أي هل يُشرع قضاؤه عنه، أم لا؟.
٣٨٤٣ - (أَخْبَرَنَا بِشرُ بْنُ خَالِدِ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ،
[ ٣١ / ٢٨ ]
قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ يحَدِّثُ، عَنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ (^١)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رَكِبَتِ امْرَأَةْ الْبَحْرَ، فَنَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فَمَاتَتْ قَبلَ أَنْ تَصُومَ، فَأَتَتْ أُخْتُهَا النَّبِيَّ - ﷺ -، وَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهَا أَنَّ تَصُومَ عَنْهَا).
رجال الإسناد: سبعة:
١ - (بشر بن خالد العسكريّ) أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقة يُغرب [١٠] ٢٦/ ٨١٢.
٢ - (محمد بن جعفر) المعروف بغندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلةً [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطي، نزيل البصرة ثقة حافظ متقن، أمير المؤمنين في الحديث [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (سليمان) بن مِهران الأعمش الكوفيّ، ثقة ثبت ورع فاضل، لكنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (مسلم البطين) -بفتح الباء الموحّدة، وكسر الطاء المهملة، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم نون- ابن عمران، أو ابن أبي عمران، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة [٦] ٢٦/ ٩١٥.
٦ - (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٧ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون، غير الصحابيّ، فمدني، بصريّ، مكيّ، طائفي. (ومنها): أن رواية الأعمش عن مسلم البطين من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن الأعمش من صغار التابعين؛ حيث رأى أنسًا - ﵁ -، فهو من الطبقة الخامسة، بخلاف مسلم، فإنه من السادسة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: رَكِبَتِ امْرَأَةٌ الْبَحْرَ) هذا صريحٌ في أن صاحبة الفصّة امرأة، وسبب قصّتها أنها نذرت صوم شهر إن نجّاها اللَّه تعالى عن البحر.
_________________
(١) عنعنة الأعمش هنا لا يضرّ:، فإن شعبة لا يحدّث عن شيوخه الذين ربما دلّسوا إلا بما تحقّق أنهم سمعوه. أفاده في "الفتح" ٤/ ٧٠٧ "كتاب الصوم" رقم الحديث ١٩٥٣.
[ ٣١ / ٢٩ ]
[تنبيه]: قد وقع في هذا الحديث اختلاف كثير، وقد ذكر الاختلاف البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، فقال:
حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس - ﵄ -، قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول اللَّه، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: "نعم"، قال: "فدين اللَّه أحقّ أن يُقضَى".
قال سليمان: فقال الحكم، وسلمة، ونحن جميعًا جلوس، حين حدث مسلم بهذا الحديث، قالا: سمعنا مجاهدا يَذكُر هذا عن ابن عباس.
ويُذكَر عن أبي خالد (^١)، حدثنا الأعمش، عن الحكم، ومسلم البطين، وسلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، عن ابن عبّاس، قالت امرأة للنبيّ - ﷺ -: إن أختي ماتت.
وقال يحيى (^٢)، وأبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قالت: امرأة للنبي - ﷺ -: إن أمي ماتت.
وقال عبيد اللَّه (^٣)، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قالت امرأة للنبيّ - ﷺ -: إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر.
وقال أبو حَرِيز (^٤): حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، قالت امرأة للنبي - ﷺ -: ماتت أمي، وعليها صوم خمسة عشر يوما. انتهى.
فقال في "الفتح ": قوله: إن أمي" خالف أبو حامد جميع من رواه، فقال: "إن أختي"، واختلف على أبي بشر، عن سعيد بن جبير، فقال هُشيم عنه: "ذات قرابة لها"، وقال عنه: "إن أختها" أخرجهما أحمد. وقال حماد عنه: "ذات قرابة لها، إما أختها، وإما ابنتها"، وهذا يُشعر بأن التردّد فيه من سعيد بن جبير.
وقوله: "وعليها صوم شهر" هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية أبي حَرِيز: "خمسة عشر يومًا"، وفي رواية أبي خالد: "شهرين متتابعين"، وروايته تقتضي أن لا يكون الذي عليها صومَ شهرِ رمضانَ، بخلاف رواية غيره، فإنها محتملة، إلا رواية زيد بن أبي أُنيسة، فقال: "إن عليها صوم نذر"، وهذا واضحٌ في أنه رمضان (^٥)، وبيّن أبو بشر في
_________________
(١) هو الأحمر، سليمان بن حيان.
(٢) هو القطّان.
(٣) وابن عمرو الرقّيّ.
(٤) بفتح الحاء المهملة، وكسر الزاي، هو عبد اللَّه بن الحسين قاضي سجستان.
