قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الباب أوّل أبواب النذور، يقال (^١): نذَرتُ أنذِرُ، وأنذُر، من بأبي ضرب، ونصر: إذا أوجبت على نفسك شيئًا تبرّعًا، من عبادة، أو صدقة، أو غير ذلك. أفاده في "النهاية" (^٢).
وقال في "الفتح": والنذر في اللغة: التزام خير، أو شرّ، وفي الشرع: التزام المكلّف شيئًا، لم يكن عليه، منجزًا، أو معلّقًا، وهو قسمان: نذر تبرّر، ونذر لَجَاجٍ، ونذر التبرّر قسمان:
[أحدهما]: ما يُتقرّب به ابتداء، كللَّه عليّ أن أصوم كذا، ويلتحق به ما إذا قال: للَّه عليّ أن أصوم كذا شُكرًا على ما أنعم به عليّ من شفاء مريضي مثلًا. وقد نقل بعضهم الاتفاق على صحّته، واستحبابه. وفي وجه لبعض الشافعيّة أنه لا ينعقد.
[والثاني]: ما يُتقرّب به ملّعقًا بشيء ينتفع به إذا حصل له، كإن قدم غائبي، أو كفاني اللَّه شرّ عدوّي، فعلي صوم كذا مثلًا، والمعلّق لازم اتّفاقًا، وكذا المنجز في الراجح. ونذر اللَّجَاج قسمان:
[أحدهما]: ما يعلّقه على فعل حرام، أو ترك واجب، فلا ينعقد في الراجح، إلا أن إن كان فرض كفاية، أو كان في فعله مشقّةٌ، فليزمه، ويلتحق به ما يُعلّقه على فعل مكروه.
[والثاني]: ما يعلّقه على فعل خلاف الأولى، أو مباح، أو ترك مستحبّ، وفيه ثلاثة أقوال للعلماء: الوفاء، أو كفّارة يمين، أو التخيير بينهما. واختلف الترجيح عند
_________________
(١) تقدّم بيان معنى النذر في أول "كتاب الأيمان والنذر"، وما هنا لزيادة الفوائدة، وتكميل العوائد، فتنبّه.
(٢) "النهاية" ٥/ ٣٩.
[ ٣٠ / ٣٧٣ ]
الشافعيّة، وكذا عند الحنابلة، وجزم الحنفيّة بكفّارة اليمين في الجميع، والمالكيّة بأنه لا ينعقد أصلًا. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما قاله المالكيّة؛ لحديث: "إنما النذر ما ابتغي به وجه اللَّه". رواه أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فهو وإن كان في إسناد مقال، إلا أن له شواهد من حديث عقبة بن عامر، ومن حديث ابن عبّاس - ﵄ -، كما سيأتي بيانه.
والحاصل أن الأرجح أنه لا شيء في النذر في المكروه، وخلاف الأولى، والمباح المحض. واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: صيغة النذر أن يقول: للَّه عليّ أن أفعل كذا، وإن قال: عليّ نذرُ كذا لزمه أيضًا؛ لأنه صرّح بلفظ النذر. وإن قال: إن شفاني اللَّه فعليّ صوم شهر، كان نذرًا. وإن قال: للَّه عليّ المشي إلى بيت اللَّه، قال ابن عمر، في الرجل يقول: عليّ المشي إلى الكعبة للَّه، قال: هذا نذرٌ، فليمش، ونحوه عن القاسم ابن محمد، ويزيد بن إبراهيم التيميّ (^٢)، ومالك، وجماعة من العلماء. واختُلف فيه على سعيد بن المسيّب، والقاسم بن محمد، فروي عنهما مثل قولهم، وروي عنهما فيمن قال: عليّ المشي إلى بيت اللَّه، فليس بشيء، إلا أن يقول: عليّ نذر مشيٍ إلى بيت اللَّه. قال؛ ولنا أن لفظة "عليَّ" للإيجاب على نفسه، فهذا قال: عليّ المشي إلى بيت اللَّه، فقد أوجبه على نفسه، فزمه، كما لو قال: هو عليّ نذرٌ. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (^٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٢٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد بن الحارث) الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٢٩ - ٤٣٠. "كتاب الإيمان والنذور" رقم الحديث ٦٦٩٠.
