٣٦٧٨ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ، انْقَطَعَ عَمَلُهُ، إِلاَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عليّ بن حجر) السعديّ المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.
٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي، أبو إسحاق المدنيّ (^٢) ثقة
ثبت [٨] ١٦/ ١٧.
٣ - (العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهنيّ الحرقيّ المدنيّ، صدوقٌ ربّما وهم [٥] ١٩٧/ ١٤٣.
٤ - (أبوه) عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقيّ المدنيّ، ثقة [٣] ١٠٧/ ١٤٣.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة - ﵁ - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ) وفي نسخة: "ابن آدم" (انْقَطَعَ عَمَلُهُ) أي ثواب عمله، ولما كان بمنزلة انقطع الثواب من كلّ أعماله، تعلّق به قوله (إِلاَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ) أي ثلاثة أعمال. وقيل: بل الاستثناء متعلّقٌ بالمفهوم: أي ينقطع ابن آدم من كلّ عمل إلا من ثلاثة أعمال. والحاصل أن الاستثاء في الظاهر مشكلٌ، وبأحد الوجهين المذكورين يندفع الإشكال. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-.
_________________
(١) وفي نسخة: "على الميت".
(٢) وقع هنا خطأ في برنامج الحديث الشريف -صخر- حيث تُرجم هنا لإسماعيل ابن عليّة، والصواب إسماعيل بن جعفر، كما في "تحفة الأشراف" ج ١٠/ ص ٢٢١. فتنبّه.
[ ٣٠ / ١٥٦ ]
وقال القاضي عياضٌ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه أن عمل الميت منقطع بموته، لكن هذه الأشياء لما كان هو سببها، من اكتساب الولد، وبثّه للعلم عند من حمله عنه، أو إيداعه تأليفًا بقي بعده، وإيقافه هذه الصدقة، بقيت له أجورها ما بقيت، ووجدت. انتهى (^١).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وتجدّد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة؛ لكونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلّفه، من تعليم، أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي الوقف. انتهى (^٢).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الثلاث الخصال إنما جرى عملها بعد الموت على من نُسبت إليه؛ لأنه تسبب في ذلك، وحرص عليه، ونواه، ثم إن فوائدها متجدّدة بعده دائمة، فصار كأنه باشرها بالفعل، وكذلك حكم كلّ ما سنّه الإنسان من الخير، فتكرّر بعده، بدليل قوله - ﷺ -: "من سنّ سنّةً في الإسلام حسنة، كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامه". رواه مسلم. وإنما خصّ هذه الثلاثة بالذكر في هذا الحديث؛ لأنها أصول الخير، وأغلب ما يَقصد أهل الفضل بقاءه بعدهم، والصدقة الجارية بعد الموت هي: الْحُبُسُ، فكان حجةً على من يُنكر الْحُبُس. وفيه ما يدلّ على الحضّ على تخليد العلوم الدينيّة بالتعليم، والتصنيف، وعلى الاجتهاد في حمل الأولاد على طريق الخير والصلاح، ووصيّتهم بالدعاء عند موته، وبعد الموت. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^٣).
(مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ) بدل تفصيل من مجمل "ثلاثة"، ومعنى "جارية": أي غير منقطعة، كالوقف، أو ما يُديم الوليّ إجراءها عنه، وإليه يميل ترجمة المصنّف، كأبي داود -رحمهما اللَّه تعالى-. وقيل: لبقاء ثمرات الأعمال بقي ثوابها (وعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ) أي كأن يعلّم شخصَا، فيقوم ذلك الشخص بنشر ذلك العلم بعدموته، أو يصنّف كتابًا، فينتفع به الناس بعد موته.
وذكر القاضي تاج الدين السبكيّ: أن حمل العلم المذكور على التأليف أقوى؛ لأنه أطول مدّة، وأبقى على ممرّ الزمان، ورأيت من تكلّم على هذا الحديث في كرّاسة، قال الأخنائيّ في "كتاب البُشْرَى بما يلحّق الميت من الثواب في الدار الأخرى": قوله: "وعلم يُنتفع به" هو ما خلّفه من تعليم، أو تصنيف، ورواية، وربّما دخل في ذلك نَسْخُ
_________________
(١) "زهر الربى" ٦/ ٢٥١.
