أي هل يلزمه الوفاء بذلك، أم لا؟، اختلف العلماء في ذلك، وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
٣٨٤٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ لَيْلَةٌ نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، يَعْتَكِفُهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن موسى) الْخَطْمي، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقة متقنٌ [١٠] ٣٥/ ١٥٩٦.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨.
[ ٣١ / ٣٥ ]
٤ - (نافع) هو مولى ابن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢.
٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢.
٦ - (عمر) بن الخطاب بن نفيل العدويّ، أمير المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها). أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير سفيان، فمكيّ، وأيوب، فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، والابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعي، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. (ومنها): أن فيه عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشرين بالجنة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، هذه الرواية صريحةٌ في أن الحديث من مسند عمر - ﵁ -، ورواية عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع الآتية في الباب ظاهرة في كونه من مسند ابن عمر - ﵄ -، ولا يضرّ ذلك، فإن ابن عمر قد حضر القصّة، فإنها كانت في غزوة حنين، ففي رواية البخاريّ في "كتاب المغازي" من طريق معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -، قال: لَمّا قفلنا من حنين، سأل عمر النبيّ - ﷺ - عن نذر كان نذره في الجاهليّة، اعتكافِ، فأمره النبيّ - ﷺ - بوفائه:. وفي رواية مسلم، من طريق جرير بن حازم، أن أيوب حدثه، أن نافعًا حدّثه، أن عبد اللَّه بن عمر حدّثه، أن عمر بن الخطّاب سأل رسول اللَّه - ﷺ -، وهو بالجعرانة، بعد أن رجع من الطائف، فقال: يا رسول اللَّه، إني نذرت في الجاهليّة أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام، فكيف ترى؛ قال: "اذهب، فاعتكف يومًا، وكان رسول اللَّه - ﷺ - قد أعطاه جارية من الخمس، فلما أعتق رسول اللَّه - ﷺ - سبايا الناس، قال عمر؛ يا عبد اللَّه اذهب إلى تلك الجارية، فخلّ سبيلها".
فقد تبيّن بهذا أن ابن عمر - ﵄ - كان حاضرًا سؤال عمر - ﵁ - للنبيّ - ﷺ -. ويحتمل أن يكون غائبًا في بعض حاجته حينما سأل عمر - ﵁ - النبيّ - ﷺ -، فأخبره عمر به، فكان يحدّث عنه تارةً، ويرسله أخرى، ومرسل الصحابيّ حجة، كما هو مقرّر في محلّه. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣١ / ٣٦ ]
وقال في "الفتح" بعد ما ذكر أن القصّة كانت بالجعرانة لَمّا رجعوا من حُنين: ما نصّه: ويستفاد منه الردّ على من زعم أن اعتكاف عمر - ﵁ - كان قبل المنع من الصيام في الليل؛ لأن غزوة حنين متأخّرة عن ذلك. انتهى (^١).
(أنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ لَيلَةٌ) بالرفع اسم "كان"، والجاز والمجرور خبرها مقدّمًا، وقوله (نَذَرَ) جملةٌ في محلّ رفع صفة لـ "اليلة" والعائد محذوف، أي نذرها.
