٣٧٩١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ -وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ"، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عليّ حجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.
٢ - (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقي المدنيّ، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧.
٣ - (عبد اللَّه بن دينار) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة [٤] ١٦٧/ ٢٦٠.
٤ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٨٣) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزي. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، وقد أشار إليهم الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفيّة الحديث" بقوله:
وَالحَبْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو … وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشتِهَارٍ يَجْرِي
دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَة … وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذا مَالَ لَهْ
وهو أحد المكثرين السبعة، المجموعين في قولي:
المُكثِرُونَ فِي رِوايَةِ الْخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَابِرِ الْغُرَرْ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ … فَأَنَسٌ فَزَوْجةُ الهَادِيَ الأَبَرُّ
ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الخُدْرِيُّ فَهْوَ الآخِرُ
[ ٣٠ / ٢٧٩ ]
روى (٢٦٣٠) حديثًا، وهذا كله قد تكرر في هذا الشرح غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "مَن كَانَ حَالِفًا) أي مريدًا للحدف (فَلَا يَحلِف إِلَّا بِاللَّهِ) قال العلماء: السرّ في النهي عن الحلف بغير اللَّه أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي للَّه وحده. وظاهر الحديث يقتضي تخصيص الحلف باللَّه خاصة، لكن اتفق الفقهاء على أن اليمين تنعقد باللَّه، وذاته، وصفاته العليّة، واختلفوا في انعقادها ببعض الصفات، كما سبق، وكأن المراد بقوله: "باللَّه" الذات، لا خصوص لفظ "اللَّه"، وأما اليمين بغير ذلك، فقد ثبت المنع منها، وهو للتحريم على الأرجح، وسيأتي البحث فيه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
(وَكَانَتْ قُرَيْشٌ) القبيلة المعروفة (تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ) - ﷺ - (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) وفي الرواية التالية: "إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بأبائكم". وفي رواية الليث، عن نافع عند البخاريّ: "فناداهم رسول اللَّه - ﷺ - ". ووقع في مصنّف ابن أبي شيبة من طريق عكرمة، قال: "قال عمر. حدّثتُ قومًا حديثًا، فقلت: لا وأبي، فقال رجلٌ من خلفي: لا تحفلوا بآبائكم، فالتفتْ، فإذا رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم". قال الحافظ: وهذا مرسل يتقوّى بشواهده. وقد أخرج الترمذيّ من وجه آخر، عن ابن عمر أنه سمع رجلًا يقول: والكعبةِ، فقال: لا تحلف بغير اللَّه، فإني سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "من حلف بغير اللَّه فقد كفر"، أو "أشرك". قال الترمذيّ: حسنٌ، وصححه الحاكم. والتعبير بقوله: "فقد كفر"، أو "أشرك" للمبالغة في الزجر، والتغليظ في ذلك، وقد تمسّك به من قال بتحريم ذلك، وهو الحقّ، كما سيأتي في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤/ ٣٧٩١ و٣٧٩٢ و٥/ ٣٧٩٣ و٣٧٩٤ و٣٧٩٥ - وفي "الكبرى" ٤/
[ ٣٠ / ٢٨٠ ]
٤٧٠٥ و٤٧٠٦ و٥/ ٤٧٠٧ و٤٧٠٨ و٤٧٠٩. وأخرجه (خ) في الشهادات" ٢٦٧٩ و"المناقب" ٣٨٣٦ و"الأدب" ٦١٠٨ و"الأيمان والنذور" ٦٦٤٦ و٦٦٤٧ و"التوحيد" ٧٤٠١ (م) في "الأيمان والنذور" ١٦٤٦ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٤٩ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٣٣ و١٥٣٤ و١٥٣٥ (في) في "الكفّارات" ٢٠٩٤ (أحمد) في "مسند العشرة" ١١٣ و٢٤٢ و٤٥٠٩ و٤٥٣٤ و٤٥٧٩ و٤٦٥٣ و٤٦٨٩ و٥٤٣٩ و٥٥٦٨ و٦٠٣٦ و٦٢٥٢ (الموطأ) في "النذور والأيمان" ١٠٣٧. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث روي من مسند عمر، ومن مسند ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: أخرجه من الطريق الأولى -يعني كونه عن عمر - ﵁ - مسلم، وأبو داود من رواية أبي الحسن بن العبد من هذا الوجه من طريق عبد الرزّاق، عن معمر، واتّفق الشيخان من طريق يونس بن يزيد، وأخرجه مسلم من رواية عُقيل بن خالد، والنسائيّ-٥/ ٣٧٦٧ - وابن ماجه من رواية ابن عيينة، والنسائيّ- ٥/ ٣٧٦٨ - من رواية الزبيديّ، أربعتهم عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، وفي رواية عُقيل: "ما حلفت بها منذ سمعت رسول اللَّه - ﷺ - ينهى عنها، ولا تكلمت بها"؛ ولم يقل: "ذاكرًا، ولا آثرًا".
