قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: شَرِكةُ الأبدان أصلها شَرِكةٌ بالأبدان، لكن حُذفت الباء، ثم أُضيفت؛ سُمِّيت بذلك لأنهم بذلوا أبدانهم في الأعمال؛ لتحصيل المكاسب. قاله في "المصباح المنير".
وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: معنى شرِكة الأبدان أن يشترك اثنان، أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم، كالصُّنّاع، يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم، فما رزق اللَّه تعالى، فهو بينهم، وإن اشتركوا فيما يكسبون من المباح، كالحطب، والحشيش،
[ ٣١ / ٢١١ ]
والثمار المأخوذ من الجبال، والمعادن، والتلَصُّص على دار الحرب، فهذا جائز، نصٌّ عليه أحمد في رواية أبي طالب، فقال: لا بأس أن يشترك القوم بأبدانهم، وليس لهم مال، مثلُ الصيّادين، والنقّالين، والحمّالين. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٩٦٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا، وَعَمَّارٌ، وَسَعْدٌ، يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ، وَلَمْ أَجِئْ أَنَا، وَلَا عَمَّارٌ بِشَيْءٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان الأحول، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢.
٥ - (أبو عُبيدة) بن عبد اللَّه بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفيّ، ثقة، من كبار [٣] ٥٥/ ٦٢٢.
٦ - (عبد اللَّه) بن مسعود الهذليّ الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير أبي عبيدة، فإنه من رجال الأربعة، ولم يسمع من أبيه، ففي الإسناد انقطاع. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: اشْتَرَكتُ أَنَا، وَعَمَّارٌ) هو ابن ياسر الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَسَعْدٌ) الظاهر أنه ابن أبي وقاص - ﵁ - (يَوْمَ بَدْرٍ) الظاهر أن المراد يوم وقعة بدر، ويحتمل أن يكون المراد زمن
_________________
(١) "المغني" ٧/ ١١١.
[ ٣١ / ٢١٢ ]
بدر، ووقعة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة يوم سابع عشر رمضان (فَجَاءَ سَعْدٌ) - ﵁ - (بِأَسِيرَينِ، وَلَمْ أَجِئْ أَنَا، وَلَا عَمَّارٌ بِشَيْءٍ) استدلّ بهذا على جواز شركة الأبدان، وهي أن يشترك العاملان فيما يعملانه، فيوكّل كلّ واحد منهما صاحبه أن يتقبّل العمل، ويعمل عنه في قدر معلوم، مما استؤجر عليه، ويُعيّنان الصنعة، وقد ذهب إلى صحّتها مالك بشرط اتحاد الصنعة، وإلى صحّتها ذهب أبو حنيفة، وأصحابه. وقال الشافعيّ: شركة الأبدان كلها باطلة؛ لأن كلّ واحد منهما متميّز ببدنه، ومنافعه، فيختصّ بفوائده، وهذا كما لو اشتركا في ماشيتيهما، وهي متميّزة ليكون الدرّ والنسلُ بينهما، فلا يصحّ.
وأجابت الشافعيّة عن هذا الحديث بأن غنائم بدر كانت لرسول اللَّه - ﷺ - يدفعها لمن يشاء، وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة وغيره، ممن قال: إن الوكالة في المباحات لا تصحّ. أفاده الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن الحديث ضعيف، كما سيأتي قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ للانقطاع بين أبي عُبيدة، وأبيه؛ لأن الراجح أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، ولأن فيه عنعنة أبي إسحاق، وهو مدلّس. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦/ ٣٩٦٥ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٦٧١. وأخرجه (د) في "البيوع" ٢٣٨٨ (ق) في "التجارات" ٢٢٨٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٦٦ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فِي عَبْدَيْنِ مُتَفَاوِضَيْنِ، كَاتَبَ أَحَدُهُمَا، قَالَ: جَائِزٌ إِذَا كَانَا مُتَفَاوِضَيْنِ، يَقْضِي أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
وقوله: "متفاوضين" المفاوضة: المساواة، والمشاركة، وهي مفاعلة من التفويض،
_________________
(١) "نيل الأوطار" ٥/ ٢٨٣.
[ ٣١ / ٢١٣ ]
كأن كلّ واحد منهما رَدَّ ما عنده إلى صاحبه، وتفاوض الشريكان في المال: إذا اشتركا فيه أجمع. قاله ابن الأثير (^١).
والظاهر أن العبدين كان متعاقدين شركة المفاوضة، وهذا محمول على أن سيّدهما أذن لهما في ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "يقضي الخ" الظاهر أن معناه: إذا كان يؤدي أحدهما عن الآخر بدل الكتابة، ولفظ "الكبرى": "يقضي أحدهما على الآخر في الإجارات".
والأثر هذا صحيح مقطوع، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أخرجه هنا-٦/ ٣٩٦٦ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٦٧٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…