قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان أن الأيمان التي تجري على الألسنة من غير قصد، ليس فيها كفّارة يمين؛ لأنها من لغو اليمين، التي قال اللَّه تعالى فيها: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وإنما يتصدّق عنها بشيء، كما أمر النبيّ - ﷺ - في حديث الباب. وقد اختلف العلماء في لغو اليمين، وسنتكلّم على ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
٣٨٢٤ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَنَحْنُ نَبِيعُ، فَسَمَّانَا بِاسْمٍ، هُوَ خَيْرٌ مِنَ اسْمِنَا، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ الْحَلِفُ، وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ، صدوق، من صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (عبد الملك) بن أعين الكوفيّ، مولى بني شيبة، صدوقٌ شيعيّ [٦].
قال محمد بن المثنّى: ما سمعت ابن مهديّ يُحدّث عن سفيان، عن عبد الملك بن أعين، وكان يُحدّث عنه فيما أُخبرتُ، ثم أمسك. وقال الحميديّ، عن سفيان: حدّثنا عبد الملك بن أعين شيعي، وكان عندنا رافضيًّا، صاحب رأي. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حامد، عن سفيان: هم ثلاث إخوة: عبد الملك، وزُرارة، وحُمرانُ، روافض كلهم، أخبثهم قولًا عبد الملك. وقال أبو حاتم: هو من عتق الشيعة، محلّه الصدق، صالح الحديث، يُكتب حديثه. وذكره ابن حبّان في
[ ٣٠ / ٣٦٦ ]
"الثقات"، وقال: كان يتشيّع. وقال الساجيّ: كان يتشيّع، ويُحتَمل في الحديث. وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة. له عند الشيخين حديث واحد قُرن فيه بجامع بن أبي راشد. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث، فقط.
٤ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ المخضرم الثقة [٢] ٢/ ٢.
٥ - (قيس بن أبي غَرَزَة) -بمعجمة، وراء، وزاي مفتوحات- ابن عُمير بن وهب بن حراق ابن حارثة (^١) بن غِفَار الْغِفَاريّ، ويقال: الْجُهَنيّ، ويقال: البجليّ، صحابيّ نزل الكوفة. روى عن النبيّ - ﷺ - هذا الحديث فقط. وروى عنه أبو وائل شقيق بن سَلَمة، وذكر مسلم، والأزديّ أنه تفرّد بالرواية عنه. وقال ابن عد البرّ: روى عنه الحَكَم، ولا أدري سمع منه، أم لا؟ انتهى. قال الحافظ: روايته عنه مرسلةٌ بلا شكٌ. روى له الأربعة هذا الحديث فقط (^٢). واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند أصحاب السنن. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ) بفتحات، أنه (قَالَ: كُنَّا نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ) وفي الرواية الآتية ٢٣/ ٣٨٢٧ - من طريق منصور، عن أبي وائل: (قال: كنّا بالمدينة نبيع الأوساق، ونبتاعها، وكنّا نُسمّي أنفسنا السماسرة، ويسمّينا الناس".
و"السماسرة" -بفتح المهملة الأولى، وكسر الثانية: جمع سِمْسَار -بكسر المهملة الأولى-: وهو القيّم بالأمر الحافظ له، قال الأعشى [من المتقارب]:
فَأَصْبَحتُ لَا أَسْتَطِيعُ الكَلَامَ … سِوَى أَنْ أُرَاجِعَ سِمْسَارَهَا
وهو في البيع: اسمٌ للذي يدخل بين البائع والمشتري، متوسّطًا لإمضاء البيع. والسَّمْسَرَة: البيعُ والشراء. وقال الليث: السمسار فارسيّةٌ معرّبة. أفاده في "اللسان" (^٣).
وقال الخطّابيّ: السمسار: أعجميّ، وكان كثير ممن يُعالج البيع والشراء فيهم
_________________
(١) وفي "تهذيب الكمال" "ابن جارية" بالجيم، والياء بعد الراء.
