٤٠١٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلاَّ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: التَّارِكُ لِلإِسْلَامِ، مُفَارِقُ الْجَمَاعَةِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ».
قَالَ الأَعْمَشُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق بن منصور) بن بَهْرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨.
٢ - (الأعمش) سليمان بن مِهْرَان الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت ورع فاضل، لكنه يدلّس [٥] ١٧/ ١٨.
٣ - (عبد اللَّه بن مُرّة) الهمدانيّ الخارفيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١٧/ ١٨٦٠.
٤ - (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمدانيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مخضرم ثقة فقيه عابد [٢] ٩٠/ ١١٢.
٥ - (عبد اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩، و"عبد الرحمن" بن مهديّ، و"سفيان" الثوريّ تقدّما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وعبد الرحمن، فبصريّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، وعبد اللَّه بن مرّة، ومسروق. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ) وفي رواية مسلم: قام فينا رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: "والذي لا إله غيره" (لَا يَحِلُّ) قال في "الفتح": ظاهره إثبات إباحة قتل من استُثني، وهو كذلك بالنسبة لتحريم قتل غيرهم، وإن كان قتلُ من أُبيح قتلُهُ منهم واجبًا
[ ٣١ / ٣٠٩ ]
في الحكم. انتهى (^١) (دَمُ امْرِئِ مُسْلِمٍ) وفي رواية: "دم رجل"، والمراد لا يحلّ إراقة دمه، أي كلّه، وهو كنايةٌ عن قتله، ولو لم يُرق دمه. قاله في "الفتح".
وقال السنديّ: والمرء: الإنسان، أو الذكر، لكن أُريد به هنا الإنسان مطلقًا، أو أريد الذكر، وترك ذكر الأنثى على المقايسة والإتباع، كما هو العادة الجارية في الكتاب والسنّة. انتهى (^٢).
وقوله (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) صفة ثانيةٌ، ذُكرت لبيان أن المراد بالمسلم هو الآتي بالشهادتين، أو هي حالٌ مقيّدةٌ للموصوف؛ إشعارًا بأن الشهادة هي العمدة في حقن الدم. وهذا رجحه الطيبيّ، واستشهد بحديث أُسامة - رضي اللَّه تعالى - عنه: "كيف تصنع بلا إله إلا اللَّه".
(إِلَّا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: التَّارِكُ لِلْإِسْلَامِ، مُفَارِقُ الْجَمَاعَةِ) وفي رواية البخاريّ: "والمفارق لدينه، التارك للجماعة"، قال في "الفتح": كذا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ، عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ، وَلِلْبَاقِينَ "وَالْمَارِق من الدِّين"، لكنْ عِنْد النَّسَفِيّ، وَالسَّرَخْسِيّ، وَالْمُسْتَمْلِي: "والْمارق لدينه". قال الطَّيبِيُّ: الْمَارِق لدينه: هو التَّارِك له، من الْمروق، وهو الْخروج. وَفي رواية مسلم: "وَالتَّارِك لدينه الْمفارق للجماعة". وله فِي رواية الثَّوْرِيّ: "الْمفَارق للجماعة".
وقد أخرجه مسلم أَيْضًا بَعْده، من طريق شَيْبَانَ بْن عَبْد الرَّحمن، عن الأعمش، ولم يسق لَفْظه، لكن قال: "بِالإسْنَادين جميعا"، ولم يقُل: "وَاَلَّذِي لا إِله غَيْره". وَأَفرده أبو عوانة فِي "صحيحه" من طريق شَيْبَانَ بِاللفظ الْمَذْكُور سواء.
وَالْمُرَاد بِالجماعة جماعة المسلمين، أَي فارقهم، أَوْ تَرَكهم بِالارتدادِ، فهي صفة لـ"التَّارِكِ"، أَو"الْمُفَارِقِ"، لا صِفة مُستقلَّة، وإلا لكانت الخصال أربعا، وهو كقوله قبل ذلكَ: "مُسلم، يَشْهَد أَنْ لا إِله إِلا اللَّه"، فإنها صِفَة مُفَسِّرَة لقوله: "مسلم"، وليست قيدًا فيه، إِذْ لا يكون مُسلمًا إلا بذلكَ.
وَيُؤَيِّد هذا أَنَّهُ وَقَعَ عند المصنّف ١٤/ ٤٠٥٨ - بسند صحيح فِي حَدِيث عُثْمَان - رضي اللَّه تعالى عنه -: "أَوْ يَكْفُر بَعْد إِسْلَامه". وَفِي لَفْظ لَهُ صَحِيح أَيْضًا: "أو ارْتَدَّ بَعْد إِسْلَامه"، وَلَهُ في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - التالي: "أَوْ كَفَرَ بَعْد إسلامه". وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد النسائيّ (^٣): "مُرْتَدّ بَعْد إِيمَان".
_________________
(١) "فتح" ١٤/ ١٨٤. "كتاب الديات" رقم ٦٨٧٨.
(٢) "شرح السنديّ" ٧/ ٩١.
(٣) وفي نسخة من "الفتح": "عند الطبرانيّ"، بدل النسائيّ، والظاهر أنه الصواب؛ لأني لم أر عند النسائيّ هذه الرواية. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣١ / ٣١٠ ]
قال ابْن دَقِيق الْعِيد -رحمه اللَّه تعالى-: الرِّدَّة سَبَب لإباحة دَم الْمُسلم بالإجماع في الرجُل. وَأَمَّا الْمَرْأَة ففيها خلاف، وقد اُسْتُدِلَّ بهذا الْحَدِيث للْجُمْهورِ في أَنَّ حكمها حُكْم الرَّجُل لِاسْتِوَاءِ حُكْمهمَا فِي الزِّنَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّها دَلَالَة اقْتِرَان وَهِيَ ضَعِيفَة.
وقال البَيْضاويّ: "التَّارِك لِدِينِهِ" صِفة مؤكِّدةَ لِـ"لْمَارِقِ": أي الَّذِي تَرَكَ جَماعة الْمُسلمينَ، وخرج مِنْ جُمْلَتهمْ.
