حتى يصلح للانتفاع به بالأكل، وغيره، وسيأتي تمام البحث فيه في "كتاب البيوع"، إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: "كراء الأرض" بالجرّ بدل من "المخابرة"، ويجوز قطعه إلى الرفع بتقدير مبتدإ، أوالى النصب، بتقدير فعل، كأعني.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ أَبُو النَّجَاشِيِّ، عَطَاءُ بْنُ صُهَيْبٍ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ) هذا أحد الرواة الذين رووا هذا الحديث عن رافع بن خديج - ﵁ - متّصلًا، وهم جماعة، تقدّم بيانهم، فلا تغفُل.
ثم بين روايات أبي النجاشيّ، فقال:
٣٩٥٠ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّبَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَحْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ لِرَافِعٍ: «أَتُؤَاجِرُونَ مَحَاقِلَكُمْ؟، قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ، وَعَلَى الأَوْسَاقِ مِنَ الشَّعِيرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ أَعِيرُوهَا، أَوْ أَمْسِكُوهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو بكر محمد بن إسماعيل الطبرانيّ" ثقة [١٢] ٣/ ١٦٠٣ من أفراد المصنّف.
و"عبد الرحمن بن بحر" أبو عليّ الخلّال البصريّ، مقبول [١٠].
روى عن مبارك بن سعد اليماميّ، ورُدَيح بن عطيّة المقدسيّ، ورِشْدِين بن سعد، ويحيى بن عيسى الرمليّ. وعنه محمد بن إسماعيل الطبرانيّ، وعبيد اللَّه بن واصل البخاريّ، وجعفر بن محمد بن أبي عثمان الطيالسيّ، وغيرهم. تفرّد به المصنّف، له عنده حديثان فقط: هذا، وفي "كتاب قطع السارق"١٠/ ٤٩٣٤ - حديث عائشة - ﵂ -: أن رسول اللَّه - ﷺ -: "تقطع اليد في الْمِجَنّ".
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى": "عبد الرحمن بن يحيى" بدل "عبد الرحمن بن
[ ٣١ / ١٧٦ ]
بحر"، وهو تصحيفٌ فاحش، فتنبّه، وقد وقع في "الكبرى" على الصواب، وكذا في "تحفة ألأشراف" ٣/ ١٥٣ - . واللَّه تعالى أعلم.
و"مبارك بن سَعْد" اليماميّ، نزيل البصرة، مقبول [٨].
روى عن يحيى بن أبي كثير. وعنه أبو عليّ عبد الرحمن بن بحر الخلّال. ذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى": "مبارك بن سعيد"، وكذا في نسخ "التقريب"، والصواب: "ابن سَعْد" بفتح، فسكون، وهو الذي في "الكبرى"، لكن ألصق به محققه "ابن سعيد"، تبعًا لما في "المجتبى"، فأفسده.
راجع الصواب في "تهذيب الكمال" ٢٧/ ١٧٧ - ١٧٨ - و"تهذيب التهذيب" ٤/ ١٧ - ١٨، و"خلاصة الخزرجيّ": ص ٣٦٨. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"أبوالنجاشيّ" -بنون، وجيم خفيفة، وبعد الألف معجمة- عطاء بن صُهيب الأنصاريّ، ثقة [٤].
روى عن مولاه رافع بن خَدِيج، صَحِبه ستّ سنين. وعنه الأوزاعيّ، ويحيى بن أبي كثير، وعكر مة بن عمَّار، وأيوب بن عُتبة. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى أبي داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.
وقوله: "أن رسول اللَّه - ﷺ - قال لرافع الخ" هذا فيه صريح في أنه - ﷺ - خاطب بهذا رافعًا، وفي رواية الأوزاعيّ، عن أبي النجاشيّ الآتية في الرواية التالية، أن هذا الخطاب لظهير بن رافع عمّ رافع بن خديج - ﵃ -، وسيأتي الكلام عليه قريبًا.
وقوله: "محاقلكم" أي مزارعكم، والحقل الزرع. وقيل: ما دام أخضر، والمحاقلة: المزارعة بجزء مما يَخرُج. وقيل: بيع الزرع بالحنطة، وقيل: غير ذلك، وقد تقدّم تمام البحث فيه.
وقوله: "على الربع" -بضمّتين، أو بسكون الثاني- أي على رُبُع ما يخرج من الأرض. وفي رواية البخاريّ: "على الرَّبِيع" -بفتح الراء، وكسر الموحّدة- قال في "الفتح": وهي موافقة للرواية الأخيرة، وهي قوله: "على الأربعاء"، فإن الأربعاء جمع رَبيع، وهو النهر الصغير. وفي رواية المستملي: "الرُّبيع" بالتصغير، ووقع للكشميهنيّ: "على الرُّبُع"، وهي موافقة لحديث جابر المذكور بعدُ، لكن المشهور في حديث رافع الأولُ، والمعنى أنهم كانوا يُكرون الأرض، ويَشترطون لأنفسهم ما يَنبُتُ على الأنهار. انتهى (^١).
_________________
(١) "فتح" ٥/ ٢٩٢ "كتاب الحرث والمزارعة".
[ ٣١ / ١٧٧ ]
وقوله: "وعلى الأوساق": الواو بمعنى "أو"، كما في "الفتح"، و"الأَوْساقُ" -بفتح الهمزة، جمع وِسق بكسر، فسكون، كحِمل وأحمال، وهو ستّون صاعًا، أو حِمْلُ بعير. وفي رواية البخاريّ: "وعلى الأَوْسُق" وهو جمع وَسْق، بفتح، فسكون.
وقوله: "ازرعوها": الهمزة هنا همزة وصل، وهي مكسورة في الابتداء، وتُحذف عند الدرج، والراء مفتوحة، أمر من زرع، من باب فَتَح.
وقوله: "أو أَعيروها": الهمزة هنا همزة قطع، فهي مفتوحة؛ لأنه أمر من الإعارة.
وقوله: "أو أمسكوها": أي اتركوها مُعطَّلَة، بغير زرع. زاد في رواية البخاريّ، من طريق الأوزاعيّ، عن أبي النجاشيّ: "قلت: سمعًا، وطاعةً"، وهما بالنصب، ويجوز رفعهما، كما قاله في "الفتح" (^١).
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ الأَوْزَاعيُّ، فَقَالَ: عَنْ رَافِعٍ، عَنْ ظُهَيرِ بْنِ رَافِعٍ) أشار به إلى أن الأوزاعيّ خالف يحيى بن أبي كثير في روايته لهذا الحديث، عن أبي النجاشيّ، فرواه عنه، عن رافع - ﵁ -، عن عمّه ظُهير - ﵁ -، فجعله من مسند ظهير - ﵁ -، لا من مسند رافع - ﵁ -، وقد أشار الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" (^٢) إلى ترجيح رواية الأوزاعيّ، بأن حنظلة بن قيس تابعه عليه، وقد تقدّمت روايته في -٣٩٢٥ - لكن فيه أن يحيى بن أبي كثير لم ينفرد به، فقد تابعه عكرمة بن عمّار، عند مسلم، فقد أخرجه من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن عكرمة، عن أبي النجاشيّ، عن رافع بن خديج - ﵁ -، ولم يذكر ظُهيرًا، فالذي يظهر أن يُحمل على أنه - ﷺ - خاطب كلًّا منهما بذلك؛ كما تقدّم تحقيق ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
ثم ساق رواية الأوزاعيّ، فقال:
٣٩٥١ - (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ، عَنْ رَافِعٍ، قَالَ: أَتَانَا ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعٍ، فَقَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا رَافِقًا، قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟، قَالَ: أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَهُوَ حَقٌّ، سَأَلَنِي كَيْفَ تَصْنَعُونَ فِي مَحَاقِلِكُمْ؟، قُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ، وَالأَوْسَاقِ مِنَ التَّمْرِ، أَوِ الشَّعِيرِ، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ أَزْرِعُوهَا، أَوْ أَمْسِكُوهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
_________________
(١) "فتح" ٥/ ٢٩٢.
