قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذه الآية الكريمة مسائل:
(المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في سبب نزولها:
(اعلم): أَنَّ ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن الآية الكريمة نزلت في أهل الردّة، ومثله صنيع الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، قال ابن بطال -رحمه اللَّه تعالى-: ذهب البخاريّ إلى أن آية المحاربة نزلت في أهل الكفر والردة، وساق حديث العرنيين، وليس فيه تصريح بذلك، ولكن أخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة حديث
[ ٣١ / ٣٣٠ ]
العرنيين، وفي آخره: قال: بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]. ووقع مثله في حديث أبي هريرة - ﵁ -، وممن قال ذلك الحسن، وعطاء، والضحاك، والزهري. قال: وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين، يسعى في الأرض بالفساد، ويقطع الطريق، وهو قول مالك، والشافعيّ، والكوفيين، ثم قال: وليس هذا منافيا للقول الأول؛ لأنها وإن نزلت في العرنيين بأعيانهم، لكن لفظها عام يدخل في معناه كلّ من فعل مثل فعلهم، من المحاربة والفساد.
قال الحافظ: بل هما متغايران، والمرجع إلى تفسير المراد بالمحاربة، فمن حملها على الكفر خص الآية بأهل الكفر، ومن حملها على المعصية عمم، ثم نقل ابن بطال عن إسماعيل القاضي، أن ظاهر القرآن، وما مضى عليه عمل المسلمين، يدل على أن الحدود المذكورة في هذه الآية، نزلت في المسلمين، وأما الكفار فقد نزل فيهم: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ إلى آخر الآية [سورة محمد - ﷺ -: ٤]، فكان حكمهم خارجا عن ذلك. وقال تعالى في آية المحاربة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية [المائدة: ٣٤]، وهي دالة على أن من تاب من المحاربين يسقط عنه الطلب بما ذكر بما جناه فيها، ولو كانت الآية في الكافر لنفعته المحاربة، ولكن إذا أحدث الحرابة مع كفره اكتفينا بما ذكر في الآية، وسلم من القتل، فتكون الحرابة خففت عنه القتل.
وأجيب عن هذا الإشكال بأنه لا يلزم من إقامة هذه الحدود على المحارب المرتد مثلا، أن تسقط عنه المطالبة بالعود إلى الإسلام، أو القتل. وقد نقل البخاريّ في تفسير "سورة المائدة"، عن سعيد بن جبير أن معنى المحاربة للَّه الكفر به. وأخرج الطبري من طريق روح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس في آخر قصة العرنيين، قال: فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، وأخرج نحوه من وجه آخر عن أنس. وأخرج الإسماعيلي هناك من طريق مروان بن معاوية، عن معاوية بن أبي العباس، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] قال: هم من عكل.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والمعتمد أن الآية نزلت أولا فيهم، وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق، لكن عقوبة الفريقين مختلفة، فإن كانوا كفارا يخير الإمام فيهم إذا ظفر بهم، وإن كانوا مسلمين فعلى قولين: أحدهما: وهو
[ ٣١ / ٣٣١ ]
قول الشافعيّ، والكوفيين ينظر في الجناية، فمن قَتل قُتل، ومن أخذ المال قُطع، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالا نُفي، وجعلوا "أو" للتنويع. وقال مالك: بل هي للتخيير، فيتخير الإمام في المحارب المسلم بين الأمور الثلاثة، ورجح الطبري الأول. ذكره في "الفتح" (^١).
وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية، فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين، روى الأئمة، واللفظ لأبي داود، عن أنس بن مالك: "أن قوما من عكل، أو قال: من عرينة، قدموا إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فاجتووا المدينة، فأمر لهم رسول اللَّه - ﷺ - بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صَحُّوا قتلوا راعي النبيّ - ﷺ -، واستاقوا النعم، فبلغ النبيّ - ﷺ - خبرهم من أول النهار، فأرسل في آثارهم، فما ارتفع النهار حتى جيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون، قال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا اللَّه ورسوله، وفي رواية: فأمر بمسامير، فأحميت وكحلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم، وما حسمهم، وفي رواية: بعث رسول اللَّه - ﷺ - في طلبهم قافة، فأتي بهم، قال: فأنزل اللَّه ﵎ في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، وفي رواية: قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يَكْدِم الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا، وفي البخاري (^٢) قال جرير بن عبد اللَّه في حديثه: فبعثني رسول اللَّه - ﷺ - في نفر من المسلمين، حتى أدركناهم وقد أشرفوا على بلادهم، فجئنا بهم إلى رسول اللَّه - ﷺ -، قال جرير: فكانوا يقولون: الماء، ويقول رسول اللَّه - ﷺ -: "النار".