قال: وَفي الْحدِيث دليل لمنْ زعم أَنَّه لا يُقتلُ أحدٌ دخل في الإسلام بشيْءٍ، غير الذي عُدِّدَ، كَتَرْكِ الصَّلَاة، ولم يَنْفَصِل عن ذلك. وَتَبِعهُ الطَّيبِيُّ، وقال ابن دقيق العيد: قد يُؤخذ من قوْله "الْمُفَارِق للجماعةِ": أَنَّ الْمراد الْمخالِفُ لأهل الإجْماعِ، فيكون مُتَمَسكًا لمنْ يَقُول: مُخَالِفُ الإجماع كَافِرٌ. وقد نُسِبَ ذلك إلى بَعْض النَّاس. وليس ذلك بِالهَيِّنِ، فإنَّ الْمَسَائِل الإجماعِيَّة، تَارَة يَصحبها التَّوَاتُر بالنقل، عن صاحب الشَّرْعِ، كَوُجُوبِ الصلاة مثلًا، وتارَةً لا يَصْحَبهَا التَّوَاتُر. فالأول: يُكَفَّر جَاحِدُهُ؛ لِمُخَالَفة التَّوَاتُر، لا لمخالفة الْإجْمَاع. وَالثَّانِي: لَا يُكَفَّر بِهِ.
قَال الحافظ العراقيّ في "شرح التِّرْمِذِيّ": الصَّحِيح في تَكْفِير مُنْكِر الْإجْمَاع، تَقيِيدُهُ بِإِنْكَارِ مَا يُعْلَم وُجُوبُهُ من الدِّين بالضرورة، كَالصَّلوات الخمس. وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ بِإِنْكَارِ مَا عُلِمَ وُجُوبه بِالتَّوَاتُرِ، وَمِنْهُ القول بِحُدُوثِ الْعَالَمِ. وقد حَكَى عِيَاض، وَغَيْره، الْإجْمَاع على تَكْفِير من يَقُول بِقِدَمِ الْعَالَم. وقال ابن دَقِيق الْعيد: وقع هنا من يَدَّعِي الْحِذْق في الْمعقولات، ويميل إلى الْفَلْسَفة، فَظَنَّ أَنَّ الْمُخَالِف في حدوث الْعَالَم، لا يُكَفَّر؛ لأَنَّهُ من قبيل مُخالَفَة الإجماع. وَتَمَسَّكَ بقولنا: إِنَّ مُنْكر الإجماع، لا يُكَفَّر على الإطلاق، حتى يَثْبُتَ النَّقْلُ بذلك مُتَوَاتِرًا، عَنْ صَاحِب الشَّرْع. قال: وهو تَمَسُّكٌ ساقط، إِمَّا عن عَمًى في البَصيرة، أو تَعام؛ لأَنَّ حُدُوث الْعَالَم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع، وَالتَّوَاتُر بِالنَّقْلِ. وقال النَّوويّ: قَوْله: "التَّارِك لدينِه" عامٌّ في كُلّ من ارْتَدَّ، بِأَيِّ رِدَّة كانت، فيجبُ قَتْله، إن لم يرجع إلى الإسلام.
وَقَوْله: "الْمُفَارِق للجماَعة" يَتَنَاوَل كُلّ خَارِج عن الجماعة، ببدعة، أو نفي إجماع، كَالرَّوَافِضِ، والخوارج، وَغَيْرهمْ. كَذَا قَالَ:. وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ.
وَقال الْقُرْطُبِيّ في "الْمُفْهِم": ظَاهِر قَوْله: "الْمُفَارِق للجماعة" أَنَّهُ نعت لِلتَّارك لدينه؛ لأَنَّهُ إذا ارْتَدَّ، فارق جماعة المسلمين، غير أَنَّهُ يَلتحق به كلُّ من خرج عن جماعة الْمُسْلمِين، وإن لم يَرْتَدَّ، كمن يَمْتَنع من إقامة الحدّ عليه، إذا وجب، ويقاتل على ذلك، كأهل الْبَغْي، وَقُطَّاع الطريق، والمحاربين، من الخوارج، وغيرهم. قال: فيتناوَلهُمْ لَفْظ "الْمُفَارِق للجماعة" بطريق العموم، ولو لم يكن كذلك، لم يصحّ
[ ٣١ / ٣١١ ]
الحصر؛ لأَنَّهُ يلزم أنْ ينفى مَنْ ذُكِرَ، ودمه حلال، فلا يَصِحّ الحصر، وكلام الشارع مُنَزَّه عن ذلك، فدلَّ على أَنَّ وَصْف الْمُفَارَقَة للجماعة، يَعُمّ جميع هؤلاء. قال: وَتَحقيقه أَنَّ كلَّ من فارق الْجماعة، ترك دينه، غير أَنَّ المرتدّ تركَ كلّه، وَالْمُفَارِق بغير رِدَّة ترك بَعْضه. انتهى. قال الحافظ: وفيه مناقشة؛ لأَنَّ أَصل الخصلة الثالثة الارتدَاد، فلابدّ من وجوده، والْمُفارِق بغير ردَّة، لا يُسَمَّى مرتَدًّا، فيلزم الخلف في الحصر. وَالتَّحقيق في جواب ذلك، أَنَّ الحصر فيمن يجب قَتْله عينًا. وأَمَّا من ذكرهم، فَإِنَّ قتل الواحد منهم، إنما يُباحُ إِذا وقع حال المحاربة، والمقاتلة، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أُسِرَ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ صَبْرًا اتِّفَاقًا، فِي غَيْر الْمُحَارِبِينَ، وَعَلَى الرَّاجِح فِي الْمُحَارِبِينَ أَيْضًا، لَكِنْ يَرِد عَلَى ذَلِكَ قَتْل تَارِك الصَّلاة، وسيأتي مزيد بسط للبحث في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى.