(٢) راجع "الإصابة" ٨/ ٢٠٥ - ٢٠٦. و"تهذيب الكمال" ٢٤/ ٧٥. و"تهذيب التهذيب" ٣/ ٤٥١ - ٤٥٢.
(٣) "لسان العرب" ٤/ ٣٨٠ - ٣٨١.
[ ٣٠ / ٣٦٧ ]
عجمًا، فتلقّنوا هذا الاسم عنهم، فغيّره النبيّ - ﷺ - إلى التجارة التي هي من الأسماء العربية، وذلك معنى قوله: (فسمّانا باسم هو أحسن منه. وقد تدعو العرب التاجر أيضًا: "الرِّقاحي"، والترقيح في كلامهم: إصلاح المعيشة (^١). انتهى كلام الخطّابيّ (^٢).
(فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَنَحْنُ نَبِيعُ) جملة حاليةٌ، أي حال كوننا بائعين (فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ خَيْرٌ) وفي نسخة: "أحسن" (مِنِ اسْمِنَا) أي لكونه من الأسماء العربيّة، كما تقدّم في كلام الخطّابيّ (فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ) -بضمّ، فتشديد، أو كسر، وتخفيف (إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ الْحَلِفُ) -بفتح، فكسر، أو بفتح، فسكون -أي إكثار الحلف، أو الكاذب منه (وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوا) بضمّ الشين، أمر من الشوب، بمعنى الخلط.
وإنما أمرهم بذلك ليكون كفّارة لما يجري بينهم من الكذب وغيره، والمراد بها صدقة، غير معينة، حسب تضاعيف الآثام.
واستدلّ به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على أن الحلف الكاذب بلا قصد لا كفّارة فيه، إذ لم يأمرهم النبيّ - ﷺ - بالكفارة المعلومة في الحلف بعينها، ويؤيّد ذلك ما يُفهم من الرواية الآتية بلفظ: "يخالطها اللغو والكذب"، حيث جاء اللغو فيها موضع الحلف. أفاده السنديّ (بَيْعَكُمْ) بالنصب على المفعوليّة (بِالصَّدَقَةِ) فإنها تُطفئ غضب الربّ.
قال الخطّابيّ: وقد احتجّ بهذا الحديث بعض أهل الظاهر ممن لا يرى الزكاة في أموال التجارة، وزعم أنه لو كان تجب فيها صدقة كما يجب في سائر الأموال الظاهرة لأمرهم النبيّ - ﷺ - بها، ولم يقتصر على قوله: "فشوبوه بالصدقة، أو بشيء من الصدقة".
قال: وليس فيما ذكروه دليل على ما ادّعوه؛ لأنه إنما أمرهم في هذا الحديث بشيء من الصدقة، غير معلومة المقدار في تضاعيف الأيام، ومرّ الأوقات؛ ليكون كفّارة عن اللغو والحلف، فأما الصدقة المقدّرة التي هي ربع العشر الواجبة عند تمام الحول، فقد وقع البيان فيها من غير هذه الجهة. وقد روى سمرة بن جندب - ﵁ - أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يأمرهم أن يخرجوا الصدقة عن الأموال التي يعدّونها للببع، وقد ذكره أبو داود في "كتاب الزكاة"، ثم هو عمل الأمة، وإجماع أهل العلم، فلا يُعدّ قول هؤلاء معهم خلافًا. انتهى (^٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث سمرة - ﵁ - المذكور ضعيف؛ لأن في سنده
_________________
(١) قال في "اللسان": وترقّح لعياله: كسَت، وطلب، واحتال، والرَّقَاحي: التاجر القائم على ماله المصلح له، والرَّقَاحة: الكسب، والتجارة. انتهى.
(٢) "معالم السنن" ٥/ ٣.
(٣) "معالم السنن" ٥/ ٣ - ٤.