وقد حكى أهل التواريخ والسير، أنهم قطعوا يدي الراعي ورجليه، وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات، وأدخل المدينة ميتا، وكان اسمه يسار، وكان نوبيا، وكان هذا الفعل من المرتدين سنة ستّ من الهجرة، وفي بعض الروايات عن أنس: أن رسول اللَّه - ﷺ - أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم.
وروي عن ابن عباس، والضحاك، أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب، كان بينهم وبين رسول اللَّه - ﷺ - عهد، فنقضوا العهد، وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض.
وفي مصنف أبي داود، عن ابن عباس قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
_________________
(١) راجع "الفتح" ١٤/ ٦٦ - ٦٧.
(٢) هكذا نسخة تفسير القرطبيّ، والظاهر أنه تصحيف من "الطبري"؛ لأن هذه الرواية ليست في البخاريّ، بل في تفسير الطبريّ، وإسنادها ضعيف، كما قاله في "الفتح" ١/ ٤٥٢ فتنبّه.
[ ٣١ / ٣٣٢ ]
إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] نزلت هذه الآية في المشركين، فمن أُخذ منهم قبل أن يُقدَر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه، وممن قال: إن الآية نزلت في المشركين عكرمة، والحسن، وهذا ضعيف، يرده قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال:٣٨]، وقوله - ﷺ -: "الإسلام يهدم ما قبله"، أخرجه مسلم. والصحيح الأول؛ لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك.
وقال مالك، والشافعيّ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد، قال ابن المنذر: قول مالك صحيح، قال أبو ثور محتجًا لهذا القول: وفي الآية دليل على أنها نزلت في غير أهل الشرك، وهو قوله جل ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية [المائدة: ٣٤]، وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا، أن دماءهم تحرم، فدلّ ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام.
وحكى الطبري عن بعض أهل العلم أن هذه الآية نَسخت فعل النبي - ﷺ - في العرنيين، فوُقف الأمر على هذه الحدود. ورَوى محمد بن سيرين قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، يعني حديث أنس، ذكره أبو داود.
وقال قوم: منهم الليث بن سعد: ما فعله النبيّ - ﷺ - بوفد عرينة نُسخ، إذ لا يجوز التمثيل بالمرتد. قال أبو الزناد: إن رسول اللَّه - ﷺ - لما قطع الذين سرقوا لقاحه، وسمل أعينهم بالنار، عاتبه اللَّه -﷿- في ذلك، فأنزل اللَّه تعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، أخرجه أبو داود، قال أبو الزناد: فلما وُعظ، ونُهي عن المثلة لم يعد.
وحُكي عن جماعة أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل؛ لأن ذلك وقع في مرتدين، لاسيما وقد ثبت في "صحيح مسلم" وكتاب النسائيّ، وغيرهما قال: "إنما سمل النبي - ﷺ - أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة، فَكَانَ هذا قصاصا"، وهذه الآية في المحارب المؤمن.
قال القرطبيّ: وهذا قول حسن، وهو معنى ما ذهب إليه مالك، والشافعي، ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، ومعلوم أن الكفار لا تختلف أحكامهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة، كما تسقط قبل القدرة، والمرتد يستحق القتل بنفس الردة، دون المحاربة، ولا يُنفَى، ولا تُقطع يده ولا رجله، ولا يُخَلَّى سبيله، بل يُقتل إن لم يسلم، ولا يُصَلّب أيضًا، فدلّ أن ما
[ ٣١ / ٣٣٣ ]
اشتملت عليها الآية ما عُني به المرتد، وقال تعالى في حق الكفار: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقال في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية، وهذا بَيّنٌ، وعلى ما قررناه في أول الباب لا إشكال، ولا لوم، ولا عتاب، إذ هو مقتضى الكتاب، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، فمَثَلوا فمُثِل بهم، إلا أنه يحتمل أن يكون العتاب إن صح على الزيادة في القتل، وذلك تكحيلهم بمسامير محماة، وتركهم عَطَاشَى حتى ماتوا، واللَّه أعلم.
