قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يعني أنه إذا حلف شخصٌ، ولم يستثن، فذكّره رجلٌ، فقال له: قل: إن شاء اللَّه، فقال ذلك، هل يكون ذلك استثناء صحيحًا، أم لا؟، وقد اختُلف فيه، ولكن الظاهر أنه صحيحٌ، لظاهر قوله - ﷺ -: "لو قال: إن شاء اللَّه لم يحنث"، فإن ظاهره أن قول الصاحب كان بعد كلام سليمان - ﵇ -، فيدلّ على أنه إذا قاله متّصلًا جاز، ولا يُعد ذلك فصلًا مانعًا عن صحّة الاستثناء، كالفصل بالأشياء الضرورية؛ كالسعال، ونحوه؛ لأن نسيانه، مع قصر الزمن يكون عذرًا.
وقال في "الفتح": استدلّ بهذا الحديث من قال: الاستثناء إذا عَقَبَ اليمينَ، ولو تخلّل بينهما شيء يسير لا يضرّ، فإن الحديث دلّ على أن سليمان، لو قال: إن شاء اللَّه عقب قول صاحبه له: قل: إن شاء اللَّه لأفاد، مع التخلّل بين كلاميه بمقدار قول الصاحب. وأجاب القرطبيّ باحتمال أن يكون الملك قال ذلك في أثناء كلام سليمان. قال الحافظ: وهو احتمال ممكن يسقط به الاستدلال المذكور. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما دلّ عليه ظاهر الحديث كافٍ للتمسك به، فإنه يدلّ على أن الملك ذكّر سليمان - ﵇ -، بعد سماعه كلامه، وتأكّده من عدم استثنائه، فاحتمال أنه ذكّره في أثناء كلامه بعيدٌ جدًّا؛ لأنه لا يدري هل يستثني بعد كلامه، أم لا؟، فلما تحقّق لديه أنه ما استثنى مع حاجته إلى الاستثناء ذكّره.
_________________
(١) "فتح" ٧/ ١٢٩.
[ ٣١ / ٥٥ ]
والحاصل أن الاحتمال الذي ذكره القرطبيّ بعيد، فلا يسقط الاستدلال المذكور. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٥٨ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ، يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -﷿-، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فُرْسَانًا أَجْمَعِينَ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمران بن بكار) الكَلَاعيّ البرّاد الحمصيّ المؤذن، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١.
٢ - (عليّ بن عياش) - بتحتانيّة، ومعجمة-: هو الألهانيّ الحمصيّ الثقة الثبت [٩] ١٢٣/ ١٨٢.
٣ - (شُعيب) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ ثقة عابد، قال ابن معين: أثبت الناس في الزهريّ [٧] ٦٩/ ٨٥.
٤ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧.
٥ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت فقيه [٣] ٧/ ٧. .
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى شعيب، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن شعيب بن أبي حمزة، أنه قال: (حَدَّثَني أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان (مِمَّا حَدَّثَهُ) أي من جملة الأحاديث التي حدّثه بها، فـ"من" تبعيضيّة، أو هي بمعنى "في" أي جملتها
[ ٣١ / ٥٦ ]
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير عبد الرحمن (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (يُحَدِّثُ بِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) الجملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (قَالَ) - ﷺ - (قَالَ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) النبيّ ابن النبيّ صلوات اللَّه وسلامه عليهما (لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ) وفي رواية: "لأُطيفنّ": قال القرطبيّ: كلاهما صحيح في اللغة، يقال: أطفت بالشيء أُطيف به، وأنا مُطيفٌ، وطُفتُ على الشيء وبه، أطوف، وأنا طائفٌ، كما قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم: ١٩]، وأصله الدوَرَان حول الشيء، ومنه الطواف بالبيت، وهو في هذا الحديث كناية عن الجماع، كما جاء عن نبينا - ﷺ - أنه كان يطوف على نسائه، وهنّ تسعٌ في ساعة واحدة من ليل أو نهار، متّفقٌ عليه. (^١).
واللام جواب لقسم محذوف، أي واللَّه لأطوفنّ، ويؤيّده قوله في آخره: "لم يَحنث"؛ لأن الحنث لا يكون إلا قسم، والقسم لا بدّ له من مقسم به. قاله في "الفتح".
وقال القرطبيّ: هذا الكلام قسم، وإن لم يُذكر فيه مقسمٌ به؛ لأن لام "لأطوفنّ" هي الداخلة على جواب القسم، فكثيرًا ما تحَذِف معها العرب المقسمَ به، اكتفاءً بدلالتها على المقسم به؛ لكنها لا تدلّ على مقسم به معين. انتهى (^٢).
(عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةَ) هكذا في هذه الرواية "تسعين"، وفي رواية "سبعين امرأة"، وفي رواية "كان لسليمان ستون امرأة"، وفي رواية "مائة امرأة"، وفي رواية: "مائة امرأة، أو تسع وتسعون" على الشكّ، وكلها في الصحيح.
قال في "الفتح": فمحصّل الروايات: ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، ومائة. والجمع بينها أن الستّين كنّ حرائر، ومازاد عليهن كنّ سراري، أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون، والمائة، فكن دون المائة، وفوق التسعين، فمن قال: تسعون ألغى الكسر، ومن قال: مائة جبره، ومن ثَمّ وقع التردد في بعض الروايات، كما تقدّم (^٣).
وأما قول النوويّ، ومن وافقه في الجواب عن اختلاف العدد: إن مفهوم العدد ليس بحجة عند الجمهور، فذكر القليل لا ينفي ذكر الكثير. فقد تُعُقّب بأن الشافعيّ نصّ على أن مفهوم العدد حجة، وجزم بنقله عنه الشيخ أبو حامد، والماورديّ، وغيرهما، ولكن
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٦٣٦.
(٢) "المفهم" ٤/ ٦٣٥.
(٣) "فتح" ٧/ ١٢٧ - ١٢٨. "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم ٣٤٢٤.
[ ٣١ / ٥٧ ]
شرطه أن لا يُخالفه المنطوق. قال الحافظ: والذي يظهر مع كون مخرج الحديث عن أبي هريرة - ﵁ -، واختلاف الرواة عنه أن الحكم للزائد؛ لأن الجميع ثقات. انتهى (^١).
[فائدة]: قد حكى وهب بن منبه في "المبتدإ" أنه كان لسليمان ألف امرأة، ثلاثمائة مَهِيرَة (^٢)، وسبعمائة سريّة، ونحوه مما أخرج الحاكم في "المستدرك" من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب، قال: بلغنا أنه كان لسليمان ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة صريحة، وسبعمائة سريّة. ذكره في "الفتح" (^٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الحكاية من الإسرائيليات، تحتاج إلى التثبّت فيها، والذي ثبت عندنا في الصحيح ما جاوز المائة، فاللَّه تعالى أعلم بصحّتها.
(كُلُّهُن يَأتي يفَارِسٍ) ولفظ البخاريّ: "تحمل كلّ امرأة فارسًا" (يُجَاهِدُ فِي سَبِيل اللَّهِ -﷿-) هذا قاله على سبيل التمنّي للخير، وإنما جزم به لأنه غلب عليه الرجاء؛ لكونه قصد به الخير، وأمر الآخرة، لا لغرض الدنيا.
(فَقَالَ: لَهُ صَاحِبُهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ) جملة الشرط مقول يقول مقدّر، أي قل، وقد صُرّح به في رواية مسلم، ولفظه: "فقال له صاحبه، أو الملك: قل: إن شاء اللَّه". وفي رواية عند البخاريّ: "فقال له الملك"، وفي رواية: "فقال له صاحبه، قال سفيان: الملك". قال في "الفتح": وفي هذا إشعار بأن تفسير "صاحبه" بالملك، ليس بمرفوع، لكن في "مسند الحميديّ" عن سفيان: "فقال له صاحبه، أو الملك" بالشكّ، ومثلها لمسلم، وفي الجملة: ففيه ردّ على من فسّر "صاحبه" بأنه الذي عنده علم من الكتاب، وهو آصِف -بالمدّ، وكسر المهملة، بعدها فاء ابن بَرْخِيَا -بفتح الموحّدة، وسكون الراء، وكسر المعجمة، بعدها تحتانيّة-، وقال القرطبيّ في قوله: "فقال له صاحبه، أو الملك": إن كان صاحبه، فيعني وزيره من الإنس، والجنّ، وإن كان الملك، فهو الذي كان يأتيه بالوحي، وقال: وقد أبعد من قال المراد به خاطره. انتهى (^٤). وقال النوويّ: قيل: المراد بصاحبه الملك، وهو الظاهر من لفظه. وقيل: القرين. وقيل: صاحبٌ له آدميّ. انتهى (^٥).
