قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما حدّث بما يدلّ على أن المزارعة كانت في عهد النبيّ - ﷺ - على جزء مشاع، مشترك بين المتعاقدين، وهو ما دلّ عليه حديثه الأول، والثاني، فان في الأول أنه - ﷺ - دفع خيبر إلى يهود على أنَّ له نصف ما يخرج منها، وفي الثاني أنه دفعها لهم على أن له نصف
[ ٣١ / ١٩٢ ]
ثمرتها، والثاني مفسّر للأول؛ لأن ما يخرج منها هو الثمر.
ثم أخبر ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - بأن المزارع كانت تكرى على عهد رسول اللَّه - ﷺ - على شرط مجهول، وذلك أن يكون لصاحب الأرض ما ينبت على الربيع، وهو النهر الصغير، وعلى طائفة من التبن.
وهذا يخالف قصَّة خيبر، فإنها كانت أجرتها معلومة لا تؤذي إلى تفضيل أحدهما على الآخر، بخلاف هذا، فإنه مما يؤدّي إلى النزاع، وهو الذي كان سببًا للنهي عن المزارعة، كما سبق في حديث زيد بن ثابت - ﵁ -، فإنه - ﷺ - لَمّا جاءه الرجلان، وقد اقتتلا، قال: "إن كان هذا شأنكم، فلا تكروا المزارع ".
لكن هذا يمكن توجيهه بأن يقال: حديث ابن عمر الأخير كان قبل النهي، بدليل الأحاديث الأخرى، كحديث زيد - ﵁ - المذكور، وغيره، فتكون أحاديث الإباحة متأخّرة عن أحاديث النهي، كما تقدّم بيان ذلك، مستوفي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٩٥٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، قَالَ: كَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: الأَرْضُ عِنْدِي مِثْلُ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَمَا صَلُحَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ، صَلُحَ فِي الأَرْضِ، وَمَا لَمْ يَصْلُحْ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ، لَمْ يَصْلُحْ فِي الأَرْضِ، قَالَ: وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَدْفَعَ أَرْضَهُ إِلَى الأَكَّارِ، عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا بِنَفْسِهِ، وَوَلَدِهِ، وَأَعْوَانِهِ، وَبَقَرِهِ، وَلَا يُنْفِقَ شَيْئًا، وَتَكُونَ النَّفَقَةُ كُلُّهَا مِنْ رَبِّ الأَرْضِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عمرو بن زُرارة) أبو محمد الكلابيّ النيسابوريّ، ثقة ثبت [١٠] ٧/ ٣٦٨.
٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم ابن عُليّة البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩.
٣ - (ابن عون) هو عبد اللَّه بن عون، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل [٥] ٢٩/ ٣٣.
٤ - (محمد) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣] ٤٦/ ٥٧. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الأثر
عن عبد اللَّه بن عون أنه (قال: كَانَ مُحَمَّدٌ) بن سيرين الأنصاريّ الإمام المشهور -رحمه اللَّه تعالى- (يَقُولُ: الأَرْضُ) المراد الأرض التي تدفع لمن يعمل فيها مزارعة (عِنْدِي مِثْلُ مَالِ المُضَارَيَةِ) هي في اللغة مفاعلة من الضرب، وهو السير في الأرض للتجارة، وشرعًا دفع مال لمن يتّجر فيه، فيكون له سهم معلوم من الربح. أفاده في "النهاية" (فَمَا صَلُحَ) بفتح اللام، من باب قعد، وصلاحًا أيضًا، وصَلُح بضم اللام لغة،
[ ٣١ / ١٩٣ ]
وصلَح يصلَح بفتح اللام فيهما لغة ثالثة: وهو خلاف فسد (فِي مَالِ المضَارَبَةِ، صَلُحَ فِي الأَرْضِ) يعني أن المال الذي يصلح لعقد المضاربة يصلح أيضًا لعقد المزارعة، فيجوز أن يكون كراء للمزارع. ويحتمل أن يكون المعنى أن شروط المزارعة كشروط المضاربة، فما يصلح لأن يكون شرطًا في المضاربة صلح أن يكون شرطًا في المزارعة. واللَّه تعالى أعلم. (وَمَا لَمْ يَصْلُحْ فِي مَالِ المُضَارَبَةِ، لَمْ يَصلُحْ فِي الأَرْضِ) بأن يكون مجهولًا، كأن يقول: لك جزء من الربح، ولم يعينه (قَالَ) ابن عون (وَكَانَ) محمد بن سيرين (لَا يَرَى بَأسًا أَنَّ يَدْفَعَ أَرْضَهُ إِلَى الأَكَّضارِ) أي الحراث، وهو بفتح الهمزة، وتشديد الكاف، صيغة مبالغة، من الأَكْر، وهو الحرث، والجمع أَكَرَةٌ بوزن كفَرَة، يقال: أرت الأرضَ أَكْرًا، من باب ضرب: حَرَثتها. أفاده الفيّوميّ (عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا بِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ، وَأَعْوَانِهِ، وَبَقَرِهِ، وَلَا يُنْفِقَ شَيْئًا، وَتَكُونَ النَّفَقَةُ كُلُّهَا مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ) وهذا هو الذي تقدّم للمصنّف في صفة كتابة عقد المزارعة.