وأخرجه من الطريق الثانية -يعني كونه عن ابن عمر- مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ- ٥/ ٢٧٦٦ - من هذا الوجه من رواية سفيان بن عُيينة، عن الزهريّ، بن سالم، عن أبيه. وذكره البخاريّ تعليقًا، فقال: بعد ذكر الطريق الأولى: تابعه عُقيلٌ، والزُّبيديّ، وإسحاق الكلبيّ، عن الزهريّ. وقال ابن عيينة، ومعمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، سمع النبيُّ - ﷺ - عمر. انتهى.
وقد ظهر بذلك الاختلاف على سالم، أو الزهريّ في أن الحديث في مسند عمر، أو ابن عمر، والاختلاف على ابن عيينة أيضًا، فالجمهور جعلوه من طريقه من مسند ابن عمر، حكاه عنهم الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ". ورواه محمد ابن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، وسعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، ومحمد بن يحيى ى بن أبي عمر عنه بإثبات عمر.
وأخرجه من الطريق الثالثة -يعني طريق نافع- البخاريّ، من طريق مالك، والشيخان من طريق الليث بن سعد، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ في "الكبرى" من طريق عبيد اللَّه بن عمر، ومسلم أيضًا من طريق أيوب السختيانيّ، والوليد بن كثير، وإسماعيل بن أميّة، والضحّاك بن عثمان، وابن أبي ذئب، وعبد الكريم الجزريّ، تسعتهم عن نافع، عن ابن عمر.
[ ٣٠ / ٢٨١ ]
ورواه أبو داود عن أحمد بن يونس، عن زُهير، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وجعل المزّيّ في "الأطراف" رواية عبد الكريم الجزريّ عند مسلم بإثبات عمر، وليس كذلك. وقد ظهر الاختلاف فيه على نافع كسالم. انتهى كلام وليّ الدين (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو التشديد في الحلف بغير اللَّه تعالى، وإنما خصّ في حديث عمر بالآباء؛ لوروده على سبب، وهو أنه - ﷺ - مرّ به، وهو يحلف بأبيه، فقال له ذلك. أو خصّ لكونه غالبًا عليهم؛ كما بيّنه في هذه الرواية بقوله: "وكانت قريش تحلف بآبائها، ويدلّ على التعميم قوله: "من كان حالفًا، فلا يحلف إلا باللَّه". وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير اللَّه تعالى، فللعلماء فيه جوابان، سيأتي بيانهما قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): أن من حلف بغير اللَّه تعالى مطلقًا لا تنعقد يمينه، وسيأتي تمام البحث فيه أيضًا. (ومنها): أن فيه الردّ على من قال: إن من قال: إن فعلت كذا كذا، فأنا يهوديّ، أو نصرانيّ، أو كافر أنه ينعقد يمينًا، ومتى فعل تجب عليه الكفّارة. وقد نُقل ذلك عن الحنفيّة، والحنابلة. ووجه الدلالة من الخبر أنه لم يحلف باللَّه، ولا بما يقوم مقام ذلك. (ومنها): أن من قال: أقسمت لأفعلنّ كذا، لا يكون يمينًا، وعند الحنفيّة يكون يمينًا، وكذل قال مالك، وأحمد، لكن بشرط أن ينوي بذلك الحلف باللَّه، وهو متّجه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قال في "الفتح"، وعندي أنه غير متّجه؛ لأنه يصدق عليه أنه حلف بغير اللَّه، ولا تنفعه النيّة المذكورة، وإلا فيلزمنا أن نجيز بالتأويل حلف من قال: "وأبي"، أي أحلف برب أبي، وهو باطلٌ، فتأمل. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أن الحلف بالأمانة ليس يمينًا؛ لانتفاء الاسم والصفة، وبه قال الشافعيّ، حكاه عنه الخطّابيّ. قال وليّ الدين: والذي في كتب أصحابنا أنه إذا قال: عليّ أمانة اللَّه لأفعلنّ كذا، وأراد اليمين، فهو يمين، وإن أراد غير اليمين كالعبادات، فليس يمينًا، وإن أطلق فوجهان، أصحّهما أنه ليس يمينًا؛ لتردّد اللفظ، وقد فُسّرت الأمانة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢] بالعبادات. وقال المالكيّة: يكره
الحلف بأمانة اللَّه، وفيه الكفارة إن قصد الصفة. وقال الحنابلة: إن قال: وأمانةِ اللَّه،
فهو يمين، وإن قال: والأمانة دم يكن يمينًا إلا أن ينوي صفة اللَّه. وعن أحمد رواية
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ١٤٠ - ١٤٢.
[ ٣٠ / ٢٨٢ ]
أخرى أنه يمين مطلقًا. وحكى الخطّابيّ عن أصحاب الرأي أنه إذا قال: وأمانة اللَّه كان يمينًا، ولزمته الكفّارة فيها. وفي "سنن أبي داود" بإسناد صحيح، عن بريدة - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "من حلف بالأمانة، فليس يمينًا".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما تقدّم عن الإمام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- من أن الحلف بالأمانة ليس يمينا مطلقًا هو الحقّ؛ لدخوله في نهي: "من كان حالفًا، فلا يحلف إلا باللَّه"، وأصرح منه حديث أبي داود المذكور، وهو حديثٌ صحيحٌ، فإنه نصّ في النهي عن الحلف بالأمانة، فلا يجوز. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(ومنها): ما قال المهلّب -رحمه اللَّه تعالى-: كانت العرب تحلف بآبائها، وآلهتها، فأراد اللَّه نسخ ذلك من قلوبهم؛ ليُنسيهم ذكر كلّ شيء سواه، ويبقى ذكره؛ لأنه الحقّ المعبود، فلا يكون اليمين إلا به، والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالآباء.
(ومنها): ما قال الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى-: في حديث عمر - ﵁يعني حديث الباب- أن اليمين لا تنعقد إلا باللَّه، وأن من حلف بالكعبة، أو آدم، أو جبريل، ونحو ذلك لم تنعقد يمينه، ولزمه الاستغفار؛ لإقدامه على ما نهي عنه، ولا كفّارة في ذلك. وأما ما وقع في القرآن من القسم بشيء من المخلوقات، فقال الشعبيّ: الخالق يُقْسِمُ بما شاء من خلقه، والمخلوق لا يُقسم إلا بالخالق، قال: ولأن أُقسم باللَّه، فاحنث أحبّ إليّ من أُقسم بغيره، فأبرّ. وجاء مثله عن ابن عبّاس، وابن مسعود، وابن عمر - ﵃ - ثم أسند عن مطرّف، عن عبد اللَّه أنه قال: إنما أقسم اللَّه بهذه الأشياء ليُعَجْبَ بها المخلوقين، ويُعرّفهم قدرته لعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها. وقد أجمع العلماء على أن من وجبت له يمين على آخر في حقّ عليه أنه لا يحلف له إلا باللَّه، فلو حلف له بغيره، وقال: نويت ربّ المحلوف به لم يكن ذلك يمينًا. انتهى.
