قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إنما ترجم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بصيغة الاستفهام، ولم يبين جوابه؟ لكون المسألة مختلفًا فيها بين العلماء، فالجمهور يوجبون عليه الهدي، والشافعيّ يستحبّها، كما قال القرطبيّ، وحجة الجمهور حديث عقبة بن عامر - ﵁ - في قصّة أخته، المتقدّمة، ففيها: "مرها فلتركب، ولتختمر، ولتهد هديًا"، وفي رواية: "بدنةً"، قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وزيادة الهدي رواها عن النبيّ - ﷺ - مع عقبة بن عامر ابنُ عبّاس - ﵃ -، ورواها عنهما الثقات، فلا سبيل إلى ردّها، وليس سكوت من سكت عنها حجة على من نطق بها، وقد عمل بها الجماهير من السلف وغيرهم. انتهى" (^١).
لكن ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرجح عدم الوجوب، حيث إنه أورد حديث أنس - ﵁ - في الرجل الذي أمره النبيّ - ﷺ - أن يركب، ولم يأمره بالهدي، والذي قاله الجمهور أظهر؛ لحديث أخت عقبة - ﵄ -، فالسكوت في هذا الحديث لا ينفي ثبوته في غيره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٧٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟»، قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ. قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، مُرْهُ فَلْيَرْكَبْ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) المعروف بابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (حمّاد بن مسعدة) التميميّ، أبو سعيد البصريّن ثقة [٩] ٩٧/ ١٠٤٠.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٦١٧ - ٦١٨.
[ ٣١ / ٨٩ ]
٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقة مدلس [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (ثابت) بن أسلم البُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٥٣/ ٤٥.
٥ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أنس من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣)، وقد جاوز المائة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ثَابِتٍ) وقد صرّح حميد بالتحديث عند البخاريّ، فقال: حدّثني ثابتٌ، قال في "الفتح": هَكذا قال أكثر الرواة عن حميد، وهذا الحديث مما صرّح حميد فيه بالواسطة بينه وبين أنس، وقد حذفه في وقت آخر، فأخرجه النسائيّ -يعني الرواية الثالثة- من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، والترمذيّ من طريق ابن أبي عديّ، كلاهما عن حميد، عن أنس. وكذا أخرجه أحمد، عن ابن أبي عديّ، ويزيد بن هارون، جميعًا عن حميد بلا واسطة. ويقال: إن غالب رواية حميد عن أنس بواسطة، لكن أخرج البخاريّ من حديث حميد، عن أنس أشياء كثيرة بغير واسطة، مع الاعتناء ببيان سماعه لها من أنس. وقد وافق عمران القطّان عن حميد الجماعة على إدخال ثابت بينه وبين أنس - ﵁ -، ولكن خالفهم في المتن، أخرجه الترمذيّ من طريقه، بلفظ: "نذرت امرأةٌ أن تمشي إلى بيت اللَّه، فسُئل نبيّ اللَّه - ﷺ - عن ذلك؟، فقال: "إن اللَّه لغنيّ عن مشيها، مروها فلتركب". انتهى (^١).
(عَنْ أَنَس) بن مالك - ﵁ -، أنه (قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ - ﷺ -، رَجُلًا) وفي الرواية التالية: "مرّ رسول اللَّه - ﷺ - بشيخ يُهادى بين اثنين" (يُهَادَى) بضمّ أوله، من المهاداة، وهو أن يمشي معتمدًا على غيره. وللترمذي من طريق خالد بن الحارث، عن حميد: "يتهادى" بفتح أوله، ثم مثناة (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) وفي الرواية الآتية: "بين ابنيه"، قال الحافظ: لم أقف على اسم هذا الشيخ، ولا على اسم ابنيه. وقرأت بخطّ مغلطاي: الرجل الذي يهُادى، قال الخطيب: هو أبو إسرائيل، كذا قال، وتبعه ابن الملقّن، وليس
_________________
(١) "فتح" ٤/ ٥٦١ "كتاب الحجّ" - باب من نذر المشي إلى الكعبة" ١٨٦٥.
[ ٣١ / ٩٠ ]
ذلك في كتاب الخطيب، وإنما أورده من حديث مالك، عن حميد بن قيس وثور، أنهما أخبراه أن رسول اللَّه - ﷺ - رأى رجلًا قائمًا في الشمس، فقال: "ما بال هذا"، قالوا: أبو إسرائيل نذر أن لا يستظلّ، ولا يتكلّم، ويصوم … الحديث. قال الخطيب: هذا الرجل هو أبو إسرائيل، ثم ساق حديث عكرمة، عن ابن عبّاس - ﵄ - أن النبيّ - ﷺ - كان يخطب يوم الجمعة، فرأى رجلًا يقال له: أبو إسرائيل، فقال: "ما باله؟ "، قالوا: نذر أن يصوم، ويقوم في الشمس، ولا يتكلّم … الحديث. وهذا الحديث أخرجه البخاريّ من حديث ابن عبّاس - ﵄ -، والمغايرة بينه وبين حديث أنس - ﵁ - ظاهرة من عدّة أوجه، فيحتاج من وحّد بين القصّتين إلى مستند. واللَّه المستعان (^١).
(فَقَالَ) - ﷺ - (مَا هَذَا؟ ") وفي الرواية التالية: "ما بال هذا؟ "، وفي الرواية التي بعدها: "ما شأن هذا؟ " (قَالُوا: نَذَرَ أن يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّه) وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند مسلم أن الذي أجاب النبيّ - ﷺ - عن سؤاله ولدا الرجل، ولفظه: "فقال ابناه: يا رسول اللَّه، كان عليه نذر" (قَالَ) - ﷺ - (إِنَّ اللَّهَ غَنيٌّ، عَنْ تَعْذِيب هَذَا نَفْسَهُ) أي بالمشي مع العجز (مُرْهُ، فَلْيَرْكَبْ) وفي الرواية التالية: "فأمره أن يركبَ". زاد أحمد عن الأنصاريّ، عن حميد "فركب" ء قال في "الفتح": وإنما لم يأمره - ﷺ - بالوفاء بالنذر، إما لأن الحجّ راكبًا أفضل من الحجّ ماشيًا، فنذر المشي يقتضي التزام ترك الأفضل، فلا يجب الوفاء به، أو لكونه عجز عن الوفاء بنذره، وهذا هو الأظهر. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٢/ ٣٨٧٩ و٣٨٨٠ و٣٨٨١ - ولم أره في "الكبرى". وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٨٦٥ و"الأيمان والنذور" ٦٧٠١ (م) في "النذور والأيمان" ١٦٤٢ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٣٠١ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٣٧ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٦٢٧ و١١٧١٧ و١٢٤٧٨ و١٣٠٥٦ و١٣٤٥٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): أن من عجز عن الوفاء بنذره لا يجب عليه الوفاء، وقد تقدّم أول الباب
_________________
(١) "فتح" ٤/ ٥٦١ - ٥٦٢.
[ ٣١ / ٩١ ]
اختلاف العلماء في وجوب الهدي عليه، فأوجبه الجمهور.
(ومنها): مشروعيّة النذر إلى بيت اللَّه الحرام. (ومنها): يُسر الدين وسهولة أمره، حيث يراعي عجز العاجزين، فلا يأمرهم بما يشق عليهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحجّ: ٧٨]. (ومنها): إثبات صفة الغنى للَّه ﷾، فهو الغنيّ، والخلق مفتقرون إليه ﷾، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٨٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، بِشَيْخٍ يُهَادَى بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَقَالَ: «مَا بَالُ هَذَا؟»، قَالُوا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، قَالَ (^١): «إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ، عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، مُرْهُ فَلْيَرْكَبْ». فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"خالدٌ": هو ابن الحارث الهجيميّ. والسند مسلسلٌ بالبصريين، وشيخ المصنّف هو أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وتقدّموا غير مرّة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٨١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَلَى رَجُلٍ يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ (^٢)، فَقَالَ: «مَا شَأْنُ هَذَا؟»، فَقِيلَ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِتَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ شَيْئًا»، فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"أحمد بن حفص": هو السلميّ، أبو عليّ النيسابوريّ، صدوق [١١] ٧/ ٤٠٩. و"أبوه": هو حفص بن عبد اللَّه بن راشد السلميّ، أبو عمرو النيسابوريّ، قاضيها، صدوق [٩] ٧/ ٤٠٩. و"إبراهيم بن طهمان": هو الخراسانيّ، سكن نيسابور، ثم مكة، ثقة يُغرب، وتكلّم فيه بالإرجاء، ويقال: إنه رجع عنه [٧] ٧/ ٤٠٩. و"يحيى ابن سعيد": هو الأنصاريّ المدنيّ الثقة الثبت الفقيه. وهذا الإسناد سقط منه ثابتٌ بين حميد وأنس، ولعل حميدًا دلّسه بإسقاطه، فإنه موصوف بالتدليس، وقد تقدّم الكلام
_________________
(١) وفي نسخة: " فقال".
(٢) وفي نسخة: "بين اثنين".
[ ٣١ / ٩٢ ]
عليه قريبًا، فلا تغفل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…