وما قاله ابن سيرين -رحمه اللَّه تعالى- قد قاله كثير من التابعين، وقد نقل البخاريّ في "صحيحه"، جملة من القائلين بذلك، فقال -رحمه اللَّه تعالى-:
"باب المزارعة بالشطر، ونحوه":
وقال قيس بن مسلم، عن أبي جعفر، قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرةٍ، إلا يزرعون على الثلث والربع. وزارع عليّ، وسعد بن مالك، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل عليّ، وابن سيرين. وقال عبد الرحمن بن الأسود: كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع. وعامل عمرُ الناسَ على إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا. وقال الحسن: لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما، فينفقان جميعًا، فما خرج فهو بينهما. ورأى ذلك الزهري. وقال الحسن: لا بأس أن يُجتنَى القطن على النصف. وقال إبراهيم، وابن سيرين، وعطاء، والحكم، والزهري، وقتادة: لا بأس أن يُعطِي الثوبَ بالثلث، أو الربع، ونحوه. وقال معمر: لا بأس أن تكون الماشية على الثلث، والربع إلى أجل مسمى. انتهى (^١).
وقال الحافظ عند ذكر أثر عمر - ﵁ -: في إيراد البخاريّ هذا الأثر وغيره في هذه الترجمة ما يقتضي أنه يرى أن المزارعة، والمخابرة بمعنى واحد، وهو وجه للشافعيّة، والوجه الآخر أنهما مختلفان، فالمزارعة في الأرض ببعض ما يخرج منها، والبذر من
_________________
(١) راجع "صحيح البخاريّ" بنسخة "الفتح" ٥/ ٢٧٥. "كتاب الحرث، والمزارعة".
[ ٣١ / ١٩٤ ]
المالك، والمخابرة مثلها لكن البذر من العامل، وقد أجازهما أحمد في رواية، ومن الشافعيّة ابن خُزيمة، وابن المنذر، والخطّابيّ، وقال ابن سُريج لجواز المزارعة، وسكت عن المخابرة، وعكسه الجوريّ من الشافعيّة، وهو المشهور عن أحمد. وقال الباقون: لا يجوز واحد منهما، وحملوا الآثار الواردة في ذلك على المساقاة. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم أن الأرجح هو ما عليه الأولون، من جواز المزارعة مطلقًا، سواء كان البذر من صاحب الأرض، أو من العامل؛ لحديث قصَّة خيبر المتّفق عليه، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وأثر ابن سيرين -رحمه اللَّه تعالى- هذا صحيح، أخرجه المصنّف هنا ٣/ ٣٩٥٦ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٦٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٥٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، - ﵄ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ، نَخْلَ خَيْبَرَ، وَأَرْضَهَا، عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَأَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - شَطْرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيه [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (محمد بن عبد الرحمن) بن غَنَج -بفتح الغين المعجمة، والنون، بعدها جيم- ويقال: ابن يزيد بن غَنَج المدنيّ، نزيل مصر، مقبول [٧].
قال الميمونيّ، عن أحمد: شيخٌ مُقارب الحديث. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، لا أعلم أحدًا روى عنه إلا الليث. وقال أبو داود: ابن غَنَج رجل من أهل المدينة كان بمصر، روى عنه الليث نحو ستّين حديثًا. وقال ابن حبّان في "الثقات": حدّث عن نافع بنسخة مستقيمة. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عندهم حديث الباب، وله عند المصنّف حديث آخر،-٥٧/ ٤٦٠٧ - حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "أنهم كانوا يبتاعون على عهد رسول اللَّه - ﷺ - في أعلى السوق جزافًا، فنهاهم … " الحديث.
_________________
(١) "فتح" ٥/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
[ ٣١ / ١٩٥ ]
٤ - (نافع) العدويّ، مولى ابن عمر المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢.
٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه فبلغلانيّ، والليث، فمصريّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ، - ﵄ -، أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ -، دَفَعَ إِلَى يهُودِ خَيْبَرَ، نَخلَ خَيبَرَ، وَأَرْضَهَا) أي بعد أن فتحها سنة سبع من الهجرة (عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) قال القرطبيّ: يعني به النفقة فيما تحتاج الثمرة إليه، من نفقة الأُجراء، والدّواب، والعلوفة، والآلات، والأجرفي العزاف، والجداد، وغير ذلك مما يذهب بذهاب المساقاة، وأما ما يبقى بعدها، كبناء حائط، أو حفر بئر، أو نحوه، فلا يلزم العامل. انتهى (^١) (وَأَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - شَطْرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) أي نصفه، فشطر كلّ شيء: نصفه. قاله الفيّوميّ. وفيه بيان الجزء المزارع عليه، من نصف، أو ربع، أو غيرهما من الأجزاء المعلومة، فلا تجوز على مجهول، كقوله: على أن لك بعض ما يخرج منها، واتفق المجوّزون للمزارعة أنها تجوز بما اتّفق عليه المتعاقدان، من قليل، أو كثير.
