٣٨٠٠ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ قُتَيْلَةَ، امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ، أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ مَا شَاءَ، اللَّهُ، وَشِئْتَ، وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا، أَنْ يَقُولُوا: "وَرَبِّ الْكَعْبَةِ"، وَيَقُولُونَ: "مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شِئْتَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يوسف بن عيسى) الزهريّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة فاضل [١٠] ٣٢/ ٩٢٤.
٢ - (الفضل بن موسى) هو السِّنَانيّ المذكور في الباب الماضي.
٣ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل [٧] ٨/ ٨.
٤ - (مَعْبَد بن خالد) القيسيّ الْجَدَليّ الكوفيّ، ثقة عابد [٣] ٣٩/ ١٤٢٢.
٥ - (عبد اللَّه بن يسار) الْجُهَنيّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] ١١١/ ٢٠٥٢.
٦ - (قُتَيلة) -بالمثنّاة الفوقيّة، والتصغير- بنت صَيفِيِّ الجهنيّة، صحابيّة، من المهاجرات الأُوَل، لها حديث الباب فقط. تفرّد بها المصنّف بهذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير الصحابية، فتفرد بها المصنف، وغير عبد اللَّه بن يسار، فإنه ممن تفرّد به المصنّف، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيته من المقلين من الرواية، فليس لها إلا هذا الحديث عند المصنف فقط. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قُتَيْلَةَ) بصيغة التصغير (امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ) -بضمّ الجيم، وفتح الهاء، آخره نون: نسبة إلى جُهَينة، قبيلة من قُضاعة، واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قُضاعة، نزلوا الكوفة والبصرة. قاله في "اللباب" ١/ ٣١٧ - ٣١٨ (أَنَّ يَهُودِيًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ) ضبط بتشديد الدال الأولى: أي تتّخذون أندادًا، وهو جمع نِدّ
[ ٣٠ / ٣٠٥ ]
-بكسر، وتشديد الدال المهملة-وهو مثل الشيء الذي يُضادّه في أموره، ويُنادُّه، أي يخالفه، والمراد أنكم تتّخذون آلهة من دون اللَّه (^١) (وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ) أي لأن الواو للتشريك، فيلزم منه تسوية المخلوق بالخالق (وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ) أي تقولون في حلفكم: والكعبة، فالواو واو القسم، و"الكعبة" مجرور به (فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا، أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) أي ليكون القسم باللَّه، لا بمخلوق سواه (وَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شِئْتَ") أي لأن "ثُمّ" للتراخي، فتكون مشيئة العبد بعد مشيئة اللَّه ﷾. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث بُريدة - ﵁ - تعالى هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٩/ ٣٨٠٠ - وفي "الكبرى" ٩/ ٤٧١٤. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، لم يُخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٦٥٥٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الحلف بالكعبة، وهو التحريم، وأنه من الشرك باللَّه تعالى، فإن كان يعتقد ذلك، فهو شرك أكبر، مخرج من الملّة، وإن كان لا يعتقد، فهو من الإشراك في اللفظ، وهو محرّم تجب التوبة منه. (ومنها): أنه يدلّ على أن الشرك جريمة كبرى، معروفة حتى في الأديان المحرّفة، كاليهوديّة، والنصرانيّة، فإنهم يعرفون خطر الشرك، ثم يقعون فيه. (ومنها): أن على طالب الحقّ، ومتّبع الصواب أن يأخذ الحقّ أينما وجده، ولو كان عند غير أهله، كما يقال: الحكمة ضالّة المؤمن، أينما وجدها أخذها، فلا يمنع الإنسان العداوة الشخصيّة، أو الدينيّة، أو غيرها من قبول الحقّ، والإذعان له كيفما كان، وهذا هو المصيبة الطامة عند العوامّ، فإنهم لا يