قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم البحث في حكم عطية المرأة بغير إذن زوجها لها في "كتاب الزكاة" مستوفًى، وأن الأصحّ، وهو ما عليه أكثر أهل العلم أن النهي في حديث الباب محمولٌ على معنى حسن العشرة، واستطابة نفس الزوج، وقد نُقل عن الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- أن الحديث ليس بثابت، وكيف نقول به، والقرآن يدلّ على خلافه، ثم السنّة، ثم الأثر، ثم العقول. ويمكن أن يكون هذا في موضع
[ ٣٠ / ٢٥٩ ]
الاختيار، مثل: ليس لها أن تصوم، وزوجها حاضر إلا بإذنه، فإن فعلت جاز صومها، وإن خرجت بغير إذنه، فباعت، جاز بيعها، وقد أعتقت ميمونة - ﵂ - قبل أن يعلم النبيّ - ﷺ -، فلم يَعِب ذلك عليها، فدلّ هذا مع غيره على أن الحديث إن ثبت فهو محمول على الأدب والاختيار.
وقال البيهقيّ: إسناد هذا الحديث إلى عمرو بن شُعيب صحيح، فمن أثبت عمرو بن شعيب لزمه إثبات هذا، إلا أن الأحاديث المعارضة له أصحّ إسنادًا، وفيها وفي الآيات التي احتجّ بها الشافعيّ دلالة على نفوذ تصرّفها في مالها دون الزوج، فيكون حديث عمرو بن شعيب محمولًا على الأدب والاختيار، كما أشار إليه الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٧٨٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ح وأَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ- وَحَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ، هِبَةٌ فِي مَالِهَا، إِذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا" -اللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ-).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن معمر": هو البحرانيّ القيسيّ البصريّ. و"حبّان" -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة-: وابن هلال البصريّ. و"إبراهيم ابن يونس بن محمد": هو البغداديّ، نزيل طَرَسوس، صدوقٌ [١١] ٥٤/ ١٧٥٣ من أفراد المصنّف. و"أبوه": هو يونس بن محمد البغداديّ المؤدّب، ثقة ثبت، من صغار [٩] ١٥/ ١٦٣٢.
و"حبيب المعلّم"، أبو محمد البصريّ، مولى مَعقِل بن يسار، وهو حبيب بن أبي قُرَيبة، واسمه زائدة، ويقال: حبيب بن زيد، ويقال: ابن أبي بَقِيّة، صدوقٌ [٦].
قال عمرو بن عليّ: كان يحيى لا يُحدّث عنه، وكان عبد الرحمن يُحدّث عنه. وقال أحمد: ما أصحّ حديثه. وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٣٠). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والحديث صحيح. وقد تقدّم في "كتاب الزكاة" -٥٨/ ٢٥٤٠ - "عطيّة المرأة بغير إذن زوجها"، وتقدّم هناك شرحه، وتخريجه، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٨٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ
[ ٣٠ / ٢٦٠ ]
الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ أَبَاهُ، حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ح وأَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَكَّةَ، قَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: "لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "خالد": وابن الحارث الْهُجَيميّ. والحديث صحيح، سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٨٥ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هَانِئٍ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ الثَّقَفِّيِّ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ، عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَمَعَهُمْ هَدِيَّةٌ، فَقَالَ: "أَهَدِيَّةٌ، أَمْ صَدَقَةٌ؟، فَإِنْ كَانَتْ هَدِيَّةٌ، فَإِنَّمَا يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ، وَإِنْ كَانَتْ صَدَقَةٌ، فَإِنَّمَا يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللَّهِ -﷿-"، قَالُوا: لَا، بَلْ هَدِيَّةٌ، فَقَبِلَهَا مِنْهُمْ، وَقَعَدَ مَعَهُمْ يُسَائِلُهُمْ، وَيُسَائِلُونَهُ، حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ مَعَ الْعَصْرِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مناسبة هذا الحديث، والذي بعده للترجمة غير ظاهرة، فليُتأمّل.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هنّاد بن السريّ) التيميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو بكر بن عيّاش) الأسديّ الكوفيّ المقرئ، مشهور بكنيته، والأصحّ أنها اسمه، وقيل: اسمه محمد، أو عبد اللَّه، أو سالم، أو شعبة، أو غير ذلك، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ٩٨/ ١٢٧.
٣ - (يحيى بن هانئ) بن عروة المراديّ، أبو داود الكوفيّ، ثقة [٥] ٣٣/ ٨٢١.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ: "عن يحيى بن أبي هانئ" وهو غلط، فتنبّه.
