أي هذا كتابة عقد شركة عنان بين ثلاثة أشخاص.
و"الشرِكة" -بفتح الكاف، وكسر الراء، ويجوز تسكينها، معِ فتح المعجمة، وكسرها، ففيها ثلاث لغات، وهي في اللغة: مصدر شَرِكته في الأمر أشْرَكه، من باب تَعِبَ شَرِكًا، وشَرِكَةٌ، وزانُ كَلِم، وكَلِمَةٍ: إذا صرت له شَريكًا، وجمع الشريك شُرَكاء، وأَشْرَاك. وشرعًا: هي اجتماع في استحقاق، أو تصرّف.
وقال في "الفتح": الشركة -بفتح المعجمة، وكسر الراء، وبكسر أوله، وسكون الراء، وقد تحذف الهاء، وقد يُفتح أوله مع ذلك، فتلك أربع لغات، وهي شرعًا: ما يحدُث بالاختيار بين اثنين، فصاعدًا من الاختلاط لتحصيل الربح، وقد تحصُل بغير قصد، كالإرث. انتهى (^١).
و"العِنَانُ" -بكسر العين المهملة، ونونين خفيفتين، بينهما ألف، وشرِكة العنان هي أن يُخرج كلّ واحد من الشريكين، دنانير، أو دراهم مثل ما يُخرج صاحبه، ويخلطاها، ويأذن كلّ واحد منهما لصاحبه بأن يتجر فيه، ولا خلاف بين الفقهاء في جوازه، وأنهما إن ربِحا في المالين فبينهما، وإن وُضِعا فعلى رأس مال كلّ واحد منهما. وقيل: شركة العنان هي شرِكة في شيء خاصٍ، دون سائر أموالهما، كأنه عنّ لهما شيء، أي عَرَضَ، فاشترياه، واشتركا فيه، قال النابغة الجَعديّ:
وَشَارَكْنَا قُرَيشًا فِي تُقَاهَا … وَفِي أَحْسَابِهَا شِرْكَ الْعِنَانِ
بِمَا وَلَدَتْ نِسَاءُ بَنِي هِلَالٍ … وَمَا وَلَدَتْ نِسَاءُ بَنِي أَبَانِ
وقيل: شركة العنان أن يكونا سواءً في الْغَلَق، وأن يتساوى الشريكان فيما أخرجاه، من عين، أو ورِق، مأخوذ من عِنَان الدّابّة؛ لأن عنان الدّابّة طاقتان متساويتان. قال الجعد يمدح قومه، ويفتخر:
وَشَارَكْنَا قُرَيشًا فِي تُقَاهَا البيتين.
أي ساويناها، ولو كان من الاعتراض لكان هِجَاءً. وسُمّيت هذه الشركة شركة عنان لمعارضة كلّ واحد منهما صاحبه بمال مثل ماله، وعمله فيه مثل عمله بيعًا وشراءً، يقال: عانّه عِنَانًا، ومُعانّةٌ، كما يقال: عارضه معاضةً وعِرَاضًا. أفاده ابن منظور -رحمه
_________________
(١) "فتح" ٥/ ٤٢٥ "كتاب الشركة".
[ ٣١ / ٢٠٦ ]
اللَّه تعالى- (^١).
وقال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: معنى شركة العنان أن يشترك رجلان بماليهما على أن يعملا فيهما بأبدانهما، والربحُ بينهما، وهي جائزة بالإجماع، ذكره ابن المنذر، وإنما اختُلِف في بعض شروطها، واختُلف في علّة تسميتها شركة العنان، فقيل: سُمّيت بذلك لأنهما يتساويان في المال والتصرف، كالفارسين إذا سوّيا بين فرسيهما، وتساويا في السير، فإن عِنَانيهما يكونان سواءً. وقال الفراء: هي مشتقّة من عَنَّ الشيءُ إذا عَرَضَ، يقال: عنْت لي حاجةٌ: إذا عرضت، فسُمّيت الشركة بذلك؛ لأن كلّ واحد منهما عنّ له أن يُشارك صاحبه. وقيل: هي مشتقّة من المُعَانَنَة، وهي المعارضة، يقال: عانَنْتُ فلانًا: إذا عارضته بمثل ماله وأفعاله، فكلّ واحد من الشريكين مُعارضٌ لصاحبه بماله وفِعاله. وهذا يرجع إلى قول الفرّاء. انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (^٢).
وتقييده بالثلاثة ليس لنفي ما عداه، بل لبيان أنه كما يجوز أن يشترك اثنان، كذلك يجوز أن يكونوا أكثر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
«^٣) - هَذَا مَا اشْتَرَكَ عَلَيْهِ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، فِي صِحَّةِ عُقُولِهِمْ، وَجَوَازِ أَمْرِهِمُ، اشْتَرَكُوا شَرِكَةَ عِنَانٍ، لَا شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ بَيْنَهُمْ، فِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وُضْحًا جِيَادًا، وَزْنَ سَبْعَةٍ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، خَلَطُوهَا جَمِيعًا، فَصَارَتْ هَذِهِ الثَّلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فِي أَيْدِيهِمْ مَخْلُوطَةً، بِشَرِكَةٍ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيَشْتَرُونَ جَمِيعًا بِذَلِكَ، وَبِمَا رَأَوْا مِنْهُ اشْتِرَاءَهُ بِالنَّقْدِ، وَيَشْتَرُونَ بِالنَّسِيئَةِ عَلَيْهِ، مَا رَأَوْا أَنْ يَشْتَرُوا مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ، وَأَنْ يَشْتَرِىَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَتِهِ، دُونَ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ، وَبِمَا رَأَى مِنْهُ، مَا رَأَى اشْتِرَاءَهُ مِنْهُ بِالنَّقْدِ، وَبِمَا رَأَى اشْتِرَاءَهُ عَلَيْهِ بِالنَّسِيئَةِ، يَعْمَلُونَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُجْتَمِعِينَ، بِمَا رَأَوْا، وَيَعْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنْفَرِدًا بِهِ، دُونَ صَاحِبِهِ بِمَا رَأَى، جَائِزًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ، فِيمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَفِيمَا انْفَرَدُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دُونَ الآخَرَيْنِ، فَمَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، مِنْ قَلِيلٍ، وَمِنْ كَثِيرٍ، فَهُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، مِنْ فَضْلٍ، وَرِبْحٍ، عَلَى رَأْسِ مَالِهِمُ الْمُسَمَّى مَبْلَغُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ
_________________
(١) "لسان العرب" ١٣/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٢) "المغني" ٧/ ١٢٣.
(٣) يوجد في النسخ المطبوعة هنا: ما نصّه: (شَرِكَةُ عِنَانٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ"، ولا يوجد في النسخة الهنديّة، وهو الصواب؛ لأنه تكرار محض، فتنبّه.
[ ٣١ / ٢٠٧ ]
أَثْلَاثًا، وَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ وَضِيعَةٍ، وَتَبِعَةٍ فَهُوَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، عَلَى قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِمْ.
وَقَدْ كُتِبَ هَذَا الْكِتَابُ، ثَلَاثَ نُسَخٍ مُتَسَاوِيَاتٍ، بِأَلْفَاظٍ وَاحِدَةٍ، فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ فُلَانٍ، وَفُلَانٍ، وَفُلَانٍ وَاحِدَةٌ وَثِيقَةً لَهُ، أَقَرَّ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ).
شرح كتاب العقد المذكور:
قوله: (هَذَا) إشارة إلى كتاب العقد (مَا اشْتَرَكَ عَلَيْهِ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، فِي صِحَّةِ عُقُولِهِم، وَجَوَازِ أَمْرِهِمُ) أي ليسوا مجانين، ولا صبيانًا حتى تمنع تصرّفاتهم (اشْتَرَكُوا شَرِكَةَ عَنَانٍ) تقدّم تفسيرها قريبًا (لَا شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ) سيأتي تفسيرها قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (بَينَهُم) متعلّق بـ "شركة" (فِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَم، وُضْحًا) بضمّ، فسكون: أي صحاحًا، وتقدّم الكلام عليه في شرح عقد المضاربة، وأن هذه اللفظة لم أجدها في كتب اللغة التي عندي، وإنما ذكروا وَضَحًا بفتحتين، وجمعه أوضاح (جِيَادًا، وَزْنَ سَبْعَةٍ) أي كلّ عشرة منها وزن سبعة مثاقيل، كما تقدّم بيانه (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، خَلَطُوهَا جَمِيعًا، فَصَارَتْ هَذِه الثَّلَاِثِينَ أَلْفَ دِرْهَمْ، فِي أَيْدِيِهمْ مَخْلُوطَةً، بِشَرِكةٍ) أي بسبب اشتراك (بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِيهِ بِتَقوَى اللَّهِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم، إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) يعني أن كلّ واحد من الشركاء الثلاثة يؤدّي ما ائتُمن عليه إلى صاحبيه (وَيَشْتَرُونَ جَمِيعًا بِذَلِكَ) المال الذي جعلوه رأس مالهم في هذه الشركة (وَبِمَا رَأَوْا مِنْهُ اشْتِرَاءَهُ بِالنَّقْدِ) هو خلاف النسية (وَيَشْتَرُونَ بِالنَّسِيئَةِ عَلَيْهِ) أي بتأخير وقت دفعه (مَا رَأَوْا أن يَشتَرُوا من أَنوَاع التجَارَاتِ، وَأَنْ يَشتَرِيَ كُل وَاحِدِ مِنْهُم عَلَى حِدَتِهِ) بكسر الحاء المهملة، وفتح الدالَ: أي منفردًا، يقال: وحَدَ يَحِدُ حِدَةً، من باب وَعَدَ: انفرد بنفسه، فهو وَحَدٌ بفتحتين، وكسرُ الحاء لغة. ووَحُدَ بالضمّ وَحَادةً، ووَحْدَةً، فهو وَحِيدٌ كذلك، وكلُ شيء على حِدَةِ: أي متميِّزٌ عن غيره. قاله الفيّوميّ (دُونَ صَاحِبِهِ) هكذا النسخ بالإفراد، وكان الأولى "صاحبيه"، لأنهما اثنان، وأجيب بأنه مفرد مضاف، فيعمّ، فيجوز إطلاقه على الاثنين (بذَلِكَ) المال كلّه (وَبمَا رَأَى مِنْهُ) أي ببعضه (مَا رَأَى اشْتِرَاءَهُ مِنْهُ بالنَّقْدِ، وَبِمَا رَأَى اشتِرَاءَهُ عَلَيْهِ بالنَّسِيئَةِ، يَعْمَلُونَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُجْتَمِعِينَ، بمَا رَأَوا، وَيَعْمَلُ كُلُّ وَاحِدِ مِنْهُمْ مُنْفَرِدًا بِهِ، دُونَ صَاحِبهِ) بالإفراد، وتقدّم آنفًا توجيهه (بِمَا رَأَى، جَائِزًا) منصوب على الحال، وفي نسخة بالَرفع، على أنه خبر لمقدّر، أي هذا جائزٌ (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيهِ، فِيمَا اجتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَفِيمَا انْفَرَدُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ) الظاهر أن "كلّ" بالرفع على الفاعلية لـ"انفردوا"، فيكون من باب "أكلوني البراغيث"، ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره محذوف: أي جائز له، فتكون الجملة مؤكّدة لما قبلها (دُونَ الآخَرَيْنِ،
[ ٣١ / ٢٠٨ ]
فَمَا لَزِمَ) بكسر الزاي، من باب تَعِبَ (كُلَّ واحدٍ مِنْهُم فِي ذَلِكَ، مِنْ قَلِيلِ، وَمِنْ كَثِيرٍ) أي من الغرامات، والضمانات بسبب البيع والشراء (فَهُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهمْ جمِيعًا، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، مِنْ فَضْلِ، وَرِبْحٍ) عطف تفسير لـ"فضل" (عَلَى رَأسِ مَالِهِمُ المُسَمَّى مَبْلَغُهُ فِي هَذَا الكِتَابِ) أي وهو ثلاثون ألف درهم (فَهُوَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا) أَي يقسم بينهم بالسويّة؛ لتساويهم فيَ رأس المال والعمل (وَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ وَضِيعَةٍ) أي خسارة (وَتَبِعَةٍ) بفتح المثنّاة الفوقيّة، وكسر الموحّدة، بوزن كلمة: ما تطلُبُه من ظُلَامة، ونحوها، فيكون عطفه على ما قبله من عطف العامّ على الخاص (فَهُوَ عَلَيْهِم أَثْلَاثًا) أي لأن الغُرْم بالغُنْم، فإنهم لما استووا في الربح، لزم استواؤهم في الغرامات (عَلَى قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِمْ) فإن كلّ واحد منهم كان له ثلث المبلغ.
(وَقَد كُتِبَ هَذَا الكِتَابُ، ثَلَاثَ نُسَخِ مُتَسَاوِيَات، بِألفَاظٍ وَاحِدَةٍ، فِي يَدِ كُل واحدٍ مِنْ فُلَانٍ، وَفُلَانٍ، وَفُلَانٍ، وَاحِدَةٌ وَثِيقَةٌ لَهُ) أي عهد موثّق، أي محكم له من صاحبيه، قال في "اللسان": الوثيقة في الأمر: إحكامه، والأخذ بالثقة، والجمع الوثائق. انتهى.
(أَقَرَّ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) أي الشركاء الثلاثة الذين جرى بينهم كتابة هذه الوثيقة. واللَّه تعالى أعلمِ بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(شَرِكَةُ مُفَاوَضةٍ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجِيزُهَا):
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: معنى: "شركة المفاوضة": أن يشترك اثنان في كلّ شيء في أيديهما، أو فيما يستفدانه فيما بعدُ. أفاده ابن منظور. وقال الفيّوميّ: شرِكة المفاوضة أن يكون جميع ما يملكانه بينهما. انتهى.
وإنما قال: "على مذهب من يُجيزها"؛ لأن هذه الشركة قد اختلف فيها العلماء.
قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: وأما شركة المفاوضة، فنوعان:
[أحدهما]: أن يشتركا في جميع أنواع الشركة، مثل أن يجمعا بين شركة العنان، والوجوه، والأبدان، فيصحّ ذلك؛ لأن كلّ نوع منها يصحّ على انفراده، فصحّ مع غيره.
و[الثاني]: أن يُدخلا بينهما في الشركة الاشتراك فيما يحصل لكلّ واحد منهما من ميراث، أو يجده من ركاز، أو لقطة، ويلزم كلّ واحد منهما ما يلزم الآخر، من أرش جناية، وضمان غصب، وقيمة مُتلَف، وغَرَامة الضمان، أو كفاله، فهذا فاسدٌ، وبهذا قال الشافعيّ. وأجازه الثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، وحُكي ذلك عن مالك.
وشَرَط أبو حنيفة لها شُروطًا، وهي أن يكونا حرّين مسلمين، وأن يكون مالهما في
[ ٣١ / ٢٠٩ ]
الشركة سواءً، وأن يُخرجا جميع ما يملكانه من جنس الشركة، وهو الدارهم والدنانير. انتهى المقصود من كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، هَذَا مَا اشْتَرَكَ عَلَيْهِ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، بَيْنَهُمْ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ، فِي رَأْسِ مَالٍ، جَمَعُوهُ بَيْنَهُمْ، مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَنَقْدٍ وَاحِدٍ، وَخَلَطُوهُ، وَصَارَ فِي أَيْدِيهِمْ مُمْتَزِجًا، لَا يُعْرَفُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، وَمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَحَقُّهُ سَوَاءٌ، عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَفِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ سَوَاءً، مِنَ الْمُبَايَعَاتِ، وَالْمُتَاجَرَاتِ، نَقْدًا وَنَسِيئَةً، بَيْعًا وَشِرَاءً، فِي جَمِيعِ الْمُعَامَلَاتِ، وَفِي كُلِّ مَا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ، مُجْتَمِعِينَ بِمَا رَأَوْا، وَيَعْمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ، بِكُلِّ مَا رَأَى، وَكُلِّ مَا بَدَا لَهُ، جَائِزٌ أَمْرُهُ فِي ذَلِكَ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَلَى أَنَّهُ كُلُّ مَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، عَلَى هَذِهِ الشَّرِكَةِ، الْمَوْصُوفَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، مِنْ حَقٍّ، وَمِنْ دَيْنٍ، فَهُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُسَمِّينَ مَعَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَعَلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ، الْمُسَمَّاةِ فِيهِ، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهَا، عَلَى حِدَتِهِ، مِنْ فَضْلٍ، وَرِبْحٍ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا بِالسَّوِيَّةِ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ نَقِيصَةٍ، فَهُوَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ، وَقَدْ جَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ فُلَانٍ، وَفُلَانٍ، وَفُلَانٍ، وَفُلَانٍ، كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُسَمِّينَ، فِي هَذَا الْكِتَابِ مَعَهُ، وَكِيلَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ، بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ، وَالْمُخَاصَمَةِ فِيهِ، وَقَبْضِهِ، وَفِي خُصُومَةِ كُلِّ مَنِ اعْتَرَضَهُ بِخُصُومَةٍ، وَكُلِّ مَنْ يُطَالِبُهُ بِحَقٍّ، وَجَعَلَهُ وَصِيَّهُ فِي شَرِكَتِهِ، مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِ، وَفِي قَضَاءِ دُيُونِهِ، وَإِنْفَاذِ وَصَايَاهُ، وَقَبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، مَا جَعَلَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَقَرَّ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ).
