أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حكم من قُتل دون ماله، ويحتمل أن يكون التقدير: ما حكمه؟. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ، فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (حاتم) بن أبي صَغِيرة (^١)، أبو يونس البصريّ، ثقة [٦] ٦٦/ ١٨٠٠.
٤ - (عمرو بن دينا) الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا االإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلى عمرو. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: في هذا السند أن خالد بن الحارث روى هذا الحديث، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمرو، وخالفه بشر بن المفضل، فرواه عن حاتم، عن عمرو، عن عبد اللَّه بن صفوان، عن عبد اللَّه بن عمرو، فأدخل واسطة، بين عمرو بن دينار، وبين عبد اللَّه بن عمرو.
والظاهر أن السندين كلاهما صحيحان؛ فيُحمل على أن عمرًا رواه عن عبد اللَّه بن صفوان أوّلًا، ثم لقي عبد اللَّه بن عمرو فسمعه منه، أو سمعه منه، فثبّته ابن صفوان، وقد ذكر الحافظ المزنيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" -٦/ ٣٧٠ - ٣٧١. أن
_________________
(١) "أبو صَغِيرة" -بفتح الصاد المهملة، وكسر الغين المعجمة، مكبّرارً، واسمه مسلم، وهو جدّ حاتم لأمه، وقيل: زوج أمّه. اهـ "تقريب التهذيب".
[ ٣٢ / ٦٦ ]
حماد بن زيد، رواه عن عمرو بن ديار، عن عبد اللَّه بن عمرو، كما رواه حاتم بن أبي صغيرة هنا، فتكون روايته متابعة لرواية خالد. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ: "مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ" أي عنده، أو من أجله. قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: "دون" أصلها ظرف مكان، بمعنى "أسفل"، و"تحت"، وهو نقيض "فوقُ"، وقد استعملت مي هذا الحديث بمعنى "لأجل" السببيّة، وهو مجازٌ، وتوسّعٌ، ووجهه أن الذي يُقاتل على ماله إنما يجعله خلفه، أو تحته، ثم يقاتل عليه. انتهى (^١).
(فقُتل) بالبناء للمفعول (فَهُوَ شَهِيدٌ) قال النَّضر بن شُميل: سُمي شهيدًا؛ لِأنَّهُ حَيّ؛ لأَنَّ أَرْوَاحهمْ شَهدَت دَار السَّلام، وأرْواح غيرهم لا تشهدها إِلا يوْم القِيامة. وقال ابن الأتبارِيّ: لأن اللَّه تعالى، وملائِكته ﵈، يشهدُون لهُ بِالجنَّةِ. فمعْنى شهِيد: مشهُود لهُ. وقِيل: سُمي شهِيدًا لأنةُ يشهد عِتد خُرُوج رُوحه، ما لهُ من الثواب، والكرامة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. وقِيل: لأنَّ ملائكة الرَّحمْة يشهدُونهُ، فيأخُذُون رُوحه. وقِيل: لأنَّهُ شُهِد لهُ الإيمان، وخاتِمة الخير بِظاهِرِ حاله. وقِيل: لأن عليهِ شاهِدًا، يشهد بِكوْنِهِ شهِيدًا، وهُو دمه، فإِنَّهُ يُبعث وجُرْحه يثعبُ دمًا. وحكى الأزهرِيّ، وغيره قوْلًا آخر، أنهُ سُمي شهِيدًا؛ لِكوْنِهِ مِمن يشهد يوْم القِيامة على الأُمم، وعلى هذا القوْل لا اختصاص لهُ بهذا السبب. (^٢).
وفي الحديث قصّة بيّنها مسلم في"صحيحه" من طريق سليمان الأحول، أن ثابتا هو ابن عياض- مولى عمر بن عبد الرحمن أخبره، أنه لَمّا كان بين عبد اللَّه بن عمرو، وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان، تَيَسّرُوا (^٣) للقتال، فركِب خالد بن العاص، إلى عبد اللَّه ابن عمرو، فوعظه خالد، فقال عبد اللَّه بن عمرو: أما علمت أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "من قُتِل دون ماله، فهِو شهيد". انتهى.