٤ - (أبو حُذيفة) غير منسوب، يقال: أسمه عبد اللَّه بن محمد الكوفيّ، روى عن عبد الملك بن محمد بن بشير، وعنه يحيى بن هانئ، مجهول [٦] تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٥ - (عبد الملك بن محمد بن بَشِير) الكوفيّ، مجهول [٦].
روى عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفيّ في قدوم وقد ثَقيف. وعنه أبو حُذيفة الْهُذليّ. قال البخاريّ: لم يتبيّن سماع بعضهم من بعض. روى له المصنّف هذا الحديث الواحد، وقد اختُلف فيه. ضبط ابن ماكولا بشيرًا جدّ عبد الملك بالنون،
[ ٣٠ / ٢٦١ ]
والسين المهملة. وقال ابن عديّ: ليس له إلا الشيء اليسير.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" كلها، و"الكبرى" اسم جدّ عبد الملك "بشير، بموحّدة، وستين معجمة، مكبّرًا، وهو الذي في "تهذيب الكمال" ١٨/ ٣٩٩ و"تهذيب التهذيب" ٢/ ٦٢٣ - وضبطه الحافظ في "التقريب" بالنون، والسين المهملة، مصغّرًا، واعتمد في ذلك على ضبط ابن ماكولا، فقد ضبطه هكذا في "الإكمال" فراجعه في جـ١ ص ٣٠٢. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (عبد الرحمن بن علقمة الثقفيّ) ويقال: ابن أبي علقمة، مختلفٌ في صحبته. روى عن النبيّ - ﷺ - هذا الحديث. وقيل: عن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفيّ، وروى أيضًا عن عبد اللَّه بن مسعود. وعنه أبو صخر جامع بن شدّاد المحاربيّ، وعبد الملك بن محمد بن بشير الكوفيّ، وعون بن أبي جحيفة. قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ليست له صحبة. وقال ابن حبّان: يقال: له صحبة. وقال الدارقطنيّ: لا تصحّ له صحبة، ولا نعرفه. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ الثَّقَفِّيِّ) أنه (قَالَ: قَدِمَ) بكسر الدال المهملة (وَفْدُ ثَقِيفٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَمَعَهُمْ هَدِيَّةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَقَالَ) - ﷺ - (أَهَدِيَّةٌ، أَمْ صَدَقَةٌ؟) وإنما سألهم عن ذلك ليأكل إن قيل: هديّة، ويترك للصحابة إن قيل. صدقة؛ لأنه لا يأكل الصدقة، وقد تقدّم في "كتاب الزكاة" برقم ٢٦١٣ - من طريق بهز ابن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: كان النبي - ﷺ -، إذا أُتي بشيء، سأل عنه، أهدية أم صدقة؟، فإن قيل: صدقة لم يأكل، وإن قيل هدية بسط يده.
(فَإِنْ كَانَتْ هَدِيَّة) بالنصب على أنه خبر "كان"، واسمها ضمير يعود إلى المدفوعة، أي إن كانت المدفوعة إليه - ﷺ - هدية (فَإِنَّمَا يُبْتَغَى) بالبناء للمفعول: أي يطلب (بِهَا وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ، وَإِنْ كَانَتْ صَدَقَة) بالنصب على الخبرية، وإعرابه كإعراب سابقه، (فَإِنَّمَا يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللَّهِ -﷿-) فيه بيان الفرق بين الهديّة والصدقة، وأن الهديّة ما يُقصد به التقرّب إلى المهدَى إليه، والصدقة ما يُقصَد به التقرّب إلى اللَّه -﷿- (قَالُوا: لَا) أي ليس صدقة (بَلْ) هو (هَدِيَّةٌ، فَقَبِلَهَا مِنْهُمْ، وَقَعَدَ مَعَهُمْ يُسَائِلُهُمْ، وَيُسَائِلُونَهُ) وفي نسخة: "يسألهم، ويسألونه"، وفي أخرى: "يسائلهم، ويسألونه". يعني أنهم - ﷺ - جلس مع هؤلاء الثقفيين يسالهم عن قومهم، وأوضاع بلدهم، ويسألونه عن أمور دينهم. واللَّه تعالى أعلم (حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ مَعَ الْعَصْرِ) قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ظاهره أنه جمع بينهما وقتًا، ويلزم منه الجمع بلا سفر، وذلك لأن قدوم الوفد
[ ٣٠ / ٢٦٢ ]