(٢) راجع الفتح ٥/ ٢٩١.
[ ٣١ / ١٧٨ ]
إلى الأوزاعيّ قريبًا برقم -٣٩٤٢ - .
وقوله: "ازرعوها، أو أو أزْرِعُوها" الأول بهمزة الوصل المكسورة، وفتح الراء، والثاني بفتح همزة القطع، وكسر الراء، و"أو" للتخيير، لا للشكّ، والمراد ازرَعُوها أنتم، أو أعطوها لغيركم، يزرعها بغير أجرة.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل
وقوله (رَوَاهُ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ،، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ رَافِعٍ، فَجَعَلَ الرِّوَايَةَ لِأَخِي رَافِعٍ) يعني أن بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ روى هذا الحديث مخَالفًا غيره عن أسيد بن رافعَ، فجعله من مسند أخي رافع بن خَديج، لا من مسند رافع - ﵁ -، كما بين ذلك بقوله:
٣٩٥٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ لَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ أَخَا رَافِعٍ، قَالَ لِقَوْمِهِ: قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْيَوْمَ، عَنْ شَيْءٍ كَانَ لَكُمْ رَافِقًا، وَأَمْرُهُ طَاعَةٌ وَخَيْرٌ، نَهَى عَنِ الْحَقْلِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم": هو المروزيّ الثقة، من أفراد المصنّف. و"حنان" -بكسر الحاء المهملة-: هو ابن موسى المروزيّ الثقة. و"ليث": هو ابن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ.
و"أسيد-بضمّ أوله، مصغّرًا، وقيل: بفتحه، مكبرًا - ابن رافع بن خَدِيج"، مقبول [٦].
روى هذا الحديث، وروى عنه الأعرج، وبُكير بن الأشجّ. قال الدارقطنيّ: الصواب فيه أُسيد بالضم، وقد ذكره البخاريّ بالوجهين. قال الحافظ: وقد ذكر فيه البخاريّ في "التاريخ" اختلافًا كثيرًا في حديثه، وبُكير بن الأشجّ لم ينسبه إلى جدّه من طريق مجاهد عن أسيد ابن أخي رافع بن خديج، واختُلف على مجاهد فيه أيضًا، والحديث واحدٌ. وذكر ابن حبّان في "الثقات" في التابعين تبعًا للبخاريّ أُسيد بن أخي رافع بن خَديج، وفي أتباع التابعين أسيد بن رافع عن الحجازيين، وعنه بُكير بن الأشجّ، فاللَّه أعلم. انتهى. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
والحديث من أفراد المصنّف، وهو ضعيف؛ للاضطراب في إسناده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبا، ونعم الوكيل.
٣٩٥٣ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ
[ ٣١ / ١٧٩ ]
جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُسَيْدَ بْنَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ الأَنْصَارِيَّ، يَذْكُرُ أَنَّهُمْ مَنَعُوا الْمُحَاقَلَةَ، وَهِيَ أَرْضٌ تُزْرَعُ، عَلَى بَعْضِ مَا فِيهَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الربيع بن سُليمان": هو المراديّ، أبو محمد المصريّ المؤذّن، صاحب الشافعيّ، ثقة [:١١] ١٩٥/ ٣١١. و"الليث": هو ابن سعد الإمام المصريّ.
[تنبيه]: كون شيخ الليث في هذا السند هو جعفر بن ربيعة، هو الذي في النسخة "الهندية"، و"تحفة الأشراف" ١١/ ١٢٥، وهو الصواب، ووقع في النسخة المطبوعة بدله "حفص بن ربيعة"، وهو غلط فاحش، فليس في الكتب الستة من يسمّى "حفص ابن ربيعة" أصلًا، فضلًا عن شيوخ الليث. ووقع في "الكبرى" بلفظ "عن ابن ربيعة"، ولم يسمه، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "منعوا المحاقلة" يحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، أي إن الذين سمعوا النهي عن المحاقلة من النبيّ - ﷺ - بلّغوا غيرهم ذلك. ويحتمل أن يكون مبنيًّا للمفعول، أي إن الناس مُنعوا من قبل الشارع عن المحاقلة.
والحديث سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ عِيسَى بْنُ سَهْلِ بْنِ رَافِع) أي روى هذا الحديث عيسى بن سهل بن رافع ابن خديج، عن جدّه رافع بن خديج - ﵁ -، كما بيّنه بقوله:
٣٩٥٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي شُجَاعٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ سَهْلِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: إِنِّي لَيَتِيمٌ فِي حَجْرِ جَدِّي، رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَبَلَغْتُ رَجُلًا، وَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَجَاءَ أَخِي عِمْرَانُ بْنُ سَهْلِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ، إِنَّهُ قَدْ أَكْرَيْنَا أَرْضَنَا فُلَانَةَ، بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ دَعْ ذَاكَ، فَإِنَّ اللَّهَ -﷿-، سَيَجْعَلُ لَكُمْ رِزْقًا غَيْرَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَدْ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حِبّان" -بالكسر- هو ابن موسى. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. و"سعيد بن يزيد، أبو شجاع" الْحِمْيَريّ الْقِتْبَانيُّ الإسكندرانيّ، ثقة عابد [٧] ١٤٦/ ٢٣٧.
و"عيسى بن سهل بن رافع بن خَدِيج" الأنصاريّ الحارثيّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ويقال: اسمه عثمان، وهو وَهَم، مقبول [٤].
روى عن جدّه رافع بن خديج. وعنه سعيد بن يزيد، القتبانيّ، وأبو شُريح
[ ٣١ / ١٨٠ ]
الإسكندرانيّ، وموسى بن عُبيدة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.
وقوله: "رجلا" منصوب على المفعولية المطلقة على النيابة، والأصل مبلغ رجل.
وقوله: "فلانة" فيه استعمال "فلانة" لغير العقلاء بغير الألف واللام، والذي في كتب اللغة، أنه يستعمل لغير العاقل بالألف واللام، قال الفيّوميّ: فلانٌ، وفلانةٌ بغير ألف ولام كناية عن الأَناسيّ، وبهما كناية عن البهائم، فيقال: ركبت الفلان، وحلَبْتُ الفلانة. انتهى (^١). وقال المجد: فلانٌ، وفلانةٌ كناية عن أسمائنا، وبـ "أل" عن غيرنا. انتهى (^٢).
والحديث أخرجه المصنّف هنا - ٢/ ٣٩٥٤ وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٥٧. وأخرجه (د) في "البيوع والإجارات" ٣٤٠١.
