٣٨٥٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْوَزِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ»).
رجال هذا الإسناد. سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنِ يَحيَىَ بْنِ الوَزِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ) التجيبيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة [١١] ٤٢/ ٢٦٩٠.
(٢) (الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ) المذكور قبل بابين.
٣ - (ابن وهب) عبد اللَّهَ المصريّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٩/ ٩.
٤ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة فقيه حافظ [٧] ٦٣/ ٧٩.
٥ - (كعب بن عَلقمة) التُّنُوخيّ، أبو عبد الحميد المصريّ، صدوقٌ [٥] ٣٧/ ٦٧٨.
٦ - (عبد الرحمن بن شِماسة) -بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الميم، وبعد الألف مهملة- ابن ذُؤيب بن أحور الْمَهْريّ -بفتح الميم، وسكون الهاء- أبو عمرو المصريّ، ثقة [٣].
قال العجليّ: مصريّ، تابعي، ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره يعقوب بن سُفيان في جملة الثقات. قال يحيى بن بُكير: مات بعد المائة. وقال يونس: مات في أول خلافة يزيد بن عبد الملك. روى له مسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وعند الترمذيّ حديث: "طوبى للشام"، وعند ابن ماجه حديث آخر في البيوع.
٧ - (عقبة بن عامر) الجهنيّ الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ١٠٨/ ١٤٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
[ ٣١ / ٦٧ ]
الصحيح، غير شيخيه، فقد تفرد بهما هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من أوله إلى آخره. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ، عَنْ عُقْبَه بْنِ عَامِرٍ) - ﵁ -، هكذا رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وفي رواية مسلم، وأبي داود، والترمذيّ: "عن عبد الرحمن ابن شِماسة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر - ﵁ -، والظاهر أن عبد الرحمن كان يرويه عن عقبة، بواسطة أبي الخير، ثم لقيه، فسمعه منه، أو سمعه منه أولًا، ثم ثبّته أبو الخير؛ لأن عبد الرحمن لم يوصف بالتدليس، وقد لقي عقبة، بل لقي من كان أقدم منه موتًا، كأبي ذرّ - ﵁ -. وأبو الخير اسمه مَرْثَد بن عبد اللَّه اليَزَنيّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: "كَفَّارَةُ النَّذرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ") قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء في المراد به، فحمده جمهور أصحابنا على نذر اللَّجَاج، وهو أن يقول إنسان، يريد الامتناع من كلام زيد مثلًا: إن كلّمت زيدًا مثلًا، فللَّه عليّ حجة، أو غيرها، فيُكلّمه، فهو بالخيار بين كفّارة يمين، وبين ما التزمه، هذا هو الصحيح في مذهبنا. وحمله مالك، وكثيرون، أو الأكثرون على النذر المطلق، كقوله: عليّ نذرٌ. وحمله أحمد، وبعض أصحابنا على نذر المعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر. وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخيّر في جميع النذور بين الوفاء بما التزم، وبين كفّارة يمين. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا القول الأخير هو الذي يظهر لي؛ لأن حمله على بعض تلك الأنواع التي حملوها عليه يحتاج إلى دليل.
لكن ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، يدلّ على أنه يختار حمله على نذر المعصية، حيث أورد بعده حديث "لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين" بطرقه المختلفة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تنعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عقبة بن عامر - ﵁ - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤١/ ٣٨٥٩ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٤٧٧٣. وأخرجه (م) في "النذور
[ ٣١ / ٦٨ ]
والأيمان" ١٦٤٥ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٣٢٣ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٢٨ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٨٥٠ و١٦٨٦٨ و١٦٨٧٤ و١٦٨٨٩ و١٦٧٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقسام النذر، وبيان مذاهب أهل العلم في حكم كلّ قسم منها: ذكر العلاّمة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "المغنى" أن النذر سبعة أقسام: (أحدها): نذر اللَّجَاج والغضب، وهو الذي يُخرجه مخرج اليمين للحثّ على فعل شيء، أو المنع منه، غير قاصد به النذر، ولا القربة، فهذا حكمه حكم اليمين.
(القسم الثاني): نذر طاعة وتبرّر، مثلُ الصلاة، والصيام، والحج، والعمرة، والعتق، والصدقة، والاعتكاف، والجهاد، وما في معناها، فهذا يلزم الوفاء به؛ لقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، ولحديث عائشة - ﵂ -، قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "من نذر أن يطيع اللَّه، فليُطعه … " الحديث. رواه البخاريّ. وحديث عمران بن حصين - ﵄ -، مرفوعًا: "ثم يجيء قوم ينذرون، ولا يَفُون … " الحديث. رواه البخاريّ أيضًا. قال: وهو ثلاثة أنواع:
[أحدها]: التزام طاعة في مقابلة نعمة استجلبها، أو نقمة استدفعها، كقوله: إن شفاني اللَّه، فلله عليّ صوم شهر، فتكون الطاعة الملتزمة مما له أصل في الوجوب بالشرع، كالصوم، والصلاة، والصدقة، والحج، فهذا يلزم الوفاء به بإجماع أهل العلم.
[النوع الثاني]: التزام طاعة من غير شرط، كقوله ابتداءً: للَّه عليّ صوم شهر، فيلزمه الوفاء به، في قول أكثر أهل العلم، وهو قول أهل العراق، وظاهر مذهب الشافعيّ. وقال بعض أصحابه: لا يلزم الوفاء به؛ لأن أبا عمر غلام ثعلب قال: النذر عند العرب وعدٌ بشرط، ولأن ما التزمه الآدميّ بعوض يلزمه بالعقد، كالمبيع، والمستأجر، وما التزمه بغير عوض، لا يلزمه بمجرّد العقد، كالهبة.
[النوع الثالث]: نذر طاعة، لا أصل لها في الوجوب، كالاعتكاف، وعيادة المريض، فيلزمه الوفاء به عند عامّة أهل العلم. وحُكي عن أبي حنيفة أنه لا يلزمه الوفاء به؛ لأن النذر فرع على المشروع، فلا يجب به ما لا يجب له نظير بأصل الشرع.
قال: ولنا قول النبيّ - ﷺ -: "من نذر أن يُطيع اللَّه فليُطعه"، وذمّه الذين ينذرون، ولا يوفون، وقول اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] وقد صحّ أن
[ ٣١ / ٦٩ ]
عمر - ﵁ - قال للنبيّ - ﷺ -: إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟، فقال له النبيّ - ﷺ -. "أوف بنذرك". متّفقٌ عليه. ولأنه ألزم نفسه قربةً على وجه التبرّر، فتلزمه، كموضع الإجماع، وكما لو ألزم نفسه أضحيّة، أو أوجب هديًا، وكالاعتكاف، وكالعمرة، فإنهم قد سلّموها، وليست واجبة عندهم، وما ذكروه يَبطُلُ بهذين الأصلين، وما حكوه عن أبي عمر لا يصحّ، فإن العرب تسمّي نذرًا، وإن لم يكن بشرط، قال
جمَيل [من الطويل]:
فَلَيْتَ رِجَالًا فِيكِ قَدْ نَذرُوا دَمِي … وَهَمُّوا بِقَتْلي يَا بُثَينُ لَقُوْنِي
والجَعَالةُ وعد بشرط، وليست بنذر.
