قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "أن لا يأتدم" أي أن لا يأكل الخبز بإدام، وترك جوابه لفهمه من الحديث، أي فإنه يحنث بذلك.
والائتدام: افتعال من أَدَمَ، يقال: أَدَمتُ الخبزَ، من باب ضرَبَ، وآدمته بالمدّ لغة فيه: إذا أصلحت إساغته بالإدام، و"الإدام" بكسر الهمزة: ما يُؤتدم به، مائعًا كان، أو جامدًا، وجمعه أُدُمٌ بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُب، وُيسكن للتخفيف، فيُعامل معاملة المفرد، ويُجمع على آدام، مثلُ قُفْل وأقفال. أفاده الفيّوميّ.
والْخَلُّ: معروفٌ، والجمع خُلُولٌ، مثل فلس وفُلُوس، سُمّي بذلك؛ لأنه اختّلَّ منه طَعْمُ الْحَلاوة، يقال: اختلّ الشيءُ: إذا تغيّر، واضطرب. قال: وخَلَّلتُ النبيدَ تخليلًا: جعلته خلًا، وقد يُستعمل لازمًا أيضًا، فيقال: خَلَّلَ النبيذُ: إذا صار بنفسه خلّا أفاده الفيّوميّ أيضًا (^١).
وقال ابن منظور: قال ابن سِيدَهْ: الخلّ: ما حَمُضَ من عصير العنب وغيره. قال ابن دُريد: هو عربيّ صحيح. قال: وخَلَّلَتِ الخمرُ وغيرها من الأشربة: فسدت، وحَمُضَت. وخللَ الخمرَ: جعلها خلًا انتهى باختصار (^٢).
وقال المجد في "القاموس": الخلّ: ما حَمُض من عَصِير العنب وغيره، عربيّ صحيح، والطائفة منه خَلَّةٌ، وأجوده خلّ الخمرِ، مركبٌ من جوهرين: حارٍّ وباردٍ، نافعٌ للمعدة، واللِّثَةِ، والقُرُح الخبيثة، والْحِكَّةِ، ونَهْشِ الْهَوامّ، وأكل الأَفْيُون، وحرقِ النار، وأوجاع الأسنان، وبُخَارُ حَارِّهِ للاستسقاء، وعُسْرِ السمعِ، والدَّوِيِّ، والطَّنِين. انتهى (^٣). واللَّه تعالى أعلم.
٣٨٢٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا المُثَنَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلحَةُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بَيْتَهُ، فَإِذَا فِلَقٌ وَخَلٌّ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "كُلْ، فَنِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ").
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٨٠ - ١٨١.
(٢) "لسان العرب" ج ١١/ ٢١١.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٨٩٤. مادة خلل.
[ ٣٠ / ٣٦٢ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفي البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (المثنى بن سعيد) الضُّبَعيّ، أبو سعيد البصريّ القسام القصير، ثقة [٦] ٥/ ١٨٢٨.
٤ - (طلحة بن نافع) أبو سفيان الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة، صدوق [٤] ٢١/ ٣٨٢٣.
٥ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة أصحاب الأصول الذين اتّفقوا على الرواية عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِر) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ النَّبِيّ - ﷺ - بَيْتَهُ) وفي الحديث قصّة، ساقها مسلم في "صحيحه" -٢٠٥٢ - من طريق حجاج بن أبي زينب، حدثني أبو سفيان، طلحة بن نافع، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه، قال: كنت جالسا في داري، فَمَرَّ بي رسول اللَّه - ﷺ -، فأشار إلي، فقمت إليه، فأخذ بيدي، فانطلقنا حتى أتى بعض حُجَر نسائه، فدخل، ثم أذن لي، فدخلت الحجاب عليها (^١)، فقال: "هل من غداء؟ "، فقالوا: نعم، فأُتي بثلاثة أقرصة، فوُضِعْنَ على نَبِيٍّ (^٢) فأَخَذ رسول
_________________
(١) أي إلى الموضع الذي فيه المرأة، وليس فيه أنه رأى بشرتها، كما قاله النوويّ ج ١٣/ ٢٣٧ أو يُحمل على أنه قبل نزول الحجاب، كما زاده القرطبيّ، احتمالًا "المفهم" ٥/ ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٢) بنون مفتوحة، ثم باء موحّدة مكسورة، ثم ياء مثنّاة تحتانيّة مشدَّدة: مائلة مصنوعة من خُوص، قال النوويّ: هكذا في كثير من الأصول، ونقل القاضي عياض عن كثير من الرواة، أو الأكثرين أنه بَتْي- بباء موحّدة، ثم مثناة فوقيّة، مكسورة، ثم ياء مثناة من تحت مشدّدة- والبَتّ: كساء من وبر، أو صوت، فلعله منديل وُضع عليه هذا الطعام. قال: ورواه بعضهم بضم الباء، وبعده نون مكسورةٌ مشدّدة، قال القاضي الكنانيّ: هو الصواب، وهو طبقٌ من خُوص. انتهى "شرح النوويّ على صحيح مسلم" ١٣/ ٢٣٧.
[ ٣٠ / ٣٦٣ ]
اللَّه - ﷺ - قُرصًا، فوضعه بين يديه، وأخذ قرصا آخر فوضعه بين يدي، ثم أخذ الثالث، فكسره باثنين، فجعل نصفه بين يديه، ونصفه بين يديّ، ثم قال: "هل من أُدُم؟ "، قالوا: لا، إلا شيء من خَلٍّ، قال: "هاتوه، فنعم الأُدُمُ هو".
