٤٠٨٢ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ ابْنِ حَيَّانَ -يَعْنِي يَزِيدَ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: سَحَرَ النَّبِيَّ - ﷺ -، رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَاشْتَكَى لِذَلِكَ
_________________
(١) "النهاية " ٥/ ٨٨.
(٢) "شرح السنديّ" ٧/ ١١٢.
[ ٣٢ / ٥٠ ]
أَيَّامًا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ - ﵇ -، فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ سَحَرَكَ، عَقَدَ لَكَ عُقَدًا، فِي بِئْرِ كَذَا وَكَذَا، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَاسْتَخْرَجُوهَا، فَجِيءَ بِهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، كَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ الْيَهُودِيِّ، وَلَا رَآهُ فِي وَجْهِهِ قَطُّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هنّاد بن السريّ) بن مصعب، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره [٧] ٢٦/ ٣٠.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهران الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨.
٤ - (يزيد بن حيّان) التيميّ، أبو حيان الكوفيّ، عمّ أبي حيّان التيميّ، من قُدماء أهل الكوفة، ثقة [٤].
قال النسائيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم، وله عنده حديث واحد، وأبو داود، وله عنده حديث واحد أيضًا، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٥ - (زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ المشهور، أول مثاهده الخندق، وأنزل اللَّه تعالى تصديقه في "سورة المنافقين"، مات سنة (٦) أو (٦٨)، تقدّم في ١٣/ ١٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: سَحَرَ النَّبِيَّ - ﷺ -، رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ) هو لبيد بن الأعصم، فقد أخرج البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: سحر رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - رجل من بني زُريق، يقال له: لبيد بن الأعصم". و"لبيد" بفتح اللام، وكسر الموحّدة، بعدها تحتانيّة ساكنةٌ، ثم مهملة. و"الأعصم" بمهملتين، بوزن الأحمر. و"زُريق" بزاي قبل الراء، مصغر. وفي رواية للبخاريّ: "رجلٌ من بني زُريق، حَليف اليهود، وكان منافقًا". وفي رواية لمسلم: "سحر النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -
[ ٣٢ / ٥١ ]
يهوديّ، من يهود بني زُريق". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويجمع بينهما بأن من أطلق عليه أنّه يهوديّ نظر إلى ما في نفس الأمر، ومن أطلق عليه مناففًا نظر إلى ما في ظاهر أمره. وقال ابن الجوزيّ: هذا يدلّ على أنه كان أسلم نفاقًا، وهو واضحٌ. وقد حكى عياض في "الشفا" أنه كان أسلم. ويحتمل أن يكون قيل له: يهوديّ لكونه كان من حُلفائهم، لا أنه كان على دينهم.
وبنو زُريق بطنّ من الأنصار، مشهور من الخزرج، وكان بين كثير من الأنصار، وبين كثير من اليهود قبل الإسلام حِلفٌ، وإخاءٌ، ووُدّ، فلما جاء الإسلام، ودخل الأنصار فيه تبرّءوا منهم.
وقد بيّن الواقديّ السنة التي وقع ليها السحر، أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر ابن الحكم، مرسلٌ، قال: "لَمّا رجع رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من الحديبية، في ذي الحجة، ودخل المحرم، من سنة سبع، جاءت رؤساء اليهود إلى لَبيد ابن الأعصم وكان حليفًا في بني زُريق، وكان ساحرًا - فقالوا له: يا أبا الأعصم أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمدًا، فلم نصنع شيئًا، ونحن نجعل لك جُعْلًا على أن تسحره لنا سحرّا ينكوْه، فجعلوا له ثلاثة دنانير".
(فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا) قال في "الفتح": وقع في رواية أبي ضمرة، عند الإسماعيليّ: "فاقام أربعين ليلة"، وفي رواية وُهيب، عن هشام، عند أحمد: "ستّة أشهر". ويمكن الجمع بأن تكون الستّة أشهر من ابتداء تغيّر مزاجه، والأربعين يومًا من استحكامه. وقال السُّهيلي: لم أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدّة التي مكث النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - فيها في السحر، حتّى ظفرت به في "جامع معمر"، عن الزهريّ أنه لبث ستّة أشهر. قال الحافظ: كذا قال، وقد وجدناه موصولًا بالإسناد الصحيح، فهو المعتمد. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد الحافظ ما سبق في رواية أحمد أنه "ستة أشهر"، فإنه بسند البخاريّ، وهو موصول بذكر عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، بخلاف ما في " جامع معمر"، فإنه من مرسل الزهريّ. واللَّه تعالى أعلم.
زاد حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - عند الشيخين: "حتى كان رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يُخيَّل إليه أنه كان يفعل الشيء، وما فعله".
قال المازري: أتكر المبتدعة هذا الحديث، وْزعمُوا أنهُ يحُط منصِب النُّبُوّة، وُيشكَّك
_________________
(١) "فتح" ١١/ ٣٨٩ - ٣٩٠ "كتاب الطبّ". رقم ٥٧٦٣.
[ ٣٢ / ٥٢ ]
فِيها، قالُوا: وكُل ما أدّى إِلى ذلِك فهُو باطِل، وزعمُوا أَنَّ تجوِيز هذا يُعدِم الثقة بِما شرعهُ من الشرائِع، إِذ يُحتمل على هذا أن يُخيل إِليهِ، أنّهُ يرى جِبرِيل، وليس هُو ثم، وأنهُ يُوحِي إِليهِ بِشيء، ولم يُوح إِليهِ بِشيء. قال المازري: وهذا كُله مردُود، لأن الدّلِيل قد قام على صِدق النبِي - ﷺ -، فِيما يُبلغهُ عن اللَّه تعالى، وعلى عِصمته في التنليغ، والمعجِزات شاهِدات بِتصدِيقِهِ، فتجوِيز ما قام الدّلِيل على خِلافه باطِل. وأمّا ما يتعلّق بِبعضِ أُمُور الدنيا، التِي لم يُبعث لأجلِها، ولا كانت الرّسالة من أجلها، فهُو في ذلِك عُرضة لِما يعترِض البشر كالأمراضِ، فغير بعِيد أن يُخيَّل إِليهِ في أمر من أُمُور الدنيا، ما لا حقِيقة لهُ، مع عِصمته عن مِثل ذلِك في أُمُور الدّين.
قال: وقد قال بعض الناس: إِنَّ المراد بِالحدِيِثِ، أنهُ كان - ﷺ -، يخيل إِليهِ أنَّه وطِىء زوجاته، ولم يكُن وطِأهُنّ، وهذا كثِيرًا ما يقع تخيله، لِلإِنسانِ في المنام، فلا يبعُد أن يُخيل إِليهِ في اليقِظة.
قال الحافظ: وهذا قد ورد صبريحًا في رِواية ابن عُيينة عند البخاريّ، ولفظه: "حتى كان يرى أنهُ يأتِي النساء، ولا يأتِيهِن". وفِي رِواية الحُميدِيّ: "أنّهُ يأتِي أهله، ولا يأتِيهِم".
وفِي مُرسل يحيى بن يعمُر، عِتد عبد الززاق: "سُحِر النبِي - ﷺ - عن عائِشة، حتى أنكر بصره". وعِنده في مُرسل سعِيد بن المُسيّب: "حتى كاد يُنكِر بصره".
قال عِياض: فظهر بهذا أنَّ السّحر، إِنّما تسلط على جسده، وظواهِر جوارِحه، لا على تميِيزه ومُعتقده.
ووقع في مُرسل عبد الرحمن بن كعب، عند ابن سعد: "فقالت أُخت لبِيد بن الأعصم: إن يكُن نبِيا فسيُخبرُ، والأ فسيُذهِلُهُ هذا السَّحر، حتى يذهب عقله".
قال الحافظ: فوقع الشق الأول، كما في هذا الحديث الصحِيح.