(القسم الثالث): النذر المبهم، وهو أن يقول: للَّه عليّ نذرٌ، فهذا تجب به الكفّارة في قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن ابن مسعود، وابن عبّاس، وجابر، وعائشة - ﵃ -، وبه قال الحسن، وعطاء، وطاوس، والقاسم، وسالمٌ، والشعبيّ، والنخعيّ، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومالك، والثوريّ، ومحمد بن الحسن، ولا أعلم فيه مخالفا إلا الشافعيّ، قال: لا ينعقد نذره، ولا كفّارة فيه؛ لأن من النذر ما لا كفّارة فيه. ولنا ما رواه عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "كفّارة النذر إذا لم يُسمّ كفّارة يمين". رواه الترمذيّ، وقال: هذا حديث حسنٌ صحيح غريب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث في إسناده محمد بن يزيد مولى المغيرة ابن شعبة مجهول. واللَّه تعالى أعلم.
قال: ولأنه نصٌّ، وهذا قول من سمّينا من الصحابة والتابعين، ولا نعرف لهم في عصرهم مخالفًا، فيكون إجماعًا.
(القسم الرابع): نذر المعصية، فلا يحلّ الوفاء به إجماعًا؛ ولأن النبيّ - ﷺ - قال: "من نذر أن يعصي اللَّه فلا يعصه"، ولأن معصية اللَّه تعالى لا تحلّ في حال، ويجب على الناذر كفّارة يمين. روي نحو هذا عن ابن مسعود، وابن عبّاس، وجابر، وعمران بن حصين، وسمُرة بن جندب - ﵃ -. وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وروي عن أحمد ما يدلّ على أنه لا كفّارة عليه، فإنه قال فيمن نذر لَيهدِمنّ دار غيره لبنةً لبنةً: لا كفّارة عليه، وهذا في معناه. وروي هذا عن مسروق، والشعبيّ، وهو مذهب مالك، والشافعيّ؛ لقوله - ﷺ -: "لا نذر في معصية اللَّه، ولا فيما لا يملك العبد". رواه مسلم. وقال: "ليس على الرجل نذرٌ فيما لا يملك". متّفقٌ عليه. وقال: "لا نذر إلا ما ابتُغي به وجه اللَّه". رواه أبو داود. وقال: "من نذر أن يعصي اللَّه فلا يعصه"، ولم يأمر بكفّارة. ولما نذرت المرأة التي كانت مع الكفارت، فنجت على ناقة رسول اللَّه - ﷺ - أن تنحرها،
[ ٣١ / ٧٠ ]
قالت: يا رسول اللَّه، إني نذرت إن أنجاني اللَّه عليها أن أنحرها؟ قال: "بئسما جزيتها، لا نذر في معصية اللَّه، ولا فيما لا يملك العبد". رواه مسلم، ولم يأمرها بكفّارة. وقال لأبي إسرائيل حين نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا يستظلّ، ولا يتكلّم: "مُرُوه، فليتكلّم، وليجلس، وليستظلّ، وليُتِمّ صومه". رواه البخاريّ، ولم يأمره بكفّارة، ولأن النذر التزام الطاعة، وهذا التزام معصية، ولأنه نذر غير منعقد، فلم يوجب شيئًا، كاليمين غير المنعقدة.
ووجه الأول ما روت عائشة - ﵂ - أنْ رسول اللَّه - ﷺ -: قال: "لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين"، رواه الإمام أحمد في "امسنده"، وأبو داود في "سننه"، وقال الترمذيّ: هو حديث غريب. وعن أبي هريرة، وعمران بن حُصين - ﵃ - عن النبيّ - ﷺ - مثله.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح من حديث عائشة - ﵂ -، لا من حديث أبي هريرة، وعمران - ﵄ -، كما سيأتي بيانه، إن شاء اللَّه تعالى.
قال: روى الجوزجانيّ بإسناده عن عمران بن حُصين قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "النذر نذران: فما كان من نذر في طاعة اللَّه، فذلك للَّه، وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية اللَّه، فلا وفاء فيه، ويكفّره ما يكفّر اليمين". وهذا نصّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ضعيف، كما سيأتي قريبًا، إن شاء اللَّه
تعالى.
قال: ولأن النذر يمين، بدليل ما روي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "النذر حَلْفَة" (^١). وقال النبيّ - ﷺ - لأخت عقبة - ﵁ - لَمّا نذرت المشي إلى بيت اللَّه الحرام، فلم تطقه: "تكفّر يمينها"، صحيحٌ (^٢) أخرجه أبو داود. وفي رواية: "ولتصم ثلاثة أيام" (^٣)، قال أحمد: إليه أذهب. وقال ابن عبّاس في التي نذرت ذبح ابنها: كفّري يمينك (^٤). ولو حلف على فعل معصية لزمته الكفّارة، فكذلك إذا نذرها.
فأما أحاديثهم، فمعناها لا وفاء بالنذر في معصية اللَّه، وهذا لا خلاف فيه، وقد جاء مصرّحًا به هكذا في رواية مسلم، ويدلّ على هذا أيضًا أن في سياق الحديث: "ولا
_________________
(١) رواه أحمد في "مسنده" -١٦٨٨٩ - عن عقبة بن عامر - ﵁ -، مرفوعًا، بلفظ: "إنما النذر يمين، كفارتها كفارة اليمين". وهو ضعيف؛ لأن في سنده عبد اللَّه بن لهيعة.
(٢) بل هو ضعيف بهذا اللفظ؛ لأنه من رواية شريك النخعي، وقد عنعنه، وهو متكلم فيه، ومدلّس أيضًا.
(٣) تقدّم أن حديث الأمر بالصيام ضعيف، وإنما الصحيح الأمر بالهدي، فتنبّه.
(٤) رواه البيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٠/ ٧٢ بإسناد صحيح موقوفًا.
[ ٣١ / ٧١ ]
يمين في قطيعة رحم"، يعني لا يبَرُّ فيها، ولو لم يبين الكفّارة في أحاديثهم، فقد بينها في أحاديثنا، فإن فعل ما نذره من المعصية، فلا كفّارة عليه، كما لو حلف ليفعلنّ معصيةً، ففعلها. ويحتمل أن تلزمه الكفّارة حتمًا؛ لأن النبيّ - ﷺ - عيّن فيه الكفّارة، ونهى عن فعل المعصية.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الثاني هو الظاهر؛ لظاهر النصّ، فتأمّل.
والحاصل أن الأرجح وجوب الكفّارة على من نذر أن يفعل معصية، سواء تركها، وهو الواجب عليه، أو فعلها مع حرمتها؛ لإطلاق النصّ. واللَّه تعالى أعلم.
