قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف الذي أشار إليه أن عامرًا الأحول رواه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه. وخالفه حسين المعلّم فرواه عن عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن ابن عمر، وابن عبّاس - ﵃ -.
_________________
(١) "المغني" ٢٤٧ - ٢٤٨.
[ ٣٠ / ٢١٧ ]
ورواه وُهيب بن خالد، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبّاس - ﵄ -، موصولًا، وخالفه الحسن بن مسلم، فرواه عن طاوس، مرسلًا. ولكن هذه الاختلافات لا تضرّ بصحة الحديث، ولذا اتفق الشيخان على إخراجه في "صحيحيهما"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٧١٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ عَامِرٍ الأَحْوَلِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لا يَرْجِعُ أَحَدٌ فِي هِبَتِهِ، إِلاَّ وَالِدٌ مِنْ وَلَدِهِ، وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ، كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أحمد بن حفص) أبو عليّ بن أبي عمرو السلميّ النيسابوريّ، صدوق [١١] ٧/ ٤٠٩.
٢ - (أبوه) حفص بن عبد اللَّه بن راشد السلميّ، أبو عمرو النيسابوريّ قاضيها، صدوق [٩] ٧/ ٤٠٩.
٣ - (إبراهيم) بن طهمان الخراسانيّ، ثم المكيّ، ثقة، يُغْرب [٧] ٧/ ٤٠٩.
٤ - (سعيد بن أبي عَروبة) مِهران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، اختلط أخيرًا [٦] ٣٤/ ٣٨.
٥ - (عامر الأحول) ابن عبد الواحد البصريّ، صدوقٌ يُخطىء [٦] ٤/ ٦٣٠. والباقون تقدّموا في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(ومنها): أنه من ثمانيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها)؛ أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أبيه، عن جدّه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد (عَنْ جدِّهِ) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - ﵄ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (لَا يَرْجِعُ أَحَدٌ فِي هِبَتِهِ) قال السنديّ: أي لا ينبغي له الرجوع، وهذا لا ينفي صحّة الرجوع، إذا رجع صار الموهوب ملكًا له، وإن كان الفعل غير لائق انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله السنديّ غير صحيح، بل الحديث ظِاهر في تحريم الرجوع في الهبة، فلا يؤوّل بما يصرفه عن ظاهره؛ لمخالفته للمذهب
[ ٣٠ / ٢١٨ ]
الحنفيّ. فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم.
(إِلَّا وَالِدْ مِنْ وَلَدِهِ) أي فإنه يجوز له أن يرجع، وهذا نصّ صريح في الردّ على القائلين بعدم جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده، فقول السنديّ: من لا يرى له الرجوع يحمله على أنه يجوز للوالد أن يأخذه عنه، ويصرفه في نفقته، عند الحاجة، كسائر أمواله أنْ غير صحيح، أيضًا، فإنه نصر لمذهب الحنفيّة، وتأويل للحديث الصحيح بتأويل غير مقبول. واللَّه تعالى أعلم.
(وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ) أي العائد في هبته إلى الموهوب، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] (كَالعَائِدِ فِي قَيئِهِ) أي كالكلب الذي يأكل حتى يشبع، ثم يقيء، فيعود لأكل قيئه.
قال السنديّ: قيل: هو تحريم للرجوع. وقيل: تقبيحٌ، وتشنيع له؛ لأنه شبّه بكلب يعود في قيئه، وعود الكلب في قيئه لا يوصف بحرمة. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل الأرجح أنه للتحريم، كما سيأتي تحقيقه، في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو - ﵄ - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا-٢/ ٣٧١٦ - وفي "الكبرى" ٢/ ٦٥١٦. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٦٦٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوئده
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز رجوع الوالد فيما يُعطي لولده، وفيه اختلاف بين العلماء، سنحقّقه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): تحريم الرجوع في الهبة، وفيه أيضًا اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه أيضًا. (ومنها): جواز التمثيل بالشيء المستقبح؛ مبالغة في التنفير عن المنهيّ عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم رجوع الوالد فيما أعطى ولده: ذهب مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبي ثور، وهو ظاهر مذهب أحمد إلى أن للوالد الرجوع فيما وهب لولده.
وذهب أصحاب الرأي، والثوريّ، وهي رواية عن أحمد إلى أنه ليس له الرجوع
[ ٣٠ / ٢١٩ ]
فيها؛ لقول النبيّ - ﷺ -: "العائد في هبته، كالعائد في قيئه"، متّفقٌ عليه. وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: "من وهب هبةً، يرى أنه أراد بها صلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة أراد بها الثواب، فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يُرْضَ منها. رواه مالك في "الموطّإ". ولأنها هبةٌ يحصل بها الأجر من اللَّه تعالى، فلم يجز الرجوع فيها، كصدقة التطوّع.
واحتجّ الأولون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، - ﵁ - المذكور في الباب، فإنه صريح في عدم الجواز، وبقول النبيّ - ﷺ - لبشير بن سعد - ﵁ -: "فاردده"، وفي رواية: "فارجعه"، فأمره بالرجوع في هبته، وأقلّ أحوال الأمر الجواز، وقد امتثل بشير بن سعد ذلك، فرجع في هبته لولده، ألا ترى أن النعمان قال في الحديث: فرجع أبي، فردّ تلك الصدقة (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الأولون هو الحقّ، وحاصله جواز رجوع الوالد فيما وهب لولده؛ لصحة حديث الباب، وهو صريح في جواز ذلك للوالد، ففي لفظ: "لا يرجع"، وفي لفظ: "لا يحلّ لرجل الخ"، فتأويل مثل هذا النصّ الصريح في التحريم بأنه للكراهة، مما لا يُلتفت إليه، فتبصّر، ولا تتحيّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الرجوع في الهبة:
ذهب الشافعيّ، وأبو ثور، وأحمد إلى أنه لا يحلّ الرجوع لمن وهب شيئًا، إلا الوالد، كما تقدّم في المسألة السابقة، واحتجّوا بحديث الباب.