وحكى الطبري عن السدي، أن النبي - ﷺ - لم يسمل أعين العرنيين، وإنما أراد ذلك، فنزلت الآية ناهية عن ذلك، وهذا ضعيف جدا، فإن الأخبار الثابتة وردت بالسمل، ففي "صحيح البخاريّ": "فأمر بمسامير فأحميت، فكحلهم"، ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام، وإن كانت نزلت في المرتدين، أو اليهود. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما ذهب إليه الجمهور، وهو مذهب البخاريّ، والمصنّف أن الآية الكريمة نزلت في العرنيين المرتدّين، ولكنها تشمل بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق، وسيأتي تحقيق الخلاف في حكم معاقبتهم في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): أنه اختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة، فقال مالك: المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر، أو في برية، وكابرهم على أنفسهم وأموالهم، دون نائرة (^٢) ولا ذحل (^٣) ولا عداوة، قال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه المسألة، فأثبت المحاربة في المصر مرّة، ونفى ذلك مرّة. وقالت طائفة: حكم ذلك في المصر، أو في المنازل والطرق، وديار أهل البادية والقرى سواء، وحدودهم واحدة، وهذا قول الشافعيّ، وأبي ثور، قال ابن المنذر: كذلك هو؛ لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة، والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يُخرِج من جملة الآية قوما بغير حجة. وقالت طائفة: لا تكون المحاربة في المصر، وإنما تكون خارجا عن المصر، هذا قول سفيان الثوريّ، وإسحق، والنعمان، والمغتال كالمحارب، وهو الذي يحتال
_________________
(١) راجع "الجامع لأحكام القرآن" ٦/ ١٤٨ - ١٥٠.
(٢) يقال: نارت نائرة في الناس: هاجت هائجة.
(٣) الذحل: الثأر.
[ ٣١ / ٣٣٤ ]
في قتل إنسان على أخذ ماله، وإن لم يَشهَر السلاح، لكن دخل عليه بيته، أو صحبه في سفر فأطعمه سما فقتله، فيقتل حدّا، لا قودا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما ذهب إليه الشافعيّ، وأبو ثور، ورجحه ابن المنذر، من أن المحارب يعم كلّ من حمل السلاح على المسلمين مطلقًا، في المصر، أو المنازل، والطرق، أو البرية؛ لعموم الآية الكريمة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): اختلفوا في حكم المحارب، فقالت طائفة: يقام عليه بقدر فعله، فمن أخاف السبيل، وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، وإن أخذ المال، وقتل قطعت يده ورجله، ثم صلب، فإذا قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن هو لم يأخذ المال، ولم يقتل نفي، قاله ابن عباس، وروي عن أبي مجلز، والنخعي، وعطاء الخراساني، وغيرهم.
وقال أبو يوسف: إذا أخذ المال وقتل صلب وقتل على الخشبة، قال الليث: بالحربة مصلوبا. وقال أبو حنيفة: إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه، إن شاء قطع يده ورجله، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه، قال أبو يوسف: القتل يأتي على كلّ شيء، ونحوه قول الأوزاعيّ. وقال الشافعيّ: إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت، ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت، وخُلي؛ لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة، وإذا قتل قتل، وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب، وروي عنه أنه قال: يصلب ثلاثة أيام، قال: وإن حَضَرَ وكَثر وهِيب، وكان رِدْئًا للعدو حُبس، وقال أحمد: إن قتل قتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله، كقول الشافعيّ، وقال قوم: لا ينبغي أن يصلب قبل القتل، فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب. وحُكي عن الشافعيّ أكره أن يقتل مصلوبا؛ لنهي رسول اللَّه - ﷺ - عن المثلة. وقال أبو ثور: الإمام مخير على ظاهر الآية، وكذلك قال مالك، وهو مروي عن ابن عبّاس، وهو قول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي، كلهم قال: الإمام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها اللَّه تعالى، من القتل والصلب، أو القطع، أو النفي بظاهر الآية، قال ابن عبّاس: ما كان في القرآن "أو" فصاحبه بالخيار.