والحديث مختصر، وقد ساقه الشيخان بطوله، ولفظ البخاريّ: من طريق عبيد اللَّه ابن عمر، عن نافع، أن عبد اللَّه بن عمر - ﵄ -، أخبره: أن النبيّﷺ -، عامل خيبر بشطر ما يخرج منها، من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه، مائة وسق ثمانون وسق تمر، وعشرون وسق شعير، فقسم عمر خيبر، فخَيَّر أزواج النبي - ﷺ -، أن يُقْطِعَ لهنّ من الماء والأرض، أو يُمضِيَ لهن، فمنهن من اختار الأرض، ومنهن من اختار الوسق، وكانت
عائشة اختارت الأرض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤١٨.
[ ٣١ / ١٩٦ ]
حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣/ ٣٩٥٦ و٣٩٥٧ و٣٩٥٨ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٦٣ و٤٦٦٤. وأخرجه (خ) في "الإجارة" ٢٢٨٦ و"المزارعة" ٢٣٢٨ و٢٣٢٩ و٢٣٣١ و٢٣٣٨ و"الشركة" ٢٤٩٩ و"الشروط" ٢٧٢٠ و"فرض الخمس" ٣١٥٢ و"المغازي" ٤٢٤٨ (م) في "المساقاة" ١٥٥١ (د) في "الخراج" ٣٠٠٨ و"البيوع" ٣٤٠٨ و٣٤٠٩ (ت) في "الأحكام" ١٣٨٣ (ق) في "الأحكام" ٢٤٦٧ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٦٤٩ و٤٧١٨ و٤٩٢٧ (الدارمي) في "البيوع" ٢٦١٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): جواز المزارعة، قال في "الفتح": هذا الحديث عمدة من أجاز المزارعة، والمخابرة؛ لتقرير النبيّ - ﷺ - لذلك، واستمراره على عهد أبي بكر - ﵁ - إلى أن أجلاهم عمر - ﵁ -. انتهى.
(ومنها): جواز المساقاة في النخل، والكرْم، وجميع الشجر الذي من شأنه أن يُثمر بجزء معلوم، يُجعل للعامل من الثمرة، وبه قال الجمهور، وخصّه الشافعيّ في الجديد بالنخل والكرم، وألحق المقل بالنخل لشبهه به، وخصّه داود بالنخل. وقال أبو حنيفة، وزفر: لا يجوز بحال؛ لأنها إجارة بثمرة معدومة، أو مجهولة. وأجاب من جوّزه بأنه عقد على عمل في المال ببعض نمائه، فهو كالمضاربة؛ لأن المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه، وهو معدوم، ومجهول، وقد صح عقد الإجارة، مع أن المنافع معدومة، فكذلك هنا، وأيضًا فالقياس في إبطال نصّ، أو إجماع مردود.
وأجاب بعضهم عن قصّة خيبر بأنها فُتحت صُلحًا، وأُقِرّوا على أن الأرض ملكهم بشرط أن يُعطوا نصف الثمرة، فكان ذلك يؤخذ بحق الجزية، فلا يدلّ على جواز المساقاة.
وتُعُقب بأن معظم خيبر فتح عنوة، وبأن كثيرًا منها قُسم بين الغانمين، وبأن عمر - ﵁ - أجلاهم منها، فلو كانت الأرض ملكهم ما أجلاهم عنها.
(ومنها): أنه استدلّ به من أجاز المساقاة في جميع الثمار، وهو المذهب الراجح؛ لأن في بعض طرقه: "بشطر ما يخرُج منها من نخل، وشجر"، وفي رواية حماد بن سلمة، عن عبيد اللَّه بن عمر في حديث الباب: "على أن لهم الشطر من كلّ زرع، ونخل، وشجر"، وهو عند البيهقيّ من هذا الوجه.
[ ٣١ / ١٩٧ ]
(ومنها): أن قوله: "بشطر ما يخرج" يدلّ على أنه لا تجوز المزارعة، والمساقاة، إلا على جزء معلوم، لا مجهول. (ومنها): أنه يدلّ على جواز كون البذر، من أحد المتعاقدين، إما صاحب الأرض، أو العامل؛ لعدم تقييده بشيء من ذلك في هذا النص. واحتجّ من منع كونه من العامل بأن العامل حينئذ كأنه باع البذر من صاحب الأرض بمجهول من الطعام نسيئةً، وهو لا يجوز.
وأُجيب بأنه مستثنىً من النهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئةً، جمعًا بين الحديثين، وهو أولى من إلغاء أحدهما.
