٣٨٣٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ، فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ، فَلَا يَعْصِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإِمام المدني، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] ٧/ ٧.
٣ - (طلحة بن عبد الملك) الأيليّ -بفتح الهمزة، بعدها ياء ساكنة- نزيل المدينة، ثقة [٦].
[ ٣٠ / ٣٨٥ ]
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ (^١)؛ ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. ووقال ابن سعد: كان ثقة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح المصريّ: ما سقط من أهل أيلة إلا الحكم بن عبد اللَّه، كلهم ثقات، وطلحة ثقة. وقال ابن خلْفون: قال ابن وضاح: هو ثقة فاضل. وقال الدارقطنيّ: ثقة. روى له الجماعة، غير مسلم، وله عندهم حديث الباب فقط.
٤ - (القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق، أبو عبد الرحمن المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت، من كبار [٣] ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمته. (ومنها): أن القاسم أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة المجموعين في قول الحافظ العراقيّ في "ألفية الحديث":
وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ … خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ
ثُمَّ سُلَيمَانُ عُبَيْدُ اللَّهِ … سَعِيدُ وَالسابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ
إمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ … أَوْ فَأَبو بَكير خِلَافٌ قَائِمُ
(ومنها): أن فيه من المكثرين السبعة عائشة - ﵂ -، روت (٢٢١٠) أحاديث.
وقد مرّ كلّ هذا في هذا الشرح غير مرّة، دىانما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ) قال في "الفتح": وذكر ابن عبد البرّ عن قوم من أهل الحديث أن طلحة تفرّد برواية هذا الحديث، عن القاسم. وليس كذلك، فقد تابعه أيوب، ويحيى بن أبي كثير عند ابن حبّان، وأشار الترمذيّ إلى رواية يحيى. ومحمدُ بْنُ أبان عند ابن عبد البرّ، وعبيدُ اللَّه بن عمر، عند الطحاويّ. ولكن أخرجه الترمذيّ من رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن طلحة، عن القاسم، وأخرجه البزار من رواية يحيى بن أبي
_________________
(١) بل عبارته في "الكبرى" في الباب التالي هكذا: قال أبو عبد الرحمن: طلحة بن عبد الملك ثقة ثقة ثقة.
[ ٣٠ / ٣٨٦ ]
كثير، عن محمد بن أبان، فرجعت رواية عبيد اللَّه إلى طلحة، ورواية يحيى إلى محمد ابن أبان، وسلمت رواية أيوب من الاختلاف، وهي كافيةٌ في ردّ دعوى انفراد طلحة به. وقد رواه أيضًا عبد الرحمن بن الْمُجَبِّر -بضمّ الميم، وفتح الجيم، وتشديد الموحّدة- عن القاسم. أخرجه الطحاويّ. انتهى (^١).
(عَنِ الْقَاسِمِ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق (عَنْ) عمّته (عَائِشَةَ) - ﵂ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ) أي بالوفاء بما التزمه (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ) أي لا يجوز له الوفاء بما التزمه من المعصية، وظاهره أنه لا ينعقد أصلًا. وقيل: ينعقد يمينًا، وفيه كفارة، وهو الحقّ.
وقال في "الفتح": الطاعة أعم من أن تكون في واجب، أو مستحبّ، ويُتصوّر النذر في فعل الواجب بأن يؤقّته، كمن ينذر أن يصلي الصلاة في أول وقتها، فيجب عليه ذلك بقدر ما أقته، وأما المستحت من جميع العبادات المالية، والبدنية، فينقلب بالنذر واجبًا، ويتقيّد بما قيده به الناذر، والخبر صريح في الأمر بوفاء النذر إذا كان في طاعة، وفي النهي عن ترك الوفاء به إذا كان في معصية، وهل يجب في الثاني كفّارة يمين، أم لا؟ قولان للعلماء، سيأتي بيانهما قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
وقد قسم بعض الشافعيّة الطاعة إلى قسمين: واجب عينًا، فلا ينعقد به النذر، كصلاة الظهر مثلًا، وصفةٌ فيه، فينعقد، كإيقاعها أول الوقت، وواجب على الكفاية، كالجهاد، فينعقد، ومندوبٌ عبادة عينًا كان، أو كفايةً، فينعقد، ومندوب لا يسمّى عبادَةَ، كعيادة المريض، وزيارة القادم، ففي انعقاده وجهان، والأرجح انعقاده، وهو قول الجمهور، والحديث يتناوله، فلا يُخصّ من عموم الخبر إلا القسم الأوّل؛ لأنه تحصيل الحاصل (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٧/ ٣٨٣٣ و٢٨/ ٣٨٣٤ و٣٨٣٥ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٤٧٤ و٥/
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٤٠.
(٢) "فتح" ١٣/ ٤٤٠ - ٤٤١.
[ ٣٠ / ٣٨٧ ]
٤٧٤٩ و٤٧٥٠. وأخرجه (خ) في، "الأيمان" ٦٦٩٦ و٦٧٠٠ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٨٩ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٢٤ و١٥٢٦ (ق) في "الكفّارات" ٢١٢٦ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٥٥ و١٥٢١٠ و٢٥٣٤٩ (موطّأ) في "النذور والأيمان" ١٠٣١ (الدارمي) في "النذور والأيمان" ٢٣٣٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة النذر في الطاعة. (ومنها): وجوب الوفاء في نذر الطاعة. (ومنها): عدم مشروعيّة النذر في المعصية، وأنه لو نذر يحرم عليه الوفاء بما التزمه، وهل تجب عليه الكفّارة، فيه خلاف بين العلماء، سيأتي في باب "كفّارة النذر"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…