قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ما" يحتمل أن تكون موصولة: أي هذا باب بيان الفعل الذي يفعله الشخص الذي تُعُرّض لأخذ ماله. ويحتمل أن تكون استفهاميّة، مفعولًا مقدّمًا و"يفعل": أي هذا باب أيَّ شيء يفعل الشخص الذي تُعُرّض لماله.
[ ٣٢ / ٥٨ ]
و"يفعل" مبنيّ للفاعل، و"من" فاعله، و"تُعُرِّض" مبني للمفعول، ونائب فاعله الجارّ والمجرور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٨٣ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ. فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ. عَنْ سِمَاكٍ. عَنْ قَابُوسَ. عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ح وَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ. عَنْ قَابُوسَ بْنِ مُخَارِقٍ. عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: وَسَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: الرَّجُلُ يَأْتِينِي، فَيُرِيدُ مَالِي؟، قَالَ: «ذَكِّرْهُ بِاللَّهِ»، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَذَّكَّرْ؟، قَالَ: «فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَنْ حَوْلَكَ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ»، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَوْلِي أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟، قَالَ: «فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِالسُّلْطَانِ»، قَالَ: فَإِنْ نَأَى السُّلْطَانُ عَنِّي؟، قَالَ: «قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ، حَتَّى تَكُونَ مِنْ شُهَدَاءِ الآخِرَةِ، أَوْ تَمْنَعَ مَالَكَ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هنّاد بن السريّ) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (أبو الأحوص) سلام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقنٌ [٧] ٧٩/ ٩٦.
٣ - (عليّ بن محمد بن عليّ) المِضيصي القاضي، ثقة [١١] ٨٣/ ٢٤١٥ من أفراد المصنّف.
٤ - (خلف بن تمِيم) أبو عبد الرحمن الكوفيّ، نزيل المِصِّيصة، صدوقٌ عابد [٩] ٨٣/ ٥٢٤١٥
٥ - (سماك بن حرب) الذُّهْليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] ٢/ ٣٢٥.
٦ - (قابوس بن مُخارق) بضمّ الميم، بعدها معجمة خفيفة- ابن سُليم، ويقال: ابن أبي المخارق الشيبانيّ الكوفيّ، لا بأس به [٣].
روى عن أبيه، عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وعن أمّ الفضل بنت الحارث، وقيل: عن أبيه، عنها. وروى عنه سماك بن حرب. وذكر الذهبيّ أنه لم يرو عنه غيره. قال النساقي: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره ابن يونس فيمن قَدِمَ مع محمد بن أبي بكر مصر في خلافة عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، فهو على هذا قديم، لا يمتنع إدراكه لأتم الفضل، وحديثه عنها في "صحيح ابن خزيمة". روى له المصنّف هذا الحديث فقط، وروى له أبو داود، وابن ماجه حديثًا واحدًا، حديث النّضح من بول الغلام.
٧ - (أبوه) مخارق بن سُليم، أبو قابوس الشيبانيّ. روى عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وعن ابن مسعود، وعمّار بن ياسر، وعليّ بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى -
[ ٣٢ / ٥٩ ]
عنهم. وعنه ابناه قابوس، وعبد اللَّه. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. ويقال: أبو المخارق بن سُليم، كذا وقع عند أبي نُعيم في الكنى من "الصحابة"، وقد ذكر له رواية عن أم الفضل. قال ابن عبد البرّ: فيه اختلافٌ؛ لأن من أهل الحديث طائفة يروون حديثه عن أبي قابوس بن مُخارق، عن أبيه، عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم أتى أنم الفضل جاءت بالحسين، ومنهم من يرويه عن قابوس، عن أم الفضل، لا يذكر مُخارقا، وقد اختُلف فيه على سماك اختلافًا كثيرًا. تفرد به المصنّف بحديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بالنسبة للسند الأول، ومن سداسياته بالنسبة للثاني، فالثاني أنزل من الأول؛ لأن المصنّف وصل إلى أبي الأحوص في الأول بواسطة، بخلاف الثاني، فإنه وصل إليه بواسطتين. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف فقط. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَابُوسَ بن مُخارق) الشيباني (عَنْ أَبِيهِ) مخارق بن سُليم الشيباني (قَالَ: وَسَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، يُحَدِّثُ بِهِذَا الْحَدِيثِ) هذا من كلام خلف بن تميم، كما نبه عليه في "تحُفة الأشراف" -٨/ ٣٦٧ - ومعنى الكلام أن خلفًا روى هذا الحديث أوّلًا، عن أبي الأحوص، ثم بيّن أنه سمعه أيضًا عن سفيان الثوريّ، وكلاهما يرويه عن سماك ابن حرب (قَالَ) مخارق (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ) فاعله ضمير الرجل: أي قال الرجل الجائي إليه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (الرَّجُلُ) مبتدأ، وخبره جمدة قوله (يَأْتِينِي) وقوله (فَيُرِيدُ مَالِي؟) أي ظلما، عطف على جملة الخبر، والجملة مقول القول، والمراد به السؤال عن حكم إعطائه ماله، فكأنه يقول: إذا أتاني الرجل مريدًا أخذ مالي ظلمًا، فهل أُدافع، أم ماذا؟ (قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - مبيّنًا الطريق الأسلم، والأسهل (ذَكِّرْهُ بِاللهِ) فعل أمر من التذكير: أي عظه بذكر وعبد اللَّه تعالى دمن أخذ أموال الناس ظلما، فإنه إن كان له وازع ديني، سيرتدع بذلك (قال) الرجل السائل (فَإِنْ لَمْ يَذَّكَّرْ؟) بتشديد الذال المعجمة، أصله يتذكر، فأبدلت التاء ذالا، وأُدغمت في الذال (قَالَ) صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ) يقال: استعان به، واستعانه، فيتعدّى بالباء،
[ ٣٢ / ٦٠ ]
وبنفسه، كما قاله الفيّوميّ، وما هنا من الثاني (مَنْ حَوْلَكَ) منصوب على الظرفية، صِلَةُ "من"، يقال: قعدنا حَوْلَهُ بالنصب على الظرفية، أي في الجهات المحيطة به، وَحَوَالَيْهِ بمعناه. قاله الفيّوميّ.
والمعنى: اطلب من الناس الذين يوجدون في الجهات المحيطة بك أن يعينوك على دفعه. وقوله (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) بيان لـ "من" (قَالَ) الرجل (فَإنْ لَمْ يَكُنْ حَوْلِي أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلمينَ؟) أي فماذا أفعل؟ (قال) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِالسُّلْطانِ) أي استعن عليه بمن له تسلط على الناس، من وُلاة الأمور (قَالَ) الرجل (فَإِنْ نَأَى) بألف، ثم همزة، أو بالعكس: أي بعُد (السُّلْطَانُ عَنِّي؟) أي من المحلّ الذي أنا فيه، فماذا أفعل؟ (قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (قَاتِلْ) فعل أمر من المقاتلة، والمراد به المدافعة بالأسهل فالأسهل، فإن كان يردعه إغلاظ القول، والتهديد اكتفى به، وإلا انتقل إلى الضرب، وإلا قتله (دُونَ مَالِكَ) أي عنده، أو من أجله، وسيأتي تحقيق معنى "دون" في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى (حَتَّى تَكُونَ مِنْ شُهَدَاءِ الآخِرةِ) بأن تُقتل ظلمّا، فتنال أجر الشهداء في الآخرة، لا في الدنيا، فشهيد الآخرة هو الذي لا يكون له حكم شهداء الدنيا، من دفنه بدمه، ولباسه، وعدم غسله، إلا إذا كان جنبًا، وعدم الصلاة عليه عند من لا يقول به، كما تقدّم في بابه، وشهيد الدنيا هو الذي قُتل في المعركة، في سبيل اللَّه تعالى، وسيأتي بسط لذلك في المسألة الثانية، إن شاء اللَّه تعالى.
(أَوْ تَمْنَعَ مَالَكَ) بأن يخشى أن تقتله، فيهرُب منك، فيسلم لك مالك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث مخارق بن سُليم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[فإن قلت]: لم يثبت كون مخارق صحابيًّا، كما تقدّم الخلاف فيه، فلا يثبت كونه متصلًا، فكيف يصحّ؟.
[قلت]: يشهد له حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بعده، وغيره من الأحاديث التي وردت في هذا المعنى.
وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٢١/ ٤٠٨٣ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٣٥٤٤. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٢٥٠٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
[ ٣٢ / ٦١ ]
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من تعرّض له ظالم ليأخذ ماله، وهو جواز الدفاع عنه. (ومنها): أن الدفاع يكون بالأسهل، فالأسهل، فيبدأ بالتذكير بوعيد اللَّه تعالى لمن ظدم أخاه المسدم، فإن ارتدع، وإلا استعان بإخوانه المسلمين، فإن لم يجدهم استعدى عليه السلطان، فإن لم يجده قاتله، وليكن بالأسهل، فالأسهل أيضًا، بأن يبدأ بالتهديد، ثم بالضرب، ثم بالقتل، إن لم يجد بدًّا، فإن قتله، فدمه هدرٌ، وإن قُتل هو فهو شهيد.