قال الحافظ: ليس بين قوله: صاحبه، والملك منافاة، إلا أن لفظة "صاحبه" أعمّ، فمن ثم نشأ لهم الاحتمال، ولكن الشكّ لا يؤثّر في الجزم، فمن جزم بأنه الملك حجة
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٧١. "كتاب الإيمان والنذور". رقم ٦٧٢٠.
(٢) الْمَهِيرَةُ بفتح اسم، وكَسر الهاء: الحرّة الغالية المهر. قاله في "القاموس".
(٣) "فتح" ٧/ ١٢٨. "كتاب أحاديث الأنبياء".
(٤) "المفهم" ٤/ ٦٣٧.
(٥) "شرح مسلم" ١١/ ١٢٣.
[ ٣١ / ٥٨ ]
على من لم يجزم. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ: قوله: "قل: إن شاء اللَّه" هذا تذكير له بأن يقول بلسانه، لا أنه غفل عن التفويض إلى اللَّه تعالى بقلبه، فإن ذلك بعيد على الأنبياء - ﵈ -، وغير لائق بمناصبهم الرفيعة، ومعارفهم المتوالية، وإنما هذا كما قد اتّفق لنبينا - ﷺ - لَمّا سُئل عن الروح، والخضر، وذي القرنين، فوعدهم بأن يأتي بالجواب غدًا، جازمًا بما عنده من معرفته باللَّه تعالى، وصدق وعده في تصديقه، وإظهار كلمته، لكنه ذهل عن النطق بكلمة "إن شاء اللَّه"، لا عن التفويض إلى اللَّه تعالى بقلبه، فأُدّب بأن تأخّر الوحي عنه؛ حتى رموه بالتكذيب لأجلها، ثم إن اللَّه تعالى علمه، وأدّبه بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] فكان بعد ذلك يستعمل هذه الكلمة حتى في الواجب. وهذا لعلوّ مناصب الأنبياء، وكمال معرفتهم باللَّه تعالى، يناقَشُون، ويُعاتَبون على ما لا يُعاتب عليه غيرهم، كما قد قال النبيّ - ﷺ - في حقّ لوط: "ويرحم اللَّه لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد"، فعتب عليه نطقه بكلمة يسوغ لغيره أن ينطق بها. انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
(فَلَمْ يَقُلْ: إن شَاءَ اللَّه) وفي رواية معمر، عن طاوس عند البخاريّ: قال: "ونسي أن يقول: إن شاء اللَّه". والمعنى: أنه لم يقل: إن شاء اللَّه بلسانه، لا أنه أبى أن يفوّض أمره إلى اللَّه ﷾، بل كان ذلك ثابتًا في قلبه، لكنه اكتفى بذلك أوّلًا، ونسي أن يُجريه على لسانه لَمّا قيل له؛ لشيء عرَضَ له.
(فَطَافَ) وفي رواية للبخاريّ: "فأطاف بهنّ، وتقدّم أن طاف، وأطاف بمعنى واحد (عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَلَمْ تَحْمِلْ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من حمل يحمِل، من باب ضرب (مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ) وفي رواية للبخاريّ: "إلا واحدًا ساقطًا أحد شقيه"، وفي رواية له: "ولدت شِقّ غَلام"، وفي رواية: "نصف إنسان". قال في "الفتح": وحكى النقّاش في "تفسيره" أن الشقّ المذكور هو الجسد الذي أُلقي على كرسيّه، وقد ثبت عن غير واحد من المفسّرين أن المراد بالجسد المذكور شيطان، وهو المعتمد، والنقّاش صاحب مناكير. انتهى.
(وَايمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ) - ﷺ - (بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد للَّه -﷾- على ما يليق بجلاله.
[تنبيه]: قوله: (وايم) بكسر الهمزة، وبفتحها، والميم مضمومة. وحكى الأخفش
_________________
(١) "فتح" ١٢٨. "كتاب أحاديث الأنبياء".
(٢) "المفهم" ٤/ ٦٣٧. "كتاب الأيمان والنذور".
