قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر ترجمة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يدلّ على أنه يرى أن النذر إنما يكون في الطاعة، وأما المباح، فلا ينعقد نذره، وقد تقدّم الخلاف بين العلماء فيه، وأن الراجح عدم انعقاده، وحديث الباب دليل واضح في ذلك، ويدلّ عليه أيضًا حديث ابن عباس - ﵄ -، قال: بينا النبي - ﷺ -، يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟ فقالوا، أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظلّ، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبيّ - ﷺ -: "مُرْهُ، فليتكلم، وليستظل، وليقعد، ولْيُتِمّ صومه".
فقد أمره - ﷺ - بالطاعة، وهو إتمام صومه، وأسقط عنه المباح، وهو عدم الكلام، والاستظلال، والقعود، فدلّ على أن النذر لا ينعقد في المباح، وأصرح منه ما أخرجه أحمد في "مسنده"، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن رسول اللَّه - ﷺ -، أدرك رجلين، وهما مقترنان يمشيان إلى البيت، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "ما بالُ القران"، قالا: يا رسول اللَّه، نذرنا أن نمشي إلى البيت، مقترنين، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "ليس هذا نذرا، فقطع قرانهما"، وفي رواية: "إنما النذر ما ابتُغي به وجه اللَّه -﷿-".
وهذا، وإن كان في سنده ابن أبي الزناد، وهو متكلّم فيه، إلا أنه يشهد له حديث الباب، وحديث ابن عبّاس - ﵄ - المذكور.
وبهذا قال مالك، والشافعيّ -رحمهما اللَّه تعالى- حيث قالا: لا ينعقد نذر المباح، وهو الأصحّ؛ للأدلّة المذكورة، وخالف في ذلك أحمد بن حنبل -رحمه اللَّه تعالى-،
_________________
(١) "فتح" ٥/ ٥٨٩.
[ ٣١ / ١٦ ]
فقال: من نذر مباحًا، يتخيّر بين فعله، فيبرّ بذلك، وإن شاء تركه، وعليه كفّارة يمين، وقد بين ذلك ابن قُدامة في "المغني"، فراجعه (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٣٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِرَجُلٍ، يَقُودُ رَجُلًا فِي قَرَنٍ، فَتَنَاوَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَطَعَهُ، قَالَ: إِنَّهُ نَذْرٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، دون قوله: "إنه نذرٌ"، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في "كتاب الحجّ" -١٣٥/ ٢٩٢ - "الكلام في الطواف"، وسبق شرحه هناك مستوفًى، وكذا بيان مسائله، وللَّه الحمد.
ودلالته على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- واضحة، حيث يدلّ أن من نذر ما ليس طاعة لا ينعقد نذره، ولا يلزمه الوفاء به.
و"خالد": هو ابن الحارث الهُجَيميّ. و"سليمان الأحول": هو ابن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ الثقة العابد.
وقوله: في "قرن" بفتحتين: هو الحبل الذي يُشدّ به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٣٨ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ، أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ بِرَجُلٍ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، يَقُودُهُ إِنْسَانٌ بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ، أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ بِهِ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، وَإِنْسَانٌ قَدْ رَبَطَ يَدَهُ بِإِنْسَانٍ آخَرَ بِسَيْرٍ، أَوْ خَيْطٍ، أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «قُدْهُ بِيَدِكَ»).
قال الجامع عفا اللَّه تعَالى عنه: "يوسف بن سعيد": هو الْمِصّيصيّ الثقة الحافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨ من أفراد المصنّف. و"حجاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ الحافظ.
وقوله: "بخِزامة" بكسر الخاء المعجمة، بعدها زايٌ مخفّفّة: هو حَلْقةٌ من شعر، أو وَبَر، تجُعل في الحاجز الذي بين منخري البعير، يشد فيها الزمام؛ ليسهل انقياده، إذا كان صعبًا.
وقوله: "قال ابن جُريج" هو موصول بالسند السابق، وإنما أتى به بيانًا إلى الاختلاف
_________________
(١) "المغني" ١٣/ ٦٢٦ - ٦٢٨.
[ ٣١ / ١٧ ]
الواقع في ألفاظ المتن.
وقوله: "بسَير" بسين مهملة، مفتوحة، وياء تحتية ساكنة: هو ما يُقدّ من الجلد. والحديث أخرجه البخاريّ، كما سبق في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…