قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يدلّ على أنه يرى أن من قال لامرأته: أنت عليّ حرام يمين يجب تكفيرها، وهذا قول من جملة الأقوال التي بلغت ثمانية عشر قولًا، وقد سقتها في "كتاب الطلاق" -" باب قول اللَّه -﷿-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، وعن ابن عبّاس - ﵄ - قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، يعني أنه - ﷺ - كان حرّم على نفسه شرب العسل، أو جاريته، على خلاف في ذلك، فقال اللَّه تعالى له: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية، فكفّر - ﷺ - عن يمينه، وصيّر الحرام يمينًا. كما أخرجه الدارقطنيّ.
[ ٣٠ / ٣٦٠ ]
لكن في رواية هشام بن يوسف، عن ابن جريج عند البخاريّ في "التفسير" زيادة: "وقد حلفت، لا تُخبري بذلك أحدًا"، فهذه الزيادة -كما قال القرطبيّ- تبيّن على أن الكفّارة التي أُشير إليها في قول تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ هي اليمين التي أشار إليها بقوله: "حلفت"، فتكون الكفّارة لأجل اليمين، لا لمجرّد التحريم، قال الحافظ: وهو استدلالٌ قويّ، فعلى هذا فلا يتمّ الاستدلال للمصنّف، ولا لمن ذهب هذا المذهب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٢٢ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ (^١)، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ، أَنَّ أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ:: ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا، عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ"، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إِلَى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ١ - ٣] لِقَوْلِهِ: "بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في "كتاب عشرة النساء" -٤/ ٣٤٠٩ - "باب المغيرة"، وتقدّم شرحه مستوفًى هناك، وكذا بيان المسائل المتعلّقة به، فراجعه تستفد.
و"الحَسَنُ بْنُ مُحَمدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ": هو أبو علي البغدادي، صاحب الشافعي الثقة [١٠]. و"حجّاج": وابن محمد الأعور المصَّيصيّ الثقة الثبت [٩]. و"ابن جريج": هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي الثقة الفاضل، لكنه يدلس [٦].
و"عطاء": هو ابن رباح المكي الإمام الحجة المشهور [٣]. و"عبيد بن عمير": هو الليثي، أبو عاصم المكي "المجمع على توثيقه [٢].
وقولها: "فتواصيتُ" أي توافقتُ. وقولها: "مغافير" هو شيء كريه الرائحة، وكان من عادة النبيّ - ﷺ - الاحتراز عما له رائحة كريهة.
ودلالة الحديث على ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- قد تقدّم بيانه في الكلام على الترجمة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) وقع في بعض النسخ: "عبيد اللَّه بن عمير"، وهو غلط فاحش، فتنبّه.
[ ٣٠ / ٣٦١ ]