وذهب النخعيّ، والثوريّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي إلى أن من وهب لغير ذي رحم له الرجوع ما لم يُثَب عليها، وروي ذلك عن عمر بن الخطّاب - ﵁ -، واحتجّوا بقوله - ﷺ -: "الرجل أحقّ بهبته ما لم يُثب منها". رواه ابن ماجه (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما ذهب إليه الأولون؛ د صحّة حديث الباب الظاهر في تحريم الرجوع في الهبة، إلا للوالد، وأما حديث ابن ماجه، فضعيف؛ لأن في سنده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمّع، وهو ضعيف، بل قال بعضهم: متروك الحديث، فلا يصلح لمعارضة حديث الباب الصحيح، فتبصّر، ولا تتحيّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ
_________________
(١) راجع "المغني" ٨/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
(٢) راجع "المغني" لابن قُدامة ٨/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
[ ٣٠ / ٢٢٠ ]
عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، يَرْفَعَانِ الْحَدِيثَ، إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُعْطِي عَطِيَّةً، ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا، إِلاَّ الْوَالِدَ، فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي عَطِيَّةً، ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا، كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ، حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ، ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم. و"حسين": هو ابن ذكوان المعلّم. و"ابن عمر": هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - ﵄ -.
والحديث صحيح، أما حديث ابن عمر - ﵄ -، فقد أخرجه المصنّف هنا - ٢/ ٣٧١٧ و٤/ ٣٧٣٠ - وفي "الكبرى" ٢/ ٦٥١٧ و٤/ ٦٥٣٣. و(د) في البيوع" ٣٥٣٩ (ت) في "البيوع" ١٢٩٩ و"الولاء والهبة" ٢١٣١ و٢١٣٢ (ق) في "الأحكام" ٢٣٧٧ و٢٨٧٥.
وأما حديث ابن عبّاس - ﵄ - فقد أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا - من ٣٧١٧ إلى ٣٧٣٢ - وفي "الكبرى" من ٦٥١٧ - إلى ٦٥٣٦. وأخرجه (خ) في "الهبة" ٢٥٨٩ (م) في "الهبات" ١٦٣٢ و(أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٥٢٥ و٢٦٤١ و٣٠٠٦ و٣١٣٦ و١٣٦٧ و٣٢١١. وأما شرح الحديث، وبيان ما يتعلّق به من المسائل، فقد استوفيتهما في الذي قبله، وللَّه الحمد والمنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَنْجِيُّ الْمَقْدِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ -وَهُوَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ- عَنْ وُهَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. "محمد بن عبد اللَّه الْخَلَنْجيّ المقدسيّ": هو أبو الحسن الْخُزاعيّ، صدوق [١٠] من أفراد المصنّف. و"أبو سعيد مولى بني هاشم": هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عُبيد البصريّ، نزيل مكة، لقبه جَرْدَقَة -بفتح الجيم، والدال، بينهما راء ساكنة، ثم قاف- صدوقٌ ربّما أخطأ [٩] ٤٣/ ١٧٢٤. و"وُهيب": وابن خالد الباهليّ البصريّ الثقة الثبت [٧] ٢١/ ٤٢٧.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" "وهب" مكبّرًا، وهو غلطٌ، والصحيح "وُهيب" مصغّرًا، وهو الذي في "الكبرى". فتنبّه.
و"ابن طاوس": هو عبد اللَّه. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧١٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا
[ ٣٠ / ٢٢١ ]
يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً، ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا، إِلاَّ مِنْ وَلَدِهِ»، قَالَ طَاوُسٌ: كُنْتُ أَسْمَعُ، وَأَنَا صَغِيرٌ: "عَائِدٌ فِي قَيْئِهِ"، فَلَمْ نَدْرِ أَنَّهُ ضَرَبَ لَهُ مَثَلًا، قَالَ: «فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ، ثُمَّ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»).
قال: الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم": هو المروزيّ، ثقة [١٢]. و"حِبّان" بالكسر: وابن موسى بن سوّار المروزيّ [١٠]. و"عبد اللَّه": وابن المبارك الإمام الحجة الثبت [٨] وكلهم تقدّموا قريبًا. و"إبراهيم بن نافع": هو المخزوميّ المكيّ الثقة الحافظ [٧] ١١٥/ ١٠١٧. و"الحسن بن مسلم ابن يَنّاق: هو المكيّ الثقة [٥] ٦١/ ٢٥٤٧.
وقوله: "قال طاوس: كنت أسمع الخ" سيأتي -٤/ ٣٧٣١ - بلفظ: "قال طاوس: كنت أسمع الصبيان، يقولون: يا عائدا في قيئه، ولم أشعُر أن رسول اللَّه - ﷺ -، ضرب ذلك مثلا، حتى بلغنا، أنه كان يقول: "مثل الذي يهب الهبة، ثم يعود فيها -وذكر كلمة معناها- "كمثل الكلب يأكل قيئه".
والحديث تفرّد به المصنّف بهذا السياق، وهو مرسل، ولكنه تقدّم، ويأتي بالأسانيد المتصلة، فهو صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…