كان بالمدينة، لا في محلّ السفر، والجمع بلا سفر، لا يجوز عند القائلين به، إلا ببعض الأعذار، وهي غير ظاهرة ههنا، سيّما لتمام الجماعة الحاضرة، فلا بدّ من الحمل على الجمع فعلًا، بأن أخّر الأولى، فصلّاها في آخر وقتها، وقدّم الثانية، فصلّاها في أول وقتها، أو الجمع مكانًا، بمعنى أنه قعد في ذلك المكان، حتى فرغ من الصلاتين، فصلّى الظهر في وقتها، ثم قعد يتحدّث معهم حتى صلّى العصر في ذلك المكان. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا مانع من حمله على ظاهره، فقد صحّ جمعه - ﷺ - بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة، في غير خوف ولا مرض، قد صحّ من حديث ابن عبّاس - ﵄ -، وهو حديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب الصلاة" برقم -٥٨٩ - وفي رواية مسلم: قيل ابن عبّاس - ﵄ -: لم فعل ذلك؟، قال: كي لا يُحرج أمته، وفي رواية: أراد أن لا يُحرج أمته، فدلّ على أنه - ﷺ - كان يجمع بين تلك الصلوات أحيانًا، بيانًا للجواز، فحمل ما في هذه القصّة إن صحّت على هذا الظاهر لا يبعُد لكنها لا تصح، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٥/ ٣٧٨٥ - وفي "الكبرى" في ٥/ ٦٥٩٣ - وهو حديث ضعيف؛ للجهالة في رواته، كما تقدّم في تراجمهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٨٦ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةً، إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ، أَوْ أَنْصَارِيٍّ، أَوْ ثَقَفِيٍّ، أَوْ دَوْسِيٍّ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم في الحديث الماضي أن مناسة الباب للحديث غير ظاهرة، فليُتأمّل.
ورجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو عاصم، خُشيش بن أصرم) النسائيّ، ثقة حافظ [١١] ٤٤/ ٥٩٠.
٢ - (عبد الرزّاق) بن همّام الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخره، فتغير، وكان يتشيّع [٩] ٧٧/ ٦١.
٣ - (معمر) بن راشد، أبوعروة الصنعاني، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠.
٤ - (ابن عجلان) محمد المدني، صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٣٦/ ٤٠.
٥ - (سعيد) بن أبي سعيد كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدني، ثقة، تغيّر قبل موته
[ ٣٠ / ٢٦٣ ]
بأربع سنين [٣] ٩٥/ ١١٧.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، وعبد الرزاق، ومعمر، فصنعانيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﷺ - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وفي نسخة: "أن نبيّ اللَّه" (- ﷺ -، قَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ" من باب قتل، يقال: همَمتُ بالشيء هَمًا: إذا أردته، ولم تفعله. قاله الفيّوميّ. وفي رواية أبي داود من طريق محمد بن إسْحَاقَ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "وايم اللَّه، لا أقبل بعد يومي هذا، من أحد هدية، إلا أن يكون مهاجرا قرشيا، أو أنصاريا، أو دوسيا، أو ثقفيا". وقد بين سَبَبَ قوله - ﷺ - هذا، في رواية الترمذيّ، من طريق ابن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: أهدى رجل من بني فزارة، إلى النبي - ﷺ - ناقة من إبله، التي كانوا أصابوا بالغابة، فعوّضه منها بعض العوض، فتسخطه، فسمعت رسول اللَّه - ﷺ - على هذا المنبر، يقول: "إن رجالا من العرب، يُهدِي أحدهم الهديّة، فأُعوِّضه منها بقدر ما عندي، ثم يتسخطه، فيظل يتسخط عليّ، وايم اللَّه، لا أقبل بعد مقامي هذا، من رجل من العرب هدية، إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي". قال أبو عيسى هذا حديث حسن.
وفي رواية أيوب بن مسكين، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن أعرابيا أهدى لرسول اللَّه - ﷺ - بَكْرَةً، فعوّضه منها ست بكرات، فتسخطه، فبلغ ذلك النبيّ - ﷺ -، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: "إن فلانا أهدى إلى ناقة، فعوضته منها ست بكرات، فظل ساخطا، ولقد هممت أن لا أقبل هدية، إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي".
(أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةً إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ أَنْصَارِيٍّ أَوْ ثَقَفِيٍّ أَوْ دَوْسِيٍّ) أي إلا ممن لا يطمع في ثوابها بهذا القدر، وقوله: (إلا من قرشيّ، أو أنصاريّ الخ" كلمة "أو" فيه للتعميم، فلا يُفيد منع الجمع بين القبول لهدايا من استثنى، ولا يلزم أن لا يقبل إلا
[ ٣٠ / ٢٦٤ ]
هدية واحد من هؤلاء، فإذا قبِل هديّة واحد فليس له أن يقبل هديّة الآخر، ومثله قوله
-﷿-: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦].
وقد ذكر السيوطيّ في "شرحه" نقلًا عن الأندلسيّ في "شرح المفصّل"، قال: سئل المزنيّ عن رجل حلف لا يكلّم أحدًا إلا كوفيًا، أو بصريًا، فكلّم كوفيًا وبصريًا؟، فقال: ما أراه إلا حانثًا، فأُنهي ذلك إلى بعض أصحاب أبي حنيفة المقيمين بمصر، فقال: أخطأ المزنيّ، وخالف الكتاب والسنّة، أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وأما السنّة فقوله - ﷺ -: "لقد هممت أن لا أقبل هديّةً إلا من قرشيّ، أو ثقفيّ"، فالمفهوم أن القرشيّ والثقفيّ كانا مستثنيين، فذُكر أن المزنيّ لَمّا سمع بذلك رجع إلى قوله. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
أفإن قلت،: كيف يصحّ، وفيه ابن عجلان، وقد سبق آنفًا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة - ﵁ -؟.
[قلت]: إنما صح لشواهده، فمنها ما تقدّم قريبًا من رواية أبي داود، والترمذيّ من طريق ابن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ -، وابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه، وما أخرجه الترمذيّ أيضًا من طريق أيوب بن مسكين، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة - ﵁ -، وأيوب -كما في "التقريب" -صدوق، له أوهام، وما أخرجه أحمد ٢/ ٢٩٢ من طريق أبي معشر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ -، وأبو معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن، وهو ضعيف. وهذه الطرق، وإن كان فيها مقال، إلا أن مجموعها يصلح لتقوية رواية ابن عجلان. وله أيضًا شاهد من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند ابن حبان (١١٤٥) والضياء المقدسي ٦٢/ ٢٨١، وسنده صحيح، كما قال الشيخ الألبانيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^٢).
_________________
(١) راجع "زهر الربى" ٦/ ٢٨٠.
(٢) راجع "السلسلة الصحيحة" ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤ رقم الحديث (١٦٨٤).
[ ٣٠ / ٢٦٥ ]
والحاصل أن حديث الباب صحيح؛ لما ذُكر، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥/ ٣٧٨٦ - وفي "الكبرى" ٥/ ٦٥٩٤. وأخرجه (د) في "البيوع" ٣٥٣٧ (ت) في "المناقب" ٣٩٤٥ و٣٩٤٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): مشروعيّة قبول الهديّة، وقد ورد النهي عن ردّها، فقد أخرج أحمد في "مسنده" - ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥، والبخاريّ في "الأدب المفرد" رقم-١٥٧ - بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "أجيبوا الداعي، ولا تردّوا الهديّة، ولا تضربوا المسلمين" (^١).
(ومنها): مشروعيّة مكافأة المهدي، وقد ورد الأمر بذلك، فقد أخرج أحمد-٥٣٤٢ بإسناد صحيح، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، قال: من استعاذ باللَّه فأعيذوه، ومن سألكم باللَّه فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له، حتى تعلموا أن قد كافأتموه".
(ومنها): أنه يستحبّ عدم قبول الهديّة، إذا كان المهدي طامعًا في العوض، ولا يُرضيه ما يعطيه المهدي إليه، لقوله - ﷺ -: "لقد هممت أن لا أقبل الهديّة إلا من قرشيّ الخ"، فإنه يدلّ على أن شرط قبول الهديّة أن يكون صاحبها قانعًا بما يُعطى.
(ومنها): جواز الإهداء بقصد أخذ العوض، وأنه لا ينقص به فضل الإهداء، بخلاف الصدقة، فإنه لا يؤخذ عليها عوض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٨٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أُتِيَ بِلَحْمٍ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ "، فَقِيلَ: تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ") (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"إسحاق بن إبراهيم": هو الحنظليّ المعروف بابن راهويه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب الزكاة" -٩٩/ ٢٦١٤ - "إذا تحوّلت الصدقة"، وقد استوفيتُ شرحه، وبيان مسائله هناك، وللَّه الحمد والمنّة، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
_________________
(١) راجع "إرواء الغليل" للشيخ الألبانيّ ٦/ ٥٩ - رقم الحديث ١٦١٦.
(٢) يوجد في النسخة الهنديّة هنا: ما نصّه: "آخر كتاب الرقبى، والعمرى".
[ ٣٠ / ٢٦٦ ]
واستدلال المصنّف به على الترجمة من حيث إنه - ﷺ - قبل هديّة بريرة - ﵂ -، مع أنه كان لها زوجٌ، فدلّ على أن النهي في حديث عبد اللَّه بن عمرو - ﵄ - المتقدم محمول على حسن المعاشرة، وتطييب خاطر الزوج، كما تقدّم بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…