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتج به من يُجيز الاعتكاف بالليل، وبغير صوم، ولا حجة له فيه؛ لأنه قد قال في الرواية الأخرى: "أنه نذر أن يعتكف يومًا"، والقصّة واحدة، فدلّ مجموع الراويتين على أنه نذر يومًا وليلةً، غير أنه أفرد أحدهما بالذكر لدلالته على الآخر من حيث إنهما تلازما في الفعل، ولهذا قال مالكٌ: إن أقلّ الاعتكاف يومٌ وليلة، فلو نذر أحدهما لزمه تكميله بالآخر، ولو سلّمنا أنه لم يجىء لليوم ذكرٌ لما كان في تخصيص الليلة بالذكر حجة؛ لإمكان حمل ذلك الاعتكاف على المجاورة؛ فإنها تُسمّى اعتكافًا لغةً، وهي تصحّ بالليل والنهار، وبصوم، وبغير صوم. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: "أن أعتكف ليلةً" استُدلّ به على جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأن الليل ليس ظرفًا للصوم، فلو كان شرطًا لأمره النبيّ - ﷺ - به. وتُعُقّب بأن في رواية شعبة عن عبيد اللَّه عند مسلم: "يومًا" بدل "ليلة"، فجمع ابن حبّان وغيره بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد بليلته، وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر - ﵄ - صريحًا، لكن إسنادها ضعيف، وقد زاد فيها: إن النبيّ - ﷺ - قال له: "اعتكف، وصم". أخرجه أبو داود، والنسائيّ، من طريق عبد اللَّه بن بديل، وهو ضعيف، وذكر ابن عديّ، والدارقطنيّ أنه تفرّد بذلك، عن عمرو بن دينار. ورواية من روى "يوما" شاذّة. وقد وقع في رواية سليمان بن بلال عند البخاريّ: "فاعتَكَفَ ليلةً"، فدلّ على أنه لم يزد على نذره شيئًا، وأن الاعتكاف لا صوم فيه، وأنه لا يُشترط له حدٌّ معين. انتهى.
(فِي الْجَاهِلِيَّةِ) المراد بالجاهليّة هنا جاهليّة عمر - ﵁ -، وهو ما قبل إسلامه، لا أنه أراد ما قبل بعثة النبيّ - ﷺ -، لأن جاهليّة كلّ أحد بحسبه، ووهم من قال: الجاهليّة في كلامه زمن فترة النبوّة، والمراد بها هنا ما قبل بعثة نبيّنا - ﷺ -، فان هذا يتوقّف على النقل، وقد ثبت أنه نذر قبل أن يسلم، وبين البعثة، وإسلامه مدّة. قاله في "الفتح" (^٣).
_________________
(١) "فتح" ٤/ ٨٠٩ "كتاب الاعتكاف". رقم ٢٠٣٢.
(٢) "المفهم" ٤/ ٦٤٥ - ٦٤٦.
(٣) "فتح" ١٣/ ٤٤٣.
[ ٣١ / ٣٧ ]
وقال أيضًا: وفيه ردٌّ على من زعم أن المراد بالجاهلية ما قبل فتح مكّة، وأنه نذر في الإسلام، وأصرح من ذلك ما أخرجه الدارقطنيّ، من طريق سعيد بن بشير، عن عُبيد اللَّه، بلفظ: "نذر عمر أن يعتكف في الشرك". انتهى (^١).
يَعْتَكِفُهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ) هذا فيه أن نذر الكافر ينعقد، ولا مانع من القول أن نذره ينعقد موقوفًا على إسلامه، فإن أسلم لزمه الوفاء به في الخير، والكفرُ وإن كان يمنع عن انعقاده منجّزًا، لكن لا يمنع أن يعقد موقوفًا، وحديث: "الإسلام يَجُبُّ ما قبله" محمول على الخطايا، وليس النذر منها، وسيأتي قريبًا تمام البحث، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٦/ ٣٨٤٧ و٣٨٤٨ و٣٨٤٩ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٤٧٦٢ و٤٧٦٣ و٤٧٦٤. وأخرجه (خ) في "الاعتكاف" ٢٠٣٢ و٢٠٤٣ و"فرض الخمس" ٣١٤٤ و"الأيمان والنذور" ٦٦٩٧ (م) في "الأيمان" ١٦٥٦ (د) في "الأيمان والتذور" ٢٣٢٥ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٣٩ (ق) في "الصيام" ١٧٧٢ و"الكفّارات" ٢١٢٩ (أحمد) في "مسند العشرة" ٢٥٧ و"مسند المكثرين" ٤٦٩١ و٥٥١٤ و٦٣٨٢ (الدارمي) في "النذور والأيمان" ٢٣٣٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن الكافر إذا نذر، ثم أسلم قبل الوفاء، وفي به، بعد إسلامه.
(ومنها): ما قاله في "الفتح": وفي الحديث لزوم النذر للقربة من كلّ أحد حتى قبل الإسلام.