(٥) هكذا نسخة "الفتح" والظاهر أن الصواب "في أنه غير رمضان". فليتنبّه.
[ ٣١ / ٣٠ ]
روايته سبب النذر، فروى أحمد من طريقه شعبة، عن أبي بشر: "أن امرأة ركبت البحر، فنذرت أن تصوم شهرًا، فماتت قبل أن تصوم، فأتت أختها النبيّ - ﷺ - " الحديث.
قال الجامع: هو الحديث الذي نحن في شرحه، رواه هنا شعبة، عن الأعمش، عن مسلم البطين، فكان الأولى للحافظ أن يعزوه إلى المصنّف.
قال: ورواه أيضًا عن هُشيم، عن أبي بشر نحوه. وأخرجه البيهقيّ من حديث حماد ابن سلمة.
وقد ادّعى بعضهم أن هذا الحديث اضطرب فيه الرواة عن سعيد بن جُبير، فمنهم من قال: إن السائل امرأة، ومنهم من قال: رجل، ومنهم من قال: إن السؤال وقع عن نذر، فمنهم من فسّره بالصوم، ومنهم من فسّره بالحج.
قال: والذي يظهر أنهما قصّتان، ويؤيّده أن السائلة في نذر الصوم خثعميّة، كما في رواية أبي حَرِيز المعلّقة، والسائلة عن نذر الحجّ جهنيّةٌ، كما تقدّم في موضعه. وقد روى مسلم من حديث بُريدة أن امرأة سألت عن الحجّ، وعن الصوم معًا.
وأما الاختلاف في كون السائل رجلًا، أو امرأة، والمسؤول عنه أختًا، أو أمًّا، فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث؛ لأن الغرض منه مشروعيّة الصوم، أو الحجّ عن الميت، ولا اضطراب في ذلك. انتهى المقصود من "الفتح" (^١).
(فَنَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا) الظاهر أن النذر كان لنجاتها من البحر (فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَصُومَ، فَأَتَتْ أُخْتُهَا النَّبِيَّ - ﷺ -، وَذكَرَتْ ذَلِك لَهُ، قأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا) قال السنديّ: من لا يرى الصوم جائزًا يؤوّل الحديث بأن المراد الافتداء، فإنها إذا افتدت، فقد أدّت الصوم عنها، وهو تأويل بعيد جدًّا، وأحمد جوز الصوم في النذر، وقال: هو المورد، والقول القديم للشافعيّ جوازه مطلقًا، ورجحه محققو أصحابه بأنه الأوفق للدليل. انتهى. وسيأتي تحقيق المسألة قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٣٤/ ٣٨٤٢ - وفي "الكبرى" ١١/ ٤٧٥٨. وأخرجه (خ) في "الصوم"
_________________
(١) "فتح" ٤/ ٧٠٨. "كتاب الصوم".
[ ٣١ / ٣١ ]
١٩٥٣ (م) في "الصيام" ١١٨٤ (د) في "الأيمان والنذور" ٢٣١٠ (ت) في "الصوم" ٧١٦ (ق) في "الصيام" ١٧٥٨ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٩٧١ و٢٠٠٦ و٣٢٣٢ و٣٤١٠ (الدارمي) في "الصوم" ١٧٦٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن من نذر صومًا، ثم مات قبل أدائه، صام عنه وليّه. (ومنها): مشروعيّة النيابة في العبادات. (ومنها): جواز ركوب البحر للمرأة، لكن بشرط أن تكون مع محرمها. (ومنها): مشروعيّة النذر للمرأة، وليس خاصًّا بالرجال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في في قضاء النذر عن الميت:
قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: من نذر حجًّا، أو صيامًا، أو صدقةً، أو عتقًا، أو صلاةً، أو غيره من الطاعات، ومات قبل فعله، فعله الوليّ عنه. وعن أحمد في الصلاة لا يُصَلَّى عن الميت؛ لأنها لا بدّل لها بحال، وأما سائر الأعمال، فيجوز أن ينوب الوليّ عنه في هيا، وليس بواجب عليه، ولكن يُستحبّ له ذلك على سبيل الصلة والمعروف، وأفتى بذلك ابن عبّاس في امرأة نذرت أن تمشي إلى قباء، فماتت، ولم تقضه، أن تمشي ابنتها عنها. وروى سعيد، عن سفيان، عن عبد الكريم أبي أُميّة، أنه سأل ابن عبّاس عن نذر كان على أمه من اعتكاف، قال: صم عنها، واعتكف عنها. وقال: حدثنا الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر، عن عامر بن شُعيب أن عائشة اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد ما مات. وقال مالك: لا يمشي أحدٌ على أحد، ولا يصليّ، ولا يصوم عنه، وكذلك سائر أعمال البدن، قياسًا على الصلاة. وقال الشافعيّ: يقضي عنه الحجّ، ولا يقضي الصلاة قولًا واحدًا، ولا يقضي الصوم في أحد القولين، ويُطعم عنه لكلّ يوم مسكين؛ لأن ابن عمر، قال: رسول اللَّه - ﷺ -: "من مات، وعليه صيام شهر، فليطعم عنه مكان كلّ يوم مسكين". أخرجه ابن ماجه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث المذكور ضعيف، والصحيح أنه موقوف، كما بيّن ذلك الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وقال أهل الظاهر: يجب القضاء على وليّه، بظاهر الأخبار الوارد فيه. وجمهور أهل العلم على أن ذلك ليس بواجب على الوليّ، إلا أن يكون حقًّا في المال، ويكون للميّت تركة، وأمر النبيّ - ﷺ - في هذا محمول على الندب، والاستحباب، بدليل قرائن في الخبر، منها: أن النبيّ - ﷺ - شبّهه بالدين، وقضاء الدين على الميّت لا يجب على الوارث ما لم يُخلف تركة يقضَي بها، ومنها أن السائل سأل النبيّ - ﷺ -، هل يفعل ذلك، أم لا،
[ ٣١ / ٣٢ ]
ويختلف باختلاف مُقتضى سؤاله، فإن كان مقتضاه السؤال عن الإباحة، فالأمر في جوابه يقتضي الإباحة، وإن كان السؤال عن الإجزاء، فأمره يقتضي الإجزاء، كقولهم: أنُصلي في مرابض الغنم؟ قال: "صلّوا في مرابض الغنم"، وإن كان سؤالهم عن الوجوب، فأمره يقتضي الوجوب، كقولهم: أنتوضّأ من لحوم الإبل؟ قال: "توضّؤوا من لحوم الإبل"، وسؤال السائل في مسألتنا كان عن الإجزاء، فأمر النبيّ - ﷺ - بالفعل يقتضيه لا غير.
واحتجّ القائلون بجواز الصيام عن الميت بما روت عائشة - ﵂ - أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "من مات، وعليه صيام، صام عنه وليّه". وعن ابن عبّاس - ﵄ - قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول اللَّه، إن أمّي ماتت، وعليها صوم شهر، أفاصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دينٌ، أكنت قاضيه؟ "، قال: نعم، قال: "فدين اللَّه أحقّ أن يُقضى". وفي رواية قال: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فقالت: يا رسول اللَّه، إن أمي ماتت، وعليها صوم، أفاصوم عنها؟ قال: "أرأيت لو كان على أمك دينٌ، فقضيته، كان يؤدّي ذلك عنها؟ "، قال: نعم، قال: "فصومي عن أمك". متّفقٌ عليها. وعن ابن عبّاس - ﵄ - أن سعد ابن عُبادة الأنصاريّ - ﵁ - استفتى النبيّ - ﷺ - في نذر كان على أمه، فتوفّيت قبل أن تقضيه؟ فأفتاه أن يقضيه، فكانت سنّة بعدُ. وعنه أن رجلًا أتى النبيّ - ﷺ -، فقال: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبيّ - ﷺ -: "لو كان عليها دين، أكنت تقضيه؟ " قال: نعم، قال: "فاقض اللَّه، فهو أحقّ بالقضاء". رواهما البخاريّ. وهذا صريح في الصوم، والحجّ، ومطلق في النذر، وما عدا المذكور في الحديث يُقاس عليه.
وحديث ابن عمر في الصوم الواجب بأصل الشرع، ويتعيّن حمله عليه جمعًا بين الحديثين، ولو قُدّر التعارض، لكانت أحاديثنا أصحّ، وأكثر، وأولى بالتقديم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم أن حديث ابن عمر - ﵄ - المذكور لا يصحّ مرفوعًا، فلا حاجة إلى التكلّف للجمع، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
إذا ثبت هذا فإن الأولى أن يقضي النذر عنه وارئه، فإن قضاه غيره أجزأه عنه، كما لو قضى عنه دينه، فإن النبيّ - ﷺ - شبّهه بالدين، وقاسه عليه، ولأن ما يقضيه الوارث إنما هو تبرّع منه، وغيره مثله في التبرّع، وإن كان النذر في مالٍ تعلّق بتركته. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بحثٌ نفيس، إلا أن قياس الصلاة على الصوم والحجّ فيه نظرٌ لا يخفَى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
[ ٣١ / ٣٣ ]