قال في "الفتح": وأشار بِقوْلِهِ: "ما كان" إِلى ما بيَّنهُ حيوة في رِوايتِهِ المُشار إِليها (^٤)، فإِن أوَّلها: "أنَّ عامِلا لِمُعاوِية، أجرى عينًا من ماء؛ لِيسْقِي بهِا أرْضا، فدنا من حائِط
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٥٢ "كتاب الإيمان".
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ١٦٣ - ١٦٤. بزيادة من "المفهم" ١/ ٣٥٢.
(٣) أي تهيّئوا للقتال.
(٤) هي التي ذكرها في "الفتح" بقوله: "وكذلك رواه حيوة بن شُريح، عن أبي الأسود بهذا اللفظ، أخرجه الطبريّ. وسيأتي هذا في شرح الحديث الثاني، إن شاء اللَّه تعالى.
[ ٣٢ / ٦٧ ]
لآلِ عمرِو بن العاص، فأراد أن يُخرِجهُ؛ لِيجْري العين مِنهُ إِلى الأرْضِ، فأقبل عبد اللَّه ابن عمرو، ومواليه، بِالسَّلاحِ، وقالُوا: واللهِ لا تخرِقُون حائطنا، حتى لا يبقى مِنَّا أحد"، فذكر الحديث.
والعامِل المذكُور، هُو عنبسة بن أبِي سُفيان، كما ظهر من رِوايةِ مُسْلِم، وكان عامِلا لِأخِيهِ على مكة، والطَّائف، والأرْض المْذْكُورة، كانت بِالطَّائفِ، وامْتِناع عبد اللَّه بن عمرو من ذَلِكَ؛ لِما يدْخُلُ عليهِ من الضَّررِ، فلا حُجَّة فِيهِ لِمن عارض بِهِ، حدِيث أبِي هُريرة، فِيمنْ أراد أن يضع جِذعة على جِدار جاره. واللهُ أعلمُ (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهدا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٢/ ٤٠٨٦ و٤٠٨٧ و٤٠٨٨ و٤٠٨٩ و٤٠٩٠و٤٠٩١ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٣٥٤٧ و٣٥٤٨ و٣٥٤٩ و٣٥٥٠ و٣٥٥١و ٣٥٥٣. وأخرجه (خ) في "المظالم والغصب"٢٤٨٠ (م) في "الإيمان"١٤١ (د) في "السنّة"٤٧٧١ (ت) في "الديات" ١٤١٩ و١٤٢٠ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٤٨٦ و٦٧٧٧ و٦٧٨٤ و٦٨٨٣ وه ٦٩٧ و٦٩٩١و ٧٠١٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من قُتل دون ماله، وهو كونه شهيدًا. (ومنها): تحريم مال المسلم، كدمه؛ لأنه ما أُبيح له قتل المسلم إذا أخذ ماله بغير رضاه، إلا لكونه محرّمًا عليه. (ومنها): ما قاله النَّووِيّ: وهو أن فِيهِ جواز قتلِ من قصد أخذ المال بِغيرِ حن، سواء كان المْالُ قليلا، أوْ كثِيرًا، وهُو قوْلُ الجمهور، وشذَّ من أوْجبهُ. وقال بعض المالِكِيَّةِ: لا يجُوزُ إِذا طلب الشَّيء الخفِيف.
قال القرْطُبِي: سببُ الخلافِ عِنْدنا، هل الإذنُ في ذَلِكَ، من باب تغيِيرِ المنْكرِ، فلا يفترِقُ الحال بين القليلِ والكثِيرِ، أوْ من باب دفع الضَّررِ، فيختلِفُ الحَالُ؟. وحكى ابن المْنْذِر، عن الشَّافِعِيَّ، قال: من أُرِيد ماله، أو نفسه، أوْ حرِيمه فلهُ الاختيارُ، أن
_________________
(١) "فتح" ٥/ ٤١٨ - ٤١٩ "كتاب المظالم" حديث رقم ٢٤٨٠.