قال القرطبيّ: وهذا القول أسعد بظاهر الآية، فإن أهل القول الأول الذين قالوا: إن "أو" للترتيب، وإن اختلفوا، فإنك تجد أقوالهم أنهم يجمعون عليه حدين، فيقولون: يقتل ويصلب، ويقول بعضهم: يصلب ويقتل، ويقول بعضهم: تقطع يده ورجله
[ ٣١ / ٣٣٥ ]
وينفى، وليس كذلك الآية، ولا معنى "أو" في اللغة، قاله النحاس.
واحتج الأولون بما ذكره الطبريّ عن أنس بن مالك، أنه قال: سأل رسول اللَّه - ﷺ - جبريل - ﵇ -، عن الحكم في المحارب؟ فقال: "من أخاف السبيل وأخذ المال، فاقطع يده للأخذ ورجله للإخافة، ومن قتل فاقتله، ومن جمع ذلك فاصلبه"، قال ابن عطية: وبقي النفي للمخيف فقط، والمخيف في حكم القاتل، ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العذاب والعقاب استحسانا. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي القول بتخيير الإمام أرجح؛ لظاهر الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): اختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]: فقال السدي: هو أن يطلب أبدا بالخيل والرجل حتى يؤخذ، فيقام عليه حد اللَّه، أو يخرج من دار الإسلام هربا ممن يطلبه، عن ابن عباس، وأنس بن مالك، ومالك بن أنس، والحسن، والسدي، والضحاك، وقتادة، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس، والزهري، حكاه الرماني في كتابه. وحكي عن الشافعي أنهم يُخرجون من بلد إلى بلد، ويطلبون لتقام عليهم الحدود، وقاله الليث بن سعد، والزهري أيضا، وقال مالك أيضا: ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره، ويحبس فيه كالزاني، وقال مالك أيضا، والكوفيون: نفيهم سجنهم، فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه إذا سُجن فقد نفي من الأرض، إلا من موضع استقراره، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك:
خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنْ أَهْلِهَا … فَلَسْنَا مِنَ الأَمْوَاتِ فِيهَا وَلَا الأَحْيَا
إِذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لِحَاجَةٍ … عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا
حكى مكحول أن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه - أول من حبس في السجون، وقال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه من بلده إلى بلد، فيؤذيهم، والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النازلة، وقد تجنب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذنوب، ومنه حديث الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة (^١). وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب مخوف الجانب، يُظن أنه يعود إلى حرابة، أو إفساد أن يسجنه في البلد الذي يُغَرَّب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب، فظن أنه لا يعود إلى جناية سرح. قال ابن عطية: وهذا صريح مذهب مالك أن يغرب، ويسجن حيث يغرب، وهذا على
_________________
(١) هو الرجل الذي قتل تسعا وتسعين نفسًا، ثم جاء تائبًا، وقصته مشهور في "الصحيح".
[ ٣١ / ٣٣٦ ]
الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبريّ، وهو الواضح؛ لأن نفيه من أرض النازلة هو نص الآية، وسجنه بعدُ بحسب الخوف منه، فإن تاب وفُهمت حاله سرح. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى-، وهو التغريب والسجن أرجح، كما رجحه الطبريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اختلفوا، هل يشترط في قطع المحارب أخذ النصاب، أم لا؟:
قال ابن خويزمنداد: ولا يراعى المال الذي يأخذه المحارب نصابا كما يراعى في السارق، وقد قيل: يراعى في ذلك النصاب، ربع دينار، قال ابن العربي: قال الشافعي، وأصحاب الرأي: لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قدر ما تقطع فيه يد السارق، وقال مالك: يحكم عليه بحكم المحارب، وهو الصحيح، فإن اللَّه تعالى وَقّت على لسان نبيه - ﵊ - القطع في السرقة في ربع دينار، ولم يُوَقّت في الحرابة شيئًا، بل ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حبة، ثم إن هذا قياس أصل على أصل، وهو مختلف فيه، وقياس الأعلى بالأدنى، والأدنى بالأسفل، وذلك عكس القياس، وكيف يصحّ أن يقاس المحارب على السارق، وهو يطلب خطف المال، فإن شُعر به فرّ، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه، أو صيح عليه وحارب عليه فهو محارب، يحكم عليه بحكم المحارب، قال القاضي ابن العربي: كنت في أيام حكمي بين الناس، إذا جاءني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين، يحبسه على قلب صاحب الدار، وهو نائم وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين، فافهموا هذا من أصل الدين، وارتفعوا إلى يَفَاع (^٢) العلم عن حضيض الجاهلين. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بعدم اشتراط النصاب في قطع المحارب هو الأرجح عندي؛ لعدم اشتراطه في النصّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أنه لا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قَتل، وإن لم يكن المقتول مكافئا للقاتل، وللشافعي قولان: أحدهما: أنها تعتبر المكافأة؛ لأنه قتل، فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص، وهذا ضعيف؛ لأن القتل هنا ليس على مجرد القتل،
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ٦/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٢) اليفع: أعلى الجبل، ومنه غلام يَفَعَةٌ، إذا ارتفع إلى البلوغ، والحضيض: الحفرة في أسفل الوادي، كذلك قال أهل اللغة. انتهى "تفسير القرطبيّ" ٦/ ١٥٤.