وقذ قال بعض العُلماء: لا يلزم من أتهُ كان يظُت أنهُ فعل الشيء، ولم يكُن فعلهُ، أن يجزِم بِفِعلِهِ ذلِك. وإنما يكُون من جِنس الخاطر يخطُر، ولا يثبُت، فلا يبقى على هذا للملجد حُجَّة.
وقال عِياض: يحتمِل أن يكُون المراد بالتخيِيلِ المذكور، أنهُ يظهر لهُ من نشاطه، ما ألِفهُ من سابِق عادته، من الاقتِدار على الوًطء، فإِذا دنا من المرأة، فتر عن ذلِك، كما هُو شأن المعقود، ويكُون قوله في الرواية الأخرى: "حتى كاد يُنكِر بصره": أي صار كالذِي أنكرَ بصره، بِحيثُ إِنَّهُ إذا رأى الشيء يُخيَّل أنهُ على غير صِفته، فإذا تأمَّلهُ عرف حقِيقته. وُيوئد جميع ما تقدّم، أنّهُ لم يُنقل عنهُ، في خبر من الأخبار، أنَّهُ قال قولًا:
[ ٣٢ / ٥٣ ]
فكان بِجلافِ ما أخبر بِهِ.
وقال المهلب: صوْن النَّبِيّ - ﷺ - من الشياطِين، لا يمنع إِرادتهم كيدهُ، فقد مضى في "الصحيحِ"، أن شيطانًا أراد أتى يُفسِد عليهِ صلاته، فأمكنهُ اللَّه مِنهُ، فكذلِك السحر ما نالهُ من ضرره، ما يُدخِل نفصا على ما يتعلّق بِالتبليغِ، بك هُو من جِنس ما كان ينالهُ، من ضرر سائِر الأمراض، مِن ضعف عن الكلام، أوْ عجز عن بعض الفِعل، أوْ حُدُوث تخيل لا يستمِرّ، بك يزُول، ويُبطِل اللَّه كيد الشياطِين.
واشتدل ابن القصار على أنَّ الذِي أصابهُ، كان من جنس المرض، بقوْلِهِ في آخِر الحديث: "فأما أنا فقد شفاني اللَّه".
وفِي الاستِدلال بِذلِك نظر، لكن يُؤيد المُدَّعى أن في رِواية عمرة، عن عائشة، عِبد البيهقِى في "الدَّلائل": "فكان يدُور ولا يدرِي ما وجعه". وفِي حدِيث ابن عبّاس، عِند ابن سعد: "مرِض النبيّ - ﷺ -، وأُخِذ عن النساء، والطعام، والشَّراب، فهبط عليهِ ملكانِ … " الحدِيث. انتهى (^١).
(فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ -﵇) وفي حديث عائشة المذكور: "حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، وهو عندي، لكنه دعا، ودعا، ثم قال: "يا عائشة أشعرتِ أن اللَّه أفتاني فيما استفتيته فيه؟، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؛ فقال: مطبوب، قال: من طبه؛ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أيّ شيء؛ قال: في مُشْط ومشاطة، وجُفّ طَلْع نخلةٍ ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذَرْوَان، فأتاها رسول اللَّه - ﷺ - في ناس من أصحابه، فجاء، فقال: "يا عائشة، كأن ماءها نُقَاعة الْحِنَّاء، أو كأن رءوس نخلها، رءوس الشياطين"، قلت: يا رسول اللَّه أفلا استخرجته؛ قال: قد عافاني اللَّه، فكرهت أن أُثير على الناس فيه شرا" فأمر بها فدفنت.
قال الحافظ: وقع في رواية معمر عند أحمد، ومرجّا بن رجاء عند الطبرانيّ، كلاهما عن هشام: "أتاني ملكان"، وسمّاهما ابن سعد في رواية منقطعة: جبريل، وميكائيل. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا تنافي بين حديث عائشة، وحديث زيد بن أرقم - رضي اللَّه تعالى عنهما -، حيث أفرد جبريل بالذكر؛ لإمكان الجمع بأن جبريل لَمّا كان هو المسؤول، ومكاثيل هو السائل، أفرده بالذكر؛ لفضله. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "فتح" ١١/ ٣٩٠ - ٣٩١ "كتاب الطبّ". رقم ٥٧٦٣.