[ ٣٢ / ٦٨ ]
يُكلّمهُ، أوْ يستغِيث، فإن مُنِع، أوْ امتنع لم يكُن لهُ قِتاله، والا فلهُ أن يدْفعهُ عن ذَلِكَ، ولوْ أتى على نفسِهِ، وليس عليهِ عقل، ولا دِية، ولا كفَّارة، لكِن ليس لهُ عمدُ قتله. قال انن المْنْذِر: والّذِيِ عليهِ أهل العِلم، أنَّ لِلرَّجُلِ أن يدْفع عمَّا ذُكِر، إِذا أُرِيد ظُلْمًا، بِغيرِ تفصِيل، إِلا أن كُل من يُحْفظُ عنهُ، من عُلماءِ الحديث المُجْمِعِينَ على استِثناءِ السُّلطانِ، للآثارِ الوارِدةِ بِالأمرِ بِالصبرِ على جوْرِهِ، وترْك القِيام عليهِ.
وفرَّق الأوْزاعي بين الحال التِي لِلنَّاسِ فِيها جماعة وإمام، فحمل الحديث عليها، وأمَّا في حال الاختِلاف والفُرْقة، فلْيسْتَسْلم، ولا يُقاتِل أحدًا.
ويردُّ عليهِ ما وقع في حدِيث أبِي هُريرة، عِند مُسْلِم، بِلفظ: "أرأيت إن جاء رجُل يُريدُ أخذ مالي؟ قال: "فلا تُعْطِهِ"، قال: أرأيت إنْ قاتلنِي؟ قال: "فاقتُلهُ"، قال: أرأيت إن قتلنِي؟ قال: "فأنت شهِيد"، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "فهُو في النَّارِ" (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي القول بالإطلاق، كما هو رأي الجمهور هو الأرجح؛ لإطلاق النص. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٨٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ (^٢)، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ الْقُشَيْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ «مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ، فَقُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، و"محمد بن عبد اللَّه بن بزِيع": هو البصريّ الثقة [١٠]. ٤٣/ ٥٨٨. و"بِشر بن المفَضَّل": هو أبو إسماعيل البصريّ، الثقة الثبت العابد [٨]. ٦٦/ ٨٢. و"أبو يونس القُشيريّ": هو حاتم بن أبي صغِيرة المذكور في السند الماضي.
و"عبد اللَّه بن صفوان": أبو صفوان الْجُمَحِيّ المكيّ، وُلد في عهد النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ولأبيه صحبة مشهورة، وقُتل مع ابن الزبير، وهو متعلّقٌ بأستار الكعبة سنة (٧٣)، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين، وله عند المصنّف حديثان فقط: هذا الحديث، وفي "كتاب الحجّ" ١١٢/ ٢٨٨٠ حديث حفصة بنت عمر - رضي اللَّه تعالى عنها -، مرفوعًا: "ليؤمّنّ هذا البيت جيش، يغزوه" الحديث، وتقدّمت ترجمته بالرقم المذكور.
والحديث متّفقٌ عليه، وتقدم شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم
_________________
(١) "فتح" ٥/ ٤١٨ - ٤١٩ "كتاب المظالم" حديث رقم ٢٤٨٠.
(٢) بفتح الباء الموحّدة، وكسر الزاي، آخره عين مهملة.
[ ٣٢ / ٦٩ ]
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٨٨ - (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ (^١) بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الأَسْوَدِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ مَظْلُومًا، فَلَهُ الْجَنَّةُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو نساني، ثقة ثبت [١١] ١٧٠/ ٨٩٨. و"عبد اللَّه": هو ابن يزيد المكيّ، أبو عبد الرحمن المقرئ، البصريّ الأصل، أو الأهواز، ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنة، من كبار شيوخ البخاريّ [٩] ٤/ ٧٤٦.
و"سعيد": هو ابن أبي أيّوب/ مِقلاص الْخُزَاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٢٧/ ١٨٨٠. و"أبو الأسود، محمد بن عبد الرحمن": هو المدنيّ المعروف بيتيم عروة، ثقة [٦] ٤/ ٧٤٦. و"عكرمة": هو مولى ابن عبّاس.
