قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: "باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض، والغنم، والزرع، والأمتعة". قال في "الفتح": قال ابن عبد البرّ، وتبعه جماعة: المال في لغة دَوْس قبيلةِ أبي هريرة - ﵁ - غير العين، كالعروض، والثياب. وعند جماعة: المال هو العين، كالذهب، والفضّة. والمعروف من كلام العرب أن كلّ ما يُتموّل، ويُملك فهو مال، وأشار البخاريّ في الترجمة إلى رجحان ذلك بما ذكره من الأحاديث، كقول عمر - ﵁ -: "أصبت أرضًا لم اصب مالًا أنفس منه"، وقول أبي طلحة - ﵁ -: "أحبّ أموالي إليّ بيرحاء"، وقول أبي هريرة - ﵁ -: "لم نغنَم ذهبًا، ولا ورِقًا"، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، فإنه يتناول كلّ ما يملكه الإنسان. وأما قول أهل اللغة: العرب لا توقع اسم المال عند الإطلاق إلا على الإبل؛ لشرفها عندهم، فلا يدفع إطلاقهم المال على غير الإبل، فقد أطلقوها أيضًا على غير الإبل من المواشي. ووقع في "السيرة": "فسلك في الأموال" -يعني الحائط، "ونهى عن إضاعة المال"، وهو يتناول كلّ ما يُتموّل. وقيل: المراد به هنا الأرقّاء. وقيل: الحيوان كلّه. وفي الحديث أيضًا: "ما جاءك من الرزق، وأنت غير مُشرف، فخذه، وتموّله"، وهو يتناول كلّ ما يُتموّل، والأحاديث الثلاثة مخرجة في "الصحيحين"، و"الموطّإ". وحُكي عن ثعلب: المال كلّ ما تجب فيه الزكاة، قَلَّ، أو كَثُر، فما نقص عن ذلك، فليس بمال. وبه جزم الأنباريّ. وقال غيره: المال في الأصل العين، ثم أُطلق على كلّ ما يتملّك. انتهى (^١).
وقد تقدّم في الباب الماضي بيان اختلاف السلف فيمن حلف، أو نذر أن يتصدّق بماله على عشرة أقوال، فمنهم من قال: كأبي حنيفة: لا يقع نذره إلا على ما فيه الزكاة، ومنهم من قال: كمالك: يتناول جميع ما يقع عليه اسم مال. قال ابن بطّال: وأحاديث الباب تشهد لقول مالك، ومن تابعه.
وغرض المصنّف كالبخاريّ -رحمهما اللَّه تعالى- بهذه الترجمة الردّ على من قال: إذا حلف، أو نذر أن يتصدّق بماله كلّه اختصّ ذلك بما فيه الزكاة، دون سائر ما يملكه،
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٥٣. "كتاب الإيمان والنذور" رقم الحديث ٦٧٠٧.
[ ٣١ / ٤٧ ]
وما ذهب إليه المصنّف، والبخاريّ، هو مذهب الجمهور، وهو الصحيح. ونقل محمد ابن نصر المروزيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الاختلاف" عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن نذر أن يتصدّق بماله كلّه: يتصدّق بما تجب فيه الزكاة، من الذهب، والفضّة، والمواشي، لا فيما ملكه مما لا زكاة فيه، من الأرض، والدُّور، ومتاع البيت، والرقيق، والحمير، ونحو ذلك، فلا يجب عليه فيها شيء. ونصّ أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- على أن من قال: مالي في المساكين إنما يُحمل ذلك على ما نواه، أو غلب على عرفه، كما لو قال ذلك أعرابيّ، فإنه لا يحمل ذلك إلا على الإبل. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأدلّة الكثيرة التي تقدّم بيانها ترجّح مذهب الجمهور، كما قرّرناه آنفًا، فهو الراجح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٥٤ - (قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، عَامَ خَيْبَرَ، فَلَمْ نَغْنَمْ إِلَّا الْأَمْوَالَ، وَالْمَتَاعَ، وَالثِّيَابَ، فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، غُلَامًا أَسْوَدَ، يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، فَوُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، إِلَى وَادِي الْقُرَى، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى، بَيْنَا مِدْعَمٌ، يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَجَاءَهُ سَهْمٌ، فَأَصَابَهُ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "كَلَّا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا"، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ بِذَلِكَ، جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ، أَوْ بِشِرَاكَيْنِ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "شِرَاكٌ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٢ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٣ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] ٧/ ٧.