(٢) هكذا النسخة، ولعل الصواب: وإبراهيم بن يزيد التيميّ، فليُحرّر.
(٣) "المغني" ١٣/ ٦٥٩.
[ ٣٠ / ٣٧٤ ]
٤ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢.
٥ - (عبد اللَّه بن مرّة) الهمدانيّ البخاريّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١٧/ ١٨٦٠.
٦ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون، غير الصحابيّ، فإنه مدني. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ النَّذْرِ) وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي -٢٦/ ٣٨٣٢ - قال: "لا تنذروا" بصريح النهي. قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا غريبْ من العلم، وهو أن يُنهى عن الشيء أن يُفعَل، حتى إذا فُعل وقع واجبًا. انتهى.
قال القرطبيّ: هذا النذر محلّه أن يقول: إن شفى اللَّه مريضي، أو قَدِم غائبي فعليّ عتق رقبة، أو صدقة كذا، أو صوم كذا، ووجه هذا النهي هو أنه لَمّا وقف فعل هذه القربة على حصول غرض عاجل ظهر، أنه لم يتمحّض له نية التقرّب إلى اللَّه تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ألا ترى أنه لو لم يحصل غرضه لم يفعل؟ وهذه حال البخيل، فإنه لا يُخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يربّي على ما أخرج، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله - ﷺ -: إنما يُستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يُخرجه"، ثم يُضاف إلى هذا اعتقاد جاهل يظنّ أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن اللَّه تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة بقوده - ﷺ -: "فإن النذر لا يردّ من قدر اللَّه شيئًا". وهاتان جهالتان، فالأولى تقارب الكفر، والثانية خطأٌ صُراح.
وإذا تقرّر هذا، فهل هذا النهي محمول على التحريم، أو على الكراهة؟ المعروف من مذاهب العلماء الكراهة، قال القرطبيّ: والذي يظهر لي حمله على التحريم في حقّ من يُخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرّمًا، والكراهة في
[ ٣٠ / ٣٧٥ ]
حقّ من لم يعتقد ذلك. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو حسن جدًّا، وسيأتي بيان ما قاله العلماء في معنى النهي عن النذر تفصيلًا في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(وَقَالَ) - ﷺ - (إِنَّهُ) أي النذر (لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ) أي لا يردّ شيئًا من القدر، كما بينته الرواية التالية: "لا يأتي النذر على ابن آدم شيئًا، لم أقدّره عليه". وقال في "الفتح": أي أن عقباه لا تُحمَد، وقد يتعذر الوفاء به. وقد يكون معناه: لا يكون سببًا لخير لم يُقدّر، كما في الحديث، وبهذا الاحتمال الأخير صدّر ابن دقيق العيد كلامه، فقال: يحتمل أن تكون الباء للسببيّة، كأنه قال: لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر، وطبعه في طلب القربة، والطاعة من غير عِوَض يحصل له، وإن كان يترتّب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه. انتهى (^١).
[تنبيه]: وقع في بعض نسخ البخاري: "لا يأت" بغير ياء، قال في "الفتح": وليس بلحن؛ لأنه قد سُمع من كلام العرب. انتهى (^٢).
(إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ) بالبناء للمفعول (مِنَ الْبَخِيلِ) وفي الرواية التالية: "من الشحيح"، وفي رواية ابن ماجه: "من اللثيم"، ومدار الجميع على منصور بن المعتمر، عن عبد اللَّه ابن مرّة، فالاختلاف في اللفظ المذكور من الرواة عن منصور، والمعاني متقاربة؛ لأن الشح أخصّ، واللؤم أعمّ، قال الراغب الأصفهانيّ: البخل إمساك الْمُقْتَنَيات عمّا لا يَحِقُّ حبسها، والشخ بخلٌ مع حرص، واللزم فعل ما يلام عليه. انتهى (^٣). وقال البيضاويّ: عادة الناس تعليق النذر على تحصيل منفعة، أو دفع مضرّة، فنُهي عنه؛ لأنه فعل البخلاء، إذ السخي إذا أراد أن يتقرّب بادر إليه، والبخيل لا تُطاوعه نفسه بإخراج شيء من يده إلا في مقابلة عوض، يستوفيه أوْلًا، فليلتزمه في مقابلة ما يحصُل له، وذلك لا يُغني من القدر شيئًا، فلا يسوق إليه خيرًا لم يُقدّر له، ولا يردّ عنه شرًّا قُضي عليه، لكن النذر قد يوافق القدر، فيُخرج من البخيل ما لولاه لم يكن ليُخرِجه. ذكره في "الفتح" (^٤).
[فإن قيل]: هذا الحديث بظاهره يعارض (^٥) ما أخرجه الترمذيّ من حديث أنس
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦.
(٢) "فتح" ١٣/ ٤٣٦.
(٣) راجع "المفردات" ص ١٠٩ و٤٤٦.
(٤) "فتح" ١٣/ ٤٣٨.
(٥) هذا على تقدير صحة الحديث، وإلا فهو ضعيفٌ؛ وإن في سند عبد اللَّه بن عيسى الخِزّاز ضعيف. فتنبّه.
[ ٣٠ / ٣٧٦ ]
- ﵁ - مرفوعًا: إن الصدقة تدفع ميتة السوء"، فكيف يُجمع بينهما؟.
[أُجيب]: بأنه يُجمع بينهما بأن الصدقة تكون سببًا لدفع ميتة السوء، والأسباب مقدّرة كالمسببّات، وقد قال - ﷺ - لمن سأله عن الرُّقَى، هل تردّ من قدر اللَّه شيئًا؟ قال: "هي من قدر اللَّه". أخرجه أبو داود، والحاكم، ونحوه قول عمر - ﵁ -: "نفرّ من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه"، ومثل ذلك مشروعيّة الطبّ، والتداوي. وقال ابن العربيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: النذر شبيه بالدعاء؛ فإنه لا يردّ القدر، ولكنَّه من القدر أيضًا، ومع ذلك نُهي عن النذر، ونُدب إلى الدعاء، والسبب فيه أن الدعاء عبادة عاجلة، ويظهر به التوجّه إلى اللَّه، والتضرّع له، والخضوع، وهذا بخلاف النذر، فإن فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول، وترك العمل إلى حين الضرورة. انتهى. ذكره في "الفتح" (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٤/ ٣٨٢٨ و٣٨٢٩ و٢٥/ ٣٨٣٠ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٧٤٣ و٤٧٤٤ و٢/ ٤٧٤٥. وأخرجه (خ) في "القدر" ٦٦٠٨١ و"الأيمان" ٦٦٩٢ و٦٦٩٣ (م) في "النذور والأيمان" ١٦٣٩ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٨٧ (ق) في "الكفّارات" ٢١٢٢ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٥٢٥٣ و٥٥٦٧ و٥٩٥٨ (الدارمي) في "النذور والنذور" ٢٣٤٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن النذر، وسيأتي أقوال أهل العلم في معنى هذا الهي في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): ما قال ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه حجة على وجوب الوفاء بما التزمه الناذر؛ لأن الحديث نصّ على ذلك بقوله: "يُستخرج به"، فإنه لو لم يلزمه إخراجه لما تمّ المراد من وصفه بالبخل من صدور النذر عنه، إذ لو كان مخيّرًا في الوفاء لاستمرّ لبخله على عدم الإخراج. (ومنها): أن فيه الردّ على القدريّة، حيث إن القدر دفع البخيل أن يخرج ماله، فلو كان يخلق أفعال نفسه لما أخرج ذلك. (ومنها): أن كلّ شيء يبتدئه المكلّف
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٣٨ - ٤٣٩.
[ ٣٠ / ٣٧٧ ]
من وجوه البرّ أفضل مما يتلزمه بالنذر. قاله الماورديّ. (ومنها): أن فيه الحثّ على الإخلاص في عمل الخير. (ومنها): أن فيه ذمّ البخل. (ومنها): أن من اتّبع المأمورات، واجتنب المنهيّات لا يُعد بخيلًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المر جع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى النهي عن النذر:
قال في "الفتح": وقد اختلف العلماء في هذا النهي، فمنهم: من حمله على ظاهره، ومنهم من تأوله. قال ابن الأثير في "النهاية": تكرّر النهي عن النذر في الحديث، وهو تأكيد لأمره، وتحذيرٌ عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يُفعل لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به، إذ كان بالنهي يصير معصيةً، فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمرٌ لا يجرّ لهم في العاجل نفعًا، ولا يَصرِف عنهم ضرًا، ولا يُغيّر قضاءً، فقال: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدر اللَّه لكم، أو تَصرِفوا به عنكم ما قدّره عليكم، فإذا نذرتم، فأخرُجوا بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم انتهى كلامه. ونسبه بعض شُرّاح "المصابيح" للخطّابيّ، وأصله من كلام أبي عُبيد فيما نقله ابن المنذر في "كتابه الكبير"، فقال: كان أبو عبيد يقول: وجه النهي عن النذر، والتشديد فيه ليس هو أن يكون مأثمًا، ولو كان كذلك ما أمر اللَّه أن يُوفَى به، ولا حُمد فاعله، ولكن وجهه عندي تعظيم شأن النذر، وتغليظ أمره؛ لئلا يتهاون به، فيفرط في الوفاء به، ويترك القيام به. ثم استدلّ بما ورد من الحثّ على الوفاء به في الكتاب والسنة. وإلى ذلك أشار المازريّ بقوله: ذهب بعض علمائنا إلى أن الغرض بهذا الحديث التحفّظ في النذر، والحض على الوفاء به. قال: وهذا عندي بعيد من ظاهر الحديث. ويحتمل عندي أن يكون وجه الحديث أن الناذر يأتي بالقربة مستقلًا لها لَمّا صارت عليه ضربة لازب، وكلّ ملزوم، فإنه لا ينشط للفعل نشاط مطلق الاختيار. ويحتمل أن يكون سببه أن الناذر لما لم ينذر القربة إلا بشرط أن يفعل له ما يُريد صار كالمعاوضة التي تقدح في نية المتقرّب. قال: ويشير إلى هذا التأويل قوله: "إنه لا يأتي بخير"، وقوله: "إنه لا يقرّب من ابن آدم شيئًا لم يكن اللَّه قدّره له"، وهذا كالنصّ على هذا التعليل انتهى. والاحتمال الأول يعُمّ أنواع النذر، والثاني يخصّ نوع المجازات. وزاد القاضي عياض: ويقال: إن الإخبار بذلك وقع على سبيل الإعلام من أنه لا يغالِب القدر، ولا يأتي الخيرُ بسببه، والنهي عن اعتقاد خلاف ذلك خشية أن يقع ذلك في ظنّ بعض الجهلة. قال: ومُحصّل مذهب مالك أنه مباح، إلا إذا كان مؤيّدًا لتكرّره عليه في أوقات، فقد يثقل عليه فعله، فيفعله بالتكلّف من غير طيب نفس، وغير
[ ٣٠ / ٣٧٨ ]
خالص النيّة، فحينئذ يكره. قال: وهذا أحد محتملات قوله: "لا يأتي بخير"، كما تقدّم بيانه.
وقال الخطّابيّ: في "الأعلام": هذا باب من العلم غريبٌ، وهو أن يُنهى عن فعل شيء حتى إذا فعل كان واجبًا. وقد أكثر الشافعيّةُ -ونقله أبو عليّ السنجيّ عن نصّ الشافعيّ- أن النذر مكروه؛ لثبوت النهي عنه، وكذا نُقل عن المالكيّة، وجزم به عنهم ابن دقيق العيد، وأشار ابن العربيّ إلى الخلاف عنهم، والجزم عن الشافعيّة بالكراهة، قال: واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة؛ لأنه لم يَقصد به خالص القربة، وإنما قصد أن ينفع نفسه، أو يدفع عنها ضررًا بما التزمه. وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم، وتوقّف بعضهم في صحّتها. وقال الترمذيّ بعد أن ترجم كراهية النذر، وأورد حديث أبي هريرة - ﵁ -، ثم قال: وفي الباب عن ابن عمر، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وغيرهم كرهوا النذر. وقال ابن المبارك: معنى الكراهة في النذر في الطاعة، وفي المعصية، فإن نذر الرجل في الطاعة، فوفى به، فله فيه أجر، ويكره له النذر. قال ابن دقيق العيد: وفيه إشكالٌ على القواعد، فإنها تقتضي أن الوسيلة إلى الطاعة طاعة، كما أن الوسيلة إلى المعصية معصيةٌ، والنذر وسيلة إلى التزام القربة، فيلزم أن يكون قربة، إلا أن الحديث دلّ على الكراهة، ثم أشار إلى التفرقة بين نذر المجازات، فحمل النهي عليه، وبين نذر الابتداء، فهو قربةٌ محضة. وقال ابن أبي الدم في "شرح الوسيط": القياس استحبابه، والمختار أنه خلاف الأولى، وليس بمكروه. كذا قال، ونوزع بأن خلاف الأولى ما اندرج في عموم نهي، والمكروه ما نُهي عنه بخصوصه، وقد ثبت النهي عن النذر بخصوصه، فيه دون مكروهًا. قال الحافظ: وإني لأتعجب ممن انطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت النهىِ الصريح عنه، فأقل درجاته أن يكون مكروهًا كراهة تنزيه. وممن بني على استحبابه النوويّ في "شرح المهذب"، فقال: إن الأصحّ أن التلفّظ بالنذر في الصلاة لا يُبطلها؛ لأنها مناجاة اللَّه، فأشبه الدعاء انتهى. وإذا ثبت النهي عن الشيء مطلقًا، فترك فعله داخل الصلاة أولى، فكيف يكونْ مستحبًا، وأحسن ما يُحمل به عليه كلام هؤلاء نذر التبرّر المحض بأن يقول: للَّه عليّ أن أفعل كذا، أو لأفعنّله على المجازاة (^١).
وقد حمل بعضهم النهي على من علم من حاله عدم القيام بما التزمه. حكاه العراقيّ
_________________
(١) عبارة فيها نظر، ولعله: لا على المجازاة، فليُحرّر.
[ ٣٠ / ٣٧٩ ]
في "شرح الترمذيّ". ولَمّا نقل ابن الرفعة عن أكثر الشافعيّة كراهة النذر، وعن القاضي حسين المتولي بعده (^١)، والغزاليّ أنه مستحبّ؛ لأن اللَّه أثنى على من وفي به، ولأنه وسيلة إلى القربة، فيكون قربة. قال: ويمكن أن يتوسّط، فيقال: الذي دلّ عليه الخبر على كراهته نذر المجازاة، وأما نذر التبرّر، فهو قربة محضة؛ لأن للناذر فيه غرضًا صحيحًا، وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوّع. انتهى.
وجزم القرطبيّ في "المفهم" يحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على نذر المجازاة، فقال: هذا النذر محلّه أن يقول مثلًا: إن شفى اللَّه مريضي، فعليّ صدقة كذا. ووجه هذا الكراهة أنه لَمّا وقّف فعل هذه القربة على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحّض له نية التقرّب إلى اللَّه تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ويوضّحه أنه لو لم يُشف مريضه لم يتصدّق بما علّقه على شفائه، وهذه حالة البخيل، فإنه لا يُخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالبًا، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله - ﷺ -: "إنما يُستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يُخرجه"، قال: وقد ينضمّ إلى هذا اعتقاد جاهل يظنّ أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن اللَّه تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة بقوله - ﷺ -: "فإن النذر لا يردّ من قدر اللَّه شيئًا"، والحالة الأولى تقارب الكفر، والثانية خطأٌ صريح. قال الحافظ: بل تقرب من الكفر أيضًا.
ثم نقل القرطبيّ عن العلماء حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة، وقال: الذي يظهر لي حمله على التحريم في حقّ من يُخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرّمًا، والكراهة في حقّ من لم يعتقد ذلك. انتهى. قال الحافظ: وهو تفصيلٌ حسن، ويؤيّده قصَّة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر، فإنها في نذر المجازاة. وقد أخرج الطبريّ بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، قال: كانوا ينذرون طاعة اللَّه من الصلاة والصيام، والزكاة، والحج، والعمرة، وما افترض اللَّه عليهم، فسمّاهم اللَّه أبرارًا. وهذا صريحٌ في أن الثناء وقعَ في غير نذر المجازاة. وقد يُشعر التعبير بالبخيل أن المنهيّ عنه من النذر ما فيه مال، فيكون أخصّ من المجازاة، لكن قد يوصف بالبخل من تكاسل عن الطاعة، كما في الحديث المشهور: "البخيل من ذُكرتُ عنده، فلم يُصلّ عليّ". أخرجه النسائيّ، وصححه ابن حبّان، أشار إلى ذلك الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ".