(القسم الخامس): المباح، كلبس الثوب، ورُكوب الدابّة، وطلاق المرأة على وجه مباح، فهذا يتخيّر الناذر فيه بين فعله، فيبَرُّ بذلك؛ لما رُوي أن امرأة أتت النبيّ - ﷺ -، فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدّفّ، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "أوف بنذرك". رواه أبو داود. ولأنه لو حلف على فعل مباح برّ بفعله، فكذلك إذا نذره؛ لأن الناذر كاليمين، وإن شاء تركه، وعليه كفّارة يمين، ويتخرّج أن لا كفّارة فيه، فإن أصحابنا قالوا فيمن نذر أن يعتكف، أو يصلّي في مسجد معيّن: كان له أن يصلي، ويعتكف في غيره، ولا كفّارة، ومن نذر أن يتصدّق بماله كلّه: أجزأه الصدقة بثلثه بلا كفّارة، وهذا مثله. وقال مالك، والشافعيّ: لا ينعقد نذره؛ لقول النبيّ - ﷺ -: "لا نذر إلا فيما ابتغي وجه اللَّه". وقد رَوَى ابن
عبّاس - ﵄ - قال: بينما النبيّ - ﷺ - يَخْطُبُ، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس، ولا يستظلّ، ولا يتكلّم، ويصوم، فقال النبيّ - ﷺ -: "مروه، فليجلس، وليستظلّ، وليتكلّم، وليُتمّ صومه"، رواه البخاريّ. وعن أنس - ﵁ - قال: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت اللَّه الحرام، فسئل النبيّ - ﷺ - عن ذلك؟ فقال: "إن اللَّه لغني عن مشيها، مروها فلتركب". قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح، ولم يأمر بكفّارة. وأن النبيّ - ﷺ - رأى رجلًا يُهادى بين اثنين، فسأل عنه؟ فقالوا: نذر أن يحجّ ماشيًا، فقال: "إن اللَّه لغنيّ عن تعذيب هذا نفسه، مروه فليركب". متّفقٌ عليه، ولم يأمره بكفّارة، ولأنه نذرٌ غير موجب لفعل ما نذره، فلم يوجب كفّارةً، كنذر المستحيل.
قال: ولنا ما تقدّم في القسم الذي قبله، فأما حديث التي نذرت المشي، فقد أمر فيه بالكفارة في حديث آخر، ففيه زيادة عند أبي داود، ولفظه: "مروها، فلتركب، ولتكفّر عن يمينها" (^١)، وهذه زيادة يجب الأخذ بها، ويجوز أن يكون الراوي للحديث روى البعض، وترك البعض، أو يكون النبيّ - ﷺ - ترك ذكر الكفّارة في بعض الحديث إحالةً
_________________
(١) ضعيف بهذا اللفظ؛ لأن في سند شريكًا القاضي. وإنما الصحيح بلفظ: "ولتهد هديًا"، أو "ولتهد بدنة". واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣١ / ٧٢ ]
على ما عُلم من حديثه في موضع آخر.
ومن هذا القسم إذا نذر فعل مكروه، كطلاق امرأته، فإنه مكروه، بدليل قول النبيّ - ﷺ -: "أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق" (^١). فالمستحبّ أن لا يفي، ويكفّر، فإن وفى بنذره، فلا كفّارة عليه، والخلاف فيه كالذي قبله.
(القسم السادس): نذر الواجب، كالصلاة المكتوبة، فقال أصحابنا: لا ينعقد نذره، وهو قول أصحاب الشافعيّ؛ لأن النذر التزامٌ، ولا. يصحّ التزام ما هو لازم له. ويحتمل أن ينعقد نذره موجبًا كفّارة يمين إن تركه، كما لو حلف على فعله، فإن النذر كاليمين، وقد سمّاه النبيّ - ﷺ - يمينًا، وكذلك لو نذر معصية.، أو مباحًا، لو يلزمه، ويكفّر إذا لم يفعله.
(القسم السابع): نذر المستحيل، كصوم أمس، فهذا لا ينعقد، ولا يوجب شيئًا؛ لأنه لا يُتصوّر انعقاده، ولا الوفاء به، ولو حلف على فعله لن تلزمه كفّارة، فالنذر أولى.
وعقدُ الباب في صحيح المذهب أن النذر كاليمين، وموجبه موجبها، إلا في لزوم الوفاء به، إذا كان قربةً، وأمكنه فعله، ودليل هذا الأصل قول النبيّ - ﷺ - لأخت عقبة لَمّا نذرت المشي، فلم تطقه: "ولتكفّر يمينها" (^٢)، وفي رواية: "فلتصم ثلاثة أيام"، قال أحمد: إليه أذهب. وعن عقبة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال: "كفّارة النذر كفّارة اليمين". أخرجه مسلم. وقول ابن عبّاس - ﵄ - للتي نذرت ذبح ولدها: "كفّري يمينك" (^٣). ولأنه قد ثبت أن حكمه حكم اليمين في أحد أقسامه، وهو نذر اللجاج، فكذلك سائره في سوى ما استثناه الشرع. انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (^٤)، وإنما نقلته بطوله؛ لاستيفائه معظم أقوال أهل العلم بأدلتها في هذه الأقسام السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" في الكلام على حديث: "لا نذر في معصية اللَّه، ولا فيما لا يملك ابن آدم،: ما حاصله: اختُلف فيمن وقع منه النذر في ذلك، هل تجب فيه كفّارة؟، فقال الجمهور: لا، وعن أحمد، والثوريّ، واسحاق، وبعض الشافعيّة: نعم، ونقل
_________________
(١) رواه أبو داود، وابن ماجه، وهو حديث ضعيف، ومنهم من حسّنه لطرقه.
(٢) تقدّم أنه ضعيف بلفظ: "ولتكفّر عن يمينها"، وكذا "فلتصم ثلاثة أيام"، وإنما الصحيح بلفظ: "ولتهد هديًا"، و"لتهد بدنة".
(٣) موقوف صحيح.
(٤) "المغني" ١٣/ ٦٢٢ - ٦٢٩.
[ ٣١ / ٧٣ ]
الترمذيّ اختلاف الصحابة في ذلك كالقولين، واتفقوا على تحريم النذر في المعصية، واختلافهم إنما هو في وجوب الكفّارة، واحتجّ من أوجبها بحديث عائشة - ﵂ -: "لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين". أخرجه أصحاب السنن" ورواته ثقات، لكنه معلول، فإن الزهريّ رواه عن أبي سلمة، ثم بين أنه حمله عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، فدلّسه بإسقاط اثنين (^١)، وحسّن الظنّ بسليمان، وهو عند غيره ضعيفٌ باتفاقهم. وحكى الترمذيّ عن البخاريّ أنه قال: لا يصحّ، ولكن له شاهدٌ من حديث عمران بن حصين، أخرجه النسائيّ -يعني في هذا الباب- وضعّفه، وشواهد أخرى ذكرتها آنفًا (^٢). وفي الباب أيضًا عموم حديث عقبة بن عامر - ﵁ -: "كفارة النذر كفّارة يمين"، أخرجه مسلم.
وقد حمله الجمهور على نذر اللجاج والغضب، وبعضهم على النذر المطلق،، لكن أخرج الترمذيّ، وابن ماجه حديث عقبة - ﵁ - بلفظ: "كفّارة النذر إذا لم يُسمّ كفّارة يمين"، ولفظ ابن ماجه: "من نذر نذرًا لم يسمّه، الحديث (^٣).
وفي الباب حديث ابن عبّاس - ﵂ - رفعه: "من نذر نذرًا لم يسمّه، فكفّارته كفّارة يمين"، أخرجه أبو داود، وفيه: "ومن نذر في معصية، فكفّارته كفّارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يُطيقه، فكفّارته كفّارته يمين"، ورواته ثقات، لكنه أخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا، وهو أشبه (^٤).
وأخرجه الدارقطنيّ من حديث عائشة - ﵄ - (^٥).
وحمله أكثر فقهاء أصحاب الحديث على عمومه، لكن قالوا: إن الناذر مخيّرٌ بين الوفاء بما التزمه، وكفارة اليمين.
_________________
(١) لكن سيأتي للمصنّف برقم ٣٨٦٥ - بسند صحيح أن الزهريّ صرّح بالتحديث، فقال: حدثنا أبو سلمة، فالظاهر أنه ثابت عنه بالوجهين، فيكون الحديث صحيحًا، لتصريحه بالسماع. واللَّه تعالى أعلم.
(٢) ليُنظر، فإنه ما تقدّم له شاهد واحد يشهد لقوله: "وكفارته كفارة يمين" الذي محل الخلاف، فضلًا عن شواهد، بل كل ما تقدّم له لفظ: "لا نذر في معصية" وهو مما لا خلاف في صحته، فإن مسلمًا أخرجه، فيتنبّه.
(٣) أما رواية الترمذيّ، فتقدّم أنها ضعيفة، وأما رواية ابن ماجه، فأضعف منه لأن في سندها عبد الملك بن محمد الصنعانيّ، وهو ضعيف، وخارجة بن مصعب، متروك الحديث، يدلس عن الكذّابين، بل يقال: كذبه ابن معين.
(٤) الصحيح وقفه.
(٥) في إسناده غالب بن عبيد اللَّه العقيليّ مجمع على تركه، فتنبّه.
[ ٣١ / ٧٤ ]
قال: ولو ثبتت الزيادة (^١) لكانت مبيّنة لما أُجمل فيه.
واحتجّ بعض الحنابلة (^٢) بأنه ثبت عن جماعة من الصحابة، ولا يُحفظ عن صحابيّ خلافه، قال: والقياس يقتضيه؛ لأن النذر يمين كما وقع في حديث عقبة - ﵁ - لما نذرت أخته أن تحج ماشيةً: "لتكفّر عن يمينها" (^٣)، فسقى النذر يمينًا، ومن حيث النظر هو عقدة للَّه تعالى بالتزام شيء، والحالف عقد يمينه باللَّه ملتزمًا بشيء، ثم بين أن النذر آكد من اليمين، ورتّب عليه أنه لو نذر معصيةً، ففعلها لم تسقط عنه الكفّارة، بخلاف الحالف، وهو وجه للحنابلة، واحتجّ له لأن الشارع نهى عن المعصية، وأمر بالكفّارة، فتعيّنت. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (^٤).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله فقهاء أصحاب الحديث من حملهم قوله في: "كفّارة النذر كفّارة يمين" على عمومه هو الحقّ؛ لعدم ثبوت تلك الزيادة التي اعتمد عليها من قيد عموم "كفّارة النذر كفّارة اليمين" بشي مما تقدّم، فدلّ على أن من نذر مخيّر بين الوفاء بما التزم، وبين كفّارة اليمين، فتنبّه.
هذا فيما إذا كان النذر نذر طاعة، أما إذا كان نذر معصية، فلا وفاء أصلًا، بل تجب الكفّارة؛ لحديث عائشة - ﵂ -، مرفوعًا: "لا نذر في معصية، وكفّارتها كفّارة اليمين"، وسيأتي أنه صحيح، ويؤيّده عموم حديث عقبة - ﵁ - المذكور هنا: "كفارة النذر كفّارة اليمين"، وهو صحيح أيضًا.
والحاصل أن الراجح مذهب من أوجب الكفّارة في النذر مطلقًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦٠ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير أنه منقطع، و"الزُّبيديّ": هو محمد بن الوليد الحمصيّ، والثلاثة الأولون حمصويّون، والآخرون مدنيّون.
والحديث ضعيفٌ للانقطاع بين الزهريّ، وبين القاسم؛ لكنه يصحّ بما يأتي قريبًا،
_________________
(١) أي زيادة "إذا لم يُسمّ"، وقد عرفت أنها غير ثابتة، فلا تغفل.
(٢) الظاهر أنه أراد به ابن قُدامة، فإن هذا الكلام تقدّم أن نقلناه عنه. واللَّه تعالى أعلم.
(٣) تقدم أنه ضعيف بهذا اللفظ.
(٤) "فتح" ١٣/ ٤٤٧. "كتاب الأيمان والنذور- باب النذ فيما لا يملك، وفي معصية".
[ ٣١ / ٧٥ ]
إن شاء اللَّه تعالى.
وشرح الحديث مضى في -١٧/ ٣٨١٩ - "اليمين فيما لا يملك"، تفرّد به المصنّف، فأخرجه هنا-٤١/ ٣٨٦٠.
[تنبيهات]: (الأول): هذا الحديث، والأحاديث التي بعده لم يخرجها المصنّف في "الكبرى"، فإنه لم يذكر من أحاديث الباب، إلا الحديث الأوّل، حديثَ عقبة بن عامر - ﵁ - الماضي فقط.
(الثاني): أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- قد أجاد في هذا الباب كما هو عادته غالبًا في استيفاء طرق حديث الباب الواحد، إذا كثرت الاختلافات، فإنه يعتني باستقصائها، فيورد أولًا الطرق المعلّلة، ثم يأتي آخرًا بالطريق الصحيح، فقد ذكر في أول الباب حديث عقبة بن عامر - ﵁ - الذي أخرجه مسلم، فاقتصر على طريق واحد؛ لعدم الاختلاف فيه.
ثم أورد حديث عائشة - ﵂ -، بطرقه المختلفة، فقدم المنقطع، وهو رواية الزُّبيديّ، عن الزهريّ، ثم أتبعه برواية يونس، عنه بأربعة أوجه، وهي محتملة للاتّصال، والانقطاع، حيث إنها كلها معنعنة، وقد أشار في آخرها إلى ما قيل فيها من الانقطاع، حيث قال: وقد قيل: إن الزهريّ لم يسمع هذا من أبي سلمة، ثم أتبعها بروايته التي صرّح فيها الزهريّ بتحديث أبي سلمة له، وهذه هي الرواية الصحيحة، وظاهر صنيعه يدلّ على أنه يرجّحها، كما يرشد إلى ذلك تعبيره: بقد قيل. فليُتأمّل.
ثم أورد رواية الزهريّ، عن سليمان بن أرقم، وضعّفها، وبين الاختلاف على يحيى ابن أبي كثير، فإن في رواية سليمان بن أرقم عنه، جعله عن أبي سلمة، عن عائشة - ﵂ -، وفي رواية عليّ بن المبارك، والأوزاعيّ، وعبد اللَّه بن بِشْر، جعله عن محمد ابن الزبير، عن أبيه، عن عمران بن حصين - ﵄ -، وبيّن أن محمد بن الزبير ضعيف، لا تقوم به حجة، مع أن الرواة اختلفوا عليه، فرواه يحيى بن أبي كثير، وحماد بن زيد عنه كما مرّ آنفًا، ورواه ابن إسحاق، وعبد الوارث بن سعيد، كلاهما عنه، عن أبيه، عن رجل، عن عمران - ﵁ -، ورواه الثوريّ، وأبو بكر النهشليّ، كلاهما عنه، عن الحسن البصريّ، عن عمران - ﵁ -. ورواه منصور بن زاذان، عن الحسن، عن عمران - ﵁ -، مع مخالفة في لفظه. وخالفه عليّ بن زيد بن جُدعان، فرواه، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة - ﵁ -، وذكر -رحمه اللَّه تعالى- أن رواية عليّ بن زيد، عن الحسن، عن عبد الرحمن - ﵁ - خطأ، والصواب رواية الآخرين عن عمران - ﵁ -، مع أن روايته أيضًا ضعيفة، حيث إن الحسن لم يسمع من عمران ن - ﵁ -، كما سيأتي بيانه،
[ ٣١ / ٧٦ ]
إن شاء اللَّه تعالى.
ثم ختم الباب بذكر الحديث الصحيح لعمران بن حصين - ﵄ -، وهو ما رواه أيوب، عن أبي قلابهّ، عن عمه أبي المهلّب، عنه - ﵁ -.
فتلخّص مما ذُكر أن حديث عقبة بن عامر - ﵁ - المذكور أول الباب، بلفظ: "كفّارة النذر كفّارة اليمين" صحيح، وكذلك حديث عائشة - ﵂ - الذي صرّح به الزهريّ بسماعه عن أبي سلمة، بلفظ: "لا نذر في معصية، وكفّارتها كفّارة اليمين"، وكذلك حديث عمران الذي رواه عنه أبو قلابة، عن عمه، عنه - ﵁ -، بلفظ: "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك بن آدم".
فلله درّه، ما أحسن استيفاءه لطرق الحديث، حتى يتبيّن ما وقع فيها من العلل، فيميّز المعلّ من الصحيح، فرحمه اللَّه تعالى، وأحسن إليه، كما أحسن إلينا. واللَّه تعالى أعلم.
(الثالث): قال في "التلخيص الحبير": حديث: "لا نذر في معصية اللَّه، وكفّارته كفّارة يمين" هذا الحديث بهذه الزيادة، رواه النسائيّ، والحاكم، والبيهقيّ، ومداراه على محمد بن الزبير الحنظليّ، عن أبيه، عن عمران بن حصين، ومحمد ليس بالقويّ، وقد اختُلف عليه فيه، ورواه ابن المبارك، عن عبد الوارث، عنه، عن أبيه، أن رجلًا حدثه أنه سأل عمران بن حصين، عن رجل حلف أنه لا يصلّي في مسجد قومه؟ فقال عمران: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين"، فقلت: يا أبا نُجيد إن صاحبنا ليس بالموسر فيم يكفّر؟ فقال: لو أن قومًا قاموا إلى أمير من الأمراء، فكساهم كلّ إنسان قلنسوةً، لقال الناس: قد كساهم كلَّ إنسان قلنسوةً، لقال الناس: قد كساهم الأمير". وإسناد ضعيف، وله طريق أُخرى إسنادها صحيح، إلا أنه معلول، ورواه أحمد، وأصحاب السنن، والبيهقيّ، من رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (^١)، وهو منقطع، لم يسمعه الزهريّ من أبي سلمة، وقد رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، من حديث سليمان بن بلال، عن موسى ابن عقبة، ومحمد بن أبي عتيق، عن الزهريّ، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة - ﵂ -، قال النسائيّ: سليمان بن أرقم متروك، وقد خالفه غير واحد من أصحاب يحيى بن أبي كثيرً -يعني فرووه عن يحيى بن أبي كثير،
_________________
(١) هكذا نسخة "التلخيص"، ولعله تصحّف من عائشة؛ لأن المصادر التي عزا إليها أخرجته من حديث عائشة - ﵂ -، لا من حديث أبي هريرة - ﵁ -، فليحرّر. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣١ / ٧٧ ]
عن محمد بن الزبير الحنظليّ، عن أبيه، عن عمران، فرجع إلى الرواية الأولى. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل من بني حنيفة، وأبي سلمة، كلاهما عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا، والحنفيّ هو محمد بن الزبير، قاله الحاكم، وقال: إن قوله: من بني حنيفة تصحيف، وإنما هو من بني حنظلة، وله طريق أخرى عن عائشة، رواها الدارقطنيّ من رواية غالب بن عبيد اللَّه الجزريّ، عن عطاء، عن عائشة، مرفوعًا: "من جعل عليه نذرًا في معصية، فكفّارته كفّارة يمين"، وغالب متروك. وللحديث طريق أخرى، رواه أبو داود من حديث كريب، عن ابن عبّاس، وإسناده حسن (^١)، فيه طلحة بن يحيى، وهو مختلفٌ فيه، وقال أبو داود: روي موقوفًا -يعني وهو أصحّ. وقال النوويّ في "الروضة": حديث: "لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين" ضعيفٌ باتّفاق المحدّثين. قال الحافظ: قد صححه الطحاويّ، وأبو عليّ بن السكن، فأين الاتّفاق؟. انتهى (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: خلاصة القول في زيادة "وكفّارته كفّارة يمين" أنها لا تصحّ مرفوعًا، إلا من حديث عائشة - ﵂ - من طريق الزهريّ، عن أبي سلمة التي صرّح فيها الزهريّ بتحديث أبي سلمة له، كما سيأتي، ويؤيّدها عموم حديث عقبة بن عامر - ﵁ - المرفوع: "كفّارة النذر كفّارة اليمين"، فيستفاد منه ترجيح قول من قال: بوجوب الكفّارة في النذر مطلقًا، طاعةً كان، أو معصية، كما قال به جمهور فقهاء المحدّثين، فتبصّر، ولا تتحيّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦١ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. والحديث ضعيف؛ لأن في إسناده انقطاعًا، فإن الزهريّ لم يسمعه من أبي سلمة، بل سمعه من سليمان بن أرقم، وهو متروك، عن يحيى بن أبي كثير، كما سيبيّنه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- قريبًا.
وشرحه يعلم مما سبق، وأخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا - ٤١/ ٣٨٦١
_________________
(١) لكن الحديث ضعيف؛ لأن الحفّاظ أوقفوه على ابن عبّاس، وخالفهم طلحة بن يحيى، وتفرّد برفعه، فصارت روايته منكرة. واللَّه تعالى أعلم.
(٢) "التلخيص الحبير" ٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤.
[ ٣١ / ٧٨ ]
و٣٨٦٢ و٣٨٦٣ و٣٨٦٤ و٣٨٦٥ و٣٨٦٦ - وأخرجه (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٩٠ و٣٢٩١ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٢٤ (ق) في "الكفّارات" ٢١٢٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"ابن المبارك": هو عبد اللَّه. و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ. والحديث ضعيف؛ لأن في سنده انقطاعًا، كما تقدّم بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن منصور": هو الكَوْسَج. و"عثمان بن عُمر": هو العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل. والحديث ضعيف، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد رجال الصحيح، إلا أنه منقطع، كما بينه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. و"أبو صفوان": هو عبد اللَّه بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الأمويّ الدمشقيّ، نزيل مكة، ثقة [٩] ٦٥/ ١٧٩٠.
وقوله: "إن الزهريّ لم يسمعه هذا الحديث من أبي سلمة" يعني أنه منقطع، كما سيأتي وجه الانقطاع قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
والحاصل أن الحديث ضعيف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٥٤ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى الْفَرْوِيُّ (^١)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، عَنْ يُونُسَ،
_________________
(١) بفتح الفاء، وسكون الراء: نسبة إلى أبي فروة أحد أجداده.
[ ٣١ / ٧٩ ]
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ (^١)، وَكَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هارون بن موسى الفَرْوِيّ": هو المدنيّ، لا بأس به، من صغار [١٠] ٢٢/ ١٢٢٩. و"أبو ضمرة": هو أنس بن عياض بن ضمرة الليثيّ المدنيّ، ثقة [٨] ٢٢/ ١٢٢٩.
هذه الرواية فيها تصريح الزهريّ بالسماع من أبي سلمة، ورجالها رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة.
وقوله: "وكفّارتها"، وفي نسخة: "وكفارته" بتذكير الضمير، وهو واضحٌ، وللأولى أيضًا وجه، وهو أنه إنما أنثه باعتبار أن النذر في المعصية معصية، فعاد إليه الضمير مؤنثًا على المعنى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ، الَّذِي كَانَ يَسْكُنُ الْيَمَامَةَ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، يُخْبِرُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (^٢): سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، خَالَفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إسماعيل الترمذيّ": هو أبو إسماعيل السلمي، نزيل بغداد، ثقة حافظ [١١] ٣٠/ ٥٥٨. و"أيوب بن سليمان": هو أبو يحيى المدنيّ، ثقة [٩] ٣٠/ ٥٥٨. و"أبو بكر بن أبي أويس": هو عبد الحميد بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أويس الأصبحي المدنيّ، ثقة [٩] ٣٠/ ٥٥٨. و"سليمان بن بلال": هو التيميّ، والد أيوب الراوي عن أبي بكر بن أبي أويس المدنيّ، ثقة [٨] ٣٠/ ٥٥٨.
و"محمد بن أبي عَتيق": هو محمد بن عبد اللَّه بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصدّيق القرشيّ التيميّ المدنيّ، مقبول [٧].
روى عن أبيه، وأنس، إن كان محفوظًا، ونافع، والزهريّ، وغيرهم. وعنه سليمان ابن بلال، والدراورديّ، وابن إسحاق، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال
_________________
(١) وفي نسخة: "في معصية اللَّه".
(٢) وسقط في بعض النسخ "أبو عبد الرحمن".
[ ٣١ / ٨٠ ]
الذهليّ: ابن أبي ذئب، وابن أبي عَتيق مُقاربان في الرواية عن الزهريّ، فأما ابن أبي ذئب فمشهور، وأما ابن أبي عَتيق، فهو مدنيّ لم يرو عنه فيما علمت غيرُ سليمان بن بلال، وسمعت أيوب بن سليمان، سئل عن نسبه؟ فذكره، وقال: ما علمت أحدًا روى عنه بالمدينة غير أبي. قال الذهليّ: هو حسن الحديث عن الزهريّ، كثير الرواية، مقارب الحديث، لولا أن سليمان بن بلال قام بحديثه لذهب حديث. روى له البخاريّ، مقرنًا، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط
و"موسى بن عقبة": هو الأسديّ مولى آل الزبير المدنيّ، ثقة، فقيه، إمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢.
و"سليمان بن أرقم"، أبو معاذ البصريّ، مولى الأنصار، وقيل: مولى قريش، وقيل: مولى قريظة، أو النضير، ضعيفٌ [٧].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: لا يَسوَى حديثه شيئًا. وقال ابن معين: ليس بشيء، لشى يَسوَى فلسًا. وقال عمرو بن عليّ: ليس بثقة، روى أحاديث منكرة. قال: وقال محمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ: كانوا ينهوننا عنه، ونحن شُبّان، وذكر عنه أمرًا عظيمًا. وقال البخاريّ: تركوه. وقال الآجريّ، عن أبي داود: متروك الحديث، قلت لأحمد: روى عن الزهريّ، عن أنس في التلبية، قال: لا نبالي روى أم لم يرو. وقال أبو حاتم، والترمذيّ، وابن خرَاش، وأبو أحمد الحاكم، والدارقطنيّ، وغير واحد: متروك الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، ذاهب الحديث. وقال الجُوزجانيّ: ساقطٌ. وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه لا يُتابع عليه. وقال مسلم في "الكنى": منكر الحديث. وقال النسائيّ هنا: متروك الحديث، وقال في، التمييز": لا يُكتب حديثه. وقال ابن حبّان: سكن اليمامة، ومولده بالبصرة، وكان ممن يقلب الأخبار، ويروي عن الثقات الموضوعات. وقال الترمذيّ: ضعيف الحديث. روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وحديث رقم-٤٧/ ٤٨٥٤ - "أن رسول اللَّه - ﷺ - كتب إلى أهل اليمامة بكتاب فيه الفرائض … " الحديث.
وقوله: "يسكن اليمامة" -بفتح المثنّاة التحتيّة، وتخفيف الميم-: بلدة من بلاد العوالي، وهي بلاد بني حنيفة، قيل: من عُرُوض اليمن، وقيل: من بادية الحجاز. قاله الفيّوميّ.
والحديث ضعيف، كما أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-.
[ ٣١ / ٨١ ]
وقوله: خالفه غير واحد الخ" يعني أنه خالف سليمان بن أرقم في رواية هذا الحديث غير واحد من أصحاب يحيى بن أبي كثير، فرووه عنه، عن محمد بن الزبير الحنظليّ، عن أبيه، عن عمران بن حصين - ﵄ -، فخالفوه في الإسناد، وجعلوه من مسند عمران ابن حُصين - ﵄ -، وهو جعله من مسند عائشة - ﵂ -، وقد بين هذا المصنّف بما ساقه هنا، فقال:
٣٨٦٧ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَهُوَ عَلِيٌّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ بن المبارك": هو الْهُنائيّ البصريّ، ثقة، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان: أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] ٢٨/ ١٤١١.
و"محمد بن الزبير" التميميّ الحنظليّ البصريّ، متروك [٦].