[ ٣٠ / ٣٦٨ ]
جعفر بن سعد ضعيف، وخبيب بن سليمان مجهول، وسليمان بن سمرة، قال ابن القطّان الفاسيّ: مجهول الحال، فلا يصلح للاحتجاج به، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث قيس بن أبي غَرَزَة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٢/ ٣٨٢٤ و٣٨٢٥ و٣٨٢٦ و٣٨٢٧ و"البيوع" ٧/ ٤٤٦٣ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٤٧٣٩ و٤٧٤٠ و٢٣/ ٤٧٤١ و٤٧٤٢ و"البيوع" ٧/ ٦٠٥٥. وأخرجه (د) في "البيوع" ٣٣٢٦ (ت) في "البيوع" ١٢٠٨ (ق) في "التجارات" ٢١٤٥ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٧٠١ والمكيين ١٧٩٩٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الحلف لمن لم يعتقد اليمين بقلبه، وهو أنه ليس عليه كفّارة اليمين المنصوصة في كتاب اللَّه تعالى، وإنما عليه مطلق الصدقة. (ومنها): أن الصدقة تكفّر الخطايا. (ومنها): أنه ينبغي للتّجّار أن يلازموا الصدقة في كثير من أوقاتهم؛ لما لا يخلو من الأيمان، والمواعيد الكاذبة، فيكفّرونها بها. (ومنها): أنه لا ينبغي للمسلم أن يكثر الحلف، ولو دون قصد، أو يكذب في بيعه وشرائه، فإنه بذلك يُعدّ متساهلًا في دينه، ويجانبه الورع في معاملته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في لغو اليمين:
قال العلاّمة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: اليمين التي تمرّ على لسانه في عُرْض حديثه، من غير قصد إليها، لا كفّارة فيها في قول أكثر أهل العلم؛ لأنها من لغو اليمين. نَقل عبد اللَّه، عن أبيه أنه قال: اللغو عندي أن يحلف على اليمين، يرى أنها كذلك، والرجل يحلف، فلا يَعقِد قلبه على شيء. وممن قال: إن اللغو اليمين التي لا يَعقد عليها قلبه: عمر، وعائشة - ﵂ -. وبه قال عطاء، والقاسم، وعكرمة، والشعبيّ، والشافعيّ؛ لما روي عن عطاء، قال: قالت عائشة - ﵂ -: إن رسول اللَّه - ﷺ - قال - يعني اللغو في اليمين-: "هو كلام الرجل في بيته، لا واللَّه، وبلى واللَّه". أخرجه أبو داود. قال: ورواه الزهريّ، وعبد الملك بن أبي سليمان، ومالك بن مِغْوَل، عن عطاء، عن عائشة - ﵂ - موقوفًا. وروى الزهريّ، أن عروة حدثه، عن عائشة، قالت:
[ ٣٠ / ٣٦٩ ]
أيمان اللغو ما كان في المراء، والهزل، والمزاحة، والحديثِ الذي لا يُعقّد عليه القلبُ، وأيمان الكفّارة كلّ يمين حلف عليها على وجه من الأمر في غضب، أو غيره، ليَفعَلَنَّ، أو لَيَترُكنّ، فذلك عَقدُ الأيمان التي فرضَ اللَّه تعالى فيها الكفّارة. ولأن اللغو في كلام العرب غير المعقود عليه، وهذا كذلك.
وممن قال: لا كفّارة في هذا ابنُ عبّاس، وأبو هريرة، وأبو مالك، وزُرارة بن أوفَى، والحسن، والنخعيّ، ومالكٌ، وهو قول من قال: إنه من لغو اليمين، ولا نعلم في هذا خلافًا.