٤ - (ثور بن زيد) الدِّيليّ المدنيّ، ثقة [٦] ١١/ ١٢٠١.
[تنبيه]: وقع في "نسخ "المجتبى" المطبوعة هنا "ثور بن يزيد"، وهو غلطٌ، والصواب "ثور بن زيد"، كما هو الموجود في النسخة الهنديّة، وتقدّم مثل هذا، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (أبو الغيث مولى ابن مطيع) سالم المدنيّ مشهور بكنيته، ثقة [٣] ٧٨/ ٢٥٧٧.
[ ٣١ / ٤٨ ]
[تنبيه]: وقع عند البخاريّ من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن مالك، قال: حدّثني ثور، قال: حدّثني سالم مولى ابن مطيع، أنه سمع أبا هريرة - ﵁ -، فقال في "الفتح": وسالم مولى ابن مطيع، يُكنى أبا الغيث، وهو بها أشهر، وقد سُمّي هنا، فلا التفات لقول من قال: إنه لا يوقف على اسمه صحيحًا. وهو مدنيّ، لا يُعرف اسم أبيه، وابن مطيع اسمه عبد اللَّه، وليس لسالم في الصحيح رواية عن غير أبي هريرة - ﵁ -، له عنه تسعة أحاديث. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وله عند المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث كلّها عن أبي هريرة - ﵁ -؛ حديث الباب، وحديث-٧٨/ ٢٥٧٧ -: "الساعي على الأمر والمساكين كالمجاهد في سبيل اللَّه -﷿-" تَقَدَّمَ في "كتاب الزكاة". وحديث -١٢/ ٣٦٩٨ -: "اجتنبوا السبع الموبقات … " الحديث تَقَدَّم في "كتاب الوصايا". واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وأبي داود، وهو ثقة حافظ .. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وابن القاسم، فمصريان. (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، عَامَ خَيْبَرَ) وفي رواية البخاريّ في "المغازي" من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن مالك: "افتتحنا خيبر"، قال في "الفتح": في رواية عبيد اللَّه بن يحيى بن يحيى الليثيّ، عن أبيه في "الموطّإ": "حُنين" بدل خيبر، وخالفه محمد بن وضّاح، عن يحيى بن يحيى، فقال: "خيبر" مثل الجماعة. نبّه عليه ابن عبد البرّ. ووقع في رواية إسماعيل بن أبي أويس عند البخاريّ: "خرجنا مع النبيّ - ﷺ - إلى خيبر"، وهي رواية "الموطّإ"، أعني قوله: "خرجنا"، وأخرجها مسلم من طريق ابن وهب، عن مالك، ومن طريق عبد العزيز بن محمد الدراورديّ، عن ثور، فحكى الدارقطنيّ عن موسى بن هارون أنه قال: وَهِمَ ثور في هذا الحديث؛ لأن أبا هريرة - ﵁ - لم يخرُج مع النبيّ - ﷺ - إلى خيبر، وإنما قَدِم بعد
_________________
(١) "فتح" ٨/ ٢٧٠ "كتاب المغازي".
[ ٣١ / ٤٩ ]
خروجهم، وقدم عليهم خيبر بعد أن فُتحت. قال أبو مسعود: ويؤيّده حديث عنبسة بن خالد بن سعيد، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: (أتيت النبيّ - ﷺ - بخيبر بعد ما افتتحوها"، قال: ولكن لا يشكّ أحدٌ أن أبا هريرة - ﵁ - حضر قسمة الغنائم، فالغرض من الحديث قصّة مِدْعَم في غلول الشملة.