(٢) "شرح مسلم" ١١/ ٨٧ - ٨٨.
(٣) "المفهم" ٤/ ٥٥٤ - ٥٥٥. "كتاب الوصايا".
[ ٣٠ / ١٥٧ ]
الكتاب، وتسطرها، وضبطها، ومقابلتها، وتحريرها، والإتقان لها بالسماع، وكتابة الطبقات، وشراء الكتب المشتملة على ذلك، ولكن شرطه أن يكون منتفعًا به. انتهى (^١)
(وولد صالح يدعو له) قال السنديّ: وفي عدّ الولد من الأعمال تجوّزٌ، لا يخفى. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جعل الشارع الودد من جمدة كسب الإنسان، فقد أخرج ابن ماجه بإسناد صحيح، من حديث عائشة - ﵂ -، مرفوعًا: "إن أطيب ما أكل الإنسان من كسب يده، وإن ولده من كسبه"، فسمّاه كسبًا، كما عدّه في هذا الحديث من أعماله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، لوإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ٣٦٧٨ - وفي "الكبرى" ٨/ ٦٤٧٨. وأخرجه (م) في "الوصايا" ١٦٣١ (د) في "الوصايا" ٢٨٨٠ (ت) في "الأحكام" ١٣٧٢ (ق) في "المقدّمة" ٢٤٢ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٨٦٢٧. (الدارمي) في "المقدّمة" ٥٥٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الصدقة عن الميت، ووجه ذلك أنه حمل معنى الصدقة الجارية على الصدقة التي يُجريها وليّ الميت بعد موته، فيلحقه ثوابها، مع أن أعماله انقطعت، وهذا فيه الفضل العظيم للصدقة، لكن تقدّم أن الأولى حمل الحديث على أعمّ من ذلك، فيدخل فيه أيضًا ما فعله الميت قبل موته من وقف، ونحوه، مما له البقاء بعد موته. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أن فيه دليلًا على صحّة الوقف، وعظيم ثوابه، والردّ على من أنكر ذلك.
(ومنها): أن فيه فضيلة العلم، والحث على الاستكثار منه، والترغيب في توريثه بالتعليم، والتصنيف، والإيضاح، وأنه يختار من العلوم الأنفع، فالأنفع. (ومنها): أن فيه فضيلة الزواج؛ لرجاء ولد صالح، وقد تقدّم ما يتعلّق بفضل النكاح في "كتاب
_________________
(١) راجع "زهر الربى في شرح المجتبى" للسيوطيّ ٦/ ٢٥١ - ٢٥٢.
[ ٣٠ / ١٥٨ ]
النكاح". (ومنها): أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت، وكذلك الصدقة، وهما مجمعٌ عليهما، وكذلك قضاء الديون، وأما الحجّ فيجزي عن الميت عند الشافعيّ، وموافقيه، وهو الحقّ، كما تقدّمت أدلّته في "كتاب الحجّ". قال النوويّ: وهذا داخل في قضاء الدين إن كان حجَّا واجبّا، وإن كان تطوّعًا وأصى به، فهو من باب الوصايا، وأما إذا مات، وعليه صيامٌ، فالصحيح أن الوليّ يصوم عنه؛ لصحّة أمر النبيّ - ﷺ - بذلك. وأما قراءة القرآن، وجعل ثوابها للميت، والصلاة عنه، ونحوهما، فمذهب الشافعيّ، والجمهور أنها لا تلحق الميت، وفيها خلاف. انتهى كلام النوويّ (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الجمهور عندي هو الأرجح؛ لعدم دليل صحيح على وصول ثواب القرآن، ونحوه إلى الأموات، فمن جاءنا بنصّ صحيح صريح لذلك، فعلى الرأس والعين، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٧٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا، قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: "إِنَّ أَبِي مَاتَ، وَتَرَكَ مَالًا، وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ، أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟، قَالَ: «نَعَمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَجُلًا) لم أعرف اسمه (قَالَ: لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: "إِنَّ أَبِي مَاتَ، وَتَرَكَ مَالًا، وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ) من التكفير، أي جميع سيّئاته، أو هذه السيّئة، وهو ترك الوصيّة، مع كثرة ماله، وعدّه سيّئة؛ لما فيه من النقصان والحرمان عن الثواب العظيم، مع وجود الإمكان. قاله سنديّ (أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟) بفتح همزة "أن"، فهي مصدريّة، والمصدر المؤوّل فاعل "يُكفّر، وقد تقدّم أن بعضهم ضبط نظيره بالكسر على الشرطيّة، وتقدّم توجيهه (قَالَ) - ﷺ - (نَعَمْ) أي يكفّر ذلك عنه سيآته.