(وَالثَّيِّبُ الزَّانِي) أَيْ فَيَحِلّ قَتْلُهُ بِالرَّجْمِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عُثْمَان - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتي ١٤/ ٤٠٥٨ - بِلَفْظِ "رَجُل زَنَى بَعْد إِحْصَانه، فَعَلَيْهِ الرَّجْم". قَالَ: النَّوَوِيّ: الزَّانِي يَجُوز فِيهِ إِثْبَات الْيَاء، وَحَذْفهَا، وَإِثْبَاتهَا أَشْهَرُ.
(وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ) أَيْ مَنْ قَتَلَ عَمْدًا، بِغَيْرِ حَقّ قُتِلَ بِشَرْطِهِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عُثْمَان الْمَذْكُور: "أو قَتَلَ عَمْدًا، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ". وَفِي حَدِيث جَابِر - رضي اللَّه تعالى عنه -، عِنْد الْبَزَّار: "وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا ظُلْمًا".
وقوله (قَالَ: الْأَعْمَشُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، بِمِثْلِهِ) يعني أن الأعمش حدث بحديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا إبراهيمَ النخعيَّ، فحدّثه إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -.
والغرض من هذا أن الأعمش وإبراهيم استفاد كلٍّ واحد منهما من صاحبه ما ليس عنده، فالأعمش كان عنده حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، وليس عنده حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وإبراهيم بالعكس، فاستفاد كلٍّ منهما من الآخر ما ليس عنده. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: هَذِهِ الرواية، أَغْفَلَ الْمِزِّيّ -رحمه اللَّه تعالى- فِي "الْأَطْرَاف" ذِكْرهَا، فِي مُسْنَد عَائِشَة، وَأَغْفَلَ التَّنْبِيه عَلَيْهَا فِي تَرْجَمَة عَبْد اللَّه بْن مُرَّة، عَنْ مَسْرُوق، عَنْ ابْن مَسْعُود. أفاده في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
[ ٣١ / ٣١٢ ]
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥/ ٤٠١٧ وفي "القسامة" ٥/ ٤٧٢٢ - وفي "الكبرى" ٥/ ٣٤٧٩ و"القسامة" ٥/ ٦٩٢٣. وأخرجه (خ) في "الديات" ٦٨٧٨ (م) في "القسامة" ١٦٧٦ (د) في "الحدود" ٤٣٥٢ (ت) في "الديات" ١٤٠٢ (ق) في "الحدود" ٢٥٣٤ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٦١٤ و٤٠٥٥ و٤٢٣٣ و٤٤١٥ و"باقي مسند الأنصار" ٢٤٩٤٧ (الدارمي) في "الحدود" ٢٢٩٨ و"السير" ٢٤٤٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يحلّ به دم المسلم. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: "النَّفْس بِالنَّفْسِ" عَلَى تَسَاوِي النُّفُوس فِي الْقَتْل الْعَمْد، فَيُقَاد لِكُلِّ مَقْتُول مِنْ قَاتِله، سَوَاء كَانَ حرًّا، أو عبدا.
(ومنها): أنه تَمَسَّكَ بِهِ الحنفيةُ، وَادَّعَوْا أَنَّ آيَة الْمَائِدَة: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، نَاسِخَة لآيَةِ الْبَقَرَة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْن عَبْد الْجَانِي، وعبد غَيْره، فَأَقَادَ مِنْ عَبْد غَيْره، دُون عَبْد نَفْسه.
وَقَالَ الْجُمْهُور: آيَة الْبَقَرَة مُفَسِّرَة لِآيَةِ الْمَائِدَة، فَيُقْتَلُ العبد بِالْحُرِّ، ولا يُقْتَل الْحُرّ بالعبدِ؛ لِنَقْصِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيّ: لَيْسَ بَيْن الْعَبْد وَالْحُرّ قِصَاص، إِلَّا أَنْ يَشَاء الْحُرّ. وَاحْتُجَّ لِلْجُمْهُورِ بِأَنَّ الْعَبْد سِلْعَة، فَلَا يَجِب فِيهِ إِلَّا الْقِيمَة، لَوْ قُتِلَ خَطَأ.
(ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِعُمُومِهِ، عَلَى جَوَاز قَتْل الْمُسْلِم بِالْكَافِرِ الْمُسْتَأْمَن، وَالْمُعَاهَد.
(ومنها): أن فيه جَوَاز وَصْف الشَّخْص بِمَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلو انْتَقَلَ عَنْهُ؛ لاسْتِثنَائِهِ الْمُرْتَدَّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ.
(ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بَهِذَا الْحَدِيث لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ حُكْم المرأة حُكْم الرَّجُل لاسْتِوَاءِ حُكْمهمَا فِي الزِّنَا.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّها دَلَالَة اقْتِرَان وَهِيَ ضَعِيفَة. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: "التَّارِك لِدِينِهِ" صِفَة مُؤَكِّدَة لِـ"لْمَارِقِ": أَيْ الَّذِي ترك جماعة المسلمين، وخرج من جُملتْهم.
(ومنها): ما ذكره ابن دَقِيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-، أنه اسْتُدِلَّ بهذا الحديث أَنَّ تَارِك الصَّلاة، لا يُقْتَل بِتَرْكِهَا؛ لكونه ليس من الأمور الثَّلَاثَة، قال الحافظ: وبذلك اسْتَدَلَّ الحافظ أَبُو الْحَسَن بْن الْمُفَضَّل الْمَقْدِسِيُّ، فِي أَبْيَاته الْمَشْهُورَة، ثُمَّ سَاقَهَا، وَمِنْهَا، وَهُوَ كَافٍ فِي تَحْصِيل الْمَقْصُود هُنَا:
وَالرَّأْي عِنْدِي أَنْ يُعَزِّرَهُ الْإمَا … مُ بِكُلِّ تَعْزِيزٍ يَرَاهُ صَوَابَا
[ ٣١ / ٣١٣ ]
فالأصلُ عِصمتُهُ إِلَى أَنْ يَمْتَطِي … إِحْدَى الثَّلَاث إِلى الْهَلَاك رِكَابَا
قَالَ: فَهَذَا مِنْ الْمَالِكِيَّة، اخْتَارَ خِلَاف مَذْهَبه، وَكَذَا اسْتَشْكَلَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، مِنْ الشَّافِعِيَّة.