(فَإِذَا فِلَقٌ) ولفظ مسلم: "فأخرج إليه فِلَقَا من خبز"، "الفلق" -بكسر الفاء، وفتح اللام-: جمع فِلْقَة -بكسر، فسكون-: بمعنى الْكِسْرة من الخبز، أي أخرج إليه الخادم ونحوه كِسَرًا من خبز (وَخَلٌّ) تقدّم معناه أول الباب (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "كُلْ، فَنِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ) زاد في رواية مسلم من طريق ابن عليّة، عن المثنى بن سعيد: "قال جابر: فما زلت أُحبّ الخلّ منذ سمعتها من رسول اللَّه - ﷺ -، وقال طلحة: ما زلت أحبّ الخل منذ سمعتها من جابر".
قال النوويّ: وأما معنى الحديث: فقال الخطابيّ، والقاضي عياضٌ: معناه مدح الاقتصار في المأكل، ومنع النفس عن ملاذّ الأطعمة: تقديره: ائتدموا بالخلّ، وما في معناه، مما تَخِفّ مؤنته، ولا يَعِزّ وجوده، ولا تتأنّقوا في الشهوات، فإنها مَفسَدةٌ للدين، مَسْقَمَةٌ للبدن. هذا كلام الخطّابيّ، ومن تابعه.
والصواب الذي ينبغي أن يُجزم به أنه مدحٌ للخلّ نفسه، وأما الاقتصار في المطعم، وترك الشهوات، فمعلومٌ من قواعد أخر. واللَّه أعلم.
وأما قول جابر - ﵁ -: فما زلت أُحبّ الخلّ منذ سمعتها من النبيّ - ﷺ -، فهو كقول أنس - ﵁ -: ما زلت أُحبّ الدبّاء، وهذا مما يؤيّد ما قلناه في معنى الحديث أنه مدحٌ للخلّ نفسه، وقد ذكرنا مرّات أن تأويل الراوي إذا لم يُخالف الظاهر يتعيّن المصير إليه، والعمل به عند جماهير العلماء من الفقهاء، والأصوليين، وهذاكذلك، بل تأويل الراوي هنا هو ظاهر اللفظ، فيتعيّن اعتماده. واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو تحقيق حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢١/ ٣٨٢٣ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٤٧٣٨. وأخرجه (م) في "الأشربة" ١٠٥٢ (د) في "الأطعمة" ٣٨٢٠ و٣٨٢١ (ت) في "الأطعمة" ١٨٣٩ و١٨٤٢ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٣٨١٣ و١٣٨٤٩ و١٤٥٠٨ و١٤٥٦٧ و١٤٦٤٠ و١٤٧٦٤
[ ٣٠ / ٣٦٤ ]
و١٤٧٦٩ و١٤٨٦٩ (الدارمي) في "الأطعمة" ٢٠٤٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^١):
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من حلف أن لا يأتدم، فأكل خبزًا بخلّ، فإنه يحنث؛ لأنه - ﷺ - سمّاه "إدامًا" ومدحه. (ومنها): استحباب الحديث على الأكل، تأنيسًا للآكلين. (ومنها): استحباب مدح الشخص طعامه أمام الآكلين حتى ينبسطوا لأكله، ويقضوا حاجاتهم مثله. (ومنها): جواز أخذ الإنسان بيد صاحبه في تماشيهما؛ لأخذه - ﷺ - بيد جابر - ﵁ -. (ومنها): استحباب مواساة الحاضرين على الطعام. (ومنها): أنه يستحب جعل الخبز ونحوه بين أيدي الآكلين بالسويّة. (ومنها): أنه لا بأس بوضع الأرغفة، والأتراص صحاحًا، غير مكسورة، ومكسّورةٌ. (ومنها): ما قاله القرطبيّ: وقسمة النبيّ - ﷺ - الأقرصة نصفين يدلّ على جواز فعل مثل ذلك مع الضيف، بل يدلّ على كرم أخلاق فاعله، وإيثاره الضيف عند قلّة الطعام، كما فعل النبيّ - ﷺ -، فإن الذي قُدّم إليه كان غداءه، فإن أترصتهم صغار، لا سيّما في مثل ذلك الوقت، ومع ذلك، فشرّك فيه غيره، وفاءً بقوله - ﷺ -: "طعام الواحد كافي الاثنين، وطعام الاثنين كافي الثلاثة". رواه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الإدام: كلّ ما يُؤتدم به، أي يُؤكل به الخبز مما يُطيّبه، سواء كان مما يُصطبغ به، كالأَمْراق، والمائعات، أو مما لا يُصطبغ به، كالجامدات، كاللحم، والبيض، والجبن، والزيتون، وغير ذلك، هذا معنى الإدام عند الجمهور، من الفقهاء، والعلماء، سلفًا، وخلفًا. وشذّ أبو حنيفة، وصاحبه أبو يوسف، فقالا في البيض، واللحم المشويّ، وشبه ذلك، مما لا يُصطبغ به ليس شيء من ذلك بإدام.
وينبني على هذا الخلاف الخلافُ فيمن حلف ألا يأكل إدامًا، فأكل شيئًا من هذه الجامدات، فحنّثه الجمهور، ولم يحنّثه أبو حنيفة، ولا صاحبه، والصحيح ما صار إليه الجمهور بدليل قوله - ﷺ - وقد وضع تمرةٌ على كسرة، وقال: "هذه إدام هذه". رواه أبو داود. وبدليل قوله - ﷺ - أيضًا، وقد سئل عن إدام أهل الجنّةِ الجنّةَ أوّل ما يدخلونها، فقال: "زيادة كبد الحوت". رواه البخاريّ. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^٢)،
_________________
(١) ليس المراد فوائد سياق المصنّف فقط، بل روايات حديث جابر - ﵁ - التي ذكرناها في الشرح، فتنبّه.
(٢) "المفهم" ٥/ ٣٢٦.
[ ٣٠ / ٣٦٥ ]
وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…