(ومنها): أنه يدلّ على جواز دفع النخل مساقاة، والأرض مزارعة من غير ذكر سنين معلومة، فيكون للمالك أن يُخرج العامل متى شاء، وعلى ذلك ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، فقال:
١٧ - (باب إذا قال ربّ الأرض: أُقرّك ما أقرّك اللَّه، ولم يذكر أجلًا معلومًا، فهما على تراضيهما"، ثم أخرج بسنده من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب - ﵄ -، أجلى اليهود والنصارى، من أرض الحجاز، وكان رسول اللَّه - ﷺ -، لَمّا ظهر على خيبر، أراد أخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها، للَّه ولرسوله - ﷺ -، وللمسلمين، وأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول اللَّه - ﷺ -؛ ليُقِرَّهم بها، أن يَكْفُوا عملها، ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول اللَّه - ﷺ -: "نُقِرُّكم بها على ذلك، ما شئنا"، فَقَرَّوا بها، حتى أجلاهم عمر، إلى تَيْمَاء، وأريحاء (^١)
وقد أجاز ذلك من أجاز المخابرة، والمزارعة. وقال أبو ثور: إذا أطلقا حُمل على سنة واحدة. وعن مالك: إذا قال: ساقيتك كلّ سنة بكذا جاز، ولو لم يذكر أمدًا، وحمل قصّة خيبر على ذلك (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول هو الأرجح؛ لظاهر النصّ المذكور، والحمل الذي ذكره مالك -رحمه اللَّه تعالى- فيه بُعْدٌ، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٥٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ، نَخْلَ خَيْبَرَ، وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا بِأَمْوَالِهِمْ، وَأَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، شَطْرَ ثَمَرَتِهَا).
_________________
(١) راجع "صحيح البخاريّ" بنسخة "الفتح" ٥/ ٢٨٩.
(٢) "فتح" ٥/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
[ ٣١ / ١٩٨ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الحكم": هو أبو القاسم المصريّ، ثقة [١١] ١٥٢/ ٢٩٤٤ من أفراد المصنّف. و"شعيب بن الليث": هو أبوعبد الملك الفهميّ مولاهم المصريّ، ثقة نبيلٌ فقيه، من كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦، والباقون تقدّموا في السند الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٥٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ: كَانَتِ الْمَزَارِعُ، تُكْرَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الأَرْضِ مَا عَلَى رَبِيعِ السَّاقِي مِنَ الزَّرْعِ، وَطَائِفَةً مِنَ التِّبْنِ، لَا أَدْرِي كَمْ هُوَ؟).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي. وقوله: "تُكرى" بالبناء للمفعول: أي تؤاجرُ. وقوله: "على ربيع الساقي" الربيع بفتح، فكسر: هو النهر الصغير، وجمعه أربعاء، وأربعة، مثلُ نَصِيب وأنصباء، وأنصبة. والمراد "الساقي" هنا الماء الذي يسقي الزرع، فتكون إضافة "ربيع" إليه بمعنى اللام، أي الربيع الذي يجري فيه الماء الذي يسقي الأراضي الزراعية. واللَّه تعالى أعلم.
ثم إن هذه الكيفيّة التي ذكرها ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - في هذا الحديث من عقد المزارعة، هو النوع الذي جاء النهي بسببه في حديث زيد بن ثابت، رافع بن خديج، وغيرهما، ولعل ابن عمر أراد بهذا الإخبار بما كان عليه عمل الناس قبل النهي، يعني أن الناس كانوا أوّلًا يتعاملون هكذا، ثم جاء النهي عن هذه الكيفيّة التي تؤدّي إلى الخصام والنزاع، وأجيز التعامل بما لا يؤدّي إلى هذا، وهو ما عامل عليه النبيّ - ﷺ - أهل خيبر، كما سبق في روايتي ابن عمر - ﵄ - اللتين قبل هذا، وهو أن يكون الكراء جزءًا مشاعًا، كنصف ما يخرج من الأرض، أو ثلثه، أو ربعه، أو نحو ذلك، أو يكون بأجرة معلومة، كأن يؤاجرها بما سمّاه من دراهم، أو دنانير، أو طعام من غير ما يخرج منها، فهذا جائز، كما سبق بحثه مستوفىً.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٣/ ٣٩٥٩ - وفي "الكبرى" ٤٦٦٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٦٠ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: كَانَ عَمَّايَ يَزْرَعَانِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَأَبِي شَرِيكَهُمَا، وَعَلْقَمَةُ
[ ٣١ / ١٩٩ ]
وَالأَسْوَدُ، يَعْلَمَانِ، فَلَا يُغَيِّرَانِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شريك": هو ابن عبد اللَّه القاضي الكوفيّ. و"أبو إسحاق": هو عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ. وقوله: "كان عمّاي يزرعان" الظاهر أن أحد عمّيه هو عبد الرحمن بن يزيد، ولا أدري من هو الآخر؟. وقوله: "وأبي شريكهما" مبتدأ وخبر، والجملة حاليّة. وقوله: "وعلقمة، والأسود يعلمان، فلا يُغيران" يعني أن علقمة عمّ الأسود، والأسود كانا يعلمان مزارعة عمي عبد الرحمن، ولا ينكران عليهما؛ لكونهما يريان جوازه.
