٣٨٤١ - (أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ، حَدَّثَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي، أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَاسْتَفْتَيْتُ لَهَا النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يوسف بن سعيد) بن مسلم الْمصِّيصِيُّ، ثقة حافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨.
[ ٣١ / ١٩ ]
٢ - (حجاج) بن محمد الأعور، أبو محمد المصيصيّ، ترمذي الأصل، نزل بغداد، ثم المصّيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس، ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (سعيد بن أبي أيوب) مِقلاص الخزاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٢٧/ ١٨٨.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ: "سعيد بن أيوب"، وهو غلط، والصواب: "سعيد ابن أبي أيوب". فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (يزيد بن أبي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقة فقيه، يرسل [٥] ١٣٤/ ٢٠٧.
٦ - (أبو الخير) مرثد بن عبد اللَّه اليزنيّ المصريّ، ثقة فقيه [٣] ٣٨/ ٥٨٢.
٧ - (عقبة بن عامر) الجهنيّ الصحابيّ المشهور، ولي إمرة مصر لمعاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وكان فقيهًا فاضلًا، مات في قرب الستين، وتقدم في ١٠٨/ ١٤٤.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من سعيد، وابن جريج مكيّ، والباقيان مصّيصيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الْجُهَني - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي) قال الحافظ: قال المنذريّ، وابن القسطلّاني، والقطب الحلبيّ، ومن تبعهم: هي أمّ حِبّان بنت عامر، وهي -بكسر المهملة، وتشديد الموحّدة- ونسبوا ذلك لابن ماكولا، فوهموا، فإن ابن ماكولا إنما نقله عن ابن سعد، وابن سعد إنما ذكر في طبقات النساء أمّ حبّان بنت عامر بن نابي -بنون، وموحّدة- ابن زيد بن حَرَام -بمهلتين- الأنصارية، قال: وهي أخت عقبة بن عامر بن نابي، شهد بدرًا، وهي زوج حرام بن محيّصة، وكان ذكر قبلُ عقبةَ بنَ عامر بن نابي الأنصاريّ، وأنه شهد بدرًا، ولا رواية له، وهذا كلّه مغايرْ للجُهَنيّ، فإن له رواية كثيرة، ولم يشهد بدرًا، وليس أنصاريًّا، فعلى هذا لم يُعرَف اسم أخت عقبة بن عامر الجهني، وقد كنتُ تبعتُ في "المقدمة" من ذَكَرتُ، ثم
[ ٣١ / ٢٠ ]
رجعت الآن عن ذلك، وباللَّه التوفيق. انتهى كلام الحافظ (^١).
(أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ) زاد في الرواية الآتية في الباب التالي: "نذرت أن تمشي حافية، غير مختمرة"، وزاد الطبريّ من طريق إسحاق بن سالم، عن عقبة بن عامر: "وهي امرأة ثقيلة، والمشي يشُقّ عليها". ولأبي داود من طريق قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: "أن عقبة بن عامر، سأل النبيّ - ﷺ -، فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت، وشكا إليه ضعفها".
(فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) أي أسأله بيان الحكم، يقال: أفتى العالم: إذا بيّن الحكم، واستفتيته: إذا سألته الفتوى. أفاده الفيّوميّ (فَاسْتَفْتَيْتُ لَهَا النَّبِيَّ) وفي نسخة: "رسول اللَّه" (- ﷺ -، فَقَالَ) - ﷺ - (لِتَمْشِ) -بكسر اللام، وهي لام الأمر، ولذا جُزم الفعل بعدها- وفي نسخة: "لتمشي" بثبوت الياء، وهذا على لغة من يحذف الحركة المقدّرة على حروف العلة في المعتلّ، كما في قول الشاعر:
وَتَضحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبشَمِيَّةٌ … كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلي أَسِيرًا يَمَانِيَا
وخرّج بعضهم عليه قراءة قنبل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بالياء، وجزم ﴿وَيَصْبِرْ﴾ (^٢).
(وَلْتَرْكَبْ) بكسر اللام، ويجوز تسكينها تخفيفا، تشبيهًا لها بكتف، والتسكين بعد الواو والفاء أكثر، وتحريكها بعد "ثُمّ" أجود، وبنو سُليم يفتحونها كلام الابتداء (^٣).