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهر قوله: "فهل يكفر عنه أن أتصدّق عنه! أنه علم أن أباه كان فرّط في صدقات واجبة، فسأل هل يجزئ عنه أن يقوم بها عنه" فأجابه النبيّ بـ "نعم"، وعلى هذا فيكون فيه دليلٌ على أن من قام عن آخر بواجب ماليّ في الحياة، أو بعد الموت أجزأ عنه، وهذا مما تجوز النيابة فيه بالإجماع، وإنه مما
_________________
(١) "شرح مسلم" ١١/ ٨٨.
[ ٣٠ / ١٥٩ ]
يستحبّ، وخصوصًا في الآباء، فإنها مبالغة في برّهم، والقيام بحقوقهم. وقد قال - ﷺ -: "من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليّه" (^١). متْفقٌ عليه. وإذا كان هذا في الصيام، كان الحقّ الماليّ بذلك أولى. وقيل: إنما سأل، هل تُكفّر بذلك خطاياه؟ ولا ينبغي أن يُظَنّ بصحابيّ تفريط في زكاة واجبة إلى أن مات، فإن هذا بعيدٌ في حقوقهم، فالأولى به أن يحمل على أنه سأل، هل لأبيه أجرٌ بذلك، فيكفّر عنه به، كما قال السائل الآخر في حقّ أمه: "أفلها أجرٌ؟ ". ويحتمل أن يكون ذلك في الوقت الذي كانت فيه الوصيّة واجبة. قال القرطبيّ: وهذا محتملٌ لا سبيل إلى دفعه.
وعلى القول الأول، فإذا علم الوارث أن مورّثه فرّط في زكاة، أو واجبات ماليّة، فقال الشافعيّ: واجب على الوارث إخراج ذلك من رأس المال، كالدين. وقال مالكٌ: إن أوصى بذلك أخرج عنه من الثلث، وإلا فلا. وقال بعض أصحابه: إذا علم أنه لم يُخرج الزكاة، أخرجت من رأس المال، أوصى بها، أو لم يوص. قاله أشهب، وهو الصحيح؛ لأن ذلك دينٌ للَّه تعالى، وقد قال - ﷺ -: "دينُ اللَّه أحقّ بالقضاء". أخرجه البخاريّ. أو نقول: هو من جملة ديون الآدميين؛ لأنه حقّ الفقراء، وهم موجودون، وليس للوارث حقٌّ إلا بعد إخراج الديون، والوصايا. انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (^٢).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- عند شرح حديث عائشة - ﵂ - الماضي-: ما نصّه: وفي هذا الحديث جواز الصدقة عن الميت، واستحبابها، وأن ثوابها يصله، وينفعه، وينفع المتصدّق أيضّا، وهذا كله أجمع عليه المسلمون. قال: وهذه الأحاديث مخصّصة لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وأجمع المسلمون على أنه لا يجب على الوارث التصدّق عن ميته صدقة تطوّع، بل هي مستحبّةٌ. وأما الحقوق الماليّة الثابتة على الميت، فإن كان له تركة وجب قضاؤها منها، سواء أوصى بها الميت، أم لا، ويكون ذلك من رأس المال، سواء ديون اللَّه تعالى، كالزكاة، والحجّ، والنذر، والكفّارة، وبدل الصوم، ونحو ذلك، ودين الآدميّ، فإن لم يكن للميت تركةٌ، لم يلزم الوارث قضاء دينه، لكن يستحبّ له ولغيره قضاؤه. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (^٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) وفي "المفهم" زيادة: إن شاء"، وهذه الزيادة ما أظنها صحيحة، وليست في الصحيح. فليُفهم.