ثم يحتمل أن يكون مراده بالأسود هو الأسود بن هلال المحاربيّ الكوفيّ المخضرم، ويحتمل أن يكون غيره، ولا يريد به أباه الأسود بن يزيد؛ لأنه ذكره شريكًا لهما. والأثر هذا مقطوعٌ ضعيف الإسناد؛ لأن في إسناده شريكًا، وهو متكلّم فيه، وأبا إسحاق، وهو مدلسٌ، وقد عنعنه، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٣/ ٣٩٦٠ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٦٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، قَالَ: قَالَ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ خَيْرَ مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ، أَنْ يُؤَاجِرَ أَحَدُكُمْ أَرْضَهُ، بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"المعتمر": هو ابن سليمان التيميّ. و"معمر": هو ابن راشد. و"عبد الكريم": هو ابن مالك الجَزَريّ. وقوله: "والورق" بكسر الراء، وتسكّن للتخفيف: النّقْرة (^١) المضروبة، ومنهم من يطلق، فيقول: الورِق: هي النّقرة مضروبة كانت، أم غير مضروبة.
والأثر موقوف صحيح الإسناد، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا ٣/ ٢٩٦١ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٦٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٦٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا، بِاسْتِئْجَارِ الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
_________________
(١) "النقرة بالضمّ: هو القطعة المذابة من الفضّة، وقبل الذَّوْب: هي تِبْرٌ. قاله في "المصباح".
[ ٣١ / ٢٠٠ ]
غير مرّة.
و" جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"إبراهيم": هو النخعيّ. وقوله: "البيضاء": هي الخالية من الزراعة، والأشجار. والأثر صحيح مقطوع، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٣/ ٣٩٦٢ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٦٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٦٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ شُرَيْحًا، كَانَ يَقْضِي فِي الْمُضَارِبِ إِلاَّ بِقَضَاءَيْنِ، كَانَ رُبَّمَا قَالَ لِلْمُضَارِبِ: بَيِّنَتَكَ عَلَى مُصِيبَةٍ، تُعْذَرُ بِهَا، وَرُبَّمَا قَالَ لِصَاحِبِ الْمَالِ: بَيِّنَتَكَ أَنَّ أَمِينَكَ خَائِنٌ، وَإِلاَّ فَيَمِينُهُ بِاللَّهِ مَا خَانَكَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عمرو بن زُرارة": هو أبو محمد النيسابوريّ الثقة الثبت المذكور في أول الباب. و"إسماعيل": هو ابن عليّة. و"أيوب": هو السختيانيّ، و"محمد": هو ابن سيرين. و"شُريحٌ": هو ابن الحارث النخعيّ القاضي المشهور، أبو أُميّة الكوفيّ الثقة المخضرم الفقيه [٢] ٥١/ ٣٣١٢.
وقوله: "لم أعلم شُريحًا الخ": يعني أن شُريحًا القاضي -رحمه اللَّه تعالى- كان إذا تخاصم المتعاقدان مضاربةً، بأن ادّعى المضارب هلاك شيء من مال المضاربة، يقضي بينهما بأحد قضاءين، إما أن يقول للمضارب: بيّنتك، أي أحضِرْ شُهودًا يشهدون لك على أن المال أصابته آفة، فتلف، فيكون لك عذر بذلك، وإما أن يقول لصاحب المال بينتك على أن المضارب الذي ائتمنته خانك، وإن لم يكن لك شهود بذلك، ذلك أن تحلّفه باللَّه -﷿- أنه ما خانك في أمانته.
وقوله: "إلا بقضاءين" هكذا نسخ "المجتبى"، بصيغة التثنية، والذي في "الكبرى": "بقضاء بين" -بفتح الموحّدة، وتشديد التحتانيّة، آخره نون-، صفة لـ"قضاء"، أي يقضي بينهما بقضاء واضح.
ولما في "المجتبى" أيضًا - إن صحّت الرواية به- وجه صحيح أيضًا، كما أسلفته آنفًا، وذلك أن يكون المعنى أنه يقضي بين الخصمين في المضاربة بأحد القضاءين: إما بالبينة، وإما بيمين المضارب. واللَّه تعالى أعلم.
ومناسبة أثر شُريح هذا للمزارعة، تَشَابُهُ كلّ من المزارعة والمضاربة في كون كلّ منهما إجارة ببعض ما يتحصّل من العمل، كما تقدّم في أثر ابن سيرين أول الباب.