(ومنها): ما قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه جواز قتل القاصِد لِأخْذِ المْال بِغَيْرِ حَقّ، سَوَاء كَانَ الْمَال قَلِيلًا، أَوْ كَثِيرًا؛ لِعُمُوم الْحَدِيث، وَهَذَا قَوْلٌ لِجَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَقَالَ بَعض أصحاب مالك: لا يجُوز قتله، إِذا طلب شيئًا يسِيرًا، كالثوْبِ، والطَّعام، وهذا ليس بِشيء، والصَّواب ما قالهُ الجماهِير. وأمَّا المدافعة عن الحرِيم، فواجِبة بِلا خِلاف. وفِي المدافعة عن النفس بالقتلِ خِلاف في مذهبنا، ومذهب غيرنا، والمُدافعة عن المال جائزة، غير واجِبة. واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ببعض اختصار (^١).
(ومنها): أن فيه انقسام الشهداء، إلى شهداء الدنيا، وشهداء الآخرة. قال النوويّ في "شرح مسلم": واعلم أنَّ الشهِيد، ثلاثة أقسام:
[أحدها]: المقتول في حرب بِسبب، من أسباب القِتال، فهذا لهُ حُكم الشُّهداء، في ثواب الأخِرة، وفِي أحكام الدنيا، وهُو أنهُ لا يُغسل، ولا يُصلَّى عليهِ.
[والثاني]،: شهِيد في الثواب، دُون أحكام الدُّنيا، وهو المبطون، والمطعون، وصاحِب الهدم، ومن قُتل دُون مالِهِ، وغيرهم، مِمن جاءت الأحادِيث الصَّحِيحة بِتسمِيتِهِ شهِيدًا، فهذا يُغسل، ويُصلى عليهِ، ولهُ في الآخِرة ثواب الشُهداء، ولا يلزم أن يكُون مِثل ثواب الأول.
[والثالِث]: من غلَّ في الغنِيمة وشِبهُه، ممن وردت الآثار بِنقي تسمِيته سهِيدًا، إِذا قُتِل في حرب الكُفار، فهذا لهُ حُكم الشُهداء، في الدنيا، فلا يُغسل، ولا يُصلى عليهِ، وليس لهُ ثوابهم الكامِل في الاخِرة. واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٨٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قُهَيْدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ١٦٥ "كتاب الإيمان".
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٥١٦٤ "كتاب الإيمان".
[ ٣٢ / ٦٢ ]
أَرَأَيْتَ إِنْ عُدِيَ عَلَى مَالِي، قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ»، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ، قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ»، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ»، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قَالَ: «فَقَاتِلْ، فَإِنْ قُتِلْتَ فَفِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ قَتَلْتَ فَفِي النَّارِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن الهاد) يزيد بن عبد اللَّه بن أُسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ، ثقة مكثر [٥] ٧٣/ ٩٠.
٤ - (عمرو بن قُهيد) هكذا وقع في هذه الرواية، والصواب عمرو، عن قُهيد، وهو عمرو ابن أبي عمرو ميسرة، مولى المطّلب، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ربّما وَهِمَ [٥] ٨١/ ٢٨٢٨.
و"قُهَيد" - بالتصغير- ابن مطرف الغفاري، قيل: له صحبة. كذا في "التقريب"، وفي "تهذيب التهذيب": عمرو بن قُهيد بن مُطرّف الغفاريّ، حجازيّ. روى عن أبي هريرة حديث "أرأيت إن عُدي على مالي". وعنه يزيد بن الهاد. قال قُتيبة وغيره، عن الليث، عن يزيد. وقال شعيب بن الليث، عن أبيه، عن يزيد، عن قُهيد بن مطرّف. وفيه غير ذلك من الاختلاف، والصواب رواية عبد اللَّه بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن الهاد، عن عمرو، وهو مولى المطّلب، عن قُهيد بن مُطرّف، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -. هكذا رواه ابن وهب، عن يحيى بن عبد اللَّه بن سالم، عن يزيد، عن عمرو (^١).
وقال في "تهذيب الكمال" في حرف القاف: قُهيد بن مُطرِّف الغفاريّ، وقيل: عمرو ابن قُهيد. روى عن أبي هريرة حديث: "أرأيت إن عُدِى على مالي". روى عنه يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد، وعمرو بن أبي عمرو، مولى المطّلب، ومولاه المطّلب بن عبد اللَّه ابن حنطب. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، قال: وقد قيل: قُهَيد بن عوف. وقد ذكرنا ما فيه من الخلاف في ترجمة عمرو بن قُهيد بن مُطرّف (^٢).