قال النوويّ: معناه: تمشي في وقت قدرتها على المشي، وتركب إذا عجزت عن المشي، أو لحقتها مشقّةٌ ظاهرة، فتركب.
وفي رواية عبد اللَّه بن مالك في الباب الآتي: "فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام". وروى مسلم عقب هذا الحديث حديث عبد الرحمن بن شِمَاسة -وهو بكسر المعجمة، وتخفيف الميم، بعدها مهملة- عن أبي الخير، عن عُقبة بن عامر - ﵁ -، رفعه: "كفارة النذر كفّارة اليمين"، قال الحافظ: ولعلّه مختصرٌ من هذا الحديث، فإن الأمر بصيام ثلاثة أيام هو أحد أوجه كفّارة اليمين. لكن وقع في رواية عكرمة المذكورة: قال: "فلتركب، ولتهد بدنة". قاله في "الفتح" (^٤).
_________________
(١) "فتح"٤/ ٥٦٢ "كتاب الحجّ" رقم الحديث ١٨٦٦.
(٢) انظر حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة ١/ ٦٧.
(٣) راجع "حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة" ٢/ ١٨٤. في باب "عوامل الجزم".
(٤) "فتح" ٤/ ٥٦٢ "كتاب الحجّ".
[ ٣١ / ٢١ ]
وقال في موضع آخر: وإنما أمر الناذر في حديث أنس - ﵁ - (^١) أن يركب جزمًا، وأمر أخت عقبة أن تمشي، وأن تركب؛ لأن الناذر في حديث أنس كان شيخًا ظاهر العجز، وأُخت عقبة لم توصف بالعجز، فكأنه أمرها أن تمشي إن قدرت، وتركب إن عجزت، وبهذا ترجم البيهقيّ للحديث، وأورده في بعض طرقه من رواية عكرمة، عن ابن عبّاس: أن أخت عقبة نذرت أن تحُجّ ماشية، فقال: "إن اللَّه غنيّ عن مشي أختك، فلتركب، ولتُهد بدنة". وأورده من طريق أخرى بلفظ: "ولتُهد هديًا"، ووهم من نسب إليه أنه أخرج هذا الحديث بلفظ: "ولتهد بدنة". وأورده من طريق أخرى عن عكرمة بغير ذكر الهدي. وأخرجه الحاكم من حديث ابن عبّاس بلفظ: جاء رجلٌ، فقال: إن أختي حلفت أن يتمشي إلى البيت، وإنه يشق عليها المشي، فقال: "مُرْها، فلتركب إذا لم تستطع أن تمشي، فما أغنى اللَّه أن يشقّ على أختك". ومن طريق كريب، عن ابن عبّاس: جاء رجل، فقال: يا رسول اللَّه، إن أختي نذرت أن تحُجّ ماشيةٌ، فقال: "إن اللَّه لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، لتحُج راكبةً، ثم لتكفّر يمينها". وأخرجه أصحاب السنن من طريق عبد اللَّه بن مالك، عن عقبة بن عامر - ﵁ -، قال: نذرت أختي أن تحُجّ ماشيةٌ، غير مختصرة، فذكرتُ ذلك لرسول اللَّه - ﷺ -، فقال: "مُر أختك، فلتختمر، ولتركب، ولتصُم ثلاثة أيام".
ونقل الترمذيّ، عن البخاريّ أنه لا يصحّ فيه الهدي. وقد أخرج الطبرانيّ من طريق أبي تَميم الجَيْشانيّ، عن عقبة بن عامر - ﵁ - في هذه القصّة: نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافيةٌ، حاسرةَ، وفيه: "لتركب، ولتلبس، ولتصم". وللطحاويّ من طريق أبي عبد الرحمن الحُبُليّ، عن عقبة نحوه. وأخرج البيهقيّ بسند ضعيف، عن أبي هريرة - ﵁ -: بينما رسول اللَّه - ﷺ - يسير في جوف الليل، إذ بصر بخيال، نفرت منه الإبل، فهذا امرأة عريانه، نافضةٌ شعرها، فقالت: نذرتُ أن أحجّ ماشيةً عريانةً، نافضة شعري، فقال: "مرها، فلتلبس ثيابها، ولتُهرق دمًا". وأورد من طريق الحسن، عن عمران، رفعه: "إذا نذر أحدكم أن يحجّ ماشيًا، فليُهد هديًا، وليركب"، وفي سنده انقطاع. انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) حديث أنس - ﵁ - هو ما يأتي للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى-٣٨٧٩ - من طريق ثابت، عن أنس، قال: رأى النبي - ﷺ - رجلًا، يُهادى بين رجلين، فقال: "ما هذا؟ "، قالوا: نذر أن يمشي إلى بيت اللَّه، قال: "إن اللَّه غني عن تعذيب هذا نفسه، مره، فليركب".