[ ٣١ / ٢٠١ ]
وهذا الأثر صحيح مقطوع، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٣/ ٣٩٦٣ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٧٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٦٤ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: لَا بَأْسَ بِإِجَارَةِ الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ، بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ).
قَالَ: الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شريك": هو ابن عَبد اللَّه النخعيّ القاضى تقدّم قريبًا. و"طارق": هو ابن عبد الرحمن البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهام [٥] ٢/ ٣٨٩٠.
والأثر في سنده شريكٌ، وقد تقدّم الكلام فيه قريبًا، وهو من أفراد المصنّف - رحمه اللَّه تعالى -، أخرجه هنا ٣/ -٣٩٦٤ وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٦٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المر جع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(وَقَالَ إِذَا دَفَعَ رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ، مَالًا قِرَاضًا، فَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا، كَتَبَ: هَذَا كِتَابٌ، كَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، طَوْعًا مِنْهُ، فِي صِحَّةٍ مِنْهُ، وَجَوَازِ أَمْرِهِ، لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، أَنَّكَ دَفَعْتَ إِلَيَّ، مُسْتَهَلَّ شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وُضْحًا، جِيَادًا، وَزْنَ سَبْعَةٍ، قِرَاضًا، عَلَى تَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، عَلَى أَنْ أَشْتَرِىَ بِهَا مَا شِئْتُ مِنْهَا، كُلَّ مَا أَرَى أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَأَنْ أُصَرِّفَهَا وَمَا شِئْتُ مِنْهَا، فِيمَا أَرَى أَنْ أُصَرِّفَهَا فِيهِ، مِنْ صُنُوفِ التِّجَارَاتِ، وَأَخْرُجَ بِمَا شِئْتُ مِنْهَا، حَيْثُ شِئْتُ، وَأَبِيعَ مَا أَرَى أَنْ أَبِيعَهُ، مِمَّا أَشْتَرِيهِ بِنَقْدٍ، رَأَيْتُ أَمْ بِنَسِيئَةٍ، وَبِعَيْنٍ رَأَيْتُ، أَمْ بِعَرْضٍ، عَلَى أَنْ أَعْمَلَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِرَأْيِي، وَأُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ مَنْ رَأَيْتُ، وَكُلُّ مَا رَزَقَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، مِنْ فَضْلٍ وَرِبْحٍ، بَعْدَ رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي دَفَعْتَهُ الْمَذْكُورِ إِلَيَّ، الْمُسَمَّى مَبْلَغُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ نِصْفَيْنِ، لَكَ مِنْهُ النِّصْفُ، بِحَظِّ رَأْسِ مَالِكَ، وَلِيَ فِيهِ النِّصْفُ تَامًّا، بِعَمَلِي فِيهِ، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ وَضِيعَةٍ، فَعَلَى رَأْسِ الْمَالِ، فَقَبَضْتُ مِنْكَ هَذِهِ الْعَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، الْوُضْحَ الْجِيَادَ، مُسْتَهَلَّ شَهْرِ كَذَا، فِي سَنَةِ كَذَا، وَصَارَتْ لَكَ فِي يَدِي، قِرَاضًا عَلَى الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، أَقَرَّ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ.
وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُطْلِقَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ، وَيَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ، كَتَبَ: وَقَدْ نَهَيْتَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ، وَأَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ).
قَالَ: الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الكلام الذي ذكره المصنّف في كيفيّة عقد المضاربة له، وليس من كلام سعيد بن المسيّب، ولذلك لم يذكره في "الكبرى"، مع أنه ذكر أثر سعيد المذكور.
[ ٣١ / ٢٠٢ ]
فقوله (وَقَالَ) ملحقٌ من الراوي عن المصنّف، والظاهر أنه ابن السنّيّ؛ لأنه المشهور برواية "المجتبى"، والضمير الفاعل للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى-.
(إِذَا دَفَعَ زجُلٌ إِلَى رَجُلِ مَالًا قِرَاضًا) بكسر القاف، من المقارضة: وهي المضاربة، يقال: قارضت فلانًا قِراضًا، من باب قاتل: أي دفعتُ إليه مالًا ليتجر فيه، ويكون الربح بينكما على ما تشترطان، والوضيعةُ على المال. وقال الأزهريّ في "التهذيب": القراض في كلام أهل الحجاز: المضاربةُ. قال الزمخشريّ: أصلها من القَرْض في الأرض، وهو قطعها بالسير فيها، وكذلك هي المضاربة أيضًا من الضرب في الأرض. أفاده في "لسان العرب" (^١).