(٢) "المفهم" ٤/ ٥٥٢ - ٥٥٣.
(٣) "شرح مسلم" ١١/ ٨٧. "كتاب الوصيّة".
[ ٣٠ / ١٦٠ ]
مسأتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ٣٦٧٩ - وفي "الكبرى" ٨/ ٦٤٧٩. وأخرجه (م) في "الوصايا" ١٦٣٠ (أحمد) في باقي مسند المكثرين ٨٦٢٤. وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨٠ - (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ إِنَّ أُمِّى أَوْصَتْ أَنْ تُعْتَقَ عَنْهَا رَقَبَةٌ، وَإِنَّ عِنْدِي جَارِيَةً نُوبِيَّةً، أَفَيُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أَعْتِقَهَا عَنْهَا؟، قَالَ: "ائْتِنِي بِهَا"، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ رَبُّكِ؟، قَالَتِ: اللَّهُ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «فَأَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (موسى بن سعيد) بن النعمان بن بسّام الطَّرَسُوسيّ، أبي بكر الدَّنْدَانيّ (^١)، صدوق [١١] ٢٦/ ١٦٧٠. من أفراد المصنف.
٢ - (هشام بن عبد الملك) الباهليّ مولاهم، أبو الوليد الطيالسيّ البصريّ الحافظ، ثقة ثبت [٩] ١٢٢/ ١٧٢.
٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد [٨] ١٨/ ٢٨٨.
٤ - (محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوق، له أوهام [٦] ١٦/ ١٧.
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه الثقة المشهور [٣]
١/ ١.
٦ - (الشريد بن سُويد) الثقفيّ، صحابيّ. قيل: إنه من حضرموت، وعِدَاده في ثقيف. روى عن النبيّ - ﷺ -. وعنه ابنه عمرو، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن نافع الثقفيّ، ويعقوب بن عاصم الثقفيّ بالشكّ في بعض الروايات. قال أبو نعيم: أردفه النبيّ - ﷺ - وراءه. وقيل: اسمه مالك، ووفد على النبيّ - ﷺ -، فسمّاه الشريد، وشهد بيعة الرضوان.
_________________
(١) "الدَّنْدَانيّ" بمهملتين مفتوحتين، ونونين الأولى ساكنة.
[ ٣٠ / ١٦١ ]
وفي "الإصابة": قال ابن السكن: له صحبة، حديثه في أهل الحجاز، سكن الطائف، والأكثر أنه ثقفيّ، ويقال: إنه حضرميّ، حالف ثَقيفًا، وتزوّج آمنة بنت أبي العاص بن أُميّة. ويقال: كان اسمه مالكًا، فسمي الشريد؛ لأنه شرد من المغيرة بن شعبة لَما قَتَل رُفقته الثقفيين، فروى عبد الرزاق في "الجهاد" عن معمر، عن الزهريّ، قال: صحب المغيرةُ قومًا في الجاهليّة، فقتلهم … الحديث. قال معمرٌ: وسمعت أنهم كانوا تعاقدوا معه أن لا يغدر بهم حتّى يُعلمهم، فنزلوا منه منزلًا، فجعل يَحفِر بنصل سيفه، فقالوا: ما هذا؟ قال: أحفر قبوركم، فلم يفهموها، وأكلوا، وشربوا، وناموا فقتلهم، فلم ينج منهم إلا الشريد، فلذلك سمي الشريدَ. وذكر الواقديّ القصّة مطوّلةً، وفيها: أنهم كانوا دخلوا مصر جميعًا، فحباهم المقوقس، وأكرمهم، سوى المغيرة، فقصّر به، فحَقَدَ عليهم ذلك، ففعل بهم ما فعل. قال البغويّ: سكن الطائف، والمدينة، وله أحاديث. وروى مسلم وغيره من طريق عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: استنشدني النبيّ - ﷺ - شعر أميّة بن أبي الصلت. وفي بعض طرقه عند مسلم أن النبيّ - ﷺ - أردفه (^١).
علّق له البخاريّ في "كتاب القرض" من "صحيحه" حديث: "لَيُّ الواجد يُحلّ عرضه، وعقوبته"، وأخرج له في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ستة مواضيع: هذا الحديث، وأحاديث رقم-١٩/ ٤٢٠٩ و٤٢/ ٤٤٧٣ و١٠٠/ ٤٧١٦ و٤٧١٧ و٤/ ٤٧٣٠. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في الكتاب الستة إلا نحو عشرة أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيدِ الثَّقَفِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي أَوْصَتْ أَنَّ تُعْتَقَ عَنْهَا رَقَبَةٌ) وفي نسخة: "أن أُعتِقَ عنها رقبة" (وَإِنَّ عِنْدِي جَارِيَة نُوبِيَّةً) قال في "القاموس": بالضمّ جيل من السودان، وبلاد واسعة بجنوب
_________________
(١) "الإصابة" ٥/ ٧١ - ٧٢.
[ ٣٠ / ١٦٢ ]
الصعيد منها بلالٌ الحبشيّ (أَفَيُجزِئُ عَنِّي أن أُعْتِقَهَا عَنْهَا؟، قَالَ: "ائْتِنِي بِهَا") أي ليعرف أهي مؤمنة، أم لا؟، وكأنها كانت أوصت بمؤمنة، أو بسبب يقتضي الإيمان، أو أنه أحبّ أن يُعتق عنها مؤمنة، لا أن الوصيّة بمطلق الرقبة لا تتأدّى إلا بالمؤمنة. قاله السنديّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد جاء التصريح بالمراد في رواية أبي داود، ولفظه: "أن أمه أوصته أن يُعتق عنها رقبة مؤمنة"، فدلّ على أن الوصيّة كانت مقيّدة بالمؤمنة. واللَّه تعالى أعلم.
(فَأَتَيْتُهُ بَها، فَقَالَ: لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: "مَنْ رَبُّكِ؟، قَالَتِ: اللَّهُ) أي ربي اللَّه (قَالَ) - ﷺ - ("مَنْ أَنَا؟ "، قَالَتْ: أَنّتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ) - ﷺ - (فَأَعْتِقْهَا، فَإنَّهَا مُؤمِنَةٌ") قال السنديّ: يفيد أنه لا حاجة في الإيمان إلى البرهان، بل التقليد كاف، وإلا لسألها عن البرهان، وأنه لا يتوقّف على أن يقول: لا إله إلا اللَّه، بل يكفي فيه اعتقاد ربي اللَّه، ومحمد رسول اللَّه، نعم ينبغي أن يُعتبر ذاك إيمانًا، ما لم يظهر منه ما ينافيه، من اعتقاد الشرك. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الشريد بن سويد - ﵁ - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ٣٦٨٠ - وفي "الكبرى" ٨/ ٦٤٨٠. وأخرجه (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٨٢ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٦٩١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): مشروعيّة الوصيّة بعتق رقبة. (ومنها): استحباب استشارة أهل الفضل والعلم عند إرادة تنفيذ أمر، أو تركه. (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵁ - من استفسار النبيّ - ﷺ - لما يواجههم من أمور دينهم، ودنياهم. (ومنها): أن فيه أن الإيمان لا يعتبر إلا إذا اكتمل بشطريه، وهما الإيمان باللَّه سبحانه تعالى، والإيمان برسالة النبيّ - ﷺ -، فإذا آمن الشخص بأحد هذين الشطرين، ولم يؤمن بالآخر، فلا اعتداد بإيمانه. (ومنها): أنه لا يسأل الشخص عن البراهين على الإيمان، بل إذا آمن باللَّه تعالى،
_________________
(١) "شرح السنديّ" ٦/ ٢٥٢.