وقوله: "من قُتل دون ماله مظلومًا الخ" هكذا في رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا اللفظ، وهو اللفظ المشهور بهذا السند، ورواه البخاريّ، عن المقرئ، بسند المصنّف، بلفظ: "من قُتل دون ماله، فهو شهيد". فقال الإسْمَاعِيليّ: وكذا أخرجهُ البُخارِي، وكأنَّة كتبهُ من حِفظه، أوْ حدّث بِهِ المُقرئُ من حِفظه، فجاء بِهِ على اللفظِ المشهور، وإِلا فقد رواهُ الجماعة، عن المُقرئ بِلفظ: "من قُتِل دُون مالِهِ مظلُومًا، فلهُ الجنَّة"، قال: ومنْ أتى بِهِ على غيرِ اللفظِ الذِي اعْتِيد، فهُو أوْلى بِالحفظِ، ولا سِيَّما، وفِيهِم مِثلُ دُحيم. وكذلِك ما زِادُوهُ، من قوْلِهِ: "مظلُومًا"، فإِنة لا بُدّ من هذا القيدِ. وساقهُ مِن طرِيق دُحيم، وابن أبِي عُمر، وعبد العزِيز بن سلام.
قُال الحافظ: وكذلِك أخرجهُ النساثِي، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ فضالة، عن المُقرئ، وكذلِك رواهُ حيوة بن شُريح، عن أبِي الأسودِ، بِهذا اللفظِ، أخرجهُ الطَّبرِيّ.
نعم لِلحدِيثِ طرِيق أُخرى، عن عِكرِمة، أخرجها النَّسائِي بِاللفْظِ المشهور.
قال الجامع: هي الرواية التالية لهذه الرواية. قال: وأخرجهُ مسْلِم كذلِك، من طريقِ ثابِت بن عِياض، عن عند اللَّه بن عمرو. وفِي رِوايتِهِ قصَّة، قال: "لمَّا كان بين عبد اللَّه بن عَمْرو، وبين عنبسة بن أبِي سُفْيان، ما كان -يُشِيرُ لِفقِتالِ- فركِب خالِد بن العاصِ، إِلى عبد اللَّه بن عمرو، فوعظهُ، فقال عند اللَّه بن عمرو: أما علِمت .. "فذكر الحديث.
_________________
(١) بفتح الفاء، وتخفيف الضاد المعجمة.
[ ٣٢ / ٧٠ ]
وأخرجه النسائيّ من وجهين آخرين (^١)، وأبو داود، والترمذيّ من وجه آخر، كلهم عن عبد اللَّه بن عمرو باللفظ المشهور، وفي رواية لأبي داود، والترمذيّ: "من أُريد ماله بغير حقّ، فقاتل، فقُتل فهو شهيد" (^٢)، ولابن ماجه من حديث ابن عُمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - نحوه. قال: وروى الترمذيّ، وبقيّة أصحاب السنن (^٣) من حديث سعيد بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنه - نحوه، وليه ذكر الأهل، والدم، والدِّين. وفي حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - عند ابن ماجه: "من أُريد ماله ظلمًا، فقُتل فهو شهيد". انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (^٤).
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٨٩ - (أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْهُذَيْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُعَيْرُ بْنُ الْخِمْسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، "محمد بن جعفر ابن الْهُذَيل": هو الكوفيّ، سبط أبي أُسامة، ثقة صاحب حديث [١١]. ٢/ ٣٦٥٠.
و"عاصم بن يوسف": هو الْيَربوعيّ، أبو عمرو الخيّاط الكوفيّ، ثقة، من كبار [١٠] ٦٧/ ٢٣٢٢.
و"سُعَير" آخره راء، مُصغرًا - ابن الخِمس" بكسر المعجمة، وسكون الميم،، آخره مهملة- التميميّ، أبو مالك، ويقال: أبو الأحوص، صدوقٌ [٧].