(فَأَرَادَ أن يَكتُبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا كَتَبَ) وقوله (هَذَا كِتَابٌ) مفعول "كتب"، لقصد لفظه، وقوله (كَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ) في محلّ رفع صفة "كتابٌ" (طَوْعًا مِنْهُ) أي في حال كونه طائعًا، لا مكرها (فِي صِحَّةٍ مِنْهُ) أي ليس في مرض موته (وَجَوَازِ أَمْرِهِ) أي في حال نفوذ أمره، وهو مؤكد لقوله: "طوعًا"، وفي صحّة منه"؛ إذ لا يصحّ أمره في حال إكراهه، وحال مرض موته. ويحتمكل أن يكون إشارة إلى رُشده في التصرّف بأن يكون بالغًا عاقلًا. واللَّه تعالى أعلم. (لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) متعلّق بـ "كتبه" (أنَّكَ) يحتمل فتح الهمزة، بتقدير جارّ، أي بأنك الخ، ويحتمل كسرها، مفعول به لـ "كتب" محكيّ لقصد لفظه أيضًا (دَفَعْتَ إِلَيَّ مُسْتَهَلَّ شَهْرِ كَذَا) بنصب "مستهلّ على الظرفية لـ "دفعت" (مِنْ سَنَةِ كَذَا عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وُضْحًا) -بضمّ الواو، وسكون الضاد المعجمة- هكذا مضبوطًا بالقلم، ومعناه الصحاح، لكن الذي في "القاموس"، أنه بفتحتين، فقد ذكر ما حاصله: "الوَضَحُ محرّكةً: الدرهم الصحيح، وجمعه أوضاح، ونحوه في "اللسان"، وأما جمعه بضمّ، فسكون، أو بضمتين، فلم يذكر فيهما. فاللَّه تعالى أعلم (جِيَادًا) بكسر الجيم، وتخفيف التحتانيّة، جمع جيّد بفتح الجيم، وتشديد التحتانيّة، قال الفيّوميّ: وأما جاد المتاع يجود، فقيل: من باب قال، وقيل: من باب قرُب، والْجُودة منه بالضمّ، والفتح، فهو جيّد، وجمعه جِيادٌ. انتهى (وَزْنَ سَبْعَةٍ) منصوب على الظرفيّة، أي موزونًا بسبعة مثاقيل.
[فائدة]: قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: الدرهم الإسلاميّ: اسم للمضروب من الفضّة، وهو معرّب، وزنه فِعْلَلٌ بكسر الفاء، وفتح اللام في اللغة المشهورة، وقد تكسر هاؤه، فيقال: دِرْهِمٌ، حملًا على الأوزان الغالبة. والدرهم ستّة دَوَانقَ، والدرهم
_________________
(١) "لسان العرب" ٧/ ٢١٨.
[ ٣١ / ٢٠٣ ]
نصف دينار وخمسه، وكانت الدراهم في الجاهليّة مختلفةٌ، فكان بعضها خفافًا، وهي الطبريّةُ، كلّ درهم منها أربعة دوانيق، وهي طَبَريّةُ الشام، وبعضها ثقالَا، كلُّ درهم ثمانية دوانيق، وكانت تُسمّى العَبْديّة، وقيل: البَغلِية، نسبة إلى ملك، يقال له: رأس البَغل، فجُمِع الخفيفُ والثقيلُ، وجُعِلا درهمين، متساوفي، فجاء كلُّ درهم ستة دوانيق. ويقال: إن عمر - ﵁ - هو الذي فعل ذلك؛ لأنه لَمّا أراد جِبَايةَ الْخَراج، طلب بالوزن الثقيل، فصَعُب على الرعيّة، وأراد الجمع بين المصالح، فطلب الْحُسّاب، فخلطوا الوزنين، واستخرجوا هذا الوزن. وقيل: كان بعض الدراهم وزن عشرين قيراطًا، وتسمّى وزن عشرةٍ، وبعضها وزن خمسة، وبعضها وزن اثني عشر، وتُسمّى وزنَ ستة، فَجَمَعُوا من الأوزان الثلاثة هذا الوزن، فكان ثُلُثَها، ويُسمّى وزنَ سبعة؛ لأنك إذا جمعت عشرة دراهم من كلّ صنف، كان الجميع أحدًا وعشرين مثقالًا، وثلثُ الجميع سبعةُ مثاقيل. انتهى. المقصود من كلام الفيّوميّ (^١).
(قِرَاضًا عَلَى تَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ، وَأَدَاءِ الأمَانَةِ، عَلَى أَنْ أَشْتَرِيَ بِهَا) أي بالعشرة الآف (مَا شِئْتُ مِنْهَا) الظاهر أن "ما" بدل من الضمير المجرور بالباء، أي بما شت من تلك الدراهم (كُلَّ) بالنصب على المفعولية، وهو مضاف إلى (مَا أَرَى أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَأَنْ أُصَرِّفَهَا، وَمَا شِئْتُ مِنْهَا فِيمَا أَرَى أَنْ أُصَرِّفَهَا فِيهِ، مِنْ صُنُوفِ التِّجَارَاتِ) أي من أنواع التجارات (وَأَخْرُجَ بِمَا شِئْتُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُ) أي أخرج إلى البلدان النائية بمبلغ من تلك الدارهم (وَأَبِيعَ مَا أَرَى أَنْ أَبيعَهُ مِمَّا أَشْتَرِيهِ بِنَقْدٍ) بفتح، فسكون: خلاف النسيئة (رَأَيْتُ أَمْ بنَسِيئَةٍ) أي بتأجيل ثمن (وَبِعَيْنٍ) أي بالدراهم، والدنانير، وهو خلاف العرض (رَأَيْتُ أَمْ بِعَرْضٍ) بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ: العرضُ المتاع، قالوا: والدراهم، والدنانير عينٌ، وما سواهما عَرْضٌ، والجمع عُرُوض، مثلُ فلس وفُلُوس. وقال أبو عُبيد: الْعُرُوض: الأمتعة التي لا يدخلها كيلٌ، ولا وزنٌ، ولا تكون حيوانًا، ولا عَقَارًا. انتهى.