[ ٣٠ / ١٦٣ ]
ورسالة النبيّ - ﷺ - كفاه ذلك. (ومنها): أن فيه الردّ على المتكلّمين الذين يقولون بوجوب النظر، وقد استوفيت الردّ عليهم بما نقل عن سلف هذه الأمة، في إبطالهم هذا الشرط الفاسد فيما كتبته على "الكوكب الساطع" في أصول الفقه، عند قوله:
أَوَّلُ وَاجبِ عَلَى الْمُكَلَّفِ … مَعْرِفَة اللَّهِ وَقِيلَ الْفِكْرُ فِي
دَلِيلِهِ وَقِيلَ أَوَّلُ النَّظَرْ … وَقِيلَ قَصْدُهُ إِلَيْهِ الْمُعْتَبَرْ
فهذه الأقوال غير الأول أقوال فاسدة، ليس عليها أثارة من علم، بل هي معارضة لما جاء به النبيّ - ﷺ -، بل قال أبو جعفر السمنانيّ، وهو من رؤوس الأشاعرة: إن هذه المسألة -يعني وجوب النظر في الأدلة- بقيت في مقالة الأشعريّ من مسائل المعتزلة، وتفرّع عليها أن أول الواجب على كلّ مكلّف معرفة اللَّه بالأدلّة الدّالّة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك انتهى.
والحاصل أن هذا المذهب مخالف لهدي النبيّ - ﷺ -، حيث إنه كان يلقّن كلّ من جاءه الشهادتين، ولا يطالب أحدًا بإقامة البرهان على إيمانه، كما يزعمه المتكلمون، بل قال: "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على اللَّه". متّفقٌ عليه، وسيأتي هذا البحث مستوفي في "كتاب الإيمان" إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨١ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا (^١) سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ سَعْدًا (^٢)، سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَلَمْ تُوصِ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا، قَالَ: «نَعَمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"الحسين بن عيسى": أبو عليّ البسطاميّ الْقُومسيّ، نزيل نيسابور، صدوق [١٠]. و"سفيان": هو ابن عيينة. "وعمرو": هو ابن دينار. و"عكرمة": هو مولى ابن عبّاس.
وحديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا يُعلم شرحه من شرح حديث عائشة - ﵂ - السابق في الباب الماضي.
أخرجه المصنّف هنا -٨/ ٣٦٨١ و٣٦٨٢ - وفي "الكبرى" ٨/ ٦٤٨١ و٦٤٨٢ - وأخرجه (خ) في "الوصايا" ٢٧٥٦ و٢٧٧٠ (د) في "الوصايا" ٢٨٨٢ (ت) في "الزكاة"
_________________
(١) وفي نسخة: "أنا"، وفي أخرى: "ثنا".
(٢) أي ابن عُبادة.
[ ٣٠ / ١٦٤ ]
٦٦٩ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٣٤٩٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ، أَفَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَإِنَّ لِي مَخْرَفًا، فَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير: "أحمد بن الأزهر"، وهو أبو الأزهر العبديّ النيسابوريّ، صدوق، كان يحفظ، ثم كبر، فصار كتابه أثبت من حفظه [١١] ٦٦/ ١٨٠٢ من أفراد المصنّف، والترمذيّ. و"روح بن عبادة": هو القيسيّ البصريّ، ثقة فاضل [٩]. و"زكريا بن إسحاق": هو المكيّ، ثقة رُمي بالقدر [٦].
وقوله: "أن رجلًا" هو سعد بن عبادة - ﵁ -.