(ومنها): ما قال ابن هُبيرة -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الإجماع": أجمعوا على أن اليمين منعقدة باللَّه، وبجميع أسمائه الحسنى، وبجميع صفات ذاته، كعزّته، وجلاله، وعلمه، وقوّته، وقدرته، واستثنى أبو حنيفة علم اللَّه، فلم يره يمينًا، وكذا حقّ اللَّه. واتفقوا على أنه لا يحلف بمعظّم غير اللَّه، كالنبيّ، وانفرد أحمد في رواية، فقال: تنعقد انتهى.
(ومنها): ما قال عياض -رحمه اللَّه تعالى-: لا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الحلف بأسماء اللَّه، وصفاته لا زم، إلا ما جاء عن الشافعيّ من اشتراط نية اليمين في الحلف بالصفات، وإلا فلا كفّارة. وتُعُقّب إطلاقه ذلك عن الشافعيّ، وإنما يحتاج إلى النيّة عنده ما يصحّ إطلاقه عليه ﷾، وعلى غيره، وأما ما لا يُطلق في معرض
[ ٣٠ / ٢٨٣ ]
التعظيم شرعًا إلا عليه، تنعقد اليمين به، وتجب الكفّارة إذا حنث، كمقلّب القلوب، وخالق، ورازق كلّ حيّ، وربّ العالمين، وفالق الحبّ، وبارىء النسمة، وهذا في حكم الصريح، كقوله: واللَّه. وفي وجه لبعض الشافعيّة أن الصريح اللَّه فقط. ويظهر أثر الخلاف فيما لو قال: قصدت غير اللَّه، هل ينفعه في عدم الحنث.
والمشهور عند المالكيّة التعميم، وعن أشهب التفصيل في مثل وعزّة اللَّه، إن أراد التي جعلها بين عباده، فليست بيمين، وقياسه أن يطّرد في كلّ ما يصحّ إطلاقه عليه، وعلى غيره. وقال به سحنون منهم في عزّة اللَّه. وفي "العتبيّة": أن من حلف بالمصحف لا تنعقد، واستنكره بعضهم، ثم أولها على أن المراد إذا أراد جسم المصحف. والتعميم عند الحنابلة، حتى لو أراد بالعلم، والقدرة المعلوم، والمقدور، انعقدت. ذكره في "الفتح" (^١).
(ومنها): ما قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: إن قيل: فقد أقسم اللَّه تعالى بمخلوقاته، فإنه قال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾، ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾، ﴿وَالطُّورِ﴾. فالجواب أن للَّه تعالى: أن يُقسم بما شاء من مخلوقاته، تنبيهًا على شرفه. انتهى.
قال وليّ الدين. وتعبيره بقوله: "للَّه" منكرٌ، ولو قال: إن اللَّه تعالى يُقسم بما يشاء، لكان أحسن. وفي "مصنّف ابن أبي شيبة"، عن ميمون بن مهران، قال: إن اللَّه تعالى يُقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يُقسم إلا باللَّه. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير اللَّه، ففيه جوابان:
[أحدهما]: أن فيه حذفا، والتقدير ورب الشمس، ونحوه.
[والثاني]: أن ذلك يختصّ باللَّه تعالى، فهذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم به، وليس لغيره ذلك. انتهى (^٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الجواب الثاني هو الصحيح، وأما الأول ففيه نظر لا يخفى. فتأمل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحلف بغير اللَّه تعالى:
قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-. وقد اختلف العلماء في أن الحلف بمخلوق حرامٌ، أو مكروه، والخلاف عند المالكيّة، والحنابلة، لكن المشهور عند المالكيّة الكراهة، وعند الحنابلة التحريم، وبه قال أهل الظاهر، ويوافقه ما جاء عن ابن عبّاس
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٣٨٤.
