٣٨٣٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "النَّذْرُ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الَإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطّان. و"سفيان": هو الثوريّ. و"منصور": هو ابن المعتمر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وما يتعلّق به من المسائل في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٣١ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَأْتِي النَّذْرُ
[ ٣٠ / ٣٨٢ ]
عَلَى ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ أُقَدِّرْهُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ اسْتُخْرِجَ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ، صدوق، من صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكي، الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان، أبو عبد الرحمن المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٥] ١٧/ ١٨.
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ١٧/ ١٨.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبصريّ، وسفيان، فمكي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن هذا الإسناد من أصَحّ أسانيد أبي هريرة - ﵁ -. (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَال: (لَا يَأْتِي النَّذْرُ عَلَى ابْنِ آدَمَ شَيْئًا) "على" هنا بمعنى اللام، أي لابن آدم. ولفظ البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد: "لا يأتي ابنَ آدم النذر بشيء" بنصب "ابنَ آدم" على أنه مفعول مقدّم، ورفع "النذر" على أنه فاعل مؤخّر (لَمْ أُقَدِّرْهُ عَلَيْهِ) أي له، فـ "على" بمعنى اللام، وفي نسخة: "لم يُقدّره"، ولفظ البخاريّ: "لم أكن قدّرته له". قال في "الفتح": هذا من الأحاديث القدسيّة، لكن سقط منه التصريح بنسبته إلى اللَّه -﷿-، وقد أخرجه أبو داود في رواية ابن العبد، من رواية مالك، والنسائيّ -يعني هذه الرواية- وابن ماجه من رواية سفيان الثوريّ (^١)، كلاهما عن أبي الزناد. وأخرجه مسلم من رواية عمرو بن أبي عمرو، عن الأعرج. وفي رواية البخاريّ من طريق همّام، عن أبي
_________________
(١) سفيان الثوريّ في سند ابن ماجه، فقط، وأما سفيان في سند النسائيّ فهو ابن عيينة، راجع "تحفة الأشراف" خ ١٠ فقد أورد رواية ابن ماجه في ترجمة الثوريّ، عن أبي الزناد ١٠/ ١٦٥ وأرود رواية النسائيّ في ترجمة ابن عِيينة، عن أبي الزناد ١٠/ ١٧٣. فتنبّه. واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
[ ٣٠ / ٣٨٣ ]
هريرة، ولفظه: "لم يكن قدّرته". وفي رواية ابن ماجه: "إلا ما قُدّر له، ولكن يغلبه النذر، فأقدّره له". وفي رواية مالك: "بشيء لم يكن قُدّر له، ولكن يُلقيه النذر إلى القدر الذي قدّرته". وفي رواية مسلم: "لم يكن اللَّه قدّره له". وكذا وقع الاختلاف في قوله (وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ اسْتُخْرِجَ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ) بالبناء للمفعول، أي استخرج اللَّه تعالى بسبب ذلك النذر من يد البخيل ماَله الذي لولا النذر لما أخرجه. وفي نسخة: "يُستَخرَج به".
وفي رواية همّام: "ولكن يُلقيه النذرُ، وقد قدّرته له، أَستخرِج به من البخيل". وفي رواية مسلم: (ولكن النذر يوافق القدر، فيُخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يُخرج".
وقوله: "ولكن يُلقيه إلى القدر" قال الكرمانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: [فإن قيل]: القدّر هو الذي يلقيه إلى النذر. [قلنا]: تقدير النذر غير تقدير الإلقاء، فالأول يُلجئه إلى النذر، والنذر يُلجئه إلى الإعطاء. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٥/ ١٣٨٣ و٢٦/ ٣٨٣٢ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٧٤٦ و٣/ ٤٧٤٧. وأخرجه (خ) في "القدر" ٦٦٠٩ و"الأيمان والنذور" ٦٦٩٤ (م) في "النذور والأيمان" ١٦٤٠ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٨٨ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٣٨ (ق) في "الكفّارات" ٢١٢٣ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٢٥٥ و٢٧٣٦٩ و٨٦٤٣ و٢٧٤٩٧ و٩٦٤٧. واللَّه تعالى أعلم.
وأما سائر متعلّقات الحديث، من فوائده، وذكر اختلاف العلماء في معناه، وغير ذلك، فقد تقدمت في الباب السابق، فراجعها تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٣٨.
[ ٣٠ / ٣٨٤ ]