قال الحافظ: تَارِك الصَّلاة اخْتُلِفَ فِيهِ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاق، وَبَعْض الْمَالِكِيَّة، وَمِنْ الشَّافِعِيَّة ابْن خُزَيْمَةَ، وَأَبُو الطَّيِّب بْن سَلَمَة، وَأَبُو عُبَيْد بْن جُوَيْرِيَةَ، وَمَنْصُور الْفَقِيه، وَأَبُو جَعْفَر التِّرْمِذِيّ، إِلَى أَنَّهُ يُكَفَّر بِذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَجْحَد وُجُوبَها. وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ يُقْتَل حدًّا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّة، وَوَافَقَهُمْ الْمُزَنِيُّ، إِلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّر، وَلَا يُقْتَل.
وَمِنْ أَقْوَى مَا يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى عَدَم كُفْره حَدِيث عُبَادَةَ - رضي اللَّه تعالى عنه -، رَفَعَهُ: "خَمْس صَلَوَات، كَتَبَهُنَّ اللَّه عَلَى الْعِبَاد" الْحَدِيث، وَفِيهِ: "وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهنَّ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْد اللَّه عَهْد، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّة". أَخْرَجَهُ مَالِك، وَأَصْحَاب السُّنَن، وَصَحَّحَهُ ابْن حِبَّان، وَابْن السَّكَن، وَغَيْرهمَا.
وَتَمَسَّكَ أَحْمَدُ، وَمَنْ وَافَقَهُ بِظَوَاهِر أَحَادِيثَ، وَرَدَتْ بِتَكْفِيْرِهِ، وَحَمَلَهَا مَنْ خَالَفَهُمْ عَلَى الْمُسْتَحِلّ؛ جَمْعًا بَيْن الْأَخْبَار، وَاللَّه أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَأَرَادَ بَعْض مَنْ أَدْرَكْنَا زَمَانه، أَنْ يُزِيل الإِشْكَال، فَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ: "أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس، حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَه إِلا اللَّه، وَيُقِيمُوا الصَّلَاة، وَيُؤْتُوا الزَّكَاة". وَوَجْه الدَّلِيل مِنْهُ، أَنَّهُ وَقَفَ الْعِصْمَة عَلَى الْمَجْمُوع، والْمُرَتِّبُ عَلَى أَشْيَاء، لا يَحْصُل إِلا بِحُصُولِ مَجْمُوعهَا، وَينْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضهَا. قَالَ: وَهَذَا إِنْ قَصَدَ الِاسْتِدْلَال بِمَنْطُوقِهِ، وَهُوَ "أُقَاتِل النَّاس إِلَخْ"، فَإِنَّه يَقْتَضِي الْأَمْر بِالْقِتَالِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَة، فَقَدْ ذَهِلَ لِلْفَرْقِ بَيْن الْمُقَاتَلَة عَلَى الشَّيْء، وَالْقَتْل عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُقَاتَلَة مُفَاعَلَةٌ، تَقْتَضِي الْحُصُول مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَلَا يَلْزَم مِنْ إِبَاحَة الْمُقَاتَلَة عَلَى الصَّلاة، إِبَاحَة قَتْل الْمُمْتَنِع مِنْ فِعْلهَا، إِذَا لَمْ يُقَاتِل، وَلَيْسَ النِّزَاع فِي أَنَّ قَوْمًا، لَوْ تَرَكُوا الصَّلَاة، وَنَصَبُوا الْقِتَال، أَنَّهُ يَجِب قِتالهمْ، وَإِنَّمَا النَّظَر فِيمَا إِذَا تَرَكَهَا إِنْسَان، مِنْ غَيْر نَصْب قِتَال، هَلْ يُقْتَل أَوْ لَا، وَالْفَرْق بَيْن الْمُقَاتَلَة عَلَى الشَّيْء، وَالْقَتْل عَلَيْهِ ظاهِرٌ. وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ آخِر الْحَدِيث، وَهُوَ تَرَتُبُ الْعِصْمَةِ عَلَى فِعْل ذلِك، فَإِنَّ مفهُومه يَدُلّ عَلَى أنها لا تترتَّب عَلَى فِعْل بعضه، هَان الأمر؛ لأنها دلالة مفهوم، وَمُخَالِفُهُ في هذه المسألة لا يقول بالمفهومِ، وأمَّا من يقول به، فله أن يدفع حجته، بأنه عارضته دلالة المنطوق، في حدِيث البَاب، وهي أرجح، من دلالة المفهوم، فَيُقَدَّم عليها.
وَاسْتَدَلَّ به بَعْض الشَّافِعِيَّة لِقَتلِ تارِك الصَّلَاة؛ لأنه تارِكٌ لِلدِّينِ، الذي هو العمل،
[ ٣١ / ٣١٤ ]
وإنما لم يقولوا بِقتلِ تارِك الزَّكَاة؛ لإمكانِ انتزاعها منه قَهرًا، ولا يُقْتَلُ تاركُ الصِّيَام؛ لإمكانِ منعه المفطرات، فَيَحتاج هو أن يَنْوي الصيام؛ لأنه يعتقد وجوبه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح في تارك الصلاة أنه يقتلُ، وأنه كافر؛ لقوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "فمن تركها فقد كفر"، ولكنه كفر دون كفر؛ لحديث عبادة بن الصامت - رضي اللَّه تعالى عنه - المتقدّم ذكره، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "كتاب الصلاة"، في ٨/ ٤٦٣ - "باب الحكم في تارك الصلاة"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أنه اسْتُدِلَّ به على أَنَّ الحرّ لا يُقْتَلُ بالعبدِ؛ لأنَّ العبد لا يُرْجَمُ إذا زنى، ولو كان ثَيّبًا، حكاهُ ابن التِّين، قال: وليس لأحدٍ أن يُفَرِّق ما جَمَعَهُ اللَّه، إلا بدليلٍ، من كتاب، أو سُنة، قال: وهذا بخلاف الخَصْلَة الثالثة، فإنَّ الإجماع، انعقد على أَنَّ العبد، والحرّ فِي الرِّدَّة سواء، فكأنه جعَلَ أنَّ الأصل العمل بدلالة الاقتران، ما لم يأت دليل يُخَالِفهُ.