وقد أجاب ابن العربيّ بأن عمر لَمَّا نذر في الجاهليّة، ثم أسلم أراد أن يُكفّر ذلك بمثله في الإسلام، فلما أراده، ونواه سأل النبيّ - ﷺ -، فأعلمه أنه لزمه، قال: وكلّ عبادة ينفرد بها العبد عن غيره تنعقد بمجرّد النيّة العازمة الدائمة كالنذر في العبادة، والطلاق
_________________
(١) "فتح" ٤/ ٥٨٠٩ "كتاب الاعتكاف" رقم ٢٠٣٢.
[ ٣١ / ٣٨ ]
في الأحكام، وإن لم يتلفّظ بشيء من ذلك.
كذا قال. ولم يوافق على ذلك، بل نقل بعض المالكيّة الاتفاق على أن العبادة لا تلزم إلا بالنية مع القول، أو الشروع، وعلى التنزّل، فظاهر كلام عمر - ﵁ - مجرّد الإخبار بما وقع مع الاستخبار عن حكمه، هل لزم، أو لا؟ وليس فيه ما يدلّ على ما ادّعاه من تجديد نيّة منه في الإسلام.
وقال الباجيّ: قصَّة عمر - ﵁ - هي كمن نذر أن يتصدّق بكذا إن قدم فلانٌ بعد شهر، فمات فلان قبل قدُومه، فإنه لا يلزم الناذر قضاؤها، فإن فعله فحسن، فلما نذر عمر قبل أن يسلم، وسأل النبيّ - ﷺ - أمره بوفائه استحبابًا، وإن كان لا يلزمه؛ لأنه التزمه في حالة لا ينعقد فيها.
(ومنها): ما قاله الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": إنه استُدلّ به على أن الكفّار مخاطبون بفروع الشريعة، وإن كان لا يصحّ منهم إلا بعد أن يُسلموا؛ لأمر عمر - ﵁ - بوفاء ما التزمه في الشرك، ونقل أنه لا يصحّ الاستدلال به لأن الواجب بأصل الشرع كالصلاة لا يجب عليهم قضاؤها، فكيف يكلّفون بقضاء ما ليس واجبًا بأصل الشرع؟ قال: ويُمكن أن يُجاب بأن الواجب بأصل الشرع مؤقّتٌ بوقت، وقد خرج قبل أن يُسلم الكافر، ففات وقتُ أدائه، فلم يؤمر بقضائه؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله، فأما إذا لم يؤقت نذره، فلم يتعين له وقت حتى أسلم، فإيقاعه له بعد الإسلام يكون أداء؛ لاتساع ذلك باتساع العمر.
قال الحافظ: وهذا البحث يقوّي ما ذهب إليه أبو ثور، ومن قال بقوله -يعني قولهم: إن نذر الاعتكاف قبل الإسلام لزمه الوفاء إذا أسلم- وإن ثبت النقل عن الشافعيّ بذلك، فلعلّه كان يقوله أوّلًا، فأخذه عنه أبو ثور. ويمكن أن يؤخذ من الفرق المذكور أن وجوب الحجّ على من أسلم لاتساع وقته، بخلاف ما فات وقته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن نذر كافرًا، ثم أسلم:
قال أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: ومن نذر في حال كفر طاعةً للَّه -﷿-، ثم أسلم لزمه الوفاء به؛ لقول رسول اللَّه - ﷺ -: "من نذر أن يُطيع اللَّه فليُطعه"، وهو - ﵇ - مبعوث إلى الجنّ والإنس، وطاعته فرض على كلّ مؤمن، وكافر، من قال: غير هذا، فليس مسلمًا، وهذه جملة لم يَختلف فيها أحد ممن يدّعي الإسلام، ثم نقضوا في التفصيل. ثم أورد بسند مسلم حديث حكيم بن حزام - ﵁ - أنه قال لرسول اللَّه - ﷺ -: "أرأيت أمورًا كنت أتحنّث بها في الجاهليّة، من صدقة، أو عَتاقة، أو صِلَة رحم، أفيها
[ ٣١ / ٣٩ ]
أجرٌ؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "أسلمت على ما أسلفت من خير". ثم أخرج بسنده حديث عمر - ﵁ - المذكور في الباب: "نذرت نذرًا في الجاهليّة، ثم أسلمت، فسألت رسول اللَّه - ﷺ -؟ فأمرني أن أوفي بنذري"، قال: فهذا حكم لا يسع أحدًا الخروج عنه. وأورد أيضًا حديث أبي هريرة - ﵁ - المتفق عليه، قال: بعث النبيّ - ﷺ - خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثُمامة بن أُثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد … " وفيه: "أن ثمامة أسلم بعد أن أطلقه النبيّ - ﷺ -، وقال: يا محمد، واللَّه ما كان على الأرض وجه أبغض إلى من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ، واللَّه ما كان من دين أبغض إلى من دينك، فأصبح دينك أحد الدين إليّ، واللَّه ما كان من بلد أبغض إلى من بلدك، فأصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول اللَّه - ﷺ -، وأمره أن يعتمر … " الحديث.