[ ٣١ / ٣٣٧ ]
وإنما هو على الفساد العام، من التخويف، وسلب المال، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، فأمر تعالى بإقامة الحدود على المحارب، إذا جمع شيئين: محاربة، وسعيا في الأرض بالفساد، ولم يخص شريفا من وضيع، ولا رفيعا من دنيء. قاله القرطبيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): إذا أخاف المحاربون السبيل، وقطعوا الطريق، وجب على الإمام قتالهم، من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم، وكفهم عن أذى المسلمين، فإن انهزموا لم يتبع منهم مُدبرا، إلا أن يكون قد قَتل وأخذ مالا، فإن كان كذلك اتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته، ولا يُدَفَّف (^١) منهم على جريح، إلا أن يكون قد قتل، فإن أُخذوا ووجد في أيديهم مال لأحد بعينه، رد إليه أو إلى ورثته، وإن لم يوجد له صاحب جعل في بيت المال، وما أتلفوه من مال لأحد غَرِموه، ولا دية لمن قتلوا إذا قُدر عليهم قبل التوبة، فإن تابوا وجاءوا تائبين لم يكن للإمام عليهم سبيل، وسقط عنهم ما كان حدا للَّه، وأُخذوا بحقوق الآدميين، فاقتُصَّ منهم النفس والجراح، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم لأوليائه في ذلك، ويجوز لهم العفو، والهبة كسائر الجناة من غير المحاربين، هذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وإنما أخذ ما بأيديهم من الأموال، وضمنوا قيمة ما استهلكوا؛ لأن ذلك غصب فلا يجوز ملكه لهم، ويُصرف إلى أربابه، أو يوقفه الإمام عنده حتى يعلم صاحبه.
وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يطلب من المال إلا بما وجد عنده، وأما ما استهلكه فلا يطلب به، وذكر الطبري ذلك عن مالك، من رواية الوليد بن مسلم عنه، وهو الظاهر من فعل عليّ بن أبي طالب - ﵁ -، بحارثة بن بدر الْغُدَاني، فإنه كان محاربا، ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له بسقوط الأموال والدم عنه كتابا منشورا، قال ابن خويزمنداد: واختلفت الرواية عن مالك في المحارب، إذا أقيم عليه الحد، ولم يوجد له مال، هل يتبع دينا بما أخذ، أو يسقط عنه كما يسقط عن السارق، والمسلم والذمي في ذلك سواء. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) يقال: دفّف على الجريح: أجهز عليه.