زاد الحافظ في "تهذيب التهذيب": ما نصّه: لكن فرّق بعضهم بين قُهيد بن مُطرّف، وبين عمرو بن قُهيد، فقال الأزديّ: إن قُهيدًا هذا تفرد بالرواية عنه المطّلب. وذكره ابن
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩.
(٢) "تهذيب الكمال" ٢٣/ ٦٢٩.
[ ٣٢ / ٦٣ ]
سعد في طبقة الخندقيين. وذكره أبو نُعيم في "الصحابة". وقال الدارقطنيّ: مختلفٌ في صحبته. وقال ابن حبّان في الصحابة: إن له صحبة. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط (^١).
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أبِي هُرَيْرَة) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْتَ) أي أخبِرني (إِنْ عُدِي عَلَى مَالِي) ببناء الفعل للمفعول، أي أخذ ظلمّا، يقال: عدا عليه يعدُو عدْوْا، وعُدُوْا، مثلُ فلس وفُلُوس، وعُدوانًا، وعَدَاءً بالفتح، والمدّ: ظَلَمَ، وتجاوز الحدَّ، وهو عاب، والجمعُ عادونَ، مثلُ قاضٍ وقاضون. قاله الفيّوميّ (قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَانْشُدْ بِاللَّهِ) أي ذكر به، يقال: نشدتك اللَّه، وباللَّه أنشُدك: ذكرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به، مُقسمّا عليك (قَالَ) الرجل السائل (فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ) أي امتنعوا عن قبول مناشدتي لهم (قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَانْشُدْ بِاللَّهِ"، قال: فإن أبوْا على؛ قال: (فَانْشُدْ بِاللَّهِ"، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قال: "فَقَاتِلْ) أي إذا لم يقبلوا مناشدتك باللَّه تعالى ثلاث مرّات، فدافع عن مالك بقتالهم (فَإنْ قُتِلْتَ) بالبناء للمفعول: أي إن قتلك هؤلاء المعتدون على مالك (فَفِي الْجَنَّةِ) أي فأنت في الجنّة، لاستهشادك في سبيل الدفاع عن مالك، كما سيأتي في الباب التالي قوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "من قاتل دون ماله، فقُتل، فهو شهيد" (وَإِنْ قَتَلْتَ) بالبناء للفاعل، أي إن قتلت أنت هوْلاء الظلمة (فَفِي النَّارِ) أي فهم في نار جهنّم؛ لموتهم في سبيل الظلم.
وفي رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -: جاء رجل إلى رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت إن جاء رجلٌ، يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تُعطه مالك"، قال: أرأيتَ إن قاتلني؛ قال: "قاتله"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"، قال: أرأيتَ إن قتلته؟ قال: "هو في النار".
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى قَوْله - ﷺ -: "فَلَا تُعْطِهِ" لا يَلْزَمَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَاد تَحْرِيم الإِعْطَاء.
قال: ومعنى قَوْله - ﷺ -: "هُوَ فِي النَّار" مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقّ ذَلِكَ. وَقَدْ يُجَازَى، وَقَدْ
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٣/ ٤٤٣.
[ ٣٢ / ٦٤ ]
يُعْفَى عَنْهُ، إِلا أَنْ يَكُون مُسْتَحِلًّا لِذَلِكَ، بِغَيْرِ تَأْوِيل، فَإِنَّهُ يَكْفُر، وَلَا يُعْفَى عَنْهُ. وَاللَّه أَعْلَم. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢١/ ٤٠٨٤ و٤٠٨٥ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٣٥٤٥ و٣٥٤٦. وأخرجه (م) في (الإيمان " ١٤٠ (أحمد) في "باقي مسند الكوفيين"٨٢٧٠ و٨٥٠٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ قُهَيْدِ بْنِ مُطَرِّفٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عُدِيَ عَلَى مَالِي؟، قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ»، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟، قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ»، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟، قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ»، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟، قَالَ: «فَقَاتِلْ، فَإِنْ قُتِلْتَ فَفِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ قَتَلْتَ فَفِي النَّارِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم": هو المصريّ الفقيه الثقة [١١]. ١٢٠/ ١٦٦ من أفراد المصنّف. و"شعيب بن الليث": هو أبو عبد الملك المصريّ الفقيه النبيل الثقة، من كبار [١٠]. ١٢٠/ ١٦٦.
وقوله: "وإن قتلت ففي النار" ببناء الفعل للفاعل: أي وإن قتلت هؤلاء الذين اعتدوا على مالك، فإنهم يدخلون النار؛ لكونهم ظالمين، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٣١]
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق شرحه، وتخريجه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ١٦٥. "كتاب الإيمان".
[ ٣٢ / ٦٥ ]