قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجمة المصنّف نحو ترجمة البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، ولفظها: "باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة"، وللكشميهني: "والقربة" بدل و"التوبة". وقوله: "أهدى": أي تصدّق بماله، أو جعله هدية للمسلمين. قاله الكرمانيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٥١ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي (^١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ، قَالَ:
_________________
(١) وفي نسخة: "وأخبرني".
[ ٣١ / ٤٣ ]
سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ، حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، قَالَ: فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي، أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، مُخْتَصَرٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "سليمان بن داود": هو المَهْريّ، أبو الربيع المصريّ. وقوله: "أن أنخلع من مالي" -بنون، وخاء معجمة: أي أَعْرَى من مالي، كما يَعْرَى الإنسان إذا خلع ثوبه. قاله في "الفتح".
قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: قيل: الانخلاع ليس بظاهر في معنى النذر، وإنما هو كفّارة، أو شكرٌ، فلعلّه ذكره في الباب لمشابهته في إيجابه على نفسه ما ليس بواجب لحدوث أمر. قلت (^١): لو ظهر الإيجاب لما خفي كونه نذرًا. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": ما حاصله: مناسبة حديث كعب - ﵁ - للترجمة أن معنى الترجمة أن من أهدى، أو تصدّق بجميع ماله، إذا تاب من ذنب، أو إذا نذر هل ينفذ ذلك؛ إذا نجّزه، أو علّقه؟ وقصّة كعب منطبقة على الأول، وهو التنجيز، لكن لم يصدر منه تنجيزٌ، كما تقرّر، وإنما استشار، فأُشير عليه بإمساك البعض، فيكون الأولى لمن أراد أن ينجّز التصدّق بجميع ماله، أو يعلّقه أَنْ يمسك بعضه، ولا يلزم من ذلك أنه لو نجّزه لم ينفذ، وقد تقدّمت الإشارة في "كتاب الزكاة" إلى أن التصدق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال، فمن كان قويًّا على ذلك، يعلم من نفسه الصبر لم يمنع، وعليه يتنرل فعل أبي بكر الصدّيق - ﵁ -، وإيثار الأنصار على أنفسهم المهاجرين، ولو كان بهم خصاصة، ومن لم يكن كذلك، فلا، وعليه يتنزّل "لا صدقة، إلا عن ظهر غنى"، وفي لفظ: "أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى".
قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: في حديث كعب - ﵁ - أن للصدقة أثرا في محو الذنوب، ومن ثمّ شُرعت الكفّارة المالية. ونازعه الفاكهاني، فقال: التوبة تجُبّ ما قبلها، وظاهر حال كعب أنه أراد فعل ذلك على جهة الشكر. قال الحافظ: مراد الشيخ يؤخذ من قول كعب - ﵁ -: "إن من توبتي الخ" أن للصدقة أثرًا في قبول التوبة التي يتحقّق بحصولها محو الذنب، والحجة فيه تقرير النبيّ - ﷺ - له على القول المذكور. انتهى (^٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وسبق البحث فيه في الباب الماضي، وبقي البحث فيما يتعلّق
_________________
(١) القائل السنديّ.
(٢) "شرح السنديّ" ٧/ ٢٢ - ٢٣.
(٣) "فتح" ١٣/ ٤٣٠ - ٤٣١ "كتاب الإيمان والنذور" رقم ٦٦٩٠.
[ ٣١ / ٤٤ ]
بما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فأقول:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم فيمن نذر أن يتصدّق بجميع ماله:
قال في "الفتح": قد اختلف السلف فيمن نذر أن يتصدّق بجميع ماله على عشرة مذاهب:
فقال مالك: يلزمه الثلث؛ لهذا الحديث، ونوزع في أن كعب بن مالك - ﵁ - لم يُصرّح بلفظ النذر، ولا بمعناه، بل يحتمل أنه نجّز النذر، ويحتمل أن يكون أراده، فاستأذن، والانخلاع الذي ذكره ليس بظاهر في صدور النذر منه، وإنما الظاهر أنه أراد أن يؤكد أمر توبته بالتصدُّق بجميع ماله شكرًا للَّه تعالى على ما أنعم به عليه.