_________________
(١) عبارة فيها ركاكة، فلينظر.
[ ٣٠ / ٣٨٠ ]
ثم نقل القرطبيّ الاتفاق على وجوب الوفاء بنذر المجازاة؛ لقوله - ﷺ -: "من نذر أن يطيع اللَّه تعالى، فليُطعه"، ولم يفرّق بين المعلّق وغيره انتهى. قال الحافظ: والاتفاق الذي ذكره مسلّمٌ، لكن في الاستدلال بالحديث المذكور لوجوب الوفاء بالنذر المعلّق نظر. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي لا نظر في ذلك، بل ما قاله القرطبيّ واضحٌ، حيث إن المعلق في جملة الأمر بالوفاء بالنذر، فيكون واجبًا. واللَّه تعالى أعلم.
ثم قال القرطبيّ: ومما يلحق بهذا النهي في الكراهة: النذر على وجه التبرّم، والتحرّج، فالأول كمن استثقل عبدًا لقلّة منفعته، وكثرة مؤنته، فينذر عتقه تخلّصًا منه، وإبعادًا له. وإنما يكره ذلك لعدم تمحّض نيّة القربة.
والثاني: أن يقصد التضييق على نفسه، والحمل عليها، بأن ينذر كثيرًا من الصوم، أو من الصلاة، أو غيرهما مما يؤدّي إلى الحرج والمشقة مع القدرة عليه، فأما لو التزم بالنذر ما لا يُطيقه لكان ذلك محرّمًا، فأما النذر الخارج عما تقدّم، فما كان منه غير معلّق على شيء، وكان طاعة جاز الإقدام عليه، ولزم الوفاء به، وأما ما كان منه على جهة الشكر، فهو مندوبٌ إليه، كمن شُفي مريضه، فقال: للَّه عليّ أن أصوم كذا، أو أتصدّق بكذا شكرًا للَّه تعالى.
وقد روي عن مالك كراهة النذر مطلقًا، فيمكن حمله على الأنواع التي بيّنّا كراهتها، ويُمكن حمله على جميع أنواعه، لكن من حيث إنه أوجب على نفسه ما يخاف عليه التفريط فيه، فيتعرّض لِلَوم الشرع، وعقوبته، كما قد كُره الدخول في الاعتكاف، وعلى هذا فتكون هذه الكراهة من باب تسمية ترك الأولى مكروهًا، ووجه هذا واضحٌ، وهو أن فعل القرب من غير التزام خيرٌ من محضٌ، عيريّ عن خوف العقاب، بخلاف الملتزم لها، فإنَّه يُخاف عليه ذلك فيها، وقد شهد لهذا ذمّ من قصر فيما التزم في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ الآية [الحديد: ٢٧]، ولا إشكال في أن النذر من جملة العقود، والعهود المأمور بالوفاء بها، وأن الوفاء بذلك من أعظم القرَب الْمُثنَى عليها، وكفى بذلك مدخا، وتعزيزا قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما تقدّم عن القرطبي من حمل النهي عن النذر على نذر المجازاة، كأن يقول: إن شفى اللَّه مريضي فعلي نذر أن أتصدق بكذا هو
_________________
(١) راجع "الفتح" ١٣/ ٤٣٥ - ٤٣٧.
(٢) "المفهم" ٤/ ٦٠٦ - ٦٠٨.
[ ٣٠ / ٣٨١ ]
الأرجح؛ لأن آخر الحديث يدلّ عليه، حيث قال: "إنه لا يرد شيئًا" وقال أيضًا: "لا يأتي النذر على ابن آدم شيئًا لم أقدره عليه"، وقال أيضًا: "النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخره"، فكل هذه النصوص تدُلّ دلالة واضحة على أن النذر المنهي عنه هو الذي كان في مقابلة حصول شيءَ، أو دفع شيء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٢٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ - اللَّهِ ﷺ - عَنِ النَّذْرِ وَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن منصور": هو أبو سعيد النسائيّ، ثقة [١١] ١٠٨/ ١٤٧. و"أبو نعيم": هو الفضل بن دُكين. و"سفيان": هو الثوريّ. و"منصور": هو ابن المعتمر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…