[ ٣٢ / ٥٤ ]
(فَقَالَ) جبريل - ﵇ - (إِنَّ رجُلا مِنْ الْيَهُودِ سَحَرَكَ) تقدّم أنه لَبيد بن الأعصم، ثمّ بيّن كيفية، فقال (عَقَدَ لَكَ عُقْدًا) بضمّ المهملة، وسكون القاف جمع عُقدة، بضمّ، فسكون، وسيأتي أنها إحدى عشرة عُقدة (فِي بِئْرِ كَذَا وَكَذَا) أي ثم وضعه فيها، وفي رواية للبخاري من حديث عائشة: "قال: أين هي؟ قال: هو في بئر ذَرْوَان"، وفي رواية: "تحت راعوفةٍ في بئر ذَروان".
و"الرَّاعُوفة": حجر يوضع على رأس البئر، لا يُستطاع قلعه، يقوم عليه المستقي، وقد يكون في أسفل البشر. قال أبو عُبيد: هي صخرة تنزل في أسفل البشر إذا حُفرت، يجلس عليها الذي يُنظف البئر، وهو حجر يوجد صلبًا، لا يُستطاع نزعه، فيُترك.
و"ذرْوان " بفتح المعجمة، وسكون الراء، وحكى ابن التين فتحها، وأنه قرأه كذلك، ولكنه بالسكون أشبه. وفي رواية عند مسلم: "في بثر ذي أروان"، وهو اسم البئر. (فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) وفي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "فأتاها رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في ناس من أصحابه". وفي حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، عند ابن سعد: "فبعث إلى عليّ، وعمَّار، فأمرهما أن يأتيا البئر"، وعنده ير مرسل عمر بن الحكم: "فدعا جُبير بن إياس الزّرَقيّ، وهو ممن شَهِدَ على موضعه في بئر ذروان، فاستخرجه"، قال: ويقال: الذي استخرجه قيس بن محصن الزرقيّ. قال الحافظ: ويُجمع بأنه أعان جبيرًا على ذلك، وباشر بنفسه، فنُسب إليه. وعند ابن سعد أيضًا: أن الحارث بن قيس قال: يا رسول اللَّه ألا يهور البئر. فيمكن تفسير من أُبهم بهؤلاء، أو بعضهم، وأن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - وجَهه أوّلًا، ثم توجّه، فشاهدها بنفسه. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أنه لا تنافي بين حديث زيد بن أرقم، وحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنهما -؛ لإمكان الجمع بأنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أرسل أوْلًا بعض أصحابه، ثم توجه إليهم، فشاهدها بنفسه. واللَّه تعالى أعلم.
(فَاسْتَخْرَجُوهَا) أي أخرجوا تلك العُقد من البشر (فَجِيءَ بِهَا) وفي بعض نسخ "الكبرى": فجيء بها إليه، فحللها". وفي حديث عائشة المذكور: "فأتى النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - البئر، حتى استخرجه، فقال: هذه البئر التي أُريتها، وكأن ماءها نُقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين، قال: فاستُخرج".