وهو شاذٌ مخالف لما تقدّم من أحاديث رافع بن خديج - ﵁ - الصحيحة التي صرّح فيها بأن الإكراء بالدراهيم، والدنانير جائز، وهي في "الصحيحين"، من الحفّاظ المعروفين من أصحاب رافع - ﵁ -، كحنظلة بن قيس، فتفرّد عيسى بن سهل بهذا يعتبر شاذًّا مردودًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٥٥ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ، إِنَّمَا كَانَا رَجُلَيْنِ اقْتَتَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ، فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ»، فَسَمِعَ قَوْلَهُ: «لَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الحسين بن محمد) الذارع السعديّ، أبو عليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٩٧/ ١٣٥٥.
٢ - (إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم المعروف بابن عُليّة، أبو بشر المصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩.
٣ - (عبد الرحمن بن إسحاق) المدنيّ، نزيل البصرة، صدوقٌ رُمي بالقدر [٦] ١٠٠/ ٢٦١٨.
_________________
(١) "المصباح المنير".
(٢) "القاموس".
[ ٣١ / ١٨١ ]
٤ - (أبو عُبيدة بن محمد) بن عَمّار بن ياسر، المدنيّ أخو سلمة بن محمد، وقيل: هما واحد، ثقة (^١) [٤].
قال ابن معين: ثقة. وقال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: أبو عبيدة هذا ثقة. وأخوه سلمة لم يرو عنه إلا عليّ بن زيد، ولا يُعرف حاله. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: منكر الحديث، ولا يُسمّى. وقال في موضع آخر: صحيح الحديث. وقال في موضع آخر: اسمه سلمة. وقد قال البخاريّ في ترجمة سلمة (^٢): أراه أخا أبي عُبيدة. وذكر الحاكم أبو أحمد أبا عُبيدة فيمن لا يُعرف اسمه. روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و٢٣/ ٤٠٩٤ و٤٠٩٥/ ٢٤ - حديث سعيد بن زيد - ﵁ -، مرفوعًا: "من قاتل دون ماله، فقُتل فهو شهيد … " الحديث.
٥ - (الوليد بن أبي الوليد) عثمان. وقيل: الوليد بن الوليد، وهو وهم، القرشيّ مولى عثمان بن عفان، أو ابن عمر بن الخطّاب، أبو عثمان المدنيّ، ثقة (^٣) [٤].
روى عن جابر، وابن عمر، وعروة بن بن الزبير، وابن المسيب، وجماعة. وروى عنه بُكير ابن الأشجّ، وحيوة بن شُريح، والليث بن سعد، ويزيد بن الهاد، وأبو عبيدة ابن محمد، وجماعة آخرون. ووثقه ابن معين، وأبو زرعة، وقال يعقوب بن سفيان: مصري ثقة. وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة. وقال أبو عبيدة الآجرّيّ: سألت أبا داود عنه؟ فقال فيه خيرًا. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربّما خالف على قلّة روايته. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، و"خلق أفعال العباد"، ومسلم، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (عروة بن الزبير) بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٧ - (زيد بن ثابت) بن الضحاك الأنصاريّ النجاري، أبو سعيد، وأبو خارجة الصحابيّ المشهور الفرَضيّ، كاتب الوحي، مات - ﵁ - سنة (٥) أو (٤٨) وقيل: بعد (٥٠)، تقدّمت ترجمته في ١٢٢/ ١٧٩. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) قال عنه في "التقريب": مقبول، لكن مقتضى ترجمته أنه ثقة، فقد روى عن جماعة، وروى عنه جماعة، ووثقه ابن معين، وعبد اللَّه ابن أحمد بن حنبل، وأبو حاتم في رواية. فتنبّه. راجع ترجمته في "تهذيب التهذيب" ٤/ ٥٥٣.
(٢) نص أبو حاتم الرازيّ بأنه مدينيّ. راجع "تهذيب الكمال" ٣٤/ ٦٢.
(٣) قال عنه في "التقريب": لين الحديث، وفيه نظر، فقد روى عن جماعة، وروى عنه جماعة، ووثقه جماعة، وليس فيه كلام لأحد إلا قول ابن حبّان المذكور، وهو في مقابل توثيق هؤلاء غير مقبول راجع ترجمته في "تهذيب الكمال" ٣١/ ١٠٧ - ١٠٩.
[ ٣١ / ١٨٢ ]
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ، وأبي عبيدة، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) هذا تعريض بأنه أخطأ في هذه المسألة، فاستحقّ أن يَطلُب له المغفرةَ؛ لأن المجتهد، وإن كان يؤجر على اجتهاده، لكنه ربما يلام على خطئه، فيستحقّ أن يُطلب له المسامحة في ذلك، فقد أمر اللَّه بطلب عدم المؤاخذة، مع أن الخطأ مغفور، حيث قال اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦].
هذا بناء على ظنّ زيد بن ثابت - ﵁ -، وإلا فليس في حديث رافع بن خديج - ﵁ - خطأ، ولا نسيان، بل هو حفظه، كما حفظه الآخرون من الصحابة - ﵃ - الذين سنشير إليهم قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالحَدِيثِ مِنْهُ) الضمير مبتدأ، و"أعلم" خبره، واعترض بينهما القسم لإفادة التأكيد (إِنَّما كَانَا رَجُلَيْنِ) ضمير "كانا" للمتنازعين، و"رجلين" خبر "كان"، وفي رواية في "الكبرى" من طريق يزيد بن زُريع، عن عبد الرحمن بن إسحاق: " "إنما جاء رجلان، قد اقتتلا"، وفي رواية بشر بن المفضّل، عن عبد الرحمن أيضًا: "إنما جاء رجلان من الأنصار إلى رسول اللَّه - ﷺ - قد اقتتلا". وفي رواية أبي داود: "إنما أتاه رجلان". وقوله (اقْتَتَلَا) بالبناء للفاعل صفة لـ"رجلين"، ومعنى "اقتتلا": كادا يقتتلان من شدّة تنازعهما (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "إن كَانَ هَذَا) التنازع، والتقاتُل (شَأْنُكُمْ) أي حالكم، وصفتكم في المزارعة (فَلَا تُكْرُوا المَزَارِعَ) أي تجنّبًا لهذه الحالة السيّئة (فَسَمِعَ قَوْلَهُ: "لَا تُكْرُوا المَزَارِعَ) يعنيب أنه ما سمع أول الحديث، وإنما سمع آخره، فحفظه ظانًّا أنه تمام الحديث، فأخطأ فيه. ومراد زيد بن ثابت - ﵁ - النهي مخصوصٌ بما إذا أدّى إلى النزاع، والخصام، وإلا فلا.
لكن هذا ظنّ زيد بن ثابت - ﵁ -، وإلا فليس رافع - ﵁ - تفرّد بحديث: "لا تكروا المزارع"، فقد حدّث به معه عن النبيّ - ﷺ - من الصحابة: جابر بن عبد اللَّه، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدريّ - ﵃ -، وأحاديثهم كلها صحيحة، وقد اتفق الشيخان عليها، كما تقدّم بيان ذلك كلّه.
