قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- هنا بقوله: "باب من حلف بملّةٍ، سوى الإسلام"، فقال في "الفتح": ما نصّه: ولم يجزم المصنّف بالحكم، هل يَكفُر الحالف بذلك، أو لا، لكن تصرّفه يقتضي أن لا يَكفُر بذلك؛ لأنه علّق حديث: "من حلف باللات والْعُزَّّى، فليقل: لا إله إلا اللَّه"، ولم يَنسبه إلى الكفر، وتمام الاحتجاج أن يقول: لكونه اقتصر على الأمر يقول: لا إله إلا اللَّه، ولو كان ذلك يقتضي الكفر لأمره بتمام الشهادتين. انتهى. وسيأتي التفصيل قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
٣٧٩٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ خَالِدٍ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ، سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ".
قَالَ: قُتَيْبَةُ، فِي حَدِيثِهِ: "مُتَعَمِّدًا"، وَقَالَ يَزِيدُ: "كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عَذَّبَهُ اللَّهُ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع) -بفتح الباء الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ، ثقة [١٠] ٤٣/ ٥٨٨.
٣ - (ابن أبي عديّ) هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٥.
٤ - (يزيد) بن زُريع، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٥ - (خالد) بن مِهْران المعروف بالحذّاء البصريّ، ثقة يرسل [٥] ٧/ ٦٣٤.
[ ٣٠ / ٢٩٤ ]
٦ - (أبو قِلابة) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجرميّ البصريّ، ثقة فاضل، كثير الإرسال، قيل: فيه نصب يسير [٣] ١٠٣/ ٣٢٢.
٧ - (ثابت بن الضحاك) بن خَليفة الأشهليّ الأوسيّ، أبو زيد المدنيّ، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وكان رديف رسول اللَّه - ﷺ - يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد. روى عن النبيّ - ﷺ - ". وروى عنه عبد اللَّه بن معقِل بن مُقَرِّن الْمُزَنيّ، وأبو قلابة عبد اللَّه بن زيد الْجَرْميّ. وقال البخاريّ، والترمذيّ: شهد بدرًا. مات في فتنة ابن الزبير سنة (٦٤) على الصحيح. وقيل: سنة ٤٥). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، فكلّهم بصريون، غير قُتيبة، فبغلاني، وهي قرية من قرى بَلخ.، وغير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فإنه ليس له في الكتب الستة إلا أربعة أحاديث: حديثُ الباب عند الجماعة، وحديثُ البيعة تحت الشجرة، عند البخاريّ، ومسلم، وأبي داود، وحديثُ النهي عن المزارعة عند مسلم، وحديثُ: "نَذَرَ رجل أن ينحر إبلًا ببُوَانَةَ … " الحديث عند أبي داود. راجع "تحفة الأشراف" جـ١ص ١٩٩ - ١٢١. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "مَنْ حَلَفَ) زاد في رواية مسلم: "على يمين"، فقال القرطبيّ: اليمين هنا يعني به المحلوف عليه، بدليل ذكره المحلوف به، وهو بـ "ملة غير الإسلام"، ويجوز أن يقال: إنّ "على" صلةٌ، وينتصب "يمين" على أنه مصدر مُلاقٍ في المعنى، لا في اللفظ. انتهى.
(بِمِلَّةٍ) بكسر الميم، وتشديد اللام: الدين والشريعة، وهي نكرة في سياق الشرط، فتعمّ جميع الملل، من أهل الكتاب، كاليهود، والنصرانيّة، ومن لَحِق بهم من المجوسية، والصابئة، وأهل الأوثان، والدهريّة، والمعطِّلة، وعبدة الشياطين، والملائكة، وغيرهم (سِوَى الإِسْلَامِ) بالجرّ صفة و"ملةٍ"، أي بملّة غير الإسلام، أيَّ دين كان، كما ذُكر بيانه آنفًا (كَاذِبًا) وفي رواية: "متعمّدا"، كما سيبيّنه المصنّف بعدُ.
قال الصنعانيّ في "العدّة": اعلم أنه لا يتبادر من قوله "على يمينٍ بملّة" إلا أن الملّة
[ ٣٠ / ٢٩٥ ]
محلوف بها، وأنه قال الحالف: وملّةِ اليهوديّة، وقوله: "كاذبًا" حال من فاعل حلف، وحَلَفَ يتضمّن عَظَّم، إذ الحلف تعظيم للمحلوف به قطعًا، فقوله: "كاذبًا"، فكأنه قال: من حلف معظّمًا لملة اليهوديّة، حال كونه كاذبًا في تعظيمه إياها بحلفه، إذ الحلف يتفرّع عن تعظيم ما حلف به، فكذبه كان بتعظيمه ما أهانه اللَّه تعالى، والحلف بالشيء يتضمّن الإخبار بتعظيمه، ولذا يقول صاحب الملك: وحياةِ الملك، فإن هذا حلف يتضمّن الإخبار باعتقاده، وتعظيم من حلف به، هذا مما لا ريب فيه. انتهى (^١).
(فَهُوَ كَمَا قَالَ) هذا بظاهره يفيد أنه يصير كافرًا، لكن يحتمل أن يكون المراد ضعفه في دينه، وخروجه عن الكمال فيه. ويحتمل أن يكون المراد إن كان راضيًا بالدخول في تلك الملّة، فيكون كافرًا على ظاهره، خارجًا عن الإسلام.
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يريد به النبيّ - ﷺ -: من كان معتقدًا لتعظيم تلك الملّة المغايرة لملّة الإسلام، وحينئذ يكون كافرًا حقيقةً، فيبقى اللفظ على ظاهره، و"كاذبًا" منصوبٌ على الحال، أي في حال تعظيم تلك الملّة التي حلف بها، فتكون هذه الحال من الأحوال اللازمة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]؛ لأن من عظّم ملّةَ غير الإسلام كان كاذبًا في تعظيمه دائمًا في كلّ حال، وكلّ وقتٍ، لا ينتقل عن ذلك، ولا يصلح أن يقال: إنه يعني بكونه كاذبًا في المحلوف عليه؛ لأنه يستوي في ذمّه كونه صادقًا، أو كاذبًا إذا حلف بملّة غير الإسلام؛ لأنه إنما ذمّه الشرع من حيث إنه حلف بتلك الملّة الباطلة، معظّمًا لها، على نحو ما تُعظّم به ملّة الإسلام الحقّ، فلا فرق بين أن يكون صادقًا، أو كاذبًا في المحلوف عليه. واللَّه تعالى أعلم.
وأما إن كان الحالف بذلك غير معتقد لذلك فهو آثمٌ، مرتكبٌ كبيرة، إذ قد نسبه في قوله لمن يعظّم تلك الملّة، ويعتقدها، فغلّظ عليه الوعيد، بأن صيّره كواحد منهم، مبالغة في الردع، والزجر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^٢).
وقال في "الفتح": قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: الحلف بالشيء حقيقة هو القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه، كقوله: واللَّه، والرحمن، وقد يُطلق على التعليق بالشيء يمين، كقولهم: من حلف بالطلاق، فالمراد تعليق الطلاق، وأُطلق عليه الحلف لمشابهته باليمين في اقتضاء الحثّ والمنع. وإذا تقرَر ذلك، فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثاني؛ لقوله: "كاذبًا متعمّدًا"، والكذب يدخل القضيّة الإخباريّة
_________________
(١) "العدّة حاشية العمدة" ٤/ ٤٠٣ - ٤٠٤.
(٢) "المفهم" ١/ ٣١٢ "كتاب الإيمان".
[ ٣٠ / ٢٩٦ ]
التي يقع مقتضاها تارةً، ولا يقع أخرى، وهذا بخلاف قولنا: واللَّه، وما أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجيّ، بل هي لإنشاء القسَم، فتكون صورة الحلف هنا على وجهين: [أحدهما]: أن يتعلّق بالمستقبل، كقوله: إنّ فعل كذا، فهو يهوديّ، والثاني يتعلّق بالماضي، كقوله: إن كان فعل كذا فهو يهوديّ. وقد يتعلّق بهذا من لم ير فيه الكفّارة؛ لكونه لم يَذكُر فيه كفّارةً، بل جعل المرتّب على كذبه قوله: "فهو كما قال".
قال ابن دقيق العيد: ولا يَكفُرُ في صورة الماضي، إلا إن قصد التعظيم، وفيه خلاف عند الحنفيّة؛ لكونه يتخيّر معنى، فصار كما لو قال: هو يهوديّ. ومنهم من قال: إن كان لا يعلم أنه يمين لم يَكفُر، وإن كان يعلم أنه يكفر بالحثّ به كفر؛ لكونه رضي بالكفر حين أقدم على الفعل.
وقال بعض الشافعيّة: ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذبًا، والتحقيق، فإن اعتقد تعظيم ما ذُكر كفَرَ، وإن قصد حقيقة التعليق، فيُنظر، فإن كان أراد أن يكون متّصفًا بذلك كفَرَ؛ لأن إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك، أو يُكره تنزيهًا؟ الثاني هو المشهور (^١).