[ ٣١ / ٣٣٨ ]
(المسألة الثامنة): أجمع أهل العلم على أن السلطان ولي من حارب، فإن قَتَل محارب أخا امريء أو أباه في حالة المحاربة، فليس إلى طالب الدّم من أمر المحارب شيء، ولا يجوز عفو ولي الدم، وإنما القائم بذلك هو الإمام، جعلوا ذلك بمنزلة حد من حدود اللَّه تعالى. قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): قوله -﷿-: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ الآية بيان لشناعة المحاربة، وعظم ضررها، وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر؛ لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس؛ لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات، وركنها وعمادها الضرب في الأرض، كما قال -﷿-: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآية [المزّمّل: ٢٠]، فإذا أُخيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت، فانسد باب التجارة عليهم، وانقطعت أكسابهم، فشرع اللَّه على قطاع الطريق الحدود المغلظة، وذلك الخزي في الدنيا؛ ردعا لهم عن سوء فعلهم، وفتحا لباب التجارة التي أباحها لعباده لمن أرادها منهم، ووعد فيها بالعذاب العظيم في الآخرة، وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي، ومستثناة من حديث عبادة - ﵁ - في قول النبي - ﷺ -: "فمن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة"، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجري هذا الذنب مجرى غيره، ولا خلود لمؤمن في النار، ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب، ثم يخرج إما بالشفاعة، وإما بالقبضة، ثم إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] استثنى اللَّه -﷿- التائبين قبل أن يُقدَر عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أما القصاص، وحقوق الآدميين فلا تسقط، ومن تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع، وتقام الحدود عليه، كما تقدّم، وللشافعي قول أنه يسقط كل حد بالتوبة، والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصا كان أو غيره، فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه، وقيل: أراد بالاستثناء المشرك إذا تاب، وآمن قبل القدرة عليه، فإنه تسقط عنه الحدود، وهذا ضعيف؛ لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل أيضًا بالإجماع، وقيل: إنما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدرة عليهم -واللَّه أعلم- لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم،
[ ٣١ / ٣٣٩ ]
والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام، أو لأنه لما قُدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم، فلم تقبل توبتهم كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب، فأما إذا تقدمت توبتهم القدرة عليهم فلا تهمة، وهي ناقصة، فأما الشُّرّاب، والزُّناة، والسُّرّاق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي أن يحدهم، وإن رُفعوا إليه فقالوا: تبنا لم يتركوا، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غُلبوا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[تنبيه]: قوله: "وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين الخ": وجه الاختلاف المذكور أن أبا رجاء رواه عن أبي قلابة بلفظ: "أن نفرًا من عكل ثمانية"، وقال: أيضًا: "فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك الخ"، وقال: "ونبذهم في الشمس"، ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة، وقال: "فاجتووا المدينة"، وقال: "ولم يحسمهم، وتركهم حتى ماتوا"، وزاد: "فأنزل اللَّه -﷿-: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ﴾ الآية. ورواه أيوب، عن أبي قلابة، وقال: "نفر من عكل، أو عرينة"، وقال: "بذود، أو لقاح"، وقال. "وسمل أعينهم" باللام.
لكن هذه الاختلافات تعتبر اختلافًا في اللفظ فقط، وأما من حيث المعنى فلا تخالف بينها، كما يتضح ذلك من شرحها، فلا تضرّ بصحة الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٢٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي (^١) أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ، وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ، فَتُصِيبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا؟»، قَالُوا بَلَى، فَخَرَجُوا، فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَصَحُّوا، فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَبَعَثَ فَأَخَذُوهُمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَّرَ أَعْيُنَهُمْ، وَنَبَذَهُمْ فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو بصريّ ثقة. و"حجاج الصوّاف": هو ابن أبي عثمان ميسرة، أو سالم،
_________________
(١) وفي نسخة: "حدثنا".
[ ٣١ / ٣٤٠ ]
أبو الصلت الكنديّ مولاهم البصريّ، ثقة حافظ [٦] ١٢/ ٧٩٠.
و"أبو رجاء، مولى أبي قلابة": هو سلمان الجرميّ البصريّ، صدوقٌ [٦]. رَوَى عن مولاه، وعمر بن عبد العزيز، وعنه أيوب، وحجاج الصواف، وابن عون، وحميد الطويل، ووثقه العجليّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وأبو داود أخرجوا له هذا الحديث فقط.
و"أبو قلابة": هو عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجرمىّ البصريّ، ثقة فاضل، [٣] ١٠٣/ ٣٢٢.
والسند مسلسل بثقات البصريين، وفيه أنس - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، سنة (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز مائة.
وقوله: من عُكل" -بضمّ العين المهملة، وسكون الكاف، أبو قبيلة. وقوله: "ثمانية" بالنصب بدل من "نفرًا". وقوله: "فاستوخموا المدينة": أي استثقلوها، ولم يوافق هواؤها أبدانهم. وقوله: "وسَقِمت" بكسر القاف، وضمها من بابي تعب، وكَرُم: أي مرضت.