[ ٣١ / ١٨٣ ]
فالصواب أن يُحمل النهي على معنى حديث زيد بن ثابت - ﵁ -، أي فيما إذا اشتمل العقد على شروط فاسدة تؤدّي إلى النزاع، والخصام، وأما إذا خلا عن ذلك، فالنهي للتنزيه، لا للتحريم، بدليل الأحاديث الأخرى التي دلّت على الإباحة، فيكون المراد حثْ أصحاب الأراضي أن يتطوّعوا بها على إخوانهم المحتاجين، كما تقدّم توضيح هذا كلّه، مستوفىً، فلا ينبغي تخطئة هذا الصحابيّ الحافظ لما سمعه من النبيّ - ﷺ -، كما حفظه الصحابة الآخرون - ﵃ -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث زيد بن ثابت - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح (^١).
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢/ ٣٩٥٥ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٥٨. وأخرجه (د) في "البيوع والإجارات" ٣٣٩٠ (ق) في "الرهون" ٢٤٦١. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" بعد أن أخرج هذا الحديث بالسند المذكور: ما نصّه:
خالفه يزيد بن زريع، فقال: عن الوليد بن الوليد:
أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا يزيد، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي عُبيدة بن محمد بن عمار، عن الوليد بن الوليد، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت، قال: أنا واللَّه أعلم بالحديث من رافع بن خديج، إنما جاء رجلان قد اقتتلا، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "إن كان هذا شأنكم، فلا تُكروا المزارع".
وافقه على قول الوليد بن الوليد بشرُ بْنُ المفضّل (^٢):
أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال لنا بشر، عن عبد الرحمن، عن أبي عُبيدة بن محمد ابن عمّار، عن الوليد بن الوليد، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت، قال: يغفر اللَّه
_________________
(١) والحاصل أنه ثقة. واللَّه تعالى أعلم.
(٢) ضعفه الشيخ الألبانيّ، ولعل مستنده ما تقدّم من تضعيف الحافظ ابن حجر لرجال سنده، كما سبق، وقد تقدّم أن الصحيح أنهم ثقات، كما صرّح بذلك الأئمة الكبار، فالحديث صحيح. فتنبّه. لكن رواية بشر بن المفضل عند أبي داود كرواية إسماعيل بن علية التي أوردها المصنّف في "المجتبى"، بزيادة "أبي"، فقال: (عن الوليد بن أبي الوليد)، فتأمّل واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣١ / ١٨٤ ]
لرافع ابن خَديج، أنا كنت أعلم بالحديث، إنما جاء رجلان من الأنصار إلى رسول اللَّه - ﷺ - قد اقتتلا، فقال: "إن كان هذا شأنكم، فلا تُكروا المزارع"، فسمع قوله: "لا تُكروا المزارع". انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كِتَابَةُ مُزَارَعَةٍ، عَلَى أَنَّ الْبَذْرَ، وَالنَّفَقَةَ عَلَى صَاحِبِ الأَرْضِ، وَلِلْمُزَارِعِ رُبُعُ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ -﷿- مِنْهَا:
هَذَا كِتَابٌ كَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، فِي صِحَّةٍ مِنْهُ، وَجَوَازِ أَمْرٍ، لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، إِنَّكَ دَفَعْتَ إِلَيَّ، جَمِيعَ أَرْضِكَ الَّتِي بِمَوْضِعِ كَذَا، فى مَدِينَةِ كَذَا، مُزَارَعَةً، وَهِيَ الأَرْضُ الَّتِي تُعْرَفُ بِكَذَا، وَتَجْمَعُهَا حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ، يُحِيطُ بِهَا كُلِّهَا، وَأَحَدُ تِلْكَ الْحُدُودِ بِأَسْرِهِ لَزِيقُ كَذَا، وَالثَّانِي، وَالثَّالِثُ، وَالرَّابِعُ، دَفَعْتَ إِلَيَّ جَمِيعَ أَرْضِكَ هَذِهِ، الْمَحْدُودَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، بِحُدُودِهَا الْمُحِيطَةِ بِهَا، وَجَمِيعِ حُقُوقِهَا، وَشِرْبِهَا، وَأَنْهَارِهَا، وَسَوَاقِيهَا، أَرْضًا بَيْضَاءَ، فَارِغَةً، لَا شَيْءَ فِيهَا، مِنْ غَرْسٍ، وَلَا زَرْعٍ، سَنَةً تَامَّةً، أَوَّلُهَا مُسْتَهَلَّ شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا، وَآخِرُهَا انْسِلَاخُ شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا، عَلَى أَنْ أَزْرَعَ جَمِيعَ هَذِهِ الأَرْضِ الْمَحْدُودَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، الْمَوْصُوفُ مَوْضِعُهَا فِيهِ، هَذِهِ السَّنَةَ الْمُؤَقَّتَةَ فِيهَا، مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، كُلَّ مَا أَرَدْتُ، وَبَدَا لِي أَنْ أَزْرَعَ فِيهَا، مِنْ حِنْطَةٍ، وَشَعِيرٍ، وَسَمَاسِمَ، وَأُرْزٍ، وَأَقْطَانٍ، وَرِطَابٍ، وَبَاقِلاَّ، وَحِمَّصٍ، وَلُوبِيَا، وَعَدَسٍ، وَمَقَاثِي، وَمَبَاطِيخَ، وَجَزَرٍ، وَشَلْجَمٍ، وَفِجْلٍ، وَبَصَلٍ، وَثُومٍ، وَبُقُولٍ، وَرَيَاحِينَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ جَمِيعِ الْغَلاَّتِ، شِتَاءً وَصَيْفًا، بِبُذُورِكَ وَبَذْرِكَ، وَجَمِيعُهُ عَلَيْكَ دُونِي، عَلَى أَنْ أَتَوَلَّى ذَلِكَ بِيَدِي، وَبِمَنْ أَرَدْتُ مِنْ أَعْوَانِي، وَأُجَرَائِي، وَبَقَرِي، وَأَدَوَاتِي، وَإِلَى زِرَاعَةِ ذَلِكَ، وَعِمَارَتِهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ نَمَاؤُهُ، وَمَصْلَحَتُهُ، وَكِرَابُ أَرْضِهِ، وَتَنْقِيَةُ حَشِيشِهَا، وَسَقْىِ مَا يُحْتَاجُ إِلَى سَقْيِهِ، مِمَّا زُرِعَ، وَتَسْمِيدِ مَا يُحْتَاجُ إِلَى تَسْمِيدِهِ، وَحَفْرِ سَوَاقِيهِ وَأَنْهَارِهِ، وَاجْتِنَاءِ مَا يُجْتَنَى مِنْهُ، وَالْقِيَامِ بِحَصَادِ مَا يُحْصَدُ مِنْهُ، وَجَمْعِهِ، وَدِيَاسَةِ مَا يُدَاسُ مِنْهُ، وَتَذْرِيَتِهِ بِنَفَقَتِكَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ دُونِي، وَأَعْمَلَ فِيهِ كُلِّهِ بِيَدِي، وَأَعْوَانِي دُونَكَ، عَلَى أَنَّ لَكَ مِنْ جَمِيعِ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ -﷿-، مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الْمَوْصُوفَةِ، فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَلَكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، بِحَظِّ أَرْضِكَ، وَشِرْبِكَ، وَبَذْرِكَ، وَنَفَقَاتِكَ، وَلِيَ الرُّبُعُ الْبَاقِى مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، بِزِرَاعَتِي، وَعَمَلِي، وَقِيَامِي عَلَى ذَلِكَ بِيَدِي، وَأَعْوَانِي، وَدَفَعْتَ إِلَيَّ جَمِيعَ أَرْضِكَ هَذِهِ الْمَحْدُودَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، بِجَمِيعِ حُقُوقِهَا، وَمَرَافِقِهَا، وَقَبَضْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ
_________________
(١) راجع "السنن الكبرى" ٣/ ١٠٦ - ١٠٧. رقم الأحاديث ٧١/ ٤٦٥٩ و٧٢/ ٤٦٦٠.