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال عبد اللَّه بن داود الْخُرَيبيّ: شَهِدتُ سُعير بن الخِمس، وقُرَّب إلى قبره لَيُدفنَ، فتحرّك عضوٌ من أعضائه، فكُشف الثوب عن وجهه، فإذا نَفَسه، فرُدّ إلى منزله، فوُلد له مالك بن سُعير بعد ذلك. وقال الترمذيّ: ثقة عند أهل الحديث. وقال ابن سعد: كان صاحب سنّة، وعنده أحاديث.
وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال أبو الفضل بن عمّار الشهيد: أخطأ في غير ما حديث، مع
_________________
(١) أحد الطريقين هو طريق حاتم بن أبي صغيرة المتقدّمة أول الباب. والثاني طريق محمد بن طلحة الآتية قريبًا.
(٢) هذه الرواية تأتي للمصنّف بعد حديث، وسيقول المصنف: إنها خطأ.
(٣) سيأتي للمصنّف بعد حديثين، إن شاء اللَّه تعالى.
(٤) "فتح" ٥/ ٤١٨ - ٤١٩ "كتاب المظالم" رقم الحديث:٢٤٨٠.
[ ٣٢ / ٧١ ]
قلّة ما روى. روى له مسلم حديثًا واحدًا في الوسوسة، رفعه هو، وأرسله غيره، وروى له المصنّف هذا الحديث فقط. وروى له الترمذيّ حديثين: هذا الحديث، وحديث: "بُني الإسلام على خمس" الحديث.
و"عبد اللَّه بن الحسن" بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، وأمه فاطمة بنت الحسين بن عليّ، ثقة جليل القدر [٥].
وثّقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال يحيى ابن المغيرة الرازيّ، عن جرير: كان مغيرة إذا ذُكر له الرواية عن عبد اللَّه بن الحسن، قال: هذه الرواية الصادقة. وقال مصعبٌ الزبيري: ما رأيت أحدًا من علمائنا يُكرمون أحدًا ما يُكرمونه. وقال محمد بن سعد: عن محمد بن عمر: كان من الْعُبّاد، وكان له شَرَفٌ، وعارضةٌ، وهيبةٌ، ولسانٌ شديد. وقال محمد بن سلام الجمحيّ: كان ذا منزلة من عمر بن عبد العزيز. قال ابنه موسى: تُوفّي في حبس أبي جعفر، وهو ابن (٧٥) سنة. وقال الواقديّ: كان موته قبل قتل ابنه بأشهر، وكان قتل محمد في رمضان، سنة (١٤٥). روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٩٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَقَاتَلَ، فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ حَدِيثُ سُعَيْرِ بْنِ الْخِمْسِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"سفيان": هو ابن سعيد الثوريّ.
و"إبراهيم بن محمد بن طلحة" بن عُبيد اللَّه التيميّ، أبو إسحاق المدنيّ، وقيل: الكوفيّ، ثقة [٣].
قال يعقوب بن شيبة: ثقة. وقال العجليّ: ثقة رجلٌ صالح. وقال ابن سعد: كان شريفًا، صارمًا، له عارضة وإقدامٌ، وكان قليل الحديث. وقال النسائيّ: كان أحد النبلاء. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال مصعبٌ الزبيريّ: استعمله ابن الزبير على خراج الكوفة، وبقي حتى أدرك هشام بن عبد الملك. مات سنة (١١٠)، ومولده سنة (٣٦)، فروايته عن عمر مرسلة. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
[ ٣٢ / ٧٢ ]
وقولُهُ "من أُرِيد مالُهُ" بِالرَّفع: أي الإنسانُ الذِي أراد إِنسان آخرُ أن يأخُذ مالهُ. وقوله: "بِغيرِ حقّ": أي ظُلْمًا. وقوله: "فقاتل": أي ذَلِكَ الإنسانُ الّذِي هُو مالِكُ المال، دُون مالِهِ وقوله: "فقُتِل" بصِيغةِ المجهول، أيْ مالِكُ المال. وقوله: "فهُو شهِيدٌ": أفي مالِكُ المالِ المقتُولُ، أيْ في حُكم الآخِرةِ.