قال الحافظ: وكان محمد بن إسحاق صاحب "المغازي" استشعر بوهم ثور بن زيد في هذه اللفظة، فروى الحديث عنه بدونها، أخرجه ابن حبّان، والحاكم، وابن منده من طريقه، بلفظ: "انصرفنا مع رسول اللَّه - ﷺ - إلى وادي القرى"، ورواية أبي إسحاق الفزاريّ التي في هذا الباب تسلم من هذا الاعتراض، بأن يُحمل قوله: "افتتحنا" أي المسلمون. وروى البيهقيّ في "الدلائل" من وجه آخر عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "خرجنا مع النبيّ - ﷺ - من خيبر إلى وادي القرى"، فلعلّ هذا أصلُ الحديث. وحديثُ قدوم أبي هريرة - ﵁ - المدينة، والنبيّ - ﷺ - بخيبر أخرجه أحمد، وابن خُزيمة، وابن حبّان من طريق خُثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "قدِمتُ المدينة، والنبيّ - ﷺ - بخيبر، وقد استَخلف سباعَ بن عُرْفُطة"، فذكر الحديث، وفيه: "فزودُونا شيئًا حتى أتينا خيبر، وقد افتتحها النبيّ - ﷺ -، فكلّم المسلمين، فأشركونا في سهامهم".
وُيجمع بين هذا وبين الحصر الذي في حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -، حيث قال: قدِمنا على النبيّ - ﷺ - بعد أن افتتح خيبر، فقسم لنا، ولم يَقسِم لأحد لم يَشهد الفتح غيرَنا"، متّفقٌ عليه، أن أبا موسى أراد أنه لم يُسهم لأحد لم يشهد الوقعة من غير استرضاء أحد من الغانمين، إلا لأصحاب السفينة، وأما أبو هريرة - ﵁ - وأصحابه، فلم يُعطهم إلا عن طيب خواطر المسلمين. واللَّه أعلم. انتهى (^١).
(فَلَمْ نَغنَمْ) -بفتح أوله، وثالثه- مضارع غَنِم -بكسر النون- من باب فَهِمَ، يقال: غَنِمتُ الشيء أغنمه غُنْمًا بضمّ، فسكون: أصبته غَنِيمة، ومَغْنَمًا، والجمع الغنائم، والمغانم. قال أبو عُبيد: الغَنِيمة: ما نِيلَ من أهل الشرك عَنْوَةً، والحربُ قائِمَةٌ، والفيء: ما نِيل منهم بعد أن تَضَعَ الحرب أوزارها. قاله الفيّوميّ (إِلَّا الأمْوَالَ، وَالْمَتَاعَ، وَالثيَابَ) وفي رواية البخاريّ: "ولم نَغنَم ذهبًا، ولا فضّةً، إنما غَنِمنا البقر، والإبل، والمتاع، والحوائط"، قال في "الفتح": وفي رواية مسلم: "غنمنا المتاع، والطعام، والثياب". وعند رواة "الموطّإ" "إلا الأموال، والثياب، والمتاع"، وعند يحيى بن يحيى
_________________
(١) "فتح" ٨/ ٢٧٠ - ٢٧١. "كتاب المغازي" رقم ٤٢٣٤.
[ ٣١ / ٥٠ ]
الليثيّ وحده "إلا الأموال والثياب"، والأول هو المحفوظ، ومقتضاه أن الثياب، والمتاع، لا تُسمّى مالًا، وقد نقل ثعلب عن ابن الأعرابي في المفضّل الضبيّ قال: المال عند العرب الصامت والناطق، فالصامت: الذهب والفضّة، والجوهر والناطق: البعير والبقرة والشاة، فإذا قلت عن حضريّ: كثُر ماله، فالمراد الصامت، وإذا قلت عن بدويّ، فالمراد الناطق. انتهى. وقد أطلق أبو قتادة على البستان مالًا، فقال في قصّة السلب الذي تنازع فيه هو والقرشيّ في غزوة حُنين "فابتعت به مَخْرَفًا، فإنه لأول مال تأثّلته"، فالذي يظهر أن المال ما له قيمة، لكن قد يغلب على قوم تخصيصه بشيء، كما حكاه المفضل، فتحمل الأموال على المواشي، والحوائط التي ذكرت في رواية الباب، ولا يرِاد بها النقود؛ لأنه نفاها أوّلًا. انتهى (^١).
(فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ) بضمّ أوّله، بصيغة التصغير، وفي رواية البخاريّ من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن مالك: "أهداه له أحد بني الضّباب" -بكسر الضاد المعجمة، وموحّدتين الأولى خفيفة، بينهما ألف بلفظ جمع الضبّ. وفي رواية مسلم: "أهداه له رفاعة بن زيد، أحد بني الضّبيب". وفي رواية أبي إسحاق رفاعة بن زيد الْجُذاميّ، ثمّ الضبنيّ -بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها نون، وقيل: بفتح المعجمة، وكسر الموحّدة-: نسبة إلى بطن من جُذام.
(يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ زَيدٍ) قال الواقديّ: كان رفاعة قد وفَدَ على رسول اللَّه - ﷺ - في ناس من قومه قبل خروجه إلى خيبر، فأسلموا، وعقد له على قومه (لِرَسُول اللَّهِ - ﷺ -) متعلّق بـ "أهدى" (غُلَامًا أَسْوَدَ، يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ) بكسر الميم، وسكون الدال المهملة، وفتح العين المهملة (فَوَجَّهَ) بالبنا للفاعل، أي توجه، يقال: وَجَّهتُ إليك توجيهًا: تَوَجَّهْتُ. قاله في "القاموس". ويحتمل أن يكون المعنى فَوَجَّهَ رسول اللَّه - ﷺ - وَجْهَهُ، فيكون المفعول محذوفًا. واللَّه تعالى أعلم. (رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، إلَى وَادِي الْقُرَى) هو: موضعٌ قريبٌ من المدينة، على طريق الحاجّ من جهة الشام. وأصل الوادي: كلُّ منفرج بين جبال، أو آكام، يكون مَنْفَذًا للسيل، والجمع أودية. أفاده الفيّوميّ (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى، بَيْنَا مِدْعَمٌ، يَحُطّ) بضمّ الحاء المهملة، يقال: حَطَطتُ الرحلَ وغيره حَطا، من باب قتل: أنزلته من عُلْو إلى سُفل. قاله الفيّوميّ (رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) الرَّحْل -بفتح، فسكون-: كلُّ شيء يُعدّ للرحيل، من وعاء للمتاع، ومَرْكبٍ للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أرحُلٌ، ورِحَالٌ، مثلُ أفلُس، وسِهَام.
زاد البيهقيّ في "الدلائل": وقد استقبلتنا يهود بالرمي، ولم نكن على تعبية".
(فَجَاءَهُ سَهْمٌ) وفي رواية البخاريّ: "سهم عائر" -بعين مهملة، بوزن فاعل: أي لا
_________________
(١) "فتح" ٨/ ٢٧١.
[ ٣١ / ٥١ ]
يُدرَى من رمى به. وقيل: هو الحائد عن قصده (فَأَصَابَهُ) أي أصاب ذلك السهم مِدْعمًا (فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَكَ الجَنَّةُ) أي لأنه مات شهيدًا، في خدمة النبيّ - ﷺ - (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (كَلَّا) حرف ردع، وزجر (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، إِنَّ الشَّمْلَةَ) -بفتح الشين المعجمة، وسكون الميم-: كساء صغيرٌ، يؤتزر به، والجمع شَمَلات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات، وشِمَال أيضًا، مثلُ كلبة وكلاب. قاله الفيّوميّ (الَّتِي أَخَذَهَا يَومَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ) أي قبل قسمتها غُلُولًا (لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا") يحتمل أن يكون ذلك حقيقةً بأن تصير الشَّمْلةُ نفسها نارًا، يُعذب بها، ويحتمل أن يكون المراد أنها سبب لعذاب النار، وكذا القول في "الشراك" الآتي ذكره. قاله في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأول هو الأولى؛ لأن ألفاظ الشارع إذا أمكن حمدها على ظاهرها لا ينبغي العدول عنه، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ بِذَلِكَ، جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (بِشِرَاكٍ، أَوْ بِشِرَاكَينِ) -بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الراء-: سَيْرُ النعل على ظهر القدم (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "شِرَاكٌ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ") أي لولا رددتها، أو هو ردّ بعد الفراغ من القسمة، وقسمتها وحدها لا يُتصوّر، فلذلك قال - ﷺ - ما قال، واللَّه تعالى أعلم بحقيقة الحال.
وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو - ﵄ - قال: "كان على ثَقَل النبيّ - ﷺ - رجلٌ يقال له: كركرة (^١)، فمات، فقال النبيّ - ﷺ -: هو في النار في عباءة غَلَّها".
قال في "الفتح": وكلام عياض يُشعر بأن قصّته مع قصَّة مِدعَم متّحدة، والذي يظهر من عدّة أوجه تغايرهما. نعم عند مسلم من حديث عمر - ﵁ -: "لَمّا كان يوم خيبر قالوا: فلان شهيد، فقال النبيّ - ﷺكلّا إني رأيته في النار في بردة غَلّها، أو عباءة"، فهذا يمكن تفسيره بكركرة، بخلاف قصّة مِدعم، فإنها كانت بوادي القرى، ومات بسهم عائر، وغَلَّ شَمْلةً، والذي أهدى للنبيّ - ﷺ - كركرة هَوْذَة بن عليّ، بخلاف مِدعَم، فأهداه رفاعة، فافترقا. واللَّه أعلم.
وذكر البيهقيّ في روايته أنه - ﷺ - حاصر أهل وادي القرى حتى فتحها، وبلغ ذلك أهل تيماء، فصالحوه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) بكسر الكافين، وقيل: بفتحهما.
[ ٣١ / ٥٢ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٨/ ٣٨٥٤ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٤٧٦٨. وأخرجه (خ) في "المغازي" ٤٢٣٤ و"الأيمان والنذور" ٦٧٠٧ (م) في "الإيمان" ١١٥ (د) في "الجهاد" ٢٧١١ (الموطأ) في "الجهاد" ٩٩٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أنه إذا أوصى الإنسان بماله، دخلت فيه الأراضي؛ لأن أبا هريرة - ﵁ - أراد بقوله: "فلم نغنم إلا الأموال" ما يشمل الأراضي قطعًا، وإلا لا يستقيم الحصر، ضرورة أنهم غنِموا أراضي كثيرة، وأبو هريرة - ﵁ - ممن يعلم اللغة، وإطلاقات الشارع، فعُلم أن اسم المال يطلق على الأراضي، وهذا هو مذهب المصنّف، والبخاريّ، وجمهور العلماء، وهو الراجح، كما تقدّم بيانه. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): تحريم الغلول، وتعظيم شأنه، وإن كان قليلًا، وأنه من الكبائر؛ لتوعّده بالنار. (ومنها): حلّ الغنائم، وهو من خصوصيّات النبيّ - ﷺ -، فلم تحلّ لأحد من الأنبياء قبله، كما تقدّم بيان ذلك في "كتاب التيمّم". (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، ومعجزة ظاهرةً للنبيّ - ﷺ -، حيث يُطلعه اللَّه ﷾ على المغيّبات، من أحوال الموتى، فيرى المعذّبين، ونوع عذابهم، وسببه، فيخبر بذلك أصحابه؛ تحذيرًا لهم، ولأمته جميعًا عن التعرْض لأسباب العذاب. (ومنها): جواز قبول الإمام الهديّة، فإن كان لأمر يختصّ به في نفسه أن لو كان غير والٍ، فله التصرّف فيها بما أراد، وإلا فلا يتصرّف فيها إلا في مصلحة المسلمين، وعلى هذا التفصيل يُحمل حديث: "هدايا الأمراء غُلُول"، فيُخصّ بمن أخذها، فاستبدّ بها. وخالف في ذلك بعض الحنفيّة، فقال: له الاستبداد مطلقًا، بدليل أنه لو ردّها على مُهديها لجاز، فلو كانت فيئًا للمسلمين لما ردّها. وفي هذا الاحتجاج نظرٌ لا يخفى. قاله في "الفتح" (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
_________________
(١) "فتح" ٨/ ٢٧٢ "كتاب المغازي".
[ ٣١ / ٥٣ ]