[ ٣١ / ١٨٥ ]
مِنْكَ، يَوْمَ كَذَا، مِنْ شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا، فَصَارَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي يَدِي، لَكَ لَا مِلْكَ لِي فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا دَعْوَى، وَلَا طَلِبَةَ، إِلاَّ هَذِهِ الْمُزَارَعَةَ الْمَوْصُوفَةَ، فِي هَذَا الْكِتَابِ، فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْمُسَمَّاةِ فِيهِ، فَإِذَا انْقَضَتْ، فَذَلِكَ كُلُّهُ مَرْدُودٌ إِلَيْكَ، وَإِلَى يَدِكَ، وَلَكَ أَنْ تُخْرِجَنِي بَعْدَ انْقِضَائِهَا مِنْهَا، وَتُخْرِجَهَا مِنْ يَدِي، وَيَدِ كُلِّ مَنْ صَارَتْ لَهُ فِيهَا يَدٌ بِسَبَبِي، أَقَرَّ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَكُتِبَ هَذَا الْكِتَابُ نُسْخَتَيْنِ).
شرح كلام المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-:
(قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (كِتَابَةُ مُزَارَعَةٍ) خبر لمحذوف، أي هذه صفة كتابة مزارعة (عَلَى أَنَّ الْبَذْرَ) متعلق بصفة "مُزارعة" أي كائنة على أن البذر. و"البذر" بفتح الموحّدة، وسكون الذال المعجمة هو في الأصل مصدر بذر، لكن المراد هنا: الحَبّ المبذور. قال الفيّوميّ: بذَرت الحبّ، من باب قتل: إذا ألقيته في الأرض للزراعة، والبذر المبذورُ، إما تسمية بالمصدر، وإما فَعْلٌ بمعنى مفعولٍ، مثلُ ضَرْبِ الأمير، ونَسْج اليمن. قال بعضهم: البَذْرُ في الحبوب كالحنطة، والشعير، والْبِزْرُ في الرَّيَاحين، والْبُقُولِ، وهذا هو المشهور في الاستعمال، ونُقِل عن الخليل: كلُّ حَبّ يُبْذَرُ فهو بَذْرٌ، وبِزْرٌ. انتهى.
(وَالنَّفَقَةَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ) يعني أن ما يُبذر في تلك الأرض من البذر، وما يُنفق عليها يكون على صاحب الأرض، لا على المزارع.
[تنبيه]: هذه الصفة التي ذكرها المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهي أن يكون البذر على صاحب الأرض، والعمل على المزارع جائزة عند من يُجيز المزارعة، وأما إذا شُرط البذر على المزارع، فقد اختلفوا فيه، كما بيّنه أبو محمد ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-، فقال: ظاهر المذهب أن المزارعة إنما تصحّ إذا كان البذر من رب الأرض، والعمل من العامل، نصِّ عليه أحمد في رواية جماعة، واختاره عامّة الأصحاب، وهو مذهب ابن سيرين، والشافعيّ، وإسحاق؛ لأنه عقد يشترك العامل، وربّ المال في نمائه، فوجب أن يكون رأس المال كلُّهُ من عند أحدهما، كالمساقاة، والمضاربة. وقد رُوي عن أحمد ما يدلّ على أن البذر يجوز أن يكون من العامل، فإنه قال في رواية مُهَنَّا في الرجل يكون له الأرض، فيها نخلٌ، وشجرٌ، يدفعها إلى قوم يزرعون الأرض، ويقومون على الشجر على أن له النصفَ، ولهم النصف: فلا بأس بذلك، وقد دفع النبيّ - ﷺ - خيبر على هذا، فأجاز دفع الأرض لزرعها من غير ذكر البذر، فعلى هذا أيهما أخرج البذر جاز.
ورُوي ذلك عن عمر بن الخطّاب - ﵁ -، وهو قول أبي يوسف، وطائفة من أهل الحديث، وهو الصحيح، إن شاء اللَّه تعالى.
[ ٣١ / ١٨٦ ]
وروي عن سعد، وابن مسعود، وابن عمر - ﵃ - أن البذر من العامل، ولعلّهم أرادوا أنه يجوز أن يكون من العامل، فيكون كقول عمر - ﵁ -، ولا يكون قولًا ثالثًا.
والدليل على صحّة ما ذكرنا قول ابن عمر - ﵄ -: دفع رسول اللَّه - ﷺ - إلى يهود خيبر نخل خيبر، وأرضها، على أن يعملوها من أموالهم، ولرسول اللَّه - ﷺ - شطر ثمرها، وفي لفظ: على أن يعملوها، ويزرعوها، ولهم شطر ما يَخرُج منها. أخرجهما البخاريّ. فجعل عملها من أموالهم، وزرعَهَا عليهم، ولم يذكر شيئًا آخر، وظاهره أن البذر من أهل خيبر، والأصل المعوّل عليه في المزارعة قصّة خيبر، ولم يذكر النبيّ - ﷺ - أن البذر على المسلمين، ولو كان شرطًا لما أخلّ بذكره، ولو فعله النبيّ - ﷺ -، وأصحابه لنُقِل، ولم يجز الإخلال بنقله.
ولأن عمر - ﷺ - فعل الأمرين جميعًا، فإن البخاريّ روى عنه أنه عامل الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا. فظاهر هذا أن ذلك اشتهر، فلم يُنكَر عليه، فكان إجماعًا.
[فإن قلت]: فهذا بمنزلة بيعتين في بيعة، فكيف يفعله عمر - ﵁ -؟.
[قلنا]: يحتمل أنه قال ذلك ليُخيّرهم في أيّ العقدين شاؤوا، فمن اختار عقدًا عقده معه معيّنًا، كما لو قال في البيع: إن شئت بعتكه بعشرة صحاح، وإن شئت بأحد عشر مكسّرة، فاختار أحدهما، فعقد البيع معه عليه معيّنًا.
ويجوز أن يكون مجيئه بالبذر، أو شروعه في العمل بغير بذر، مع إقرار عمر - ﵁ - له على ذلك، وعلمه به، جرى مجرى العقد، ولهذا رُوي عن أحمد صحّة الإجارة فيما إذا قال: إن خطته رُوميًّا، فلك درهم، وإن خطته فارسيًّا ذلك نصف درهم.