وقوله: "مَخْرفّا" بفتح الميم، وسكون المعجمة: الحائط من النخل، والحائط البستان. وفي "النهاية": المخرف بالفتح: يقع على النخل، وعلى الرُّطَب انتهى. وفي رواية البخاريّ: أشهدك أن حائطي المخراف صدقةٌ عليها". وهو بكسر أوله، وسكون المعجمة، وآخره فاء: أي المكان المثمر، سمّي بذلك لما يُخرَف منه، أي يُجنَى من الثمرة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تخريجه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨٣ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنَّ أُمِّى مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا نَذْرٌ، أَفَيُجْزِئُ عَنْهَا، أَنْ أَعْتِقَ عَنْهَا؟ قَالَ: «أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هارون بن عبد اللَّه) أبو موسى الْحَمّال البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٢ - (عفان) بن مسلم بن عبد اللَّه الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقة ثبت، قال ابن المدينيّ: كان إذا شَكَّ في حرف من الحديث تركه، وربّما وهِمَ، من كبار [١٠] ٢١/ ٤٢٧.
٣ - (سليمان بن كثير) العبديّ، أبو داود، أو أبو محمد البصريّ، أخو محمد بن
[ ٣٠ / ١٦٥ ]
كثير، لا بأس به في غير الزهريّ، لكن هنا لم ينفرد عن الزهريّ، بل تابعه غيره، كما سيتبيّن مما الروايات الآتية [٧] ٥٨/ ٣٥٥٣.
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٥ - (عبيد اللَّه بن عبد اللَّه) بن عتبة بن مسعود الهذليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٥/ ٥٦.
٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١.
٧ - (سعد بن عبادة) الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٤٩/ ١٢٨٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وشيخه بغداديّ، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) - ﵁ - هذا فيه أن ابن عباس - ﵄ - أخذه عن سعد ابن عبادة، فيكون من مسند سعد - ﵁ -، وسيأتي في الرويات الآتية: "عن ابن عباس، أن سعد بن عبادة استفتى الخ"، فيكون من مسند ابن عباس - ﵄ -، وقد أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بالوجهين، كما سيترجم في الترجمة التالية بقوله: "ذكر الاختلاف على سفيان"، قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: إن ابن عبّاس - ﵄ - لم يشهد القصّة، لأنها وقعت سنة خمس، والنبيّ - ﷺ - في غزوة دومة الجندل، وابن عبّاس في ذلك الوقت كان مع أبويه بمكة، فالذي يظهر أنه سمعه من سعد بن عبادة - ﵁ -، فيتعيّن ترجيح رواية من زاد في السند "عن سعد بن عبادة"، ويكون ابن عبّاس قد أخذه عنه.
ويحتمل أن يكون أخذه عن غيره، ويكون قول من قال: "عن سعد بن عبادة" لم يقصد به الرواية، وإنما أراد عن قصّة سعد بن عبادة، فتتّحد الرويتان. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني يبعده ما سيأتي في رواية محمد بن
عبد اللَّه بن يزيد، عن سفيان، بلفظ: "عن ابن عبّاس، عن سعد أنه قال: ماتت أمي،
وعليها نذرٌ، فسألت النبيّ - ﷺ -، فأمرني أن أقضيه عنها". فإنه صريح في كون ابن عبّاس
_________________
(١) "فتح" ٦/ ٤١ و٤٥. "كتاب الوصايا".
[ ٣٠ / ١٦٦ ]
- ﵄ - أخذه عن سعد - ﵁ -. واللَّه تعالى أعلم.
(أنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنَّ أُمّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا نَذْرٌ) زاد في رواية مالك: "لم تقضه) (أَفَيُجزِئُ عَنْهَا) يحتمل أن يكون بضمّ حرف المضارعة، من الإجزاء، رباعيًّا، ويحتمل أن يكون بفتحه، بدون همز، من جزى يَجزي، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة: ٤٨] (أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟) بضمّ الهمزة، من الإعتاق رباعيَّا، ولا يجوز فتحها؛ لأنه لا يتعدّى، فتنبّه، فكثيرًا ما يغلط فيه عامّة الناس (قَالَ: "أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ) بفتح الهمزة هنا، لا غير؛ لأنه أمر من الإعتاق، رباعيًّا.
