٣٧٩٩ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ،، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الحسين بن حريث) الخزاعي مولاهم، أبو عمار المروزيُّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢.
٢ - (الفضل بن موسى) السيناني، أبو عبد اللَّه المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب، من
كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠.
٣ - (حسين بن واقد) أبو عبد اللَّه القاضي المروزي، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣.
٤ - (عبد اللَّه بن بريدة) بن الحصيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقة [٣] ٢٥/
٣٩٣.
٥ - (أبوه) بُريدة بن الْحُصَيب، أبو سهل الأسلميّ الصحابيّ الشهير، أسلم قبل بدر،
ومات - ﵁ - سنة (٦٣)، وتقدّمت ترجمته ١٠١/ ١٣٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة، فكلّهم مروزيّون، حتى الصحابيّ - ﵁ -. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بريدة بن الحصيب - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإِسلَامِ) ولفظ أحمد من طريق زيد بن الحباب عن حسين بن واقد: "من حلف أنه بريء من الإسلام … " قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: أي علّق براءته من الإسلام على أمر، كأن قال: إن فعل -يعني نفسه- كذا فهو يهوديّ، أو نصرانيّ، أو كافر. قال: وقد دلّ على هذا تقسيم حاله إلى كاذب وصادق، ولا يتأتّى ذلك إلا مع التعليق. انتهى (^١).
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ١٦٦.
[ ٣٠ / ٣٠١ ]
(فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا) أي في حلفه على زعمه (فَهُوَ كَمَا قَالَ) قال الحافظ وليّ الدين: أي أخبر بأمر ماض، وعلّق براءته من الإسلام على كذبه في ذلك الإخبار، وكان كاذبًا، فهو كما قال، أي من البراءة من الإسلام، وهو صريحٌ في أن هذا الكلام كفرٌ، وهو ظاهر المعنى، كما لو علّق طلاق زوجته، أو عتق عبده على دخوله الدار في الماضي، وكان قد دخل، نعم لو بني إخباره بذلك على ظنّه أنه كذلك، فينبغي أن لا يكفر؛ لأنه ربط الكفر بأمر يظنّ أنه غير حاصل، فلا خلل في اعتقاده، ولا في لفظه باعتبار ظنّه، ولم يتناول الحديث هذه الصورة عند من يشترط التعمّد في حقيقة الكذب، وأما عند من لا يشترطه، فهو عامّ مخصوص، ويدلّ لذلك قوله في حديث ثابت بن الضّحّاك. "من حلف بملّةٍ غير الإسلام، كاذبًا متعمّدًا، فهو كما قال"، وهو في "الصحيحين" بهذا اللفظ. واللَّه أعلم انتهى كلام وليّ الدين.
وقال في "الفتح": ويحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد، والمبالغة في الوعيد، لا الحكم، وكأنه قال: مستحقّ مثل عذاب من اعتقد ما قال، ونظيره: "من ترك الصلاة، فقد كفر": أي استوجب عقوبة من كفر. وقال ابن المنذر: قوله: "فهو كما قال" ليس على إطلاقه في نسبته إلى الكفر، بل المراد أنه كاذب ككذب المعظّم لتلك الجهة. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن يقال بالتفصيل السابق؛ لأن الحديث بمعنى الحديث الماضي، وهو أنه على ظاهره، يكفر به صاحبه إن قاله متعمّدًا معتقدًا البراءة والخروج من الإسلام -عياذا باللَّه تعالى من ذلك- وإلا فهو منكر من القول، وزور، محرّم عليه، وهو عاص بذلك، تجب التوبة عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(وَإِنْ كَانَ صَادِقًا) أي في حلفه على زعمه، أعمّ من أن يكون مطابقًا للواقع، أم لا؟ (لم يَعُدْ إِلَى الإسْلَام سَالِمًا) قال وليّ الدين: معناه أنه نقص كمال إسلامه بما صدر منه من هذا اللفظ، قَالَ: ولفظ ابن ماجه: "لم يَعُد إليه الإسلام سالمًا"، قال: واللفظان صحيحان، فنقص هو بتعاطي هذا اللفظ، ونقص إسلامه بذلك، وهذا يدلّ على تحريم هذا اللفظ، ولو كان صادقًا في كلامه. وقد استدلّ به على ذلك الخطّابيّ، فقال: فيه دليلٌ على أن من حلف بالبراءة من الإسلام، فإنه يأثم. وصرّح أيضًا بتحريم ذلك، ووجوب التوبة منه الماورديّ في "الحاوي"، والنوويّ في "الأذكار"، وقال في "شرح مسلم": فيه بيان غلظ تحريم الحلف بملّة، سوى الإسلام، كقوله: هو يهوديٌّ،
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩. "كتاب الأيمان والنذور" رقم ٦٦٥٢.