[ ٣١ / ٥٩ ]
كسرها مع كسر الهمزة، وهو اسم عند الجمهور، وحرفٌ عند الزّجاج، وهمزته همزة وصل عند الأكثر، وهمزة قطع عند الكوفيين، ومن وافقهم؛ لأنه عندهم جمع يمين، وعند سيبويه، ومن وافقه أنه اسم مفرد، واحتجّوا بجواز كسر همزته، وفتح ميمه، قال ابن مالك: فلو كان جمعًا لم تحُذف همزته، واحتجّ يقول عروة بن الزبير لَمّا أُصيب بولده، ورجله: "لَيْمُنُكَ، لئن ابتليتَ، لقد عافيت، ولئن كُنت سَلَبْتَ، لقد أبقيتَ"، قال: فلو كان جمعًا، لم يُتصرّف فيه بحذف بعضه، قال: وفيه اثنتا عشرة لغةً، جمعتها في بيتين، وهما [من البسيط]:
هَمْزَ ايْمُ أَيْمُنُ فَاَفْتَحِ اَكْسِرَ أَو أَمُ قُلْ … أَوْ قُلْ مُ أَوْ مُنُ بِالتَّثْلِيثِ قَدْ شُكِّلَا
وَأَيْمُنَ اخْتِم بِهِ وَاللَّهِ كُلّا أَضِفْ … إِلَيْهِ فِي قَسَمٍ تَسْتَوْفِ مَا نُقِلَا
قال ابن أبي الفتح تلميذ ابن مالك: فاته أَم بفتح الهمزة، وهيم بالهاء بدل الهمزة، وقد حكاها القاسم بن أحمد المعلم الأندلسيّ في "شرح المفصّل".
وقال غيره: أصله يمين اللَّه، ويجمع أيمنا، فيقال: وأيمن، حكاه أبو عُبيدة، وأنشد لزُهير بن أبي سُلْمَى [من الوافر]:
فَتُجمَعُ أَيْمُنٌ مِنَّا وَمِنْكُمْ … بِمُقْسَمَةٍ تَمُورُ بِهَا الدِّمَاءُ
وقالوا عند القسم: وأيمن اللَّه، ثم كثر، فحذفوا النون، كما حذفوها من لم يكن، فقالوا: لم يك، ثم حذفوا الياء، فقالوا: أم اللَّه، ثم حذفوا الألف، فاقتصروا على الميم مفتوحة، ومضمومة، ومكسورة، وقالوا: أيضًا من اللَّه بكسر الميم، وضمها، وأجازوا في أيمن فتح الميم، وضمّها، وكذا في أيم، ومنهم من وصل الألف، وجعل الهمزة زائدة، أو مسهلة، وعلى هذا تبلغ لغاتها عشرين. وقال الجوهريّ: قالوا: أيم اللَّه، وربّما حذفوا الياء، فقالوا: أم اللَّه، وربّما أبقوا الميم وحدها مضمومة، فقالوا: مُ اللَّه، وربّما كسروها؛ لأنها صارت حرفًا واحدًا، فشبّهوها بالباء، قالوا: وألفها ألف وصل عند أكثر النحويين، ولم يجىء ألف وصل مفتوحة غيرها، وقد تدخل اللام للتأكيد، فيقال: لَيْمُن اللَّه، قال الشاعر [من الطويل]:
فَقَالَ فَرِيقُ القَوْمِ لَمَّا نَشَدتُهُمْ … نَعَمْ وَفرِيق لَيْمُنُ اللَّهِ مَا نَدْرِي
وذهب ابن كيسان، وابن درستويه إلى أن ألفها ألف قطع، وإنما خُفّفت همزتها في الوصل لكثرة الاستعمال. وحكى ابن التين عن الداوديّ قال: أيم اللَّه معناه اسم اللَّه، أُبدلت السين ياءً، وهو غلطٌ فاحش؛ لأن السين لا تبدل ياءً. وذهب المبرّد إلى أنها
[ ٣١ / ٦٠ ]
عوضٌ من واو القسم، وأن معنى قوله: وأيم اللَّه واللَّه لأفعلنّ. ونقل عن ابن عبّاس أن يمين اللَّه من أسماء اللَّه تعالى، ومنه قول امرئ القيس [من الطويل]:
فَقُلتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا … وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي
ومن ثَمّ قال المالكيّة، والحنفيّة: إنه يمين. وعند الشافعيّة: إن نوى اليمين انعقدت، وإن نوى غير اليمين لم ينعقد يمينًا، وإن أطلَقَ فوجهان: أصحّهما لا ينعقد إلا أن ينوي. وعن أحمد روايتان: أصحّهما الانعقاد. وحكى الغزاليّ في معناه وجهين: أحدهما أنه كقولهم: تالله. والثاني: كقوله: أحلف باللَّه، وهو الراجح. ومنهم من سوّى بينه وبين لعمر اللَّه. وفرق الماورديّ بأن لعمر اللَّه شاع في استعمالهم عرفًا، بخلاف أيم اللَّه. واحتجّ بعض من قال منهم بالانعقاد مطلقًا بأن معناه يمين اللَّه، ويمين اللَّه من صفاته، وصفاته قديمة. وجزم النوويّ في "التهذيب" أن قول وأيم اللَّه، كقوله: وحق اللَّه، وقال: إنه ينعقد به اليمين عند الإطلاق، وقد استغربوه. ويقويه قوله - ﷺ -: "وايم الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء اللَّه لجاهدوا". واستدلّ من قال بالانعقاد مطلقًا بهذا الحديث. قال الحافظ: ولا حجة فيه إلا على التقدير المتقدّم، وأن معناه: وحقّ اللَّه. انتهى (^١).
(لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّه، لَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ) وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن سيرين: "لو استثنى، لحملت كلّ امرأة منهنّ، فولدت فارسًا يقاتل في سبيل اللَّه"، وفي رواية طاوس: "لو قال: إن شاء اللَّه لم يَحنث، وكان درَكًا لحاجته"، وفي رواية: "وكان أرجى لحاجته". وقوله: "دَرَكًا" بفتحتين: اسم من الإدراك، وهو كقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ [طه: ٧٧]: أي لَحاقًا، والمراد أنه يحصل له ما طلب، ولا يلزم من إخباره - ﷺ - بذلك في حقّ سليمان في هذه القصّة أن يقع ذلك لكلّ من استثنى في أمنيّته، بل في الاستثناء رجوّ الوقوع، وفي ترك الاستثناء خشية عدم الوقوع، وبهذا يجاب عن قول موسى للخضر - ﵉ -: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] مع قول الخضر له آخزا: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]. قاله في "الفتح" (^٢).
وقال في موضع آخرة ما نصّه: وقد قيل: هو خاصّ بسليمان - ﵇ -، وأنه لو قال في هذه الواقعة: "إن شاء اللَّه"، حصل مقصوده، وليس المراد أن كلّ من قالها وقع ما
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٣٦٧ - ٣٦٩. "كتاب الأيمان والنذور".
(٢) "فتح" ٧/ ١٢٩ "كتاب أحاديث الأنبياء".
[ ٣١ / ٦١ ]
أراد، ويؤيّده أن موسى - ﵇ - قالها عند ما وعد الخضر أنه يصبر عما يراه منه، ولا يسأله عنه، ومع ذلك فلم يصبر، كما أشار إلى ذلك في الحديث الصحيح: "رحم اللَّه موسى، لوددنا لو صبر حتى يقصّ اللَّه علينا من أمرهما". وقد قالها الذبيح، فوقع ما ذكر في قوله - ﵇ -: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾، فصبر حتى فداه اللَّه بالذبح. وقد سئل بعضهم عن الفرق بين الكليم والذبيح في ذلك، فأشار إلى أن الذبيح بالغ في التواضع في قوله: ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ حيث جعل نفسه واحدًا من جماعة، فرزقه اللَّه الصبر. قال الحافظ: وقد وقِع لموسى - ﵇ - أيضًا نظير ذلك مع شعيب، حيث قال له: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]، فرزقه اللَّه ذلك. انتهى (^١).
(فُرْسَانًا) بضمّ الفاء جمع فارس، قال الفيّومي -رحمه اللَّه تعالى-: الفارس: الراكب على الحافر فرسًا كان، أو بغلًا، أو حمارًا، قاله ابن السِّكِّيت، يقال: مرّ بنا فارسٌ على بغل، وفارسٌ على حمار. وفي، "التهذيب": فارسٌ على الدّابّة: بَيِّنُ الفرُوسيّة، قال الشاعر [من الطويل]:
وَإِنِّي امْرُؤٌ لِلْخَيلِ عِنْدِي مَزِيَّةٌ … عَلَى فَارِسِ البرْذَونِ أَوْ فَارِسِ الْبَغْلِ
وقال أبو زيد: لا أقول لصْاحب البغل والحمار: فارس، ولكن أقول: بَغّالٌ، وحَمّارٌ. ويجمع فارسٌ أيضًا على فوارس، وهو شاذّ؛ لأن فواعل إنما هو جمع فاعلة، مثل ضاربة وضَوَارِب، وصاحبة وصَوَاحِب، أو جمع فاعل صفةً لمؤنّث، مثل حائض وحَوَائض، أو كان جمع ما لا يعقل، نحوْ جملِ بازلٍ وبَوَازِلَ، وحائط وحوائطَ، وأما مذكر من يَعقِل، فقالوا: لم يأت فيه فواعل، إلا فوارسُ، ونواكسُ، ناكس الرأس، وهوالك، ونواكص، وسوابق، وخوالف، جمع خالف، وخالفة، وهو القاعد المتخلّف، وقومٌ ناجعةٌ ونواجعُ. وعن ابن القطّان: ويجمَعُ الصاحب على صواحب. انتهى كلام الفيّوميّ (^٢).
وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "الخلاصة"، حيث قال:
فَوَاعِلٌ لِفَوْعَلِ وَفَاعَلِ … وَفَاعِلَاءَ مَعَ نَحْوِ كَاهِلِ
وَحَائِضٍ وَصَاهِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَشَذَّ فِي الفَارِسِ مَعَ مَا مَاثَلَهْ
(أَجْمَعِينَ") هكذا نسخ "المجتبى"، والذي في "الكبرى": "أجمعون"، وهو الذي في "الصحيحين"، وهو الموافق لغالب الاستعمال، فإن المشهور في اللغة أن تستعمل
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٧٢. "كتاب الأيمان والنذور".
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨.
[ ٣١ / ٦٢ ]
"أجمعون" تاكيدًا، وللأول أيضًا وجه، وهو أن يعرب حالًا، وقد وقع مثله في بعض روايات البخاريّ في حديث "فصلوا قعودًا أجمون" بلفظ "أجمعين".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أما تغليط الفيّوميّ للمحدّثين في هذه الرواية، وقال: غَلِطَ من قال: إنه نُصِب على الحال؛ لأن ألفاظ التوكيد معارفُ، والحال لا تكون إلا نكرة، وما جاء منها معرفةً فمسموع، وهو مؤوّلٌ بالنكرة، والوجه في الحديث "فصلّوا قُعُودًا أجمعون"، وإنما هو تصحيفٌ من المحدّثين في الصدر الأول، وتمسّك المتأخّرون بالنقل. انتهى.
فمما لا يُلتفت إليه، بل الرواية صحيحة، وقد أجاز بعض أهل اللغة ذلك، قال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى-: و"أجمع" من الألفاظ الدالّة على الإحاطة، وليست بصفة، ولكنَّه يُلَمُّ به ما قبله من الأسماء، ويُجرَى على إعرابه، فلذلك قال النحويّون: صفةٌ، والدليل على أنه ليس بصفة قولهم: أجمعون، فلو كان صفة لم يَسلَم جمعه، ولكان مكسّرًا، والأنثى جَمْعاء، وكلاهما معرفة، لا يُنكّر عند سيبويه، وأما ثعلب، فحكى فيهما التنكير، والتعريف جميعًا، تقول: أعجبني القصر أجمعُ، وأجمعَ، الرفع على التوكيد، والنصب على الحال. انتهى (^١).
فقد ثبت صحّة هذا الاستعمال بنقل ثعلب، وهو ممن يُعتمد في اللغة على نقله، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فقد ثبت النصب روايةً عن المحدّثين، ونقلًا عن اللغويين، فلا التفات إلى من ادّعى غَلَطَ المحدّثين، بناءً على نفي بعض اللغويين لها، فالمثبت مقدّم على النافي. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٠/ ٣٨٥٨ و٤٣/ ٣٨٨٣ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٤٧٧٢. وأخرجه (خ) في "أحاديث الأنبياء" ٢٤٢٤ (م) في "الأيمان والنذور" ١٦٥٤ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٣٢ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٠٩٧ و٧٦٥٨ و١٠٢٠٢. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "لسان العرب" ٨/ ٦٠.
[ ٣١ / ٦٣ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أنه إذا حلف رجل، ولم يستثن، فقال له آخرُ، مذكّرًا: قل: إن شاء اللَّه، فقال ذلك، هل يكون ذلك استثناء صحيحًا، أم لا؟، والظاهر نعم، وقد تقدّم تقريره في أول الباب.