(عَلَى أَنْ أَعْمَلَ فِي جمَيع ذَلِكَ كُلِّهِ برَأيِي وَأُوَكلَ فِي ذَلِكَ مَنْ رَأَيْتُ) أي من رأيته صالحًا للبيع والشراء (وَكُلُّ) مبتدأ، مضاَف إلى قوله (مَا رَزَقَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ) أي في العمل المذكور من البيع والشراء بالطرق المذكور (مِنْ فَضْلٍ وَرِبْحٍ) بيان لـ "ما" (بَعْدَ رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي دَفَعْتَهُ المذكُورِ إِلَيَّ) جارّ ومجرورٌ متعلق بـ "دفعته"، وقوله: "المذكور معترض بيان العامل والمعمول، وهو صفة لـ "رأس المال"، وكذلك قوله (المُسَمَّى مَبْلَغُهُ في هَذَا
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٩٣.
[ ٣١ / ٢٠٤ ]
الْكِتَاب) أي وهو عشرة آلاف درهم. وقوله (فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ) خبر "كلّ"، ودخول الفاء في الخَبر جائز؛ لما في المبتدإ من معنى العموم (نِصْفَيْنِ) منصوب على الحال، أي مقسمًا على نصفين (لَكَ مِنْهُ النصْفُ بحَظِّ رَأْسِ مَالِكَ) أي بسبب ما دفعته من رأس المال الذي حصل منه ذلك الربح (وَلِي فِيهِ النِّصْفُ تَامًّا بِعَمَلي فِيهِ) يعني أنه يستحق نصف الربح الآخر بسبب عمله بالتجارة حتى حصل منه هذا الربح (وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ وَضيعَةٍ) -بفتح الواو، وكسر الضاد المعجمة-: الخسارة (فَعَلَى رَأْسِ الْمَالِ) يعني أنه إذا حصلت خسارة تكون على رأس المال خاصّةً، ليس على العامل منها شيء؛ وذلك لأن الوضعية عبارة عن نقصان رأس المال، وهو مُختصّ بملك ربّ المال، لا شيءَ للعامل فيه، فيكونَ نقصه من ماله، دون غيره، وإنما يشتركان فيما يحصل من النماء، فأشبه المساقاة والمزارعة، فإن ربّ الأرض، والشجر يُشارك العامل فيما يحدُث من الزرع والثمر، وإن تَلِف الشجر، أو هلك شيء من الأرض بغَرَقٍ، أو غيره لم يكن على العامل شيء (^١).
(فَقَبَضْتُ مِنْكَ هَذِهِ الْعَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَم الْوُضْحَ الْجِيَادَ، مُسْتهَلّ شَهرِ كَذَا، فِي سَنَةِ كَذَا، وَصَارَتْ لَكَ فِي يَدِي قِرَاضًا) أي مضاربة (عَلَى الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ، أَقرَّ فُلَانٌ وَفُلَانٌ) كناية عن صاحب المال، والمضارب، يعني أنه أقرّ بما في هذا الَكتاب كلّ واحد منهما (وَإذَا أَرَادَ أنْ لَا يُطْلِقَ لَهُ) ثبتت كلمة "لا" في النسخة الهندية، وهو الصواب، وسقطت من كثير من نسخ "المجتبى"، وهو غلطٌ فاحش، يَفسُدُ به المعنى، فتنبْه (أَنْ يَشتَرِيَ وَيَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ كَتَبَ: وَقَد نَهْيْتَني أَنْ أَشْتَرِيَ وَأَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ) يعني أن صاحب المال إذا أراد أن لا يُطلق للمضارب العمل، بل أراد أن يقيّده بنوع خاصّ من البيع والشراء، كان يريد منعه من البيع بالنسيئة، كَتَب المضارب في كتابة العقد قوله: "وقد نهيتني الخ؛ ليتمكّن أن يُلزمه به لو خالف بعد ذلك، فقوله: "وقد نهيتني الخ مفعول "كتَبَ" لقصد لفظه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) راجع "المغني" ٧/ ١٤٥.
[ ٣١ / ٢٠٥ ]