(٢) "طرح التثريب" ٧/ ١٤٥.
(٣) "فتح" ١٣/ ٣٨٢. "كتاب الأيمان والنذور".
[ ٣٠ / ٢٨٤ ]
- ﵄ -: "لأن أحلف باللَّه مائة مرّة، فآثم، خيرٌ من أن أحلف بغيره، فأبرّ".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الحنابلة، والظاهريّة من أنه للتحريم هو الحقّ؛ لتوافق الأدلّة الصحيحة الصريحة على ذلك، كقوله - ﷺ -: "لا تحلفوا بآبائكم"، وقوله: "من كان حالفًا، فلا يحلف إلا باللَّه"، وقوله: "من حلف بغير اللَّه فقد كفر"، وغير ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن عبد البرّ: فيه -يعني حديث الباب- أنه لا يجوز الحلف بغير اللَّه، وهذا أمر مجمع عليه، ثم قال: أجمع العلماء على أن اليمين بغير اللَّه مكروهة، منهيّ عنها، لا يجوز الحلف لأحد بها، واختلفوا في الكفّارة إذا حنث، فأوجبها بعضهم، وأباها بعضهم، وهو الصواب. انتهى.
وقال الشافعيّ: أخشى أن يكون الحلف بغير اللَّه معصيةً، قال أصحابه: أي حرامًا وإثمًا، قالوا: فأشار إلى تردّد فيه، وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بأنه ليس بحرام، بل مكروه، ولذا قال النوويّ في "شرح مسلم": هو عند أصحابنا مكروهٌ، وليس بحرام، ويوافقه تبويب الترمذيّ عليه "كراهية الحلف بغير اللَّه".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمل كلام الترمذي على الكراهة بمعنى خلاف الأولى غير صحيح، بل مراد الترمذي بهذه العبارة التحريم، وعليك أن تتبّع تراجمه بهذه العبارة في كثير من المحرّمات التي لا خلاف في تحريمها تجده واضحًا، وذلك أن السلف لا يطلقون الكراهة إلا على الحرام، وهو الموافق لكتاب اللَّه؛ فإنه ﷾ قال- بعد ذكر عدّة محرّمات، من الشرك، والقتل، والزنا، وغيرها -: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]، وإنما استعمل الكراهة لخلاف الأولى هم متأخرو الفقهاء، فتنبّه لذلك، فإنه مزلّة أقدام. واللَّه تعالى أعلم.
قال وليّ الدين: وقيد ذلك -أي القول بالكراهة- في "شرح الترمذيّ" بالحلف بغير اللات والعزّى، وملّة غير الإسلام، فأما الحلف بنحو هذا فهو حرامٌ، وكأن ذلك لأنها قد عُظمت بالعبادة. وقد قال أصحابنا: إنه لو اعتقد الحالف بالمخلوق في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في اللَّه تعالى كفر، وعلى هذا يُحمل ما روي أن النبيّ - ﷺ - قال: "من حلف بغير اللَّه، فقد كفر". انتهى.
فمعظّم اللات والعزى كافرٌ؛ لأن تعظيمها لا يكون إلا للعبادة، بخلاف مُعَظِّم الأنبياء، والملائكة، والكعبة، والآباء، والعلماء، والصالحين، لمعنى غير العبادة، لا تحريم فيه، لكن الحلف به مكروه، أو محرّم على الخلاف في ذلك؛ لورود النهي عنه.
وحكمته أن حقيقة العظمة مختصّة باللَّه تعالى، كما قال تعالى: "الكبرياء ردائي،
[ ٣٠ / ٢٨٥ ]
والعظمة إزاريّ … " (^١)، فلا ينبغي مضاهات غيره به في الألفاظ، وإن لم تُرَد تلك
العظمة المخصوصة بالإله المعبود.