وقول المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: "هذا خطأ، والصواب حديث سُعير بن الخِمْس"، أراد به أن الصواب كون حديث عبد اللَّه بن الحسن، عن عكرمة، عن عبد اللَّه بن عمرو، كما رواه سُعير بن الخمس، لا عن عبد اللَّه بن الحسن، عن إبراهيم بن محمد ابن طلحة، عن عبد اللَّه بن عمرو، كما رواه سفيان الثوريّ، هذا الذي يظهر من كلامه -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن لم يظهر لي وجه تصويبه رواية سُعير بن الْخمس السابقة، وتخطئته رواية سفيان هذه، فإن كان لموافقتها لرواية محمد بن عبد الرحمن السابقة، حيث إنه رواها عن عكرمة، عن عبد اللَّه بن عمرو، بخلاف رواية سفيان، فإنه خالفه في ذلك، فجعله عن عبد اللَّه بن حسن، عن إبراهيم بن محمد، عن عبد اللَّه بن عمرو، فهذا لا يضرّ، فإن سفيان إمام ثقة حافظ متقنٌ، ومع ذلك لم ينفرد به، بل تابعه عليه عبد العزيز بن المطّلب، وهو صدوقٌ، فقد أخرجه الترمذيّ، عن بندار، عن أبي عامر العقديّ، عن عبد العزيز بن المطّلب، عن عبد اللَّه بن حسن، عن إبراهيم بن محمد، عن عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنه -، ثم قال الترمذيّ: حسن صحيح (^١).
فالذي يظهر أن الحديث صحيح، من كلتا الطريقين.
وله أيضًا طريق آخر، فقد أخرجه ابن ماجه في "الحدود" عن بندار، بسند الترمذيّ، لكنه قال: عن عبد اللَّه بن الحسن، عن الأعرج، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -. قال الحافظ في "النكت الظراف": فكأنّ لعبد اللَّه بن الحسن فيه شيخان. انتهى.
والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٩١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ»).
_________________
(١) هكذا في "تحفة الأشراف" ٦/ ٢٧٩ عزه إلى الترمذيّ، والذي في النسخة الموجودة عندي لفظ "حديث حسن" فقط، ولعله لاختلاف النسخ. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣٢ / ٧٣ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١]. ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنّف.
و"معاوية بن هشام": هو القصّار، أبو الحسن الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ، من صغار [٩] ٣٩/ ١٧٥٤.
وقوله: "عن محمد بن إبراهيم بن طلحة" خطأٌ، والصواب: "عن إبراهيم بن محمد ابن طلحة"، كما تقدّم في السند الماضي، وقد أشار المصنّف إلى هذا في "الكبرى" حيث قال بعد إحراجه بهذا السند: ما نصّه: "قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب الذي قبله". انتهى. يعني رواية يحيى بن سعيد القطّان التي في السند السابق، حيث سمّى الراوي "إبراهيم بن محمد بن طلحة". والخطأ فيه من معاوية بن هشام، حيث قلب "إبراهيم بن محمد" إلى "محمد بن إبراهيم" (^١).
[تنبيه]: تخطئة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا غير تخطئته في السند الماضي، فإنه هناك خطأ كون الحديث من رواية عبد اللَّه بن حسن، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عبد اللَّه بن عمرو، وصوّب كونه من رواية عبد اللَّه بن حسن، عن عكرمة، عن عبد اللَّه بن عمرو، وقد سبق ما فيه.
وأما تخطئته هنا فهو تخطئة قلب اسم إلى اسم آخر، فخطّأ قوله: "محمد بن إبراهيم"، وقال: الصواب: "إبراهيم بن محمد"، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٩٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَقُتَيْبَةُ، وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ، قَالَا: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"سفيان": هو ابن عُيينة. و"طلحة بن عبد اللَّه بن عوف": هو الزهريّ المدنيّ القاضي، الملقّب طلحة النَّدَى، ثقة مكثر فقيه [٣] ٧٧/ ١٩٨٧.
و"سعيد بن زيد"بن عمرو بن نُفيل العدويّ، أبو الأعور، أحد العشرة. روى عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وعنه ابنه هشام، وابن عمر، وعمرو بن حُريث، وأبو الطُّفيل، وقيس بن أبي حازم، وغيرهم. ذكر عروة بن الزبير أنه ممن ضرب رسول
_________________
(١) راجع "النكت الظراف" على الأطراف" للحافظ ابن حجر ج ٦/ ٣٦٧. في ترجمة عكرمة، عن عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنه -.
[ ٣٢ / ٧٤ ]
اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - سهمه، وأجره في بدر، هو وطلحة، وكان بعثهما يتجسّسان له أمر عِير قُريش، فلم يحضُرا بدرًا. وقال ابن عبد البرّ: كان إسلامه قديمًا قبل عمر، وبسبب زوجته كان إسلام عمر، وهاجر هو وامرأته فاطمه بنت الخطّاب.
وقال قيس بن أبي حازم: قال سعيد بن زيد: لقد رأيتني، وإن عمر لموثقي على الإسلام. ودعا سعيد على أروى بنت أويس لَمّا استعدت عليه، وادّعت أنه غصبها أرضها، فقال: اللَّهمّ إن كانت ظالمةً، فأَعم بصرَها، واجعل قبرها في بئرها، فعَمِيت أروى، ثم وقعت في البئر، فماتت، وخبرها مشهور، ورواه الزبير بن بكّار في "كتاب النسب" بسند صحيح. وقال الواقديّ: توفّي بالعقيق، فحُمل إلى المدينة، فدُفن بها، وذلك سنة (٥٠)، أو (٥١)، وكان يوم مات ابن بضع وسبعين سنة، وكان رجلًا طُوَالًا، آدم، أشعر. وقال: وهذا أثبت عندنا، لا خلاف فيه بين أهل البلد، وأهل العلم، وروى أهل الكوفة أنه مات عندهم. وقال يحيى بن بُكير، وخليفة،: مات سنة (٥١)، وقال عبد اللَّه بن سعيد الزهريّ: مات سنة (٥٢).
روى له الجماعة، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط، كرّره أربع مرّات، في هذا الباب، والبابين بعده.
وشرح الحديث تقدّم في حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وفيه مسألتان تتعلّقان به:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعيد بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٢/ ٤٠٩٢ و٢٣/ ٤٠٦ و٤٠٩٧/ ٢٤ - وفي "الكبرى"٢٢/ ٣٥٥٤ و٢٣/ ٣٥٥٧ و٢٤/ ٣٥٥٨. وأخرجه (د) في "السنّة" ٤٧٧٢ (ت) في "الديات" ١٤١٨ و١٤٢١ (ق) في "الحدود" ٢٥٨٠ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٦٣١ و١٦٣٦ و١٦٥٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٩٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابيّ. و"محمد بن إسحاق": هو المطّلبي، إمام المغازي.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه
[ ٣٢ / ٧٥ ]
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٩٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُؤَمَّلُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن نصر": هو النيسابوريّ الزاهد المقرئ، أبو عبد اللَّه بن أبي جعفر، ثقة فقيه حافظ [١١]. ٦٠/ ١٧٨٢ من أفراد المصنّف، والترمذيّ.
و"المؤمّل" بهمزة، بوزن محمد- بن إسماعيل العدويّ، مولى آل الخطاب، وقيل: مولى بني بكر، أبو عبد الرحمن البصريّ، نزيل مكّة، صدوقٌ سيّء الحفظ، من صغار [٩].