وهذه الرواية تفيد بيان النذر الواقع في بقية الرويات، فإنها بلفظ: "ماتت أمي، وعليها نذر"، ونحو ذلك، مبهمًا، فتبيّن بهذه الرواية أن نذرها كان عتق رقبة، فماتت قبل أن تفعل.
قال الحافظ: ويحتمل أن تكون نذرت نذزا مطلقًا، غير معيّن، فيكون في الحديث حجة لمن أفتى في النذر المطلق بكفّارة يمين، والعتقُ أعلى كفّارات الأيمان، فلذلك أمره - ﷺ - أن يُعتق عنها.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال بعيدٌ، تبعده هذه الرواية، المفسّرة، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وحكى ابن عبد البرّ عن بعضهم أن النذر الذي كان على والدة سعد صيام، واستند إلى حديث ابن عبّاس - ﵄ -: "أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، إن أمي ماتت، وعليّها صوم … " الحديث. ثم ردّه بأن في بعض الروايات عن ابن عبّاس: "وجاءت امرأة، فقالت: إن أختي ماتت". قال الحافظ: والحقّ أنها قصّة أخرى. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ٣٦٨٣ و٣٦٨٤ و٣٦٨٥ و٣٦٨٦ و٣٦٨٧ و٣٦٨٨ و٣٦٨٩ و٣٦٩٠ - وفي "الكبرى" ٨/ ٦٤٨٣ و٦٤٨٤ و٦٤٨٥ و٦٤٨٦ و٩/ ٦٤٨٧ و٦٤٨٨ و٦٤٨٩٦٤٩٠. وأخرجه (خ) في "الوصايا" ٢٧٦١ و"الأيمان والنذور" ٦٦٩٨
_________________
(١) "فتح" ٦/ ٤٥ - ٤٦.
[ ٣٠ / ١٦٧ ]
و"الحيل" ٦٩٥٩ (م) في "النذور والأيمان" ١٦٣٨ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٣٠٧ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٤٦ (ق) في "الكفّارات" ٢١٣٢ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٨٩٦ و٣٠٤٠ "الموطّأ" في "النذور" ١٠٢٥. وفوائد الحديث تقدّم في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجِع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، أَبُو يُوسُفَ الصَّيْدَلَانِيُّ، عَنْ عِيسَى (^١) -وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ- عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،،، أَخْبَرَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، أَنَّهُ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فِي نَذْرٍ، كَانَ عَلَى أُمِّهِ، فَتُوُفِّيَتْ (^٢) قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اقْضِهِ (^٣) عَنْهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه تفرد به هو وابن ماجه، وهو صدوق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَدَقَةَ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، أَنَّهُ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فِي نَذْرٍ، كَانَ عَلَى أُمِّهِ؟، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اقْضِهِ عَنْهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن صدقة الحمصيّ": هو الْجُنْلانيّ -بضمّ، فسكون-، صدوق [١١] ٢٦/ ١٦٦٨ من أفراد المصنّف. و"محمد بن شُعيب": هو ابن شابور الأمويّ موهم الدمشقيّ، نزيل بيروت، صدوقٌ، صحيح الكتاب، من كبار [٩] ٦/ ١١٩٠ من رجال الأربعة. والباقون من رجال الجماعة. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق الكلام فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨٦ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدٌ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اقْضِهِ عَنْهَا»).
_________________
(١) وفي نسخة: "قال: حدّثنا عيسى".
(٢) وفي نسخة: "فماتت".
(٣) وفي نسخة: "اقض".
[ ٣٠ / ١٦٨ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "العبّاس بن الوليد": هو الْعُذريّ -بضمّ، فسكون- البيروتيّ صدوقٌ عابدٌ [١١] ٤٠/ ١٧١١ من أفراد المصنّف، وأبي داود. و"أبوه": هو الوليد بن مَريد -بفتح، فسكون- الْعُذريّ البيروتيّ، ثقة ثبت، قال النسائيّ: كان لا يُخطىء، ولا يدلّس [٨] ٤٠/ ١٧١١. من أفراد المصنّف، وأبي داود أيضًا، والباقون من رجال الجماعة، والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…