قال في " الفتح": كذا وقع في رواية ابن عُيينة، وفي رواية عيسى بن يونس: "قلت: يا رسول اللَّه، أفلا استخرجته؟ ". وفي رواية وُهيب: "قلت: يا رسول اللَّه -، فأخرجه للناس". وفي رواية ابن نُمير: "أفلا أخرجت؟ قال: لا". قال ابن بطّال: ذكر المهلّب أن
[ ٣٢ / ٥٥ ]
الرواة اختلفوا على هشام في إخراج السحر المذكور، فأثبته سفيان، وجعل سؤال عائشة عن النُّشرة، ونفاه عيسى بن يونس، وجعل سؤالها عن الاستخراج، ولم يذكر الجواب، وصرّح به أبو أسامة، قال: والنظر يقتضي ترجيح رواية سفيان؛ لتقدّمه في الضبط. ويؤيّده أن النَّشْرة لم تقع في رواية أبي أسامة، والزيادة من سفيان مقبولة؛ لأنه أثبتهم، ولا سيّما أنه كرّر استخراج السحر في روايته مرّتين، فيبعد من الوهم، وزاد ذكر النشرة، وجعل جوابه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - عنها بـ "لا" بدلًا عن الاستخراج. قال: ويحتمل وجهّا آخر، فذكر ما مُحصَّله: أن الاستخراج المنفيّ في رواية أبي أُسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان، فالمثبت هو استخراج الْجُفّ، والمنفيّ استخراج ما حواه. قال: وكأنّ السرّ في ذلك أن لا يراه الناس، فيتعلّمه من أراد استعمال السحر.
قال الحافظ: وقع في رواية عمرة: (فاستخرج جُفّ طلعة، من تحت راعوفة"، وفي حديث زيد بن ارقم: "فأخرجوه، فرموا به"، وفي مرسل عمر بن الحكم أن الذي استخرج السحر قيس بن محصن. كلّ هذا لا يُخالف الحمل المذكور، لكن في آخر رواية عمرة، وفي حديث ابن عبّاس: أنهم وجدوا وَتَرًا، فيه عُقد، وأنها انحلّت عند قراءة المعوّذتين، ففيه إشعار باستكشاف ما كان داخل الْجُفّ، فلو كان ثابتًا لقدَح في الجمع المذكور، لكن لا يخلو إسناد كلّ منهما من الضعف. انتهى (^١).
(فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أي برىء من مرضه. وفي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها، من رواية عمرة عنها: أنه وجد في الطلعة تمثالأ من شمع، تمثال رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وإذا فيه إِبَرٌ مغروزة، وإذا وَتَرٌ فيه إحدى عشر عُقدةً، فنزل جبريل بالمعوْذتين، فكلّما قرأ آيةً انحلّت عُقْدة، وكلّما نزع إبرة وجد لها ألمًا، ثم يجد بعدها راحة". وفي حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - نحوه. وفي حديث زيد بن أرقم - رضي اللَّه تعالى عنه - عند عبد بن حُميد وغيره: "فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوّذتين"، وفيه: "فأمره أن يحُلّ العقد، ويقرأ آية، فجعل يقرأ، ويحُلّ، حتى قام كأنّما نشط من عقال". وعند ابن سعد من طريق عمر مولى غُفْرة، معضلًا: "فاستخرج السحر من الجنّة من تحت البئر، ثم نزعه، فحلّه،، فكُشِف عن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. ذكره في "الفتح" (^٢).
(كَأنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ) ببناء الفعل للمفعول: أي حُلّ من رِباطه. قال ابن الأثير في
_________________
(١) "فتح" ١١/ ٤٠٠ "كتاب الطبّ" رقم ٥٧٦٥.
(٢) "فتح" ١١/ ٣٩٤.
[ ٣٢ / ٥٦ ]
"النهاية": "كأنما أُنشط من عقال": أي حُلّ، قال: وكثيرًا ما يجيء في الرواية: "نشط"، وليس بصحيح، يقال: نَشَطتُ الْعُقْدة: إذا عقدتها، وأنشطتها، وانتشطتها: إذا حلّلتها. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ: نَشَطتُ الحبلَ نَشْطًا، من باب ضرب: عقدتُه بأُنشوطة، والأُنشُوطة بضمّ الهمزة-: ربطة، دون العُقدة، إذا مُدّت بأحد طرفيها، انفتحت، وأنشطتُ الأُنشوطة بالألف: حللتها، وأنشطتُ العِقال: حللتُهُ، وأنشطت البعير من عِقَاله: أطلقتُهُ. انتهى. ونحوه في "اللسان"، و"القاموس".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أهل اللغة أن صواب الرواية: "كأنما أُنشِط من عِقال" رباعيًا مبنيًا للمفعول؛ لأن نَشَطَ ثلاثيًّا للربط، وأَنْشَطَ رباعيًّا للحلّ، فلا يقال: "كأنما نُشِط من عقاله"، وإنما يقال: "أُنشِط من عقاله"، كما قاله ابن الأثير في كلامه السابق. واللَّه تعالى أعلم.