وجه ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، فجعل الكفّارة لليمين التي يُؤاخذ بها، ونفَى المؤاخذة باللغو، فلزم انتفاء الكفّارة؛ ولأن المؤاخذة يَحتمل أن يكون معناها إيجاب الكفّارة، بدليل أنها تجب في الأيمان التي لا مأثم فيها. وإذا كان المؤاخذة إيجاب الكفّارة، فقد نفاها في اللغو، فلا تجب، ولأنه قول من سمّينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم، فكان إجماعًا؛ ولأن قول عائشة - ﵂ - في تفسير اللغو، وبيان الأيمان التي فيها الكفّارة خرج تفسيرًا لكلام اللَّه تعالى، وتفسير الصحابيّ مقبول. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: وذكر سفيان الثوريّ في "جامعه"، وذكره المروزيّ عنه أيضًا، قال سفيان: الأيمان أربعة: يمينان يُكفّران، وهو أن يقول الرجل: واللَّه لا أفعل، فيفعلُ، أو يقول: واللَّه لأفعلنّ، ثم لا يفعل. ويمينان لا يكفّران: وهو أن يقول الرجل: واللَّه ما فعلتُ، وقد فعل، أو يقول: واللَّه لقد فعلتُ، وما فعل.
قال المروزيّ: أما اليمينان الأوليان، فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان، وأما اليمينان الأخريان، فقد اختَلف أهل العلم فيهما،، فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا، أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقًا، يرى أنه على ما حلف عليه، فلا إثم عليه، ولا كفّارة عليه في قول مالك، وسفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، وكذلك قال أحمد، وأبو عبيد. وقال الشافعيّ: لا إثم عليه، وعليه الكفّارة. قال المروزيّ: وليس قول الشافعيّ في هذا بالقويّ، قال: وإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا، وقد فعل متعمّدًا للكذب، فهو آثمٌ، ولا كفّارة عليه في قول عامّة
_________________
(١) "المغني" ١٣/ ٤٤٩ - ٤٥٠.
[ ٣٠ / ٣٧٠ ]
العلماء: مالك، وسفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، وأحمد بن حنبل، وأبي ثور، وأبي عُبيدة. وكان الشافعيّ يقول: يُكفِّرُ، قال: وقد رُوي عن بعض التابعين مثلُ قول الشافعيّ، قال المروزيّ: أميلُ إلى قول مالك، وأحمد. قال: فأما يمين اللغو الذي اتّفقَ عامّة العلماء على أنها لغوٌ، فهو قول الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه في حديثه، وكلامه، غير منعقد (^١) لليمين، ولا مُريدها، قال الشافعيّ: وذلك عند اللجاج، والغضب، والْعَجَلَة. انتهى. ذكره القرطبيّ في "تفسيره" (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن لغو اليمين هو الذي لا يَعقِد الحالف عليه قلبه، بل يجري خلال كلامه، وحواره، وحكمه أنه لا كفّارة فيه، بل يتصدّق الحالف بشيء، كما أرشد إلى ذلك النبيّ - ﷺ - في حديث قيس بن أبي غَرَزَة - ﵁ - المذكور في الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَاصِمٍ، وَجَامِعٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ بِالْبَقِيعِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَكُنَّا نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ» -فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ خَيْرٌ مِنِ اسْمِنَا- ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ الْحَلِفُ، وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "سفيان"، و"عبد الملك" هما المذكوران في السند الماضي. و"عاصم": وابن بَهْدلة، وهو ابن أبي النَّجُود المقرئ الكوفيّ، صدوقٌ له أوهام، حجة في القراءة [٦] ٢٠/ ١٢٢١. و" جامع": وابن أبي راشد الكاهليّ الصيرفيّ الكوفيّ الثقة الفاضل [٥] ٢/ ٢٤٤١.
فقوله: "وعاصم"، و"جامع"، بالجرّ عطفا على "عبد الملك".
والحديث صحيح، سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) هكذا النسخة، ولعلّ صواب العبارة: غير عاقد لليمين، فليُحرّر. واللَّه تعالى أعلم.
(٢) راجع "تفسير القرطبيّ" ٦/ ٢٦٥ - ٢٦٦. "تفسير سورة المائدة".
[ ٣٠ / ٣٧١ ]