وقوله: "ألا تخرجون" "ألا" هي أداة عرض. وقوله: "في إبله": أي في الإبل التي مع الراعي، فالإضافة لأدنى ملابسة. قاله السنديّ. وقوله: "فتصيبوا" بضمّ أوله، من الإصابة، والمراد: تشربوا، كما في الروايات الآتية. وقوله: "فبعث" الضمير للنبيّ - ﷺ -: أي أرسل - ﷺ - ناسًا في طلبهم. وقوله: "فأتي بهم" ببناء الفعل للمفعول. وقوله: "فقطع الخ" بتشديد الطاء، وتخفّف، والتشديد للتكثير في المفعول. وقوله: "وسمر" بتخفيف الميم، وتشديدها، وبناء الفعل للفاعل: أي كحلهم بمسامير الحديد التي أُحميت. وقوله: "ونبذهم": أي ألقاهم، ونسبة هذه الأفعال إليه - ﷺ - لكونه آمرًا بها.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "الطهارة" ١٩١/ ٣٠٥ وتقدّم شرحه مستوفًى هناك، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٢٦ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -، أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَفَعَلُوا، فَقَتَلُوا رَاعِيَهَا وَاسْتَاقُوهَا، فَبَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي طَلَبِهِمْ، قَالَ: فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَّرَ أَعْيُنَهُمْ، وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ، وَتَرَكَهُمْ حَتَّى مَاتُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿-: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٣]).
[ ٣١ / ٣٤١ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو حمصيّ صدوقٌ [١٠].
و"الوليد": هو ابن مسلم، أبو العباس الدمشقيّ. و"الأوزاعيّ": هو عبد الرحمن بن عمرو. و"يحيى": هو ابن أبي كثير.
وقوله: "فاجتووا المدينة": بالجيم: افتعال من الْجَوَى، يقال: اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيه، وإن كنت في نعمة، والمراد كرهوا الْمُقام بها؛ لكونهم أصابهم الجوى، وهو المرض، وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذ لم يوافقهم هواؤها، واستوخموها.
وقوله: "ولم يحسمهم": أي لم يَكْوِهِمْ لينقطع الدم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٢٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ مِنْ عُكْلٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، إِلَى قَوْلِهِ: "لَمْ يَحْسِمْهُمْ"، وَقَالَ: "قَتَلُوا الرَّاعِيَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"إسحاق بن منصور": هو الكوسج الحافظ الثبت [١١]. و"محمد بن يوسف": هو الفريابيّ الثقة الثبت [٩].
وقوله: "فذكر الخ" فاعل "ذكر" ضمير محمد بن يوسف. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٢٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ، أَوْ عُرَيْنَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ، وَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، بِذَوْدٍ أَوْ لِقَاحٍ، يَشْرَبُونَ أَلْبَانَهَا وَأَبْوَالَهَا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة. و"محمد بن بشر": هو العبديّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٩]. و"سفيان": هو الثوريّ. و"أيوب": هو السختيانيّ.
[ ٣١ / ٣٤٢ ]
وقوله: "واجتووا المدينة" جملة حالية معترضة بين العامل، وهو"فأمر"، ومعموله، وهو "بذود".
وقوله: "بذود" بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو، آخره دال مهملة: هي من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر، وهي مؤنثة؛ ولذا جاء: "ليس في أقلّ من خمس ذود صدقة"، والجمع أذواد، مثل ثوب وأثواب. أفاده الفيّوميّ.
وقوله: "أو لقاح" "أو" فيه للشكّ من الراوي، و"اللقاح" بكسر اللام: جمع لَقُوح بفتحها، مثل قلوص وقِلاص، وهي الناقة ذات اللبن، ويقال فيها أيضًا: اللِّقْحة، بكسر، فسكون، وفتح اللام لغة، وجمعها لِقَح، مثل سِدْرة وسِدَر، أو مثل قَصْعة وقِصَع. أفاده الفيّوميّ.
وقوله: "وسمل أعينهم" باللام آخره: أي فقأها بحديدة، أو غيرها، وهو بمعنى السمر في الرواية السابقة، وإنما فعل بهم ذلك لأنهم فعلوا بالراعي مثله، فجازاهم على صنيعهم. وقيل: إن هذا قبل أن تنزل الحدود، والأول أصحّ، وقد تقدّم تمام البحث فيه في المسائل المتعلقة بالآية المذكورة أول الباب.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…