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: أيّ شيء حاله؟ فقال: ثقة، قلت: هو أحبّ إليك، أو عُبيد اللَّه يعني ابن موسى؟ فلم يُفضّل. وقال أبو حاتم: صدوق، شديدٌ في السنّة، كثير الخطإ. وقال البخاريّ: منكر الحديث. وقال الآجرّي: سألت أبا داود عنه؟ فعظّمه، ورفع مى شأنه، إلا أنه يَهِم في الشيء. وقال يعقوب بن سفيان: مؤمّل أبو عبد الرحمن شيخٌ جليلٌ سُنّيّ، سمعت سليمان بن حرب يُحسن الثناء عليه، كان مشيختنا يُوصُون به، إلا أن حديثه لا يُشبه حديث أصحابه، وقد يجب على أهل العلم أن يقِفوا عن حديثه، فإنه يروي المناكير عن ثقات شيوحه، وهذا أشدّ، فلو كانت هذه المناكير عن الضعفاء لكنّا نجعل له عُذرًا. وقال الساجيّ: صدوقٌ كثير الخطإ، وله أوهامٌ يطول ذكرها. وقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط. وقال ابن قانع: صالحٌ يُخطىء. وقال إسحاق بن راهويه: حدثنا مؤمّل بن إسماعيل ثقة. وقال محمد بن نصر المروزيّ: المؤمّل إذا انفرد بحديث وجب أن يُتوقّف، ويُتثتت فيه؛ لأنه كان سيّء الحفظ، كثير الغلط. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربّما أخطأ، مات يوم الأحد لسبع عشرة ليلة، خلت من شهر رمضان، سنة (٢٠٦) وهكذا أرّخه البخاريّ، عن ابن أبي بزّة. قال البخاريّ: أما ابنه، فقال: نحن من صليبة كنانة، قال: وحدّثني من أثق به أنه مولى لبني بكر.
علّق له البخاريّ، وأخرج له المصنّف، وأبو داود في" القدر"، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديثان فقط: هذا الحديث، وفي "كتاب البيوع" ٥١/ ٤٥٨٧ - حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه كان لا يرى بأسًا في قبض الدراهم من الدنانير، والدنانير من الدراهم".
[ ٣٢ / ٧٦ ]
و"سفيان": هو الثوريّ. و"علقمة بن مَرْثَد": الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [٦] ١٠٣/ ٢٠٤٠. و"سليمان بن بُريدة": هو الأسلميّ المروزيّ، قاضيها، ثقة [٣] ١٠١/ ١٣٣. و"أبوه": هو بُريدة بن الْحُصيب، أبو سهل الأسلميّ، صحابيّ، أسلم قبل بدر، ومات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٦٣) ١٠١/ ١٣٣.
والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو صحيح بالأسانيد الماضية، وأما بهذا السند، فضعيف، كما سيأتي الكلام عليه في الذي بعده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٩٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: حَدِيثُ الْمُؤَمَّلِ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. وأبو جعفر": هو محمد بن عليّ بن الحسين المدنيّ المعروف بالباقر، ثقة فاضلٌ [٤] ١٢٣/ ١٨٢.
وقوله: "دون مظلمته" بفتح الميم، وكسر اللام-: أي دون من أراد ظلمه بأخذ شيء من ماله، أو نحوه. قال المجد في "القاموس": والْمَظْلِمَةُ بكسر اللام، وكثُمَامة: ما تظلَّمه الرجل. انتهى. وقال الفيّوميّ في "المصباح": الظُّلْم أي بضمّ، فسكون-: اسم من ظَلَمَهُ ظَلْمًا، من باب ضرب، ومَظْلِمَةً بفتح الميم، وكسر اللام- وتُجعَلُ الْمَظْلِمَة اسمًا لما تَطْلُبُهُ عند الظالم. انتهى. وقال ابن منظور في "اللسان": والظُّلَامَةُ، والظَّليمَة، والْمَظلِمَةُ: ما تَطْلُبُهُ عند الظالم، وهو اسمُ ما أُخِذ منك. وفي "التهذيب": الظُّلَامة: اسم مَظْلِمَتِك التي تطلُبُها عند الظالم. انتهى.
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن: حديث المؤمّل خطأ الخ" أشار به إلى أن حديث بُريدة بن الحُصيب المذكور قبله، من طريق المؤمّل موصولًا خطأ، والصواب حديث أبي جعفر مرسلًا، وإنما رتجح -رحمه اللَّه تعالى- المرسل على الموصول؛ لمخالفة المؤمّل وقد تكلّم فيه الأكثرون؛ لسوء حفظه، وكثرة أوهامه، كما سبق قرينًا في ترجمته- عبد الرحمن بن مهديّ، وهو إمام حافظ متقن، فتكون روايته محفوظة، وسيأتي حديث أبي جعفر موصولًا عن سُويد بن مقرّن - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى.
والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ ٣٢ / ٧٧ ]