وقال الحافظ العراقيّ في "شرح التِّرْمِذِيّ": اسْتَثنى بعضهم من الثلاثة، قتل الصائل، فإنه يَجُوز قَتْله لِلدِّفْعِ، وَأَشَارَ بِذَلِك إِلَى قَوْل النَّووِيّ: يُخَصّ مِنْ عُمُوم الثَّلَاثَة الصَّائِل، ونَحوه، فيُباح قتله في الدَّفْع. وَقَدْ يُجاب بِأَنَّهُ داخِل في المُفارِق لِلْجَمَاعَةِ، أَوْ يكُون الْمُرَاد لا يَحِلّ تَعَمُّد قتله، بمعنى أنه لا يحِلّ قتله، إلا مُدَافَعة، بخلاف الثلاثة. واسْتَحْسَنَهُ الطَّيبِيُّ، وَقَالَ: هُو أَوْلى مِنْ تَقْرِير الْبَيْضَاوِيّ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ قَوْله: "النَّفْس بِالنَّفْسِ" يحِلّ قَتْل النَّفْس قصاصًا، للنفسِ التي قتلها عُدْوَانًا، فاقتضى خروج الصَّائِل، ولو لم يقصِد الدَّافع قتله.
قال الحافظ: وَالْجواب الثَّاني هو الْمُعْتَمَد، وَأَمَّا الأَوَّل فَتَقَدَّمَ الجواب عنه. وحكى ابن التين، عن الدَّاوُدِيّ، أن هذا الْحَدِيث مَنْسُوخِ بِآيةِ الْمُحَارَبَة: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢]، قَالَ: فَأَبَاح القتل بمجرَّد الفساد في الأرض، قال: وقد ورد في القتل بِغَيرِ الثَّلاث أَشْيَاءُ، منها: قَوْله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩]، وحدِيث: "مِنْ وَجَدتُمُوهُ يَعْمَلُ عمل قَوْم لُوط، فَاقْتُلُوهُ"، وحدِيث: "من أتى بِهيمة فاقتلوه"، وحدِيث: "من خَرَجَ، وَأَمْرُ الناسِ جَميعٌ، يريد تَفَرُّقَهُم فاقتلوه"، وقول عُمر: "تغِرَّة أن يُقْتلا"، وَقَوْل جماعة مِنْ الأئمَّة: إن تاب أَهْلُ الْقَدَر، وإلا قُتِلُوا، وقال جماعة مِنْ الأئمَّة: يُضرب الْمُبتَدِعُ حتى يَرْجِع، أو يموت، وَقَوْل جماعة مِنْ الأئمَّة: يُقْتَل تارِكُ الصلاة، قال: وهذا كُلّه زائِد عَلَى الثَّلَاث. قال الحافظ: وزاد غَيْره: قَتْل مِنْ طلب أخذ مَالَ إنسان، أَوْ حَرِيمه بِغَيْر حقّ، ومانِع الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، ومن ارتدَّ، وَلَمْ
[ ٣١ / ٣١٥ ]
يُفَارِق الْجَمَاعَة، وَمَنْ خَالَفَ الإجْمَاع، وأظهر الشقاق، والْخِلاف، وَالزِّنْدِيق إذا تاب على رَأْي، والسَّاحِر.
والجواب عن ذلك كُلّه: أَنَّ الأكثر في الْمُحَارِبَة أَنَّهُ إن قَتَلَ قُتِلَ، وبِأَنَّ حُكْم الآية في الْباغي أَنْ يُقَاتَل، لا أن يُقصد إِلى قتلِهِ، وبِأَنَّ الخبرين في اللِّوَاط، وَإِتْيَان الْبَهِيمَة، لم يصِحَّا، وعلى تَقْدِير الصِّحَّة، فهما داخلان في الزِّنَا، وحدِيثُ الْخَارج عن الْمُسْلِمِينَ تَقَدَّمَ تَأْوِيله، بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَتْلِهِ حبْسه، ومنعه مِنْ الخروج، وأثرُ عُمر مِنْ هَذَا الْقَبِيل، والقول في القَدَرِيَّة، وسائِر الْمُبْتَدِعَة، مُفَرَّع على الْقَوْل بِتَكْفِيرهم، وبِأَنَّ قَتْل تارِك الصلاة، عند مِنْ لا يُكَفِّرهُ، مُخْتَلَف فيه، كَمَا تَقَدَّمَ إيضَاحه، وأمَّا مِنْ طلب الْمَالَ، أَوْ الْحَرِيم، فمن حُكْم دَفْع الصَّائِل، ومانِع الزَّكَاة تَقَدَّم جوابه، ومُخالِف الإجْمَاع دَاخِل في مُفارِق الْجَمَاعَة، وقتل الزِّنْدِيق لاسْتِصْحَابِ حُكْم كُفْره، وكذا السَّاحِر، والْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى.
وقد حكى ابن العَرَبِي، عن بعض أشياخه، أن أسباب القتل عشرة، قال ابن الْعَرَبِيّ: ولا تخرُج عن هذه الثلاثة بحال، فَإِنَّ مِنْ سَحَرَ، أو سبَّ نبِي اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، كَفَرَ، فهُو دَاخِل في التَّارِك لِدِينِهِ (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠١٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ غَالِبٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا عَلِمْتَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلاَّ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، أَوِ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ». وَقَّفَهُ زُهَيْرٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ المذكور قريبًا.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بأَخَرَة [٣] ٣٨/ ٤٢.
٥ - (عمرو بن غالب) الهمدانيّ الكوفيّ، مقبولٌ [٣].