قال: وما ذكره أصحابنا من القياس يُخالف ظاهر النصّ، والإجماع اللذين ذكرناهما، فكيف يُعمل به؟، ثم هو منتقضٌ بما إذا اشترك مالان، وبدن صاحب أحدهما. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي صحّحه ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- من جواز كون البذر من صاحب الأرض، أو العامل، هو الصواب، لظاهر حديث قصّة خيبر المتقدّم، كما ذكره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(وَلِلْمُزَارعِ رُبُعُ) بضمتين، وتسكن الثانية تخفيفًا (مَا يُخْرِجُ) بضمّ أوله مبنيًّا للفاعل من الإخراج رباعيّا (اللَّهُ -﷿- مِنْهَا).
_________________
(١) "المغني" ٧/ ٥٦٢ - ٥٦٤.
[ ٣١ / ١٨٧ ]
وحاصل معنى كلام المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: هذه كيفيّة كتابة المزارعة التي شُرط فيها أن يكون البذر والنفقة على صاحب الأرض، وما يستحقّه المزارع عند إنتهاء عمله في تلك الأرض أن يأخذ ربع ما أخرج اللَّه تعالى من تلك الأرض، وثلاثة أرباع الخارج يكون لصاحب الأرض. ثم ذكر -رحمه اللَّه تعالى- نصّ الكتابة، فقال:
(هَذَا) مشيرًا إلى ما كُتِبَ من العقد (كِتَابٌ) أي مكتوب من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول (كَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) المراد به المزارع، ونسبه إلى جدّه ليتميّز عَمَّن يوافقه في اسمه، واسم أبيه. وفي بعض النسخ إسقاط لفظة "ابن فلان" (فِي صِحَّةِ مِنْهُ) أي كتبه في حال صحّة جسمه، لا في مرضه (وَجَوَازِ أَمْر) وفي بعض النسخ: "وصحة أمره" بالضمير، أي وفي حال كون أمره نافذًا في أمواله كلّه، واحترز بذلك عن أن يكون صبيًّا، أو مريضًا (لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) المراد به صاحب الأرض (إِنَّكَ دَفَعْتَ إِلَيَّ، جَمِيعَ أَرْضِكَ الَّتِى بِمَوْضِعِ كَذَا، فِي مَدِينَةِ كَذَا، مُزَارَعَةً) منصوب على أنه مفعول من أجله، أي لأجل التعامل بالزراعة (وَهِيَ الأَرْضُ الَّتِى تُعرَفُ بِكَذَا) أي مسمّيًا لها باسمها الذي تُعرف به لئلا تلتبس بغيرها من أراضيه، فيقع النزاع بينهما (وَتجْمَعُهَا حُدُود أَرْبَعَةٌ، يُحِيطُ بِهَا كُلِّهَا) بالجرّ تأكيدٌ للضمير المجرور (وَأَحَدُ تِلْكَ الحُدُودِ بِأَسْرِه) بفتح الهمزة، وسكون السين المهملة-: أي جميعه (لَزِيقُ كَذَا) أي متّصل بكذا من المكان (وَالثَّاني) أي لزيق كذا أيضًا (وَالثَّالِثُ) أي لزيق كذَا (وَالرَّابعُ) أي لزيق كذا أيضًا (دَفَعْتَ) بالبناء للفاعل، والتاء ضمير المخاطب، وهو صاحب الأرض (إِلَيَّ جَمِيعَ أَرْضِكَ هَذِهِ، الْمَحْدُودَةِ فِي هَذَا الْكِتَاب، بِحُدُودِهَا) متعلقة بـ "المحدودة" (المُحِيطَةِ بِهَا) بالجرّ صفة "حدودها" (وَجَمِيعِ حُقُوقِهَا) أيَ كلّ ما تستحقه من المرافق، وهي التي بَيَّنَهَا بما عطفه عطفَ مفصّل على مجملِ بقوله (وَشِرْبِهَا) بكسر المعجمة، وسكون الراء: هو النصيب من الماء (وَأَنْهَارِهَا) جمع نَهر بفتحتين، مثلُ سبب وأسباب، ويقال: النفي -بفتح، فسكون- فيُجمع على نُهُرٍ بضمتين، وأَنهُر، وهو الماء الجاريّ المتّسع (وَسَوَاقِيهَا) جمع ساقية: وهو النهر الصغير (أَرْضًا بَيْضَاءَ) قال ابن منظور: وأرضٌ بيضاء: مَلْساء، لا نبات فيها، كأن النبات كان يسوّدها. وقيل: هي التي لم توطأ. ولْال أيضًا: البيضاء الخراب من الأرض؛ لأنه يكون أبيض، لا غرس فيه، ولا زرع. انتهى. فيكون قوله (فَارِغَةٌ، لَا شَيْءَ فِيهَا، مِنْ غَرْسٍ، وَلَا زَرْعٍ) مفسرًا لمعنى قوله: أرضا بيضاء (سَنَةً تَامَّةً، أَوَّلُهَا مُسْتَهَلَّ شَهْرِ كَذَا) مُسْتَهَلُّ الشهر بَضم الميم، بصيغة اسم المفعول: أوله، يقال: أُهِلّ الهلالُ بالبناء للمفعول، وللفاعل أيضًا، ومنهم من يمنعه، واستُهِلّ بالبناء للمفعول، ومنهم من يُجيز بناءه للفاعل، وهَلَّ، من باب ضرب لغةٌ أيضًا: إذا ظهر. قاله الفيّوميّ (مِنْ سَنَةِ كَذَا، وَآخِرُهَا
[ ٣١ / ١٨٨ ]
انْسِلَاخُ شَهْرِ كَذا) أي انتهاؤه، وسَلْخُ الشهرِ: آخره (مِنْ سَنَةِ كَذَا، عَلَى أَنَّ أَزرَعَ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَرْضِ الْمَحْدُودَةِ فِي هَذَا الكِتَابِ) أي التي ذُكرت حدودها في كتاب العقد (الْمَوْصُوفِ) بالجر صفة بعد صفة للأرض (مَوْضِعُهَا) بالرفع على أنه نائب فاعل للموصوف (فِيهِ) متعلق بالموصوف (هَذِهِ السَّنَةَ) منصوب على الظرفية متعلّق بـ "أزرِع" (المُؤَقَّتَةَ فِيهَا، مِنْ أَوَّلهَا إِلَى آخِرِهَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ، وَبَدَا لِي) أي ظهر، وتيسّر لي (أَنْ أزرَعَ فِيهَا، مِنْ حِنْطَةِ، وَشَعِير، وَسَمَاسِمَ) جمع سِمْسِم بكسر المهملتين، وسمون الميم بينهما: حبٌّ معروف (وَأُرْزٍ) فيه لغات: أحدها: أُرْزٌّ كقُفْل، والثانية: أُرُزٌ بضمّ الراء أيضًا للإتباع، مثلُ عُسْرٍ وعُسُرٍ. والثالثة: ضم الهمزة والراء، وتشديد الزاي. والرابعة: فتح الهمزة، مع التشديد. والخامسة: رُزٌّ من غير همز، وزانُ قُفْل. قاله الفيّوميّ (وَأَقطَانٍ) بفتح الهمزة، جمع قُطن، مثل قفل وأقفال، ويقال فيه القُطُن بضمتين، وتخفيف النون، والْقُطُنّ بتشديد النون أيضًا (وَرِطَابٍ) بكسر الراء: جمع رَطبَة، مثل كَلْبة وكِلاب، والرَّطبَةُ: القَضْبَة خاصّة (وَبَاقِلَّا) وزان فَاعَلا، يُشدَّد، فيُقصرُ، وُيخفَّفُ، فيُمدّ، والواحدة: باقلّاة بالوجهين (وَحِمَّصِ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الميم، مكسورة أيضًا عند البصريين، ومفتوحة عند الكوفيين: حبٌّ؛ معروف. قاله الفيّوميّ (وَلُوبْيَا) بضمّ اللام، وكسر الموحّدة، بينهما واو ساكنة، وقبل الألف ياء تحتانيّة، يمدّ، وُيقصر، مذكّرٌ: نبات معروفٌ (وَعَدَسٍ) بفتحتين، واحدته عَدَسَةٌ: حبّ معروف (وَمَقَاثِي) بفتح الميم: جمع مَقثَأَة: أي محلّ قثّاء، قال في "القاموس": القِثّاء بالكسر، والضمّ: معروف، أو الخيار، وأقثَأَ المكانُ: كثُر به، وأقثأ القومُ كثُر عندهم، والْمَقْثَأَة، وتُضم ثاؤه: موضعه. انتهى (وَمَبَاطِيخَ) جمع مَبْطَخَة: موضع البِطِّيخ، قال في "القاموس": الْبِطِّيخُ -بالكسر- من اليَقْطين الذي لا يعلو، ولكن يذهب على وجه الأرض، واحدته بهاء، والْمَبْطَخَةُ، وتُضمّ الطاء: موضعه. انتهى (وَجَزَرٍ) بفتحتين، قال في "القاموس": الجَزَر بالتحريك: أُرُومة (^١) تُؤكلُ، معرَّبة، وتُكسر الجيم، واحدتها بالهاء. انتهى (وَشَلْجَمٍ) قال ابن منظور: قال الجوهريّ: الشَّلْجَم -بفتح، فسكون-: نبت معروف، قال الراجز:
تَسألُنِي بِرَامَتَيْنِ شَلْجَمَا … لَوْ أَنَّهَا تَطْلُبُ شَيْئًا أَمَمَا
وقال في "التهذيب": المأكول يقال له: سَلْجَم- بالمهملة- ولا يقال له: شَلْجَم بالشين المعجمة-، ولا ثَلْجم -بالثاء المثلّة- وأنشد ابن بَريٍّ لأبي الزحف:
هَذَا وَرَبِّ الرَّقِصَاتِ الرُّسَّمِ … شِعْرِي وَلَا أُحْسِنُ أَكلَ السَّلْجَمِ
_________________
(١) الأَرومة بالفتح، وتضمّ: الأصل.
[ ٣١ / ١٨٩ ]
قال: ومنهم من يتكلّم به بالشين المعجمة، وُيروَى الرجزُ بالسين والشين، قال: والصواب بالسين المهملة. وقال أبو حنيفة -يعني الدَّينوريّ-: السَّلْجَم معرّبٌ، وأصله بالشين، والعرب لا تتكلّم به إلا بالسين، قال: وكذا ذكره سيبويه. انتهى (^١).
(وَفُجْلٍ) بضمّ، فسكون، وزان قُقل: بَقلَةٌ معروفة. وعن ابن دُريد: ليس بعربيّ صحيح، قال: وأحسب اشتقاقه من فَجِلَ فَجَلًا، من باب تَعِب: إذا غَلُظ، واسترخى. قاله الفيّوميّ (وَبَصَلٍ) بفتحتين: معرف، الواحدة: بَصَلَةٌ، مثلُ قَصَب وقَصَبَة (وَثُومٍ) بالضمّ، واحدته ثُومة. قال في "القاموس": الثوم: بُستانيّ، وبَري، وُيعرف بثوم الحية، وهو أقوى، وكلاهما مُسخِّنٌ مُخرِجٌ للنفْخِ، والدّود، مُدرّ جدًّا، وهذا أفضل ما فيه، جيّدٌ للنسيان، والرَّبْوِ، والسُّعال المزمِن، والطِّحال، والخاصرة، والقَولَنْج، وعِرْقِ النَّسَا، ووجع الوَرِكِ، والنّقْرِسِ، ولَسْعِ الهوَامّ، والحيّات، والعقارب، والْكلْب الْكَلِب، والعطش الْبَلْغَميّ، وتقطير البولَ، وتصفية الحلق، بَاهِيّ جَذّاب، ومشويّهُ لوجع الأسنان المتأكِّلَة، حافظٌ صحّةَ المَبْرُودين، والمشايخ، ردِيء للبواسير والزَّحِير، والخنازير، وأصحاب الدّقّ، والْحَبَالَى، والمرضعات، والَصُّداع، إصلاحُهُ: سَلْقُهُ بماء ومِلْح، وتطجينه بدهن لَوْز، وإتباعه بمصذ رُمانةٍ مُرّةٍ. انتهى.
(وَبُقُولِ) بالضمّ: جمع بَقْل بفتح، فسكون: كلُّ نبات اخضرّت به الأرض. قاله ابن فارس (^٢)، فيكون عطفه على ما قبله من عطف العامّ على الخاصّ (وَرَيَاحِينَ) بفتح الراء: جمع رَيحان: نبتٌ طيّب الرائحة، أو كلُّ نبت كذلك، أو أطرافه، أو ورقه. قاله في "القاموس"، والمعنى الأول، والثاني هو المناسب هنا (وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ جمَيعِ الْغَلَّاتِ) بتشديد اللام: جمع غَلّة، وهي كلُّ شيء يحصلُ من رَيْعِ الأَرض، أو أجرتها، ونحو ذلك. قاله الفيّوميّ. والمعنى الأول هو المناسب هنا (شِتَاءً وَصَيْفًا) منصوبان على الظرفيّة، متعلّقان بـ "أزرع" المتقدِّم (ببُزُورِكَ، وَبَذْرِكَ) الجار والمجرور متعلّق بـ " أزرع" أيضًا. و"البزور" بالضم جمع بِزر بكَسر، فسكون، وتفتح الباء، قال الفيّوميّ: بِزْرُ البَقْلِ ونحوه بالكسر، والفتح لغة فيه، قال ابن السّكّيت: ولا تقوله الفصحاء إلا بالكسر، فهو أفصح. قال: قال بعضهم: البذر في الحبوب، كالحنطة والشعير، والبِزْرُ في الرياحين، والبقول، وهذا هو المشهور في الاستعمال. ونُقل عن الخليل: كلّ حبّ يُبذر، فهو بَذرٌ، وبِزْرٌ. انتهى.
وفي "القاموس": البَزرُ -بالفتح، ويُكسر-: كلُّ حبّ يُبزر للنبات، جمعه بُزور. و"البَذْرُ": هو ما عُزل للزراعة من الحبوب. انتهى.
_________________
(١) "لسان العرب" ١٢/ ٣٠١ - ٣٠٢.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٥٨.
[ ٣١ / ١٩٠ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ويتحصّل مما ذُكر أن البزر والبذر بمعنى واحد، أو البذر بالذال لما يؤكل، كالحنطة والشعير، والبزر بالزاي لما لا يؤكل، كالرياحين. واللَّه تعالى أعلم.