و"العِقَال" بكسر المهملة، وتخفيف القاف: الحبلُ، وجمعه عَقُلٌ، مثلُ كتاب وكُتُب. (فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ الْيَهُودِيِّ) وفي رواية: "فما ذكر رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لذلك اليهودي شيئًا مما صنع به، ولا آه في وجهه". أي لم يذكر النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لليهوديّ الساحر سحره الذي شاهده، والظاهر أنه أراد لم يعاتبه على ذلك، بل عفا عنه، كما هو هديه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في العفو والصفح عمن اعتدى عليه، فلا يُنافي ما ورد أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أخذه، فاعترف، فعفا عنه. وفي مرسل عمر بن الحكم: "فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: حبّ الدنانير". وقوله (وَلَا رَآهُ فِي وَجْهِهِ قَطُّ) أي لم ير ذلك اليهوديّ الساحر في وجهه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أثر فعله السيّء، من الكراهية، والغضب، وإرادة الانتقام منه، بل عامله بالبشر واللطف كغيره من المنافقين.
وفي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "قلت: يا رسول اللَّه، أفلا استخرجته؟ قال: قد عافاني اللَّه، فكرهت أن أُثير على الناس فيه شرًّا". والمراد بالناس التعميم في الموجودين. قال النوويّ: خشي من إخراجه، وإشاعته ضررًا على المسلمين، من تذكّر السحر، وتعلّمه، ونحو ذلك، وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ويحتمل أن يكون معنى إثارة الشرّ هو أن الصحابة إذا انتشر بينهم هذا الأمر، ربمّا يقوم بعضهم، فينتقم لرسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه
_________________
(١) "النهاية " ٥/ ٥٧.
[ ٣٢ / ٥٧ ]
وسلم، فيقتل لبيد بن الأعصم، فتكون هناك فتنة. واللَّه تعالى أعلم.
ووقع في رواية بلفظ: "على أمّتيُ" فقال الحافظ: وهو قابلُ أيضًا للتعميم؛ لأن الأمة تُطلق على أمة الإجابة، وأُمّة الدعوة على ما هو أعمّ، وهو يردّ على من زعم أن المراد بالناس هنا لبِيد بن الأعصم؛ لأنه كان منافقًا، فأراد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أن لا يُثير عليه شرًّا؛ لأنه كان يؤثر الإغضاء عمن يُظهر الإسلام، ولو صدر منه ما صدر.
وفي حديث عمرة، عن عائشة: "فقلت: يا رسول اللَّه لو قتلته، قال: ما وراءه من عذاب اللَّه أشدّ". وأخرج ابن سعد من مرسل عكرمة أنه لم يقتله. ونقل الواقديّ أن ذلك أصحّ من رواية من قال: إنه قتله. ومن ثمّ حكى عياضٌ في "الشفا" قولين: هل قُتل، أم لم يُقتل؟.
قال القرطبيّ: لا حُجة على مالك من هذه الفضّة؛ لأن ترك قتل لبيد بن الاعصم كان لخشية أن يُثير قتله فتنةً، أو لئلّا يُنفر الناس عن الدخول في الإسلام، وهو من جنس ما راعاه النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من منع قتل المنافقين، حيث قال: "لا يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه". انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم أن الأرجح قتل الساحر مطلقًا، ما لم يترتّب على تركه مصلحة راجحة، كالأمثلة التي ذكرها القرطبيّ في كلامه آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه] حديث زيد بن أرقم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٢٠/ ٤٠٨٢ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ٣٥٤٣.
وأخرجه (أحمد) في "أول مسند الكوفيين" ١٨٧٨١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلتُ، وإليه أنيب".
…