رَوَى عن عليّ، وعمّار، وعائشة، والأشتر النخعيّ. وعنه أبو إسحاق السبيعيّ.
_________________
(١) راجع "الفتح" ١٤/ ١٨٤ - ١٨٨. "كتاب الديات" رقم الحديث ٦٨٧٨.
[ ٣١ / ٣١٦ ]
ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن الْبَرْقيّ: كوفيّ مجهولٌ، احْتُمِلَت روايته لرواية أبي إسحاق عنه. وقال مسلم في "الوحدان": تفرّد عنه أبو إسحاق. وقال أبو عليّ الصدفيّ: وثّقه النسائيّ. وقال الذهبيّ: ما حدّث عنه سوى أبي إسحاق. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط، والترمذيّ بحديث آخر. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمرو بن غالب، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ غَالِبٍ) الهمدانيّ، أنه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَمَا عَلِمْتَ)
في الحديث قصّة، ساقها الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده"، ولفظه:
حدثنا ابن نمير، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن غالب، قال: انتهيت إلى عائشة أنا وعمار والأشتر، فقال عمار: السلام عليك يا أُمَّتَاه، فقالت: السلام على من اتبع الهدى، حتى أعادها عليها مرتين، أو ثلاثا، ثم قال: أما واللَّه إنكِ لأمي، وإن كرهت، قالت: من هذا معك؟ قال: هذا الأشتر، قالت: أنت الذي أردت أن تقتل ابن أختي، قال: نعم، قد أردت ذلك، وأراده، قالت: أَمَا لو فعلت، ما أفلحت، أَمَّا أنت يا عمار، فقد سمعت، أو سمعتُ رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم، إلا من ثلاثة، إلا مَنْ زنى بعدما أُحصِن، أو كفر بعدما أسلم، أو قَتْل نفسا، فقُتِل بها".
حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن غالب، قال: جاء عمار، ومعه الأشتر، يستأذن على عائشة، قال: يا أُمَّهْ، فقالت: لست لك بأم، قال: بلى، وإن كرهتِ، قالت: من هذا معك؟ قال: هذا الأشتر، قالت: أنت الذي أردت قَتْل ابن أختي، قال: قد أردت قتله، وأراد قتلي الحديث.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئِ مُسْلِمٍ، إِلَّا رَجُلٌ) بالرفع على البدليّة من
[ ٣١ / ٣١٧ ]
"دمُ امرئ"، على حذف مضاف، أي إلا دم رجل (زنَى بَعْدَ إِحْصانِهِ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلامِهِ) أي ارتدّ عن الإسلام، وفي الرواية الآتية في - ١١/ ٤٠٥٠ - من رواية عُبيد بن عمير، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: (أو رجلٌ يخرج من الإسلام، فيُحارب اللَّه -﷿- ورسوله، فيُقتل، أو يُصلب، أو يُنفى من الأرض" (أَوْ النَّفْسُ بالنَّفْسِ) أي النفس التي تطالب لتُقتل في مقابل قتلها النفس التي لا يحلّ لها قتلها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده أبو إسحاق، وهو مدّلسٌ، وقد عنعنه؟.
[قلت]: قد رُوِي هذا الحديثُ عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بغير هذا السند، فسيأتي للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في ١١/ ٤٠٥٠ - بسند صحيح عن عُبيد بن عُمير، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" الحديث. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥/ ٤٠١٨ و٤٠١٩ و١١/ ٤٠٥٠ وفي "القسامة" ١٣/ ٤٧٤٥ - وفي "الكبرى" ٥/ ٣٤٨٠ و٣٤٨١ وفي "القسامة" ١٢/ ٦٩٤٥. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٣٥٣ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢٣٧٨٣ و٢٤٩٤ و٢٥٧٢ و٢٥٢٦٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وقفه زُهيرٌ) يعني أن زُهير بن معاوية خالف سفيان الثوريّ في هذا الحديث، فرواه موقوفًا على عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، كما بيّنه بقوله:
٤٠١٩ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ غَالِبٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا عَمَّارُ، أَمَا إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ، إِلاَّ ثَلَاثَةٌ: "النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، أَوْ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ مَا أُحْصِنَ"، وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هلال بن العلاء": هو أبو عمر الرّقّيّ، صدوقٌ [١١] ١٠/ ١١٩٩ من أفراد المصنّف.
و"حسين": هو ابن عيّاش بن حازم السلميّ مولاهم، أبو بكر الباجُدّائيّ، ثقة [١٠] ١٥/ ١٤٨٤، من أفراد المصنّف أيضًا.
[ ٣١ / ٣١٨ ]
و"زُهير": هو ابن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره [٧] ٣٨/ ٤٢.
وقوله: "إلا ثلاثة" أي إلا دم ثلاثة، فهو على حذف مضاف.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث موقوف، ورواية سفيان التي قبله، أرجح منه؛ لأمور:
[منها]: أن الرفع زيادة من ثقة حافظ، فتُقبل، ومعلومٌ أن سفيان الثوريّ أحفظ من زُهير بكثير.
[الثاني]: أن زهيرًا، وإن كان ثقةً ثبتًا، إلا أنه إنما سمع من أبي إسحاق بعد أن اختلط، كما هو مبين في ترجمته من "تهذيب التهذيب"، وغيره، فتكون روايته ضعيفة.
[الثالث]: أن سفيان له متابع فقد روى الحديث عُبيد بن عُمير، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، مرفوعًا، كما سيأتي للمصنّف في ١١/ ٤٠٥٠ - إن شاء اللَّه تعالى.
والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعًا، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٢٠ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَا: كُنَّا مَعَ عُثْمَانَ، وَهُوَ مَحْصُورٌ، وَكُنَّا إِذَا دَخَلْنَا مَدْخَلًا، نَسْمَعُ كَلَامَ مَنْ بِالْبَلَاطِ، فَدَخَلَ عُثْمَانُ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَتَوَاعَدُونِي بِالْقَتْلِ، قُلْنَا: يَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ، قَالَ: فَلِمَ يَقْتُلُونِّي؟، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ»، فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ، وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَا تَمَنَّيْتُ أَنَّ لِي بِدِينِي بَدَلًا، مُنْذُ هَدَانِي اللَّهُ، وَلَا قَتَلْتُ نَفْسًا، فَلِمَ يَقْتُلُونَنِي؟).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إبراهيم بن يعقوب) بن إسحاق، أبو إسحاق الْجُوزَجانيّ، نزيل دمشق، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤ من أفراد المصنّف، والترمذيّ.
٢ - (محمد بن عيسى) أبو جعفر ابن الطبّاع البغداديّ، نزيل أَذَنَةَ، ثقة فقيه [١٠] ٣٩/ ٣٢٧٨.
٣ - (حمّاد بن زيد) بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٨] ٣/ ٣.
٤ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت
[ ٣١ / ٣١٩ ]
٢٢/ ٢٣.
٥ - (أبو أُمامة بن سَهْل) هو أسعد بن سهْل بن حُنيف الأنصاريّ، معدود في الصحابة لرؤيته، ولا سماع له [٢] ٨/ ٥٠٩.
٦ - (عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة) الْعَنَزيّ، حليف بني عديّ، أبو محمد المدنيّ، وُلد على عهد النبيّ - ﷺ -، وأبوه صحابيّ مشهور، وثّقه العجليّ، وتقدّم في ٤/ ٣٤١٦.
٧ - (عثمان) بن عفّان بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنه -، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة، استُشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة (٣٥هـ) وعمره (٨٠) سنة، وقيل: أكثر، وقيل: أقلّ، تقدّم في ٦٨/ ٨٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّين. (ومنها): أن صحابيه أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة - رضي اللَّه تعالى عنهم - أجمعين. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن يحيى بن سعيد أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ) أسعد (بْنُ سَهْلٍ) الأنصاريّ المدنيّ (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ) العنزيّ المدنيّ (قَالَا: كُنَّا مَعَ عُثْمَانَ) بن عفّان - رضي اللَّه تعالى عنه - (وهُو مَحْصُورٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، والمحصور: اسم مفعول من حَصَره العدوّ حَصْرًا، من باب قتل: أحاطوا به، ومنعوه من المضيّ لأمره. وقال ابن السّكّيت، وثعلبٌ: حَصَره العدوّ في منزله: حَبَسَهُ، وأحصره المرضُ بالألف: منعه مني السفر. وقال الفرّاء: هذا هو كلام العرب، وعليه أهلُ اللغة. وقال ابن الْقُوطيّة، وأبو عَمْرو الشيبانيّ: حصره العدوّ والمرض، وأحصره، كلاهما بمعنى حبسه. ذكره الفيّوميّ.
(وكُنَّا إِذَا دَخَلْنَا مَدْخَلًا) بفتح الميم، وضمّها: أي موضع دخول (نَسْمَعُ كَلَام مَنْ بِالْبَلَاطِ) بفتح الباء، بوزن سحاب: موضع بالمدينة بين المسجد والسوق، مُبلَّطٌ، ويقال: بَلَطَ الدار، وأبلطها، وبلّطها: إذا فرَشها بالبَلاط، وهي الحجارة التي تُفرَش في
[ ٣١ / ٣٢٠ ]
الدار. أفاده في "القاموس" (فَدَخَلَ عُثْمَانُ يَوْمًا) أي دخل ذلك المكان، ففي رواية أحمد: "فدخل ذلك المدخل" (ثُمَّ خَرَجَ) ولفظ أحمد: "وخرج إلينا" (فقال: إِنَّهُمْ لَيَتَوَاعَدُونِي بِالْقَتْلِ) من المواعدة، ولفظ أحمد: "إنهم يتوعّدوني بالقتل آنفًا"، من التوعّد: أي يتهدّدوني، يقال: توعّدته: تهدّدته، والمعنى أنهم يهدّدونه بأن يقتلوه، والقاتلون هم أهل مصر.
وسبب قتله -كما ذكره في "الإصابة" أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلّها معاوية، وبالبصرة سعيد بن العاص، وبمصر عبد اللَّه بن سعيد بن أبي سَرْح، وبخراسان عبد اللَّه بن عامر، وكان من حجّ منهم يشكو من أميره، وكان عثمان ليّن الْعرِيكة" (^١)، كثير الإحسان والحلم، وكان يستبدل ببعض أمرائه، فيُرضيهم، ثم يُعيده بعدُ، إلى أن دخل أهل مصر يشكون من ابن أبي سَرْحٍ، فعزله، وكتب لهم كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر الصّدّيق، فرضُوا بذلك، فلما كانوا في أثناء الطريق، رأوا راكبًا على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي سَرْحٍ، ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب، ورجعوا، وواجهوه به، فحلف أنه ما كتب، ولا أذن، فقالوا: سَلَّمْنا كاتبك، فخشي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وهو ابن عمّه، فغضبوا، وحصَرُوه في داره، واجتمع جماعةٌ، يحمونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال، إلى أن تسوّروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه، فقتلوه، فعظُم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم، وانفتح باب الفتنة، فكان ما كان، وباللَّه تعالى المستعان. انتهى (^٢).
(قُلْنَا: يَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ، قال: فَلِمَ يَقْتُلُونِّي؟، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ)
وفي رواية للإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده" من طريق محمد بن عبد الرحمن بن مجبر، عن أبيه، عن جدّه، أن عثمان - ﵁ -، أشرف على الذين حصروه، فسلم عليهم، فلم يردّوا عليه، فقال عثمان - ﵁ -: أفي القوم طلحة؟ قال طلحة: نعم، قال: فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، أُسَلِّم على قوم، أنت فيهم، فلا ترُدُّون؟ قال: قد رددتُ، قال: ما هكذا الردُّ، أسمعك ولا تسمعني، يا طلحة أنشُدُك اللَّه، أسمعت النبيَّ - ﷺ - يقول: "لا يُحِلُّ دم المسلم، إلا واحدة من ثلاث، أن يكفر بعد إيمانه، أو يزني بعد إحصانه، أو يَقتُل نفسا فيقتل بها"، قال: اللَّهم نعم، فكبّر عثمان، فقال: واللَّه ما أنكرت اللَّهَ منذ عرفته، ولا زنيت، في جاهلية ولا إسلام، وقد تركته في
_________________
(١) يقال: رجلٌ ليّنُ العَرِيكة: سَلِسُ الخُلُق. اهـ ق.