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ضعيف، لا شيء. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، في حديثه نكارة. وقال البخاريّ: منكر الحديث، وفيه نظر. وقال النسائيّ: ضعيف. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وقال ابن عديّ: بصريّ، كوفيّ الأصل، قليل الحديث، والذي يرويه غرائب، وأمراد. وقال الساجيّ: كان شعبة لا يرضاه. وأسند ابن عديّ من طريق أبي داود الطيالسيّ: قلت لشعبة: مالك لا تحدّث عن محمد بن الزبير؟ فقال: مرّ به رجلٌ، فافترى عليه، فقلت له؟ فقال: إنه غاظني. روى له أبو داود في "المراسيل"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث عمران - ﵁ - هذا فقط. و"أبوه": الزبير التميمي الحنظليّ البصريّ، ليّن الحديث [٥].
روى عن عمران بن حُصين - ﵂ -، وقيل: عن رجل، عن عمران. وعنه ابنه محمد. ذكر عبّاس الدُّوري، عن ابن معين، قال: قيل لمحمد بن الزبير: سمع أبوك من عمران؟ فقال: لا. وذكره أبو العرب الصَّقْليّ في "الضعفاء". تفرّد به المصنّف - رحمه اللَّه تعالى - بحديث عمران - ﵁ - هذا فقط.
والحديث ضعيف؛ لضعف محمد بن الزبير، وأبيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦٨ - (أَخْبَرَنِي (^١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو -وَهُوَ
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ٣١ / ٨٢ ]
الأَوْزَاعِيُّ -عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عثمان": هو الحمصيّ. "وبقيّة": هو ابن الوليد الحمصيّ. و"أبو عمرو": هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ. والحديث ضعيف، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:: مُحَمَّدُ بْنُ الزُّبَيْرِ ضَعِيفٌ، لَا يَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ بن ميمون": هو الرّقّيّ العطّار، ثقة [١٠] ٢٨/ ٤٣٥. و"مُعَمَّر-بضمّ الميم، وفتح المهملة، وتشديد الميم الثانية، بوزن مُحَمَّد- ابن سليمان": هو النخعَيّ، أبو عبد اللَّه الرَّقي، ثقة فاضل، أخطأ في تليينه الأزديّ [٩] ٦٦/ ١٧٩٨.
[تنبيه]: وقع في نسخة: "معتمر" بدل مُعَمَّر، وهو غلط فاحش، والصواب "مُعَمَّر" بوزن محمّد، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"عبد اللَّه بن بِشْر" -بكسر الموحّدة، وسكون الشين المعجمة- الرّقّيّ القاضي، كوفيّ الأصل، اختلف فيه قول ابن معين، وابن حبّان، وقال أبو زرعة، والنسائيّ: لا بأس به، وقال ابن عديّ: أحاديثه عندي مستقيمة. وحكى البزّار أنه ضعيف في الزهريّ خاصة [٧]. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
وقوله: "وقد اختُلف عليه في هذا الحديث" يعني أن الرواة اختلفوا على محمد بن الزبير الحنظلي في رواية هذا الحديث، فرواه بعضهم عنه، عن أبيه، عن عمران، بلفظ: "لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين"، وبعضهم بلفظ: "لا نذر في غضب، وكفارته كفّارة اليمين"، ورواه بعضهم عنه، عن أبيه، عن رجل من أهل البصرة، عن عمران، بلفظ: "النذر نذران: فما كان من نذر طاعة … " الحديث، ورواه بعضهم عنه، عن الحسن، عن عمران، بلفظ: "لا نذر في معصية، ولا غضب، وكفّارته كفّارة يمين". واللَّه تعالى أعلم.
والحديث ضعيف، كما مرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب،
[ ٣١ / ٨٣ ]
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٧٠ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ»).
قال الجامع عفا اللَّهَ تعالى عنه: "إبراهيم بن يعقوب": هو الْجُوزجانيّ الحافظ. و"الحسن بن موسى،: هو الأشيب، أو عليّ البغداديّ. و"شيبان": هو ابن عبد الرحمن النحويّ البصريّ، ثم الكوفيّ. و"يحيى": هو ابن أبي كثير.
والحديث ضعيف، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٧١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ (^١) - ﷺ - «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ».
وَقِيلَ إِنَّ الزُّبَيْرَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حماد": هو ابن زيد. و"محمد": هو ابن الزبير المتقدِّم. والحديث ضعيف، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: "وقيل: إن الزبير لم يسمع الخ" يعني أنه قيل: لم يسمع الزبير والد محمد هذا الحديث من عمران بن حصين، بل بينهما واسطة، كما بيّنه بقوله:
٣٨٧٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، قَالَ: صَحِبْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «النَّذْرُ نَذْرَانِ: فَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، فَذَلِكَ لِلَّهِ، وَفِيهِ الْوَفَاءُ، وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ، وَلَا وَفَاءَ فِيهِ، وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن وهب" بن عمر بن أبي كَرِيمة، أبو المعافَى الحرّانيّ، صدوق [١٠] ١٩١/ ٣٠٦. من أفراد المصنّف. و"محمد بن سلمة": هو الحرّانيّ. و"ابن إسحاق": هو محمد صاحب المغازي.
والحديث ضعيف، وساقه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- لبيان ما قيل: إن الزبير لم يسمع هذا الحديث من عمران بن حصين، وإنما سمعه بواسطة، وتلك الواسطة رجلٌ
_________________
(١) وفي نسخة: "رسول اللَّه".
[ ٣١ / ٨٤ ]
مجهول. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٧٣ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّ رَجُلًا حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ نَذْرًا، لَا يَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ، فَقَالَ عِمْرَانُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن يعقوب": تقدّم قبل حديثين. و"مُسدّد": هو ابن مُسرهَد بن مُسربل بن مستورد الأسديّ، أبو الحسن البصريّ ثقة ثبت حافظ، يقال: إنه أول من صنّف المسند بالبصرة [١٠] له عند المصنّف حديثان فقط، هذا، وحديث "احفروا، وأحسنوا … " الحديث في "كتاب الجنائز" - ٩٠/ ٢٠١٧. و"عبد الوارث": هو ابن سعيد بن ذكوان العنبريّ التَنُّوريّ البصريّ.
وقوله: "لا يشهد الصلاة في مسجد الخ" الظاهر أنه نذر غضبًا على بعض الناس ممن يُصلّي في ذلك المسجد، فأجابه عمران بأنه لا نذر في حال غضب.
والحديث ضعيف، كما من، وأتى به المصنّف أيضًا لبيان أن الزبير لم يسمع هذا الحديث من عمران - ﵁ -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٧٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن حرب": هو الطائيّ الْمَوْصليّ، صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥ من أفراد المصنّف. و"أبو داود": هو عمر بن سعد بن عُبيد الْحَفَريّ، ثقة عابد [٩] ١٥/ ٥٢٣. و"سفيان": هو ابن سعيد الثوريّ. و"الحسن": هو ابن أبي الحسن/ يسار البصريّ الإمام المشهور.
والحديث ضعيف؛ لما تقدّم، ولأن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين - ﵄ -، كما قال بذلك الأئمة: أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم، وابن المدينيّ، انظر "تهذيب التهذيب" ١/ ٣٨٨ - ٣٩١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٧٥ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمٍ -وَهُوَ عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ،
[ ٣١ / ٨٥ ]
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا نَذْرَ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هلال بن العلاء": هو الباهليّ مولاهم، أبو عمر الرّقيّ، صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩ من أفراد المصنّف.