(وَجَمِيعُهُ) أي ما ذُكر مما يُزرع في تلك الأرض (عَلَيْكَ دُونِي، عَلَى أَنْ أَتَوَلَّى ذَلِكَ بِيَدِي، وَبِمَنْ أَرَدْتُ مِنْ أَعْوَانِي، وَأُجَرَائِي) بضمّ الهمزة: جمع أَجير بفتحها (وَبَقَرِي، وَأَدَوَاتِي) وفي بعض النسخ: "وأداتي" بالإفراد" (وآتي) هكذا في النسخة الهندية، وعليها يكون فعلا مضارعًا لأتى، يقال: أَتَى الأمرَ: فَعَلَهُ. قاله في "القاموس". ووقع في النسخ المطبوعة "وإلى" بلفظ "إلى" الجارة، ولا يظهر لي معناه، ولعله من التصحيفات. (زِرَاعَةَ ذَلِكَ، وَعِمَارَتَهُ) بالكسر: أي تعميره (وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ نَمَاؤُهُ، وَمَصْلَحَتُهُ، وَكِرَابَ أَرْضِهِ) بكسر الكاف، يقال: كربتُ الأرضَ، من باب قتل كِرابًا بالكسر: قلبتها للحرث (وَتَنقِيَةَ حَشِيشِهَا) والحشيش: اليابس من النبات، فعيل بمعنى فاعل. وقال الفارابيّ: الحشيش: اليابس من الكلأ، قالوا: ولا يقال للرَّطْب حَشيش. قاله في "المصباح".
ومعنى تنقية الحشيش إزالتها من الأرض، حتى تكون صالحة للزراعة (وَسَقْيَ مَا يُحْتَاجُ) بالبناء للمفعول (إِلَى سَقيهِ، مِمَّا زُرِعَ) بالبناء للمفعول أيضًا (وَتَسْمِيدَ مَا يُحْتَاجُ إِلَى تَسْمِيدِهِ) أي إصلاحه، يقالَ: سَمَّدتُ الأرض تسميدًا: أصلحتها بالسَّمَاد، وهو بوزن سَلام: ما يُصلح به الزرع، من تُراب، وسِرْجين. قاله الفيّوميّ (وَحَفْرَ سَوَاقِيهِ وَأَنْهارِهِ، وَاجْتِنَاءَ مَا يُجْتَنَى مِنْهُ) أي اقتطاف ما كان صالحًا لاقتطافه من الثمار (وَالْقِيَامَ بحَصَادِ مَا يُحْصَدُ مِنْهُ، وَجَمْعِهِ) أي في بَيْدره، وهو الموضع الذي تُداس فيه الحبوب (وَدِيَاسَةِ مَا يُدَاسُ مِنْهُ) قال الفيّوميّ: دارس الرجلُ الحنطةَ يدوسها دَوْسًا، ودِياسًا، مثل الدِّراس، من كلام العرب، ومنهم من يقول: هو مجاز، وكأنه مأخوذ من داس الأرضَ دَوسًا: إذا شدّد وطأه عليها بقدمه. انتهى (وَتَذْرِيَتِهِ) أي تنقيته من التبن، يقال: ذرّيتُ الطعام تذريةً: إذا خلّصته من تبنه. وذَرَتِ الريحُ الشيءَ بالتخفيف تَذرُوه ذَرْوًا: نَسَفته، وفرّقته (بنَفَقَتِكَ) متعلق ب "آتي" المتقدم (عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ دُونِي) يعني أن النفقة على ما ذكر يكون علَى صاحب الأرض، لا على المزارع، وإنما هو عليه العمل فقط، كما بيّنه بقوله (وَأَعْمَلَ فِيهِ كُلِّهِ بِيَدِي، وَأَعوَاني دُونَكَ، عَلَى أَنَّ لَكَ مِنْ جَمِيعِ مَا يُخْرِجُ اللَّه -﷿-، من ذَلِكَ كُلِّهِ، فِي هَذِهِ المُدّةِ الْمَوْصُوفَةِ، في هَذَا الْكِتَاب مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَلَكَ) أعاد الجارّ والمجرور تأكيدًا؛ لطول الفصل، وقوله (ثَلَاَثةَ أَرْبَاعِهِ) بالنصب اسم "أن" (بِحَظِّ أَرْضِكَ) أي هذا بسبب نصيب أرضك، أي بأجرتها (وَشِرْبِكَ) بكسر الشين، وسكون الراء: النصيب من الماء (وَبَذْرِكَ، وَنَفَقَاتِكَ، وَلِى الرُّبُعُ البَاقِي مِنْ جمَيعِ ذَلِكَ،
[ ٣١ / ١٩١ ]
بِزِرَاعَتِي، وَعَمَلِي، وَقِيَامِي، عَلَى ذَلِكَ بِيَدِي، وَأَعْوَانِي، وَدَفَعْتَ إِلَيَّ جَمِيعَ أَرْضِكَ، هَذِهِ الْمَحْدُودَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِجَمِيعِ حُقُوقِهَا، وَمَرَافِقِهَا، وَقَبَضْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْكَ، يَوْمَ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا، فَصَارَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي يَدِي، لَكَ لَا مِلْكَ لِي فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا دَعْوَى، وَلَا طَلِبَةَ) بفتح الطاء المهملة، وكسر اللام: بمعنى الطّلَب، قال الفيّوميّ: الطلاب، مثل كتاب: ما تطلبه من غيرك، وهو مصدر في الأصل، تقول: طالبته مطالبة، وطِلَابًا، من باب قاتل، والطَّلِبَةُ وزانُ كَلِمة، والجمع طَلِبات مثله. انتهى (إِلاَّ هَذِهِ المُزَارَعَةَ الْمَوْصُوفَةَ، فِي هَذَا الكِتَاب) يعني أنه لا حقّ له في المطالبة إلا ما يتعلّق بحقوق المزارعة التي وصفها في كتابةَ العقد (فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْمُسَمَّاةِ فِيهِ، فَإِذَا انْقَضَتْ، فَذَلِكَ كُلُّهُ مَرْدُودٌ إِلَيْكَ، وَإِلَى يَدِكَ، وَلَكَ أَنْ تُخْرِجَنِي بَعْدَ انْقِضَائِهَا مِنْهَا، وَتُخْرِجَهَا مِنْ يَدِي، وَيَدِ كُلِّ مَنْ صَارَتْ لَهُ فِيهَا يَدٌ بِسَبَبِي) يعني أعوانه الذين ذكر قبل هذا أنه يستعين بهم، من الأعوان، والأُجراء (أَقَرَّ فُلَاَنٌ) أي المزارع (وَفُلَانٌ) أي صاحب الأرض (وَكُتِبَ) بالبناء ليمفعول (هَذَا الْكِتَابُ نُسْختَينِ) أي كتابين، يقال: كتاب منسوخ، ومُنتسخٌ: منقول، والنسخة الكتاب المنقول، والجمع نُسَخٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف، وكتب القاضي نسختين بحكمه: أي كتابين. قاله الفيّوميّ. فقوله: "وكتب هذا الكتاب نُسخين" يحتمل أن يكون إخبارًا، فيكون من تتمة كتابة العقد، ويحتمل أن يكون خبرًا بمعنى الإنشاء، فكأنه قال: وليُكتب هذا الكتاب نسختين، فيكون من كلام المصنّف، والأول أقرب، وإنما يكتب كذلك؛ ليكون عند كلّ من صاحب الأرض، والمزارع نسخة منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…