قال: فهذا كافر خرج يريد العمرة، فأسلم، فأمره النبيّ - ﷺ - بإتمام نيّته. قال: وروينا عن طاوس: من نذر في كفره، ثم أسلم، فليوف بنذره، وعن الحسن، وقتادة نحوه، وبهذا قال الشافعيّ، وأبو سليمان -يعني داود الظاهريّ- وأصحابهما. انتهى المقصود من كلام ابن حزم (^١).
وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وفي حديث عمر - ﵁ - دليلٌ على أنه يجب الوفاء بالنذر من الكافر متى أسلم، وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعيّ. وعند الجمهور: لا ينعقد النذر من الكافر، وحديث عمر - ﵁ - حجة عليهم. وقد أجابوا عنه بأن النبيّ - ﷺ - لَمّا عرف أن عمر - ﷺ - قد تبرع بفعل ذلك أذن له به؛ لأن الاعتكاف طاعة، ولا يخفى ما في هذا الجواب من مخالفة الصواب. وأجاب بعضهم بأنه - ﷺ - أمره بالوفاء استحبابًا، لا وجوبًا. وُيردّ بأن هذا الجواب لا يصلح لمن ادّعى عدم الانعقاد. انتهى كلام الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الصحيح قول من قال بانعقاد نذر الكافر، ووجوب الوفاء عليه بعد إسلامه؛ لما ذكر من الأدلّة الصحيحة الصريحة في الأمر بالوفاء، والمانعون لم يأتوا بحجة مقنعه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ عَلَى عُمَرَ نَذْرٌ، فِي اعْتِكَافِ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ،
_________________
(١) "المحلّى" ٨/ ٢٥ - ٢٦. "كتاب النذور".
(٢) "نيل الأوطار" ٨/ ٢٦٠.
[ ٣١ / ٤٠ ]
فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن يزيد": هو أبو يحيى المكيّ ثقة [١٠] ١١/ ١١. والباقون تقدّموا في السند الماضي، والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٤٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ كَانَ جَعَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا، يَعْتَكِفُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ؟، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن عبد اللَّه بن الحكم": هو المعروف بابن الكُرْديّ، أبو الحسين البصريّ، ثقة [١٠] ٣٩/ ٥٨٣. و"محمد بن جعفر": هو غندر. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٥٠ - (حَدَّثَنَا (^١) يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ تِيبَ عَلَيْهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الزُّهْرِيُّ، سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، وَمِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْهُ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ، تَوْبَةُ كَعْبٍ).
قَال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا أورد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هذا الحديث في هذا الباب في "المجتبى"، وفي "الكبرى"، وهو من أحاديث الباب التالي، وفي المناسبة بينه وبين هذه الترجمة بعدٌ لا يخفى، إذ لا مناسبة بين من نذر وهو مشركٌ، ثمّ أسلم، وبين من نذر بعد قبول توبته شكرًا، فليُتأمّل.
ورجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ.
وقوله: "حين تيب عليه" أي من تخلّفه عن رسول اللَّه - ﷺ - من غزوة تبوك بدون عذر.
وقوله: "أن أنخلع من مالي" أي أخرُج من كله، وأتجرّد منه، كما يتجرّد الإنسان،
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ٣١ / ٤١ ]
وينخلع من ثيابه.