(ومنها): أن فيه فضل فعل الخير، وتعاطي أسبابه، وأن كثيرًا من المباح، والملاذّ يصير مستحبًّا بالنية والقصد. (ومنها): استحباب الاستثناء لمن قال: سأفعل كذا، وأن إتباع المشيئة اليمين يرفع حكمها، وهو متّفقٌ عليه بشرط الاتصال. (ومنها): أن الاستثناء لا يكون إلا باللفظ، ولا تكفي فيه النيّة، وهو اتفاقْ، إلا ما حُكي عن بعض المالكيّة. (ومنها): ما خُصّ به الأنبياء - ﵈ -، من القوّة على الجماع الدّالّ ذلك على صحّة البِنْية، وقوّة الفُحُوليّة، وكمال الرجوليّة، مع ما هم فيه من الاشتغال بالعبادة والعلوم، وقد وقع لنبيّنا - ﷺ - من ذلك أبلغ المعجزة؛ لأنه مع اشتغاله بعبادة ربّه، وعلومه، ومعالجة الخلق، كان متقللًا من المآكل، والمشارب المقتضية لضعف البدن على كثرة الجماع، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في ليلة بغسل واحد، وهنّ إحدى عشرة امرأة، وقد تقدّم هذا في "كتاب الغسل". ويقال: إن كلّ من كان أتقى للَّه، فشهوته أشدّ؛ لأن الذي لا يتّقي يتفرّج بالنظر، ونحوه.
(ومنها): ما قاله بعض السلف: نبه - ﷺ - في هذا الحديث على آفة التمنّي، والإعراض عن التفويض، قال: ولذلك نسي الاستثناء؛ ليمضي فيه القدر.
(ومنها): جواز الإخبار عن الشيء، ووقوعه في المستقبل، بناء على غلبة الظنّ، فإن سليمان - ﵇ - جزم بما قال، ولم يكن ذلك عن وحي، إلا لوقع. كذا قيل. وقال القرطبيّ: لا يَظُنُّ بسليمان - ﵇ - أنه قطع بذلك على ربّه، إلا من جهِلَ حالَ الأنبياء، وأدبهم مع اللَّه تعالى. وقال ابن الجوزيّ: [فإن قيل]: من أين لسليمان - ﵇ - أن يُخلق من مائه هذا العدد في ليلة؟ لا جائز أن يكون بوحي؛ لأنه ما وقع، ولا جائز أن يكون الأمر في ذلك إليه؛ لأن الإرادة للَّه. [والجواب]: أنه من جنس التمنّي على اللَّه، والسؤال له أن يفعل، والقسم عليه، كقول أنس بن النضر - ﵁ -: "واللَّه لا تكسر سنّها". ويحتمل أن يكون لَمّا أجاب اللَّه دعوته أن يهب له ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، كان هذا عنده من جملة ذلك، فجزم به. وأقرب الاحتمالات ما ذكرته أوّلًا، وباللَّه التوفيق.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون أُوحي إليه بذلك مقيّدًا بشرط الاستثناء، فنسي الاستثناء، فلم يقع ذلك؛ لفقدان الشرط، ومن ثَم ساغ له أوّلًا أن يحلف. وأبعد من
[ ٣١ / ٦٤ ]
استدلّ به على جواز الحلف على غلبة الظنّ. انتهى.
(ومنها): جواز السهو على الأنبياء - ﵈ -، وأن ذلك لا يقدَح في علوّ منصبهم. (ومنها): جواز الإخبار عن الشيء أنه سيقع، ومُستَنَدُ المخبِرِ الظنّ، مع وجود القرينة القويّة لذلك. (ومنها): جواز إضمار المقسم به في اليمين؛ لقوله: "لأطوفنّ"، مع قوله - ﵇ -: "لم يَحنث"، فدلّ على أن اسم اللَّه فيه مقدّرٌ، فإن قال أحدٌ بجواز ذلك، فالحديث حجة له، بناء على أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا، إذا ورد على لسان الشارع، وإن وقع الاتّفاق على على عدم الجواز، فيحتاج إلى تأويله، كأن يقال: لعلّ التلفّظ باسم اللَّه وقع في الأصل، وإن لم يقع في الحكاية، وذلك ليس بممتنع، فإن من قال: واللَّه لأطوفنّ، يصدُقُ أنه قال: لأطوفنّ، فإن اللافظ بالمركّب لا فظٌ بالمفرد.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قال في "الفتح"، أما قوله: "فإن قال أحدٌ بجواز ذلك الخ" فعجيب منه، فإنه ذكر في الفائدة التالية: ما نصّه:
(ومنها): أنه احتجّ به من قال: لا يُشترط التصريح بمقسمم به معيّن، فمن قال: أحلف، أو أشهد، ونحو ذلك، فهو يمين، وهو قول الحنفيّة، وقيّده المالكيّة بالنيّة. وقال بعض الشافعيّة: ليست بيمين مطلقًا. انتهى.
فكيف يقول: "إن قال أحد بجواز ذلك"، مع أنه نسبه إلى الحنفيّة والمالكيّة في كلامه هذا؟. فتأمّل.