قال الجامع. قد عرفت فيما سبق أن الحقّ تعميم التحريم، فإن نصوص التحريم لم تفرّق بين الأنبياء، والملائكة، والأصنام، واللات والعزّى، بل قال - ﷺ -: "من حلف بغير اللَّه فقد كفر". فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وأما الحلف بالنصرانيّة، ونحوها، فلا أشكّ في أنه كفر؛ لأن تعظيمها باقي وجه كان يقتضي حقيّتها، وذلك كفر، إلا أن يتأول الحالف أنه أراد تعظيمها حين كانت حقا قبل نسخها، فلا أكفّره حينئذ، ولكن أحكم عليه بالعصيان؛ لبشاعة هذا اللفظ، والتشبه فيه بأهل الكفر والضلال. واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ العراقيّ.
قال وليّ الدين: وهذا الذي ذكره أصحابنا، رواه الترمذيّ، عن ابن عمر أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا تحلف بغير اللَّه، فإني سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "من حلف بغير اللَّه، فقد كفر"، أو "أشرك". وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن. وأخرجه الحاكم في "مستدركه"، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين، وهو في "سنن أبي داود" في رواية ابن العبد، دون رواية اللؤلؤيّ.
وقال الترمذيّ: تفسير هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله: "كفر"، أو "أشرك" على التغليظ، والحجة في ذلك حديث ابن عمر: "إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، وحديث أبى هريرة - ﵁ -: "من حلف، فقال في حلفه: واللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا اللَّه"، وهذا مثل ما روي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "الرياء شرك"، فقد فسّر أهل العلم هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ﴾ [الكهف: ١١٠]، قال: لا يرائي. انتهى.
وقال ابن العربيّ: يريد به شرك الأعمال، وكفرها، ليس شرك الاعتقاد، ولا كفره، كقوله - ﷺ -: "من أبق من مواليه، فقد كفر"، ونسبة الكفر إلى النساء.
وفي "مصنّف ابن أبي شيبة" عن الحسن، قال: مرّ عمر بالزبير - ﵄ -، وهو يقول: لا، والكعبة، فرفع عمر الدّرّة، وقال: الكعبة، لا أمّ لك، تُطعمك، وتسقيك؟. وهذا منقطع. وعن عكرمة، قال: قال عمر - ﵁ -: حدّثت قومًا حديثًا، فقلت: لا، وأبي، فقال رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم، قال: فالتفت، فإذا رسول اللَّه - ﷺ -، فقال: "إن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خيرٌ من آبائكم". وهذا منقطع أيضًا. وعن
_________________
(١) أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وهوكان كان في إسناد عطاء بن السائب، إلا إنّه مما رواه عنه الثوريّ، وابن عيينة، وهما ممن روى عنه قبل اختلاطه، فهو صحيح.
[ ٣٠ / ٢٨٦ ]
كعب الأحبار أنه قال: إنكم تشركون، قالوا: وكيف، يا أبا إسحاق؟، قال: يحلف الرجل، لا وأبي، لا وأبيك، لا لعمري، لا لحياتي، ولا وحرمة المسجد، لا والإِسلام، وأشباهه من القول. وعن القاسم بن مُخيمِرةَ قال: ما أبالي حلفت بحياة رجل، أو بالصليب. رواها كلها ابن أبي شيبة. انتهى كلام وفي الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (^١).
وقال في "الفتح": قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في معنى النهي عن الحلف بغير اللَّه، فقالت طائفة: هو خاصّ بالأيمان التي كان أهل الجاهليّة يحلفون بها تعظيما لغير اللَّه تعالى، كاللات، والعزّى، والآباء، فهذه يأثم الحالف بها، ولا كفّارة فيها، وأما ما كان يؤول إلى تعظيم اللَّه، كقوله: وحقِّ النبيّ، والإسلام، والحجّ، والعمرة، والهدي، والصدقة، والعتق، ونحوها، مما يراد به تعظيم اللَّه، والقربة إليه، فليس داخلًا في النهي.