قال الجامع: عندي أن الأول هو الظاهر؛ لظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم.
وقال عياضٌ: قوله: "كاذبًا" تفرّد بزيادتها سفيان الثوريّ، وهي زيادة حسنة، يستفاد منها أن الحالف المتعمّد إن كان مطمئنّ القلب بالإيمان" وهو كاذبٌ في تعظيم ما لا يُعتقد تعظيمه لم يكفر، وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك الملّة لكونها حقًا كفر، وإن قالها لمجرّد التعظيم لها احتمل. قال الحافظ: وينقدح بأن يقال: إن أراد تعظيمها باعتبار ما كانت قبل النسخ لم يكفر أيضًا (^٢).
ودعوى عياض تفرد سفيان بهذه الزيادة إنما هو بالنسبة لرواية مسلم، وإلا فقد أخرجها النسائيّ هنا من طريق ابن أبي عديّ، عن خالد الحذّاء. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ قُتَيبَةُ) بن سعيد (فِي حَدِيثِهِ) أي في روايته هذا الحديث عن ابن أبي عديّ (مُتَعَمِّدًا) أي بدلًا عن "كاذبًا" الذي أشار إليه بقوله (وَقَالَ يَزِيد: "كَاذبًا") يزيد هو ابن زُريع، هكذا نسخ "المجتبى"، وكان الظاهر أن يقول: وقال محمد بن عبد اللَّه؛ لأنه الذي في مقابلة قتيبة، وليس هذا في "الكبرى"، ولفظه: (وقال قتيبة في حديثه: بشيء متعمّدًا". انتهى.
_________________
(١) "فتح".
(٢) "فتح" ١٣/ ٣٨٨.
[ ٣٠ / ٢٩٧ ]
وقوله (فَهُوَ كَمَا قَالَ) مكرّرٌ مع ما تقدّم.
(وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عَذِّبَهِ اللَّه بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) وفي رواية: "ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذب به يوم القيامة". وقوله: "بشيء" أعمّ مما وقع في رواية مسلم "بحديدة"، وله من حديث أبي هريرة - ﵁ -: "ومن تحسّى سمّا". قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: هذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويّة للجنايات الدنيويّة، ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي للَّه تعالى، فلا يتصرّف فيها إلا بما أذن له فيه.
قيل: وفيه حجة لمن أوجب المماثلة في القصاص؛ خلافًا لمن خصّصه بالمحدود.
وردّه ابن دقيق العيد بأن أحكام اللَّه لا تُقاس بأفعاله، فليس كلّ ما ذُكر أنه يفعله في الآخرة يشرع لعباده في الدنيا، كالتحريق بالنار مثلًا، وسقي الحميم الذي يقطع به الأمعاء.
وحاصله أنه يستدلّ للماثلة في القصاص بغير هذا الحديث، وقد استدلّوا بقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ويأتي بيان ذلك في "القصاص والديات"، إن شاء اللَّه تعالى (^١).
[تنبيه]: جملة الخصال التي ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في حديث ثابت بن الضحاك - ﷺ - هذا ثلاث أشياء:
١ - "من حلف بملة غير الإسلام"، و٢ - "ومن قتل نفسه بشيء". و٣ - ما يأتي في -٣١/ ٣٨٤٠ -: "وليس على رجل نذرٌ فيما لا يملك".
وقد أخرج البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- الحديث في "كتاب الأدب" من "صحيحه" بأتمّ من هذا، ولفظه:
٦٠٤٧ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، أن ثابت بن الضحاك، وكان من أصحاب الشجرة حدثه، أن رسول اللَّه - ﷺ -، قال: "من حلف على ملة غير الإسلام، فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر، فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا، عذب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنا، فهو كقتله، ومن قذف مؤمنا بكفر، فهو كقتله".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: مدار هذا الحديث في الكتب الستّة، وغيرها على أبي قلابة، عن ثابت بن الضحّاك، ورواه عن أبي قلابة خالد الحذّاء، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، فأخرجه البخاريّ في "الجنائز" من رواية يزيد بن زريع، عن خالد الحذّاء،
_________________
(١) "فتح" ٣٨٩.