(٢) "الإصابة" ٦/ ٣٩٢ - ٣٩٣.
[ ٣١ / ٣٢١ ]
الجاهليّة تَكَرُّهًا، وفي الإسلام تَعَفَّفًا، وما قتلت نفسًا، يحل بها قتلي.
(لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) المراد قتله (إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ) أي إلا بسبب إحدى ثلاث خصال (رَجُلٌ) يجوز جرّه على البدليّة، ورفعه على أنه خبر لمحذوف، وهو على حذف مضاف: أي إحداها خصلة رجل (كَفَرَ بَعْدَ إِسْلامِهِ) أي ارتدّ عن الإسلام، وهو بمعنى الحديث الآتي: "من بدّل دينه، فاقتلوه" (أَو زَنَى بعد إِحْصَانِهِ) المراد بالإحصان هنا أن يتزوّج نكاحًا صحيحًا، ويدخل بالمرأة (أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيرِ نَفْسٍ) أي بغير قتل نفس معصومة الدم (فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّة، ولا إِسْلَام) زاد في رواية أحمد السابقة: "وقد تركته في الجاهليّة تكرُّهًا، وفي الإسلام تَعَفَّفًا" (وَلَا تَمَنَّيتُ أَنَّ لِي بِدِينِي بَدَلًا، مُنْذُ هَدَانِي اللَّهُ) وفي رواية أحمد المذكورة: "واللَّه ما أنكرت اللَّه منذ عرفته" (وَلَا قَتَلْتُ نَفْسًا) وما قتلت نفسًا، يحل بها قتلي (فَلِمَ يَقْتُلُونَنِي؟) على لفظ الاستفهام الإنكاريّ، يعني أن أسباب القتل هي المذكورة في هذا الحديث، وعثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - ما ارتكب شيئًا منها يوجب قتله، فلذلك استنكر عليهم تجمعهم لقتله، ولكنّهم ما انكفّوا عنه، بل قتلوه، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عثمان بن عفّان - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥/ ٤٠٢٠ و١٤/ ٤٠٥٩ و٤٠٦٠ - وأخرجه (د) في "الديات" ٤٥٠٢ (ت) في "الفتن" ٢١٥٨ (ق) في "الحدود" ٢٥٣٣ (أحمد) في "مسند العشرة" ٤٣٩ و٤٥٤ و١٤١١ و١٤٠٥ (الدارمي) في "الحدود" ٢٢٩٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يحلّ به دم المسلم. (ومنها): أن فيه منقبةً عظيمة لعثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -، حيث كان مجبولًا على مكارم الأخلاق جاهليّةً، وإسلامًا، فكان مبتعدًا عن الفواحش، ف- رضي اللَّه تعالى عنه -، وأرضاه. (ومنها): أن الذين اعتدوا عليه، وقتلوه بغاةٌ، ظالمون له، حيث إنه لم يرتكب ما يوجب قتله. (ومنها): أن في قتله علمًا من أعلام النبوّة، حيث كان - ﷺ -، أخبره بذلك، فقد أخرج الشيخان، من طريق شريك بن أبي نمر، عن سعيد بن المسيّب، قال: أخبرني أبو موسى الأشعري، أنه توضأ في بيته، ثم خرج،
[ ٣١ / ٣٢٢ ]
فقلت: لألزمنّ رسول اللَّه - ﷺ -، ولأكوننّ معه يومي هذا، قال: فجاء المسجد، فسأل عن النبيّ - ﷺ -، فقالوا: خرج، ووجَّه ها هنا، فخرجت على إثره، أسأل عنه حتى دخل بئر أَرِيس، فجلست عند الباب، وبابها من جريد، حتى قضى رسول اللَّه - ﷺ - حاجته، فتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس، وتوسط قُفَّها، وكشف عن ساقيه، ودلَّاهما في البئر، فسلمت عليه، ثم انصرفت، فجلست عند الباب، فقلت: لأكوننّ بواب رسول اللَّه - ﷺ - اليوم، فجاء أبو بكر، فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رِسْلِك، ثم ذهبت، فقلت: يا رسول اللَّه هذا أبو بكر يستأذن، فقال: "ائذن له، وبشره بالجنة"، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل، ورسول اللَّه - ﷺ - يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول اللَّه - ﷺ - معه في القُفّ، ودَلَّى رجليه في البئر، كما صنع النبيّ - ﷺ -، وكشف عن ساقيه، ثم رجعت، فجلست، وقد تركت أخي يتوضأ، ويَلحقُني، فقلت: إن يرد اللَّه بفلان خيرا يريد أخاه- يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فسلمت عليه، فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: "ائذن له، وبشره بالجنة"، فجئت، فقلت: ادخل، وبشرك رسول اللَّه - ﷺ - بالجنة، فدخل، فجلس مع رسول اللَّه - ﷺ - في القفّ، عن يساره، ودلَّى رجليه في البئر، ثم رجعت، فجلست، فقلت: إن يرد اللَّه بفلان خيرا، يأت به، فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت إلى رسول اللَّه - ﷺ - فأخبرته، فقال: "ائذن له، وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه"، فجئته، فقلت له: ادخل، وبشرك رسول اللَّه - ﷺ - بالجنة، على بلوى تصيبك، فدخل، فوجد القُفَّ قد ملئ، فجلس وِجاهه من الشق الآخر.
قال شريك بن عبد اللَّه: قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ٣١ / ٣٢٣ ]