[ ٣٠ / ٣٠٢ ]
أو نصرانيٌّ، إن كان كذا، أو واللاتِ، والعزّى، وشبه ذلك، ثم قال: وقوله: "كاذبًا"، ليس المراد به التقييد، والاحتراز من الحلف بها صادقًا؛ لأنه لا ينفكّ الحالف بها عن كونه كاذبًا، وذلك لأنه لا بدّ أن يكون معظّمًا لما حلف به، فإن كان معتقدًا عظمته بقلبه، فهو كاذبٌ في ذلك، وإن كان غير معتقد ذلك بقلبه، فهو كاذبٌ في الصورة؛ لأنه عظّمه بالحلف به، وإذا عُلم أنه لا ينفكّ عن كونه كاذبًا حُمل التقييد بكونه كاذبًا على أنه بيان لصورة الحال، ويكون التقييد خرج على سبب، فلا يكون له مفهوم، ويكون من باب قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢]، ونظائره، فإن كان الحالف معظّمًا لما حلف به كان كافرًا، وإن لم يكن معظّمًا، بل كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، فهو كاذب في حلفه بما لا يحلف به، ومعاملته إياه معاملة ما يُحلف به، ولا يكون كافرًا، خارجًا عن ملة الإسلام، ويجوز أن يُطلق عليه اسم الكفر، وُيراد كفر النعمة. انتهى.
قال الحافظ وليّ الدين: والتقسيم الذي في حديث بُريدة - ﵁ - يردّ عليه، والظاهر أن كلامه هذا إنما هو في مثل قوله: واللات، والعزى، وإن كان ذكر في صدر كلامه أيضًا. وقوله: "هو يهوديّ إن كان كذا. انتهى كلام وليّ الدين (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث بريدة بن الْحُصيب - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٨/ ٣٧٩٩ - وفي "الكبرى" ٨/ ٤٧١٣.
وأخرجه (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٥٨ (ق) في "الكفّارات" ٢١٠٠ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٢٤٩٧. وفوائده تقدّمت قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: تقسيمه حاله إلى صادق وكاذب يدلّ على أن ذلك في الإخبار عن ماضٍ، كما تقدّم، فإن الخبر هو المحتمل للصدق والكذب، أما إذا وقع منه مثل هذا في التعليق على وقوع أمر في المستقبل، فقد يقال: يُلحق بالماضي، ويقال: إن فعل ذلك المحلوف عليه كفر، وإلا فلا. وقد يقال: إن لفظ الحديث أوّلًا متناول له، إلا أنه لَمَّا فَصّل اقتصر على أحد القسمين، ويُعرف منه
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ١٦٧ - ١٦٨.
[ ٣٠ / ٣٠٣ ]
حكم القسم الآخر. وقد يقال: إذا كان عن ماضٍ، فقد حقّق الكفر على نفسه، وأما إذا كان على مستقبل، فقد يقع ذلك الأمر، وقد لا يقع، والغالب من حال الآتي بهذا اللفظ أنه إنما يقصد به إبعاد نفسه عن ذلك الأمر بربطه بأمرٍ لا يقع منه، وهذا أقرب، ويوافقه كلام الرافعيّ، حيث قال: إن هذا اللفظ يتضمّن تعظيم الإسلام، وإبعاد النفس عن التهوّد، ثم قال: هذا إذا قصد القائل تبعيد النفس عن ذلك، فأما من قال ذلك على قصد الرضى بالتهوّد، وما في معناه إذا فعل ذلك الفعل، فهو كافر في الحال، وسكت الرافعيّ عن حالة الإطلاق، وهو أن لا يقصد تبعيد النفس عن التهوّد، ولا الرضى به، أو لم يُعلم قصده بموته سريعًا، أو تعذر مراجعته، وقال في ذلك شيخنا الإمام جمال الدين عبد الرحيم الإسنويّ: إن القياس التكفير، إذا عري عن القرائن الحاملة على غيره؛ لأن اللفظ بوضعه يقتضيه، قال: وكلام النوويّ في "الأذكار" يقتضي أنه لا يكفر بذلك، والقياس خلافه. انتهى.
وما ذكره الرافعيّ من أن هذا اللفظ يتضمّن تعظيم الإسلام، وإبعاد النفس عن التهوّد يقتضي أنه لا يحرم الإتيان به، لكن تقدّم عن الخطّابيّ إطلاق الإثم، ولم يفصّل بين الحلف على الماضي، والمستقبل، وصرّح بذلك النوويّ في "الأذكار"، فقال: ويحرم أن يقول: إن فعلت كذا، فأنا يهوديّ، أو نصرانيّ، أو نحو ذلك، فإن قاله، وأراد حقيقة فعله، وخروجه عن الإسلام بذلك صار كافرًا في الحال، وجرت عليه أحكام المرتدّين، وإن لم يُرد ذلك لم يكفر، لكنه ارتكب مُحرَّمًا، فيجب عليه التوبة. وكذا قال ابن الرفعة في "المطّلب": معصية. انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التفصيل الذي ذكره النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "الأذكار" تفصيلٌ حسنٌ جدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ١٦٨ - ١٦٩.
[ ٣٠ / ٣٠٤ ]