وممن قال بذلك أبو عُبيد، وطائفة، ممن لقيناه، واحتجّوا بما جاء عن الصحابة من إيجابهم على الحالف بالعتق، والهدي، والصدقة ما أوجبوه مع كونهم رأوا النهي المذكور، فدلّ على أن ذلك عندهم ليس على عمومه، إذ لو كان عامًا لنهوا عن ذلك، ولم يوجبوا فيه شيئًا انتهى.
وتعقّبه ابن عبد البرّ بأن ذكر هذه الأشياء، وإن كانت بصورة الحلف، فليست يمينًا في الحقيقة، وإنما خرج على الاتّساع، ولا يمين في الحقيقة إلا باللَّه. انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسهَ): في أقوال أهل العلم في الجمع بين أحاديث النهي عن الحلف بغير اللَّه تعالى، وبين قول النبيّ - ﷺ - للأعرابيّ: "أفلح وأبيه إن صدق": فقد أجابوا عن ذلك بأجوبة:
[أحدها]: تضعيف هذا الحديث، وإن كان في "الصحيح"، قال ابن عبد البرّ: هذه لفظة غير محفوظة في هذا الحديث من حديث من يُحتجّ به، وقد روى هذا الحديث مالك وغيره، لم يقولوا ذلك، وقد روي عن إسماعيل بن جعفر هذا الحديث، وفيه: "أفلح واللَّه، إن صدق، أو دخل الجنّة واللَّه إن صدق"، وهذا أولى من رواية من روى "وأبيه"؛ لأنها لفظة منكرة، تردّها الآثار الصحاح. انتهى. وزعم بعضهم أن بعض الرواة عنه صحّف قوله: "وأبيه" من قوله: "واللَّه"، وهو محتملٌ، ولكن مثل ذلك لا
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ١٤٢ - ١٤٤.
(٢) "فتح" ١٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤.
[ ٣٠ / ٢٨٧ ]
يثبت بالاحتمال، وقد ثبت مثل ذلك من لفظ أبي بكر الصدّيق - ﵁ - في قصَّة السارق الذي سرق حلي ابنته، فقال في حقّه: "وأبيك ما ليلك بليل سارق". أخرجه في "الموطّإ" وغيره. قال السهيليّ: وقد ورد نحوه في حديث آخر مرفوع، قال للذي سأل أيّ الصدقة أعظم أجرًا؛ فقال: "أما وأبيك لَتُنَبَّأَنَّهُ"، أخرجه مسلم (^١). فإذا ثبت ذلك، فيجاب بأجوبة:
[الأول]: أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القسم، والنهي إنما ورد في حقّ من قصد حقيقة الحلف، وإلى هذا جنح البيهقيّ، وقال النوويّ: إنه الجواب المرضيّ.
[الثاني]: أنه كان يقع على وجهين: أحدهما: للتعظيم، والآخر للتأكيد، والنهي إنما وقع عن الأول، فمن أمثلة ما وقع في كلامهم للتأكيد، لا للتعظيم قول الشاعر:
لَعْمْرُ أَبِي الْوَاشِينَ إِنِّي أُحِبُّهَا
وقول الآخر [من الطويل]:
فَإِنْ تَكُ لَيْلَى اسْتَوْدَعَتْنِي أَمَانَةً … فَلَا وَأَبِي أَعْدَائِهَا لَا أُذِيعُهَا
فلا يُظنّ أن قائل ذلك قصد تعظيم والد أعدائها، كما لم يقصد الآخر تعظيم والد من وشى به، فدلّ على أن القصد بذلك تأكيد الكلام، لا التعظيم. وقال البيضاويّ: هذا اللفظ من جملة ما يُزاد في الكلام لمجرد التقرير، والتأكيد، ولا يُراد به القسم، كما تزاد صيغة النداء لمجرّد الاختصاص، دون القصد إلى النداء.