وقال الفاكهانيّ في "شرح العمدة": كان الأولى بكعب أن يستشير، ولا يستبدّ برأيه، لكن كأنه قامت عنده حال لفرحه بتوبته، ظهر له فيها أن التصدّق بجميع ماله مُستَحَقٌّ عليه في الشكر، فأراد الاستشارة بصيغة الجزم. انتهى. وكأنه أراد أنه استبدّ برأيه في كونه جزم بأن من توبته أن ينخلع من جميع ماله، إلا أنه نجّز ذلك.
وقال ابن المنيّر: لم يبُتَّ كعب الانخلاع، بل استشار، هل يفعل، أو لا؟. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون استفهم، وحُذفت أداة الاستفهام، ومن ثمّ كان الراجح عند الكثير من العلماء وجوب الوفاء لمن التزم أن يتصدّق بجميع ماله، إلا إذا كان على سبيل القربة. وقيل: إن كان مليًّا لزمه، وإن كان فقيرًا فعليه كفّارة يمين. وهذا قول الليث، ووافقه ابن وهب، وزاد: وإن كان متوسّطًا يُخرج قدر زكاة ماله، والأخير عن أبي حنيفة بغير تفصيل، وهو قول ربيعة. وعن الشعبيّ، وابن لبابة (^١) لا يلزمه شيء أصلًا. وعن قتادة يلزم الغني العشر، والمتوسّط السبع، والمملق الخمس. وقيل: يلزم
الكلّ، إلا في نذر اللجاج، فكفّارة يمين. وعن سحنون يلزمه أن يُخرج ما لا يضرّ به. وعن الثوريّ، والأوزاعيّ، وجماعة يلزمه كفّارة يمين بغير تفصيل. وعن النخعيّ يلزمه الكلّ بغير تفصيل.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى- من أن من نذر بجميع ماله يلزمه الثلث أرجح؛ لظاهر قصّة كعب بن مالك - ﵁ -؛ لأنه لما قال: أتصدّق بمالي كلّه، قال له - ﷺ -: "يُجزىء عنك الثلث"، فهذا دليلٌ واضحٌ على أن من نذر بجميع ماله يجزيه الثلث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٥٢ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ
_________________
(١) هكذا نسخة "الفتح" ولينظر.
[ ٣١ / ٤٥ ]
ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ مَالَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ عَلَيَّ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "يوسف بن سعيد": هو المصّيصيّ الثقة الحافظ [١١] ١٩٨/ ١٣١ من أفراد المصنّف روى عنه في هذا الكتاب ثلاثين حديثًا. و"حجّاج بن محمَّد": هو الأعور المصّيصيّ.
وقوله: "أمسك عليك مالك" أي بعض مالك، كما بينته الرويات المتقدّمة.
والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٥٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَمِّهِ، عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ -﷿-، إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ).
قال الجامع عفا الَله تعالى عنه: "محمَّد بن معدان بن عيسى": هو الْحَرّانيّ الثقة [١٢] ١٦/ ٦٤٩ من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، روى عنه في هذا الكتاب تسعة أحاديث. و"الحسن بن أعين": هو ابن محمد بن أعين، نسب لجدّه، أبو عليّ الحرّانيّ، صدوق [٦] ١٦/ ٦٤٩. و"مَعْقِل" بفتح الميم، وكسر القاف-: هو ابن عُبيد الله الجَزَريّ، أبو عبد الله الحرانيّ، صدوق يُخطىء [٨] ٣٧/ ٩٤٠.
والحديث متفقٌ عليه، وسبق القول عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
[ ٣١ / ٤٦ ]