ونصّ القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المفهم": هذا الكلامُ قَسَمٌ، وإن لم يُذكر فيه مقسم به؛ لأن لام "لأطوفنّ" هي التي تدخل على جواب القسم، فكثيرًا ما تَحذف معها العرب المقسم به اكتفاء بدلالتها على المقسم به، لكنها لا تدلّ على مقسم به معيّن، وعلى هذا، ففيه من الفقه ما يدلّ على أن من قال: أحلف، أو أشهد، أو ما أشبه ذلك، مما يُفيد القسم، ونوى بذلك الحلف باللَّه تعالى، كانت يمينًا جائزةً، منعقدةً، وهو مذهب مالك، وقد قال الشافعيّ: لا تكون يمينًا باللَّه تعالى؛ حتى يتلفّظ بالمقسم به، وقال أبو حنيفة: هي يمين أراد بها اليمين باللَّه تعالى، أم لا. وكأن الأولى ما صار إليه مالك؛ لأن ذلك اللفظ صالحٌ وضعًا للقسم باللَّه تعالى، فإذا أراده الحالف لزمه كسائر الألفاظ المقيّدة بالمقاصد من العمومات، والمطلقات، وغير ذلك، وأما إذا لم يرد باللفظ القسم، أو القسم بغير اللَّه تعالى (^١)، فلا يلزمه شيء؛ لأن الأول لا يكون يمينًا،
_________________
(١) هكذا نسخة "المفهم"، والظاهر أن صواب العبارة: "أو أراد القسم بغير اللَّه تعالى"، بزيادة لفظة "أراد"، فليُحرّر. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣١ / ٦٥ ]
والثاني غير جائز، ولا منعقد، فلا يلزم به حكم على ما تقدّم. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
وأما مسألة شرع من قبلنا شرع لنا، فقد تقدّم في عدّة مواضع أنه الصواب، وأنه مذهب المصنّف، والبخاريّ، ومسلم، وغيرهما، من أهل الحديث، فإنهم يبوّبون في كتبهم بشيء، ثم يوردون دليلًا عليه مما ذكره النبيّ - ﷺ - للأنبياء السابقين، أو لأُممهم، مثل ما فعل المصنّف هنا، وكذا الشيخان، وإن كانا ذكرا هنا غيره من الأحاديث، إلا أن المصنّف اكتفى بإيراده فقط، وكذلك فعل كلهم في عدّة مواضع.
والحاصل أن شريعة من قبلنا شريعة لنا بشروط مذكورة في غير هذا المحلّ. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): ما قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دليلٌ على جواز "لو"، و"لولا" بعد وقوع المقدور، وقد وقع من ذلك مواضع كثيرةٌ في الكتاب والسنّة، وكلام السلف، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] وكقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ [الفتح: ٢٥] وكقوله - ﷺ -: "لولا حوّاءُ لم تُخن أنثى زوجها الدهر، ولولا بنو إسرائيل لم يخبُث الطعام، ولم يَخنَز اللحم". متفقٌ عليه.
فأما قوله - ﷺ -: "لا يقولنّ أحدكم: "لو"، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان". رواه مسلم، فمحمولٌ على من يقول ذلك معتمدًا على الأسباب، مُعرضًا عن المقدور، أو متضجرا منه، كما حكاه اللَّه تعالى من قول المنافقين، حيث قالوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] ثم ردّ اللَّه قولهم، وبيّن لهم عجزهم، فقال: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ولذلك قال - ﷺ - ذلك الحديث: "المؤمن القويّ خيرٌ، وأحبّ إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن باللَّه، ولا تعجز، ولا تقل: لو كان كذا لكان كذا، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان، قل: ما شاء اللَّه كان، وما شاء فعل". فالواجب عند وقوع المقدور التسليم لأمر اللَّه، وترك الاعتراض على اللَّه، والإعراض عن الالتفات إلى ما فات، فيجوز النطق بـ "لو" عند السلامة من تلك الآفات. انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
(ومنها): جواز استعمال الكناية في اللفظ الذي يُستقبح ذكره؛ لقوله: "لأطوفنّ"، بدل قوله: لأُجامعن (^٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٦٣٥.
(٢) "المفهم" ٤/ ٦٣٨ - ٦٣٩.
(٣) راجع "الفتح" ٧/ ١٢٩ - ١٣٠. "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم الحديث ٣٤٢٤.
[ ٣١ / ٦٦ ]
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…