وقد تُعقّب الجواب بأن ظاهر سياق حديث عمر يدلّ على أنه كان يحلّفه؛ لأن في بعض طرقه أنه كان يقول: لا وأبي، لا وأبي، فقيل له. لا تحلفوا، فلولا أنه بصيغة الحلف ما صادف النهي محلاًّ، ومن ثمّ قال بعضهم: وهو:
[الجواب الثالث]: إن هذا كان جائزًا، ثمّ نسخ. قاله الماورديّ، وحكاه البيهقيّ، وقال السبكيّ: أكثر الشرّاح عليه، حتى قال ابن العربيّ: ورُوي أنه - ﷺ - كان يحلف بأبيه حتى نُهي عن ذلك، قال: وترجمة أبي داود تدلّ على ذلك. يعني قوله: "باب الحلف بالآباء"، ثم أورد الحديث المرفوع الذي فيه: "أفلح وأبيه، إن صدق". قال السهيليّ: ولا يصحّ؛ لأنه لا يُظنّ بالنبيّ - ﷺ - أنه كان يحلف بغير اللَّه، ولا يُقسم بكافر، تالله إن ذلك لبعيد من شيمته. وقال المنذريّ: دعوى النسخ ضعيفة؛ لإمكان الجمع، ولعدم تحقّق التاريخ.
[والجواب الرابع]: أن في الجواب حذفًا، تقديره: أفلح وربّ أبيه. قاله البيهقيّ، وقد تقدّم.
_________________
(١) أخرجه مسلم في "كتاب الزكاة" رقم (١٠٣٢).
[ ٣٠ / ٢٨٨ ]
[الخامس]: أنه للتعجّب. قاله السهيليّ، قال: ويدلّ عليه أنه لم يرد بلفظ "أبي"، وإنما ورد بلفظ "وأبيه" بالإضافة إلى ضمير المخاطب حاضرًا، أو غائبًا.
[السادس]: أن ذلك خاصّ بالشارع، دون غيره من أمّته. وتُعُقّب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال. قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أرجح الأقوال قول من قال: إنه لمجرّد التأكيد لا للتعظيم، كالبيتين السابقين، وكقول الآخر [من الطويل]:
أَطِيبُ سَفَاهًا من سَفَاهَةِ رَأْيِهَا … لأَهْجُوَهَا لَمَّا هَجَتْنِي مُحَارِبُ
فَلَا وَأَبِيهَا إِنَّنِي بِعَشِيرَتِي … وَنَفْسِيَ عَنْ ذَاكَ الْمَقَامِ لَرَاغِبُ
فإنه محالٌ أن يُقسم بأبي من يهجوه على سبيل الإعظام لحقّه، في أمثلة كثيرة، والنهي إنما ورد في التعظيم.
والحاصل أن ما وقع في الحديث المذكور من قوله: "أفلح وأبيه" من هذا النوع، وما تقدّم من التعقّب بأن ظاهر سياق حديث عمر يدلّ على أنه كان يحلفه الخ، فنقول: نعم إنه كان حالفًا به، على الوجه المذموم، كما هو عادة قريش، فنهاه الشارع من أجل هذا، وأما استعماله - ﷺ - فليس من هذا الباب، بل من النوع الآخر الذي مجرد التأكيد، فافهم الفرق بينهما تُرشَدْ، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٩٢ - (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فِي مَجْلِسِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ- وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و(زياد بن أيوب): هو أبو هاشم البغداديّ الطوسي الأصل الملقّب بدلّويه الثقة الحافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢. و"يحيى بن أبي إسحاق": هو الحضرميّ مولاهم، البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [٥] ١/ ١٤٣٨.
وقول يحيى بن أبي إسحاق: حدّثني رجل الخ الظاهر أنه حدثه بحديث يتعلّق بالحلف بالآباء، ولذا ذكر له سالم حديث عمر - ﵁ -. ثم إن قوله: "رجل الخ" لا يضرّ بالسند لأنه ليس مقصودًا في السند، وإنما المقصود سالم، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -،
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٣٨٢ - ٣٨٣. "كتاب الأيمان والنذور".
[ ٣٠ / ٢٨٩ ]
وقد سمع منه يحيى، فهو متّصل. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…