شرح هذا العقد
قوله: (قَالَ: اللَّهُ ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾) ذكر الآية الكريمة؛ استدلالًا على وجوب الوفاء بالعهد الذي يجري بين الشركاء (هَذَا مَا اشْتَرَكَ عَلَيْهِ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، بَيْنَهُمْ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ، فِي رَأسِ مَالٍ، جَمَعُوهُ بَيْنَهُمْ، مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَنَقْدٍ وَاحِدٍ، وَخَلَطُوهُ، وَصَارَ فِي أَيْدِيهِمْ مُمْتَزِجًا) أي مختلطا (لَا يُعْرَفُ) بالبناء للمفعول (بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ) وقوله (وَمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ) مبتدأ خبره "سواء (مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَحَقُّهُ سَواءٌ، عَلَى أن يَعْمَلُوا في ذَلِكَ كُلِّهِ، وَفِي كلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ سَوَاءً،
_________________
(١) "المغني" ٧/ ١٣٧.
[ ٣١ / ٢١٠ ]
مِنَ الْمُبَايَعَاتِ، وَالْمُتَاجَرَاتِ) عطف تفسير لما قبله (نَقْدًا وَنَسِيئَة، بَيْعًا وَشِرَاءً، فِي جَمِيعِ الْمُعَامَلَاتِ، وَفِي كلّ مَا يَتَعَاطاهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ، مُجْتَمِعِينَ بِمَا رَأَوْا، وَيَعْمَلَ كُلّ واحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ، بِكُلِّ مَا رَأَى، وَكُلِّ مَا بَدَا لَهُ) أي ظهر من المصلحة (جَائِزٌ) أي ثابت، ولازم (أَمْرُهُ في ذَلِكَ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ) يعني أن كلّ واحد من الشركاء لو فعل شيئًا مما ذكر من البيع نقدًا، أو نسيئة، والشراء كذلك، ونحو ذلك لزم الآخرين، وليس لهم أن يعترضوا على شيء من ذلك (وَعَلَى أنَّهُ) الضمير للشأن، تُفَسِّرُهُ الجملة بعده، (كُلُّ مَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، عَلَى هَذهِ الشَّركَةِ، الْمَوْصُوفَةِ في هَذَا الكِتَاب، مِنْ حَقٍّ، وَمِنْ دَينِ، فَهُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِنْ أَصْحَابهِ الْمُسَمَّينَ مَعَهُ فِي هَذَا الكَتَابِ، وَعَلَى أَنَّ جمَيعَ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ، المُسَمَّاةِ فِيهِ، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهَا) أَي الشركة (عَلَى حِدَتِهِ، مِنْ فَضْلٍ، وَرِبح، فَهُوَ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا بِالسَّوِيَّةِ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ نَقِيصَةٍ) أي نقص، مثل الغرامات (فَهُوَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا بالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ، وَقَد جَعَلَ كُلُّ واحِدٍ من فُلَانِ، وَفُلَانٍ، وَفُلَانٍ، وَفُلَانٍ، كُلّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ المُسَمَّينَ، فِي هَذَا الكِتَابِ مَعَهُ، وَكِيلَهُ فِي المطَالَبَةِ، بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ، وَالْمُخَاصَمَةِ فِيهِ، وَقَبْضِهِ، وَفِي خُصُومَةِ كُلِّ مَنِ اعْتَرَضَهُ بخُصُومَةٍ، وَكُلِّ مَن يُطَالِبُهُ بِحَقٍّ، وَجَعَلَهُ وَصِيَّهُ فِي شَرِكَتِهِ، مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِ) هذا يدلّ عَلى أن الشركة لا تبطل بموت أحد الشركاء، والمشهور عند الفقهاء أنها تبطل بالموت، وبالجنون، ونحو ذلك، فليُتأمّل (وَفِي قَضَاءِ دُيُونه، وَإِنْفَاذِ وَصَايَاهُ، وَقَبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، مَا جَعَلَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَقَرَّ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
…