٣٧٩٣ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ -، عُمَرَ مَرَّةً، وَهُوَ يَقُولُ: وَأَبِي، وَأَبِي، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا بَعْدُ، ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"سفيان": هو ابن عيينة.
وقوله: "فواللَّه ما حلفتُ الخ" هو من كلام عمر - ﵁ -. وقوله: "بها" أي بالآباء، أو بهذه اللفظة، وهي: "وأبي".
وقوله. "ذاكرا" أي من نفسي.
وقوله: "آثرًا" بالمدّ، وبكسر الثاء المثلّثة، أي حاكيًا له عن غيري، أي ما حلفت بها، ولا حكيت عن غيري أنه حلف بها، يقال: أثرتُ الحديث أَثْرًا، من قتل: إذا ذكرته عن غيرك، ومنه -كما قيل- قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]، ويدلّ لذلك قوله في رواية لمسلم: "ولا تكلّمت بها".
[فإن قلت]: الحاكي لذلك عن غيره ليس حالفًا به.
[قلت]: يجوز أن يكون العامل فيه محذوفًا: أي ما حلفت بها ذكرًا، ولا ذكرته آثرًا. وإن تضمّن حلفت معنى نطقتُ، أو قلتُ، أو نحو ذلك مما يصلح للعمل فيهما، كما قد ذُكر الوجهان في قول الشاعر:
عَلَفتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا … حَتَّى غَدَتْ هَمَّالَةً عَيْنَهَا
إما أن يقدّر سقيتها، واما أن يُضمّن علفتها معنى أَنَلْتُها، وما أشبه ذلك.
[فإن قلت]: إذا تورّع عن النطق بذلك حاكيًا له عن غيره، فكيف نطق به حاكيًا له عن نفسه؟.
[ ٣٠ / ٢٩٠ ]
[قلت]: حكايته له عن نفسه من ضرورة تبليغ هذه القصّة، وروايتها، وأيضًا فقد يريد نفي حكايته كلام الحالف به بعد النهي عنه، وأما هو فإنما حلف به قبل النهي عنه. وجوّز الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في معنى قوله: "آثرًا" وجهين آخرين:
[أحدهما]: أن يكبرن معناه مُختارًا، يقال: أثر الشيء: اختاره، وعلى هذا فيكون قوله؛ "ذاكرًا"، من الذُّكر بالضمّ خلاف النسيان، أي ما حلفت بها ذاكرًا اليمين، غير مجبر، ولا مختار، مريدًا لذلك.
[ثانيهما]: أن يكون معنى قوله: "آثرًا" أي على طريق التفاخر بالآباء، والإكرام لهم، يقال: آثره أي أكرمه، لكن على عادة العرب في النطق بذلك، لا على سبيل التعظيم والإكرام انتهى. ذكره الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ"، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا بَعْدُ، ذَاكِرًا، وَلَا آثِرًا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخيه، وهما ثقتان. و"سفيان": وابن عيينة.
والحديث متّفقٌ عليه، وسبق القول فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٩٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ حَرْبٍ- عَنْ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ"، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا بَعْدُ، ذَاكِرًا، وَلَا آثِرًا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو حمصيّ ثقة. و"محمد بن حرب": هو الحمصيّ المعروف بالأبرش. و"الزُّبيدي" - بضمّ الزاي، مصغّرًا -: هو محمد بن الوليد أبو الهُذيل الحمصيّ الحافظ الحجة، من أثبت من روى عن الزهريّ.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ١٤٥ - ١٤٦.
[ ٣٠ / ٢٩١ ]
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…