وقوله: "صدقة إلى اللَّه الخ" منصوب على المفعوليّة لأجله، أي لأجل الصدقة إلى اللَّه ﷾، وإلى رسوله - ﷺ -. وقال في "الفتح": قوله: "صدقةً" هو مصدر في موضع الحال، أي متصدّقًا، أو ضَمَّنَ "أنخلع" معنى أتصدّق، وهو مصدر أيضًا.
وقوله: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خيرٌ لك"، وفي رواية أبي داود، عن كعب أنه قال: إن من توبتي أن أخرج من مالي كلّه إلى اللَّه ورسوله - ﷺ - صدقة، قال: "لا"، قلت: نصفه، قال: "لا"، قلت: فثلثه، قال: "نعم". ولابن مردويه من طريق ابن عيينة، عن الزهريّ، فقال النبيّ - ﷺ -: "يجزي عنك من ذلك الثلث". ونحوه لأحمد في قصَّة أبي لبابة - ﵁ - حين قال: إن من توبتي أن أنخلع من مالي كلّه صدقةً للَّه ورسوله - ﷺ -، فقال النبيّ - ﷺ - "يجزي عنك الثلث". انتهى (^١).
قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: وفيه أن التقرّب إلى غير اللَّه تعالى في العبادة لا يضرّ بعد أن يكون المقصد الأصليّ التقرّب إلى اللَّه تعالى؛ لأن المتقرّب إلى اللَّه تعالى متقرّب إلى الرسول - ﷺ - قطعًا، فيتأمل. انتهى (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في استدلاله على جواز التقرّب إلى غير اللَّه تعالى بهذا الحديث غير واضح.
ثم إن معنى التقرّب إلى رسول اللَّه - ﷺ -، إن صحّ الاستدلال، أنه لَمّا تصدّق شكرًا لقبول اللَّه تعالى توبته، فقد تقرب إليه به. بتقرّبه إلى اللَّه -﷿-، بعد أن ابتعد منه بسبب تخلّفه عنه حتى أقصاه - ﷺ - منه خمسين ليلة، كما هو مشهور في قصَّة، فكان لا يسلّم عليه، ولا يردّ سلامه، ومنع أصحابه - ﵃ - أن يكلّموه، فهذا هو وجه التقرّب منه - ﷺ -، ولا خفاء في كون هذا تقرّبًا شرعيًّا، وإنما التقرّب المذموم أن يتقرَّب إليه بصرف شيء من العبادة له، كان ينذر له، أو يعتقد فيه ما لا يستحقّه من صفات الربوبيّة، أو الألوهيّة. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف في "كتاب المساجد" -٣٨/ ٧٣١ - "الرخصة في الجلوس فيه، والخروج منه بغير صلاة" "، وتقدّم شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن الخ" أراد -رحمه اللَّه تعالى- أن هذا الحديث رواه الزهريّ عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن أبيه، كما في هذا الإسناد، ورواه أيضًا عن
_________________
(١) "فتح" ٨/ ٤٦٥. "كتاب المغازي".
(٢) "شرح السندي" ٧/ ٢٢.
[ ٣١ / ٤٢ ]
عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أخيه عبد اللَّه بن كعب بن مالك، كما في الإسناد الأول في الباب التالي، وأيضًا رواه عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن عبد اللَّه ابن كعب، كما في الرواية التي بعدها، ورواه عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن عمه عُبيد اللَّه بن كعب، كما في الرواية الأخيرة.
والحاصل أن الزهريّ يروي حديث كعب بن مالك - ﵁ - هذا عن أربع طرق:
[الأولى]: عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن أبيه.
[الثانية]: عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن أبيه.
[الثالثة]: عن عبد الرحمن كعب، عن أخيه عبد اللَّه بن كعب.
[الرابعة]: عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن عمّه عبيد اللَّه بن كعب. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "في هذا الحديث الطويل" ذكرته بطوله في "كقال المساجد" من رواية البخاريّ، وهو من أطول أحاديث البخاريّ في "صحيحه".
وقوله: "توبة كعب" بالجرّ على البدلية من "هذا الحديث"، ويجوز قطعه إلى الرفع، والنصب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…