[ ٣٠ / ٢٩٨ ]
فاقتصر على خصلتين: الأولى: "من حلف بملة غير الإسلام". والثانية: "من قتل نفسه بحديدة". وأخرجه مسلم من طريق الثوريّ، عن خالد الحذاء، ومن طريق شعبة، عن أيوب كذلك. وأخرجه مسلم أيضًا من طريق هشام الدستوائيّ، عن يحيى، فذكر خصلة النذر، ولعن المؤمن كقتله، "ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة"، ولم يذكر الخصلتين الباقيتين، وزاد بدلهما: "ومن حلف على يمينٍ صبرٍ فاجرة، ومن ادّعى دعوى كاذبة ليتكثّر بها لم يزده اللَّه إلا قلّة"، فهذا ضُمّ بعض هذه الخصال إلى بعض اجتمع منها تسعة (^١). انتهى كلام الحافظ بتصرّف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ثابت بن الضّحّاك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧/ ٣٧٩٧ و٣٧٩٨ و٣١/ ٣٨٤٠ - وفي "الكبرى" ٧/ ٤٨١١ و١٤٧٢ و٨/ ٤٧٥٥. وأخرجه (خ) في "الجنائز" ١٣٦٤ و"الأدب" ٦٠٤٧ و١٦٠٥ و"الأيمان والنذور" ٦٦٥٣ (م) في "الإيمان" ١١٠ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٥٧ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٤٣ و"الإيمان" ٢٦٣٦ (ق) في "الكفّارات" ٢٠٩٨ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٩٥٠ و١٥٩٥٦ (الدارمي) في "الديات" ٢٣٦١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم الحلف بملّة سوى الإسلام. (ومنها): الوعيد الشديد لمن حلف بملّةٍ سوى الإسلام. (ومنها): تحريم قتل الإنسان نفسه. (ومنها): مجانسة الجزاء الأخرويّ للجناية الدنويّة. (ومنها): أن نفس الإنسان ليست ملكًا له يتصرّف فيها كيف شاء، بل هي للَّه تعالى، لا يجوز أن تعامل إلا بما شرع اللَّه تعالى أن تعامل به، فلا يجوز إلحاق الضرر بها، من التجويع، والتعطيش، وغير ذلك من إلحاق الأذى بها مما يعتقده جهالة الزهاد، ويرونه رياضة للنفس، وهم في ذلك مخطئون، فإن الرياضة لا تجوز إلا بما شرعه اللَّه تعالى على لسان نبيه - ﷺ -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الكفّارة لمن حلف بملّة غير الإسلام، أو نحو ذلك:
_________________
(١) قوله: "تسعة" فيه نظر، ولعلها مصحّفة من "سبعة". فليحرّر.
[ ٣٠ / ٢٩٩ ]
قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف فيمن قال: أكفر باللَّه، ونحو ذلك، إن فعلت، ثم فعل، فقال ابن عبّاس، وأبو هريرة، وعطاء، وقتادة، وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفّارة عليه، ولا يكون كافرًا، إلا إن أضمر ذلك بقلبه. وقال الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وأحمد، وإسحاق: هو يمين، وعليه الكفّارة. قال ابن المنذر: والأول أصحّ؛ لقوله - ﷺ -: "من حلف باللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا اللَّه"، ولم يذكر كفّارة. زاد غيره: ولذا قال: "من حلف بملّة غير الإسلام، فهو كما قال"، فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترىء أحدٌ عليه. ذكره في "الفتح". (^١).
وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر الروايتين عن أحمد: والرواية الثانية -يعني القول بعدم الكفّارة- أصحّ، إن شاء اللَّه تعالى؛ فإن الوجوب من الشارع، ولم يرد في هذه اليمين نصّ، ولا هى في قياس المنصوص؛ فإن الكفّارة إنما وجبت في الحلف باسم اللَّه تعظيمًا لاسمه، وإظهارًا لشرفه وعظمته، ولا تتحقّق التسوية. انتهى (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: هذا الذي قاله ابن قدامة، وقبله ابن المنذر، من تصحيح القول بعدم وجوب الكفّارة على من حلف بملّة سوى الإسلام، أو هو يهوديّ، أو نصرانيّ، أو نحو ذلك، ثم حنث. هو الأرجح عندي؛ لوضوح دليله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٩٨ - (أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، عَنْ يَحْيَى، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ، سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، عُذِّبَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو دمشقيّ ثقة. و"الوليد": وابن مسلم، أبو العباس الدمشقيّ. و"أبو عمرو": هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ. و"يحيى": وابن أبي كثير أبو نَصْرٍ صالح بن المتوكّل، اليماميّ.
والحديث متّفقٌ عليه. وقد سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٣٨٧.
(٢) "المغني" ١٣/ ٤٦٤ - ٤٦٥.
[ ٣٠ / ٣٠٠ ]