"وأبو سُليم عُبيد بن يحيى" الأسديّ الكوفيّ، نزل الرَّقّة، ثقة مقرىء [١٠].
قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات بالرقّة على رأس المائتين. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
و"أبو بكر النَّهْشَليّ": قيل: اسمه عبد اللَّه بن قطاف، أو ابن أبي قطاف، وقيل: وهب، وقيل: معاوية، صدوقٌ، رُمي بالإرجاء [١] ٢٦/ ١٢٥٩.
والحديث ضعيف؛ كما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعبم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ فِي لَفْظِهِ) يعني أن منصور بن زاذان خالف محمد بن الزبير في لفظ الحديث، كما بيّنه بقوله:
٣٨٧٦ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَنْصُورٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ -يَعْنِي النَّبِيَّ - ﷺ - «لَا نَذْرَ لاِبْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ -﷿-».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّوْرقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة [١٠] ٢١/ ٢٢. و"هُشيم": هو ابن بَشير، أبو معاوية ابن أبي خازم الواسطي ثقة ثبت، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩. و"منصور": هو ابن زاذان، أبو المغيرة الثقفيّ، الواسطيّ، ثقة ثبت عابد [٦] ٥/ ٤٧٥.
والحديث ضعيف؛ للانقطاع، كما سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ فَرَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ.) يعني أنه خالف عليّ بن زيد بن جُدعان خالف منصور بن زاذان في روايته عن الحسن، عن عمران - ﵁ -، فرواه عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمُرة - ﵁ -، كما بيّنه بقوله:
٣٨٧٧ - (أَخْبَرَنِي (^١) عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ».
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ٣١ / ٨٦ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ بن محمد بن عليّ": هو المصّيصيّ القاضي، ثقة [١١] ٨٣/ ٢٤١٥ من أفراد المصنّف. و"خلف بن تَميم": هو أبوعبد الرحمن الكوفيّ، نزيل المِصِّيصة، صدوق عابد [٩] ٨٣/ ٢٤١٥. و"زائدة": هو ابن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٧٤/ ٩١.
و"عليّ بن زيد بن جُدعان": هو عليّ بن زيد بن عبد اللَّه بن أبي مُليكة زُهير بن عبد اللَّه بن جُدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة التيمي، أبو الحسن البصريّ، أصله من مكّة، نُسب أبوه إلى جدّ جدّه، ضعيفٌ [٤].
قال ابن سعد: وُلد أعمى، وكان كثير الحديث، وفيه ضعف، ولا يُحتجّ به. وقال أحمد: ليس بالقويّ، روى عنه الناس. وعنه ليس بشيء. وعنه: ضعيف الحديث. وعن يحيى بن معين: ضعيف في كلّ شيء، وعنه: ليس بذاك القويّ. وقال العجليّ: كان يتشيّع، لا بأس به. وقال مرّة: يكتب حديثه، وليس بالقويّ. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، صالح الحديث، وإلى الضعف ما هو. وقال الجُوزجانيّ: واهي الحديث، ضعيف، وفيه ميلٌ عن القصد، لا يُحتجّ بحديثه. وقال أبو زرعة: ليس بقويِّ. وقال أبو حاتم: ليس بقويّ، يكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وكان يتشيّع. وقال الترمذيّ: صدوقٌ إلا أنه ربّما رفع الشيء الذي يوقفه غيره. وقال النسائيّ: ضعيف. وقال ابن خزيمة: لا أحتجّ به لسوء حفظه. وقال ابن عديّ: لم أر أحدًا من البصريين وغيرهم امتنع من الرواية عنه، وكان يغلو في التشيّع، ومع ضعفه يُكتب حديثه. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال الدارقطنيّ: أنا أقف فيه، لا يزال عندي فيه لين. وقال معاذ بن معاذ، عن شعبة: حدثنا علي بن زيد قبل أن يختلط. وقال أبو الوليد وغيره، عن شعبة: حدثنا عليّ بن زيد، وكان رفّاعًا. وقال حماد بن زيد: كان يقلب الأحاديث. وفي رواية: كان يُحدثنا اليوم بالحديث، ثم يحدّثنا غدًا، فكأنه ليس بذاك. وقال عمرو بن عليّ: كان يحيى بن سعيد حدّث عنه مرّة، ثم تركه. وعن ابن عيينة، قال: كتبت عنه كتابا كثيرًا، فتركته زهدًا فيه. وقال يزيد بن زريع: رأيته، ولم أحمل عنه؛ لأنه كان رافضيًّا. وقال ابن حنان: يَهِم ويخطىء، فأكثر ذلك منه، فاستحقّ الترك. وقال غيره: أنكر ما روى ما حدّث به حماد بن سلمة، عنه، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد - ﵁ -، رفعه: "إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد، فاقتلوه". وأخرجه الحسن بن سفيان في "مسنده" عن إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن علي بن زيد، والمحفوظ عن عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن عليّ. ولكن لفظ ابن عيينة: "فارجموه"، أورده ابن عديّ، عن الحسن بن سفيان.
[ ٣١ / ٨٧ ]
وقال سعيد الجريريّ: أصبح فقهاء البصرة عُميان: قتادة، وعلي بن زيد، وأشعث الحُدّاني. مات سنة (١٢٩) وقيل: سنة (١٣١). روى له البخاريّ في " الأدب المفرد،، ومسلم مقرونًا بغيره، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، وحديث رقم: ٣٣/ ٤٧٩٩ -: "الحمد للَّه الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده … " الحديث. والحديث ضعيف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:: عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) أراد به أن الصواب في هذا الحديث كونه عن الحسن، عن عمران - ﵁ -، لا عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة - ﵁ -؛ لمخالفة عليّ بن زيد، وهو ضعيف، منصورَ بنَ زاذان، وهو ثقة حافظ، وليس غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا تصحيح الحديث من رواية الحسن، عن عمران، وإنما مراده بيان الأخفّ ضعفًا، والأشدّ ضعفًا، فكونه من مسند عبد الرحمن - ﵁ - أضعف من كونه من مسند عمران - ﵁ -.
والحاصل أن الحديث لا يصحّ من كلا الوجهين، وإنما الصحيح من حديث عمران - ﵁ - ما رواه أبو قلابة، عن عمه، عنه، فإنه صحيح؛ لاتصاله، وثقة رجاله، كما أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، بقوله:
(وَقَدْ رُوِىَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.:
٣٨٧٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا (^١) أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم سندًا، ومتنًا في -٣١/ ٣٨٣٩ - "النذر فيما لا يملك"، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله، هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
و"محمد بن منصور": هو الْجوّاز المكيّ. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أيوب": هو ابن أبي تَميمة السَّخْتيانيّ. و"أبو قِلابة": هو عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجَرْميّ. و"عمه": هو أبو المهلّب، عمرو بن معاوية، وقيل: غيره، الجرميّ البصريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ٣١ / ٨٨ ]
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…