(٢) "فتح" ١٣/ ٤٤٩. "كتاب الأيمان والنذور" رقم الحديث -٦٧٠١.
[ ٣١ / ٢٢ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عقبة بن عامر - ﵁ - هذا أخرجه متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢/ ٣٨٤١ و٣٣/ ٣٨٤١ - وفي "الكبرى" ٩/ ٤٧٥٦ و١٠/ ٤٧٥٧. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٨٦٦ (م) في "النذور والأيمان" ١٦٤٤ (د) في "الأيمان والنذور"٣٢٩٣ و٣٢٩٩ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٤٤ (ق) في "الكفّارات" ٢١٣٤ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٨٤٠ و١٦٨٥٥ و١٦٨٧٩ و١٦٨٩٧ و١٦٩٢٤ و١٦٩٣٥ و١٧٣٣٨ (الدارمي) في "النذور والأيمان" ٢٣٣٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من نذر المشي إلى بيت اللَّه تعالى، وذلك أنه يلزمه المشي، إن قدر، وإلا ركب، وكفّر، كما تدلّ عليه الرواية الآتية في الباب التالي: "ولتصُم ثلاثة أيام"، إلا أنها ضعيفة، والصحيح أمرها بالهدي. (ومنها): جواز النذر من المرأة، كما يجوز من الرجل. (ومنها): عدم انعقاد النذر في المعصية، فإنه - ﷺ - أمرها بالاختمار؛ لأن تكشّف المرأة معصية. (ومنها): جواز النذر بالحج والعمرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم فيمن نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام:
قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: من نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام لزمه الوفاء بنذره. وبهذا قال مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو عُبيد، وابن المنذر، ولا نعلم فيه خلافًا. وذلك لأن النبيّ - ﷺ - قال: ولا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى". متّفقٌ عليه. قال: ولا يجزئه المشي إلا في حجّ، أو عمرة، وبه يقول الشافعيّ، ولا أعلم فيه خلافًا، وذلك لأن المشي المعهود في الشرع هو المشي في حجّ، أو عمرة، فإذا أطلق الناذر حُمل على المعهود الشرعيّ، ويلزمه المشي فيه؛ لنذره المشي، فإن عجز عن المشي ركب، وعليه كفّارة يمين. وعن أحمد رواية أخرى أنه يلزمه دم، وهو قول الشافعيّ، وأفتى به عطاء؛ لما روى ابن عبّاس - ﵁ -: "أن أخت عقبة بن عامر - ﵁ - نذرت المشي إلى بيت اللَّه الحرام، فأمرها النبيّ - ﷺ - تركب، وتُهدي هديًا". رواه أبو داود، وفيه ضعف.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي أنه حديث صحيح، فتنبّه.
قال: ولأنه أخلّ بواجب في الإحرام، فلزمه هديٌ، كتارك الإحرام من الميقات.
[ ٣١ / ٢٣ ]
وعن ابن عمر، وابن الزبير - ﵄ - قالا: يحج من قابل، ويركب ما مشى، ويمشي ما ركب، ونحوه عن ابن عبّاس، وزاد، فقال: ويهُدي. وعن الحسن مثل الأقوال الثلاثة. وعن النخعي روايتان: إحداهما كقول ابن عمر. والثانية كقول ابن عبّاس. وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: عليه هديٌ، سواء عجز عن المشي، أو قدر عليه، وأقلّ الهدي شاة. وقال الشافعيّ. لا يلزمه مع العجز كفّارة بحال، إلا أن يكون النذر مشيًا إلى بيت اللَّه الحرام، فهل يلزمه هديٌ، فيه قولان. وأما غيره، فلا يلزمه مع العجز شيء. قال: ولنا قول النبيّ - ﷺ - حين قال لأخت عقبة بن عامر لما نذرت المشي إلى بيت اللَّه الحرام: "لتمش، ولتركب، ولتكفّر عن يمينها"، وفي رواية: "ولتصم ثلاثة أيام"، وقول النبيّ - ﷺ -: "كفّارة النذر كفّارة اليمين". انتهى كلام ابن قُدامة باختصار (^١).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما من خوطب بالمشي، فركب لموجب مرض، أو عجز، فيجب عليه الهدي، عند الجمهور، وقال الشافعيّ: لا يجب عليه الهدي، وُيختار له الهدي. وروي عن ابن الزبير أنه لم يجعل عليه هديًا، متمسّكًا بما قررناه من الظاهر. وقد تمسّك الجمهور بزيادة رواها أبو داود، والطحاويّ في حديث عقبة، وهذا لفظه: قال عقبة بن عامر: إنه أتى النبيّ - ﷺ -، فأخبره أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة، حافيةً، ناشرة شعرها، فقال له النبيّ - ﷺ -: "مُرها، فلتركب، ولتختمر، ولتُهد هديًا". وعند أبي داود: بدنة، وليس فيه "ناشرة شعرها"، وزيادة الهدي رواها عن النبيّ - ﷺ - مع عقبة بن عامر ابنُ عبّاس، ورواها عنهما الثقات، فلا سبيل إلى ردّها، وليس سكوت من سكت عنها حجة على من نطق بها، وقد عمل بها من السلف، وغيرهم. انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه من قال بوجوب الهدي هو الأرجح؛ لصحّة الحديث بذلك، كما سمعته من كلام القرطبيّ، وكما سيأتي أيضًا تحقيقه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى، وأما حديث: "ولتصم ثلاثة أيام"، فإنه ضعيف، وأما حديث "كفّارة النذر كفّارة يمين" (^٣) فسيأتي الكلام فيه في بابه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسة): قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لم يَرِد فيما صحّ من الحديث أكثر من هذين اللفظين: "إلى بيت اللَّه"، و"إلى الكعبة"، وألحق العلماء بهما ما في معناهما، مثل أن يقول: إلى مكة، أو ذكر جزءًا من البيت. وهذا قول مالك،
_________________
(١) "المغني" ١٣/ ٦٣٥ - ٦٣٦.
(٢) "المفهم" ٤/ ٦١٧ - ٦١٨.
(٣) حديث صحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه".
[ ٣١ / ٢٤ ]
وأصحابه، واختلف أصحابه فيما إذا قال: "إلى الحرم"، أو مكانًا من مدينة مكة، أو المسجد، هل يرجع إلى البيت، أم لا؟ على قولين. وقال الشافعيّ: من قال: عليّ المشي إلى شيء مما يشتمل عليه الحرم لزمه، وإن ذكر ما خرج عنه لم يلزمه. وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن حبيب من المالكيّة، إلا إذا ذكر عرفات، فيلزمه، وإن كانت خارج الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في هذا مشيٌ، ولا مسيرٌ في القياس، لكن الاستحسان في قوله: إلى بيت اللَّه، أو الكعبة، أو مكة فقط، وكل هذا إذا ذكر المشي، فلو قال: عليّ المسير إلى مكة، أو الانطلاق، أو الذهاب، فلا شيء عليه، إلا أن يقول: في حجّ، أو عمرة، أو ينويهما. وتردّد قول مالك في الركوب، وأوجب أشهب الحجّ والعمرة فيهما، كالمشي. وكل هذا إذا ذكر مكة، أو موضعًا منها على ما فصّلناه. فلو قال: عليّ المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة، لم يلزمه المشي عند ابن القاسم، بل المضيّ إليها. وقال ابن وهب: يلزمه المشي، وهو القياس، ولو قال: إلى مسجد غير هذه الثلاثة قال ابن الموّاز: إن كان قريبًا كالأميال، لزمه المشي إليه، وإن كان بعيدًا لم يلزمه. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن من نذر إلى أحد المساجد الثلاثة يلزمه الوفاء به، وأما ما عداها من المساجد، فلا يُشرع النذر بالمشي إليها؛ للحديث المتّفق عليه: "لا تشدّ الرحال، إلا إلى ثلاثة مساجد … " الحديث، كما تقدّم، فيكون النذر إلى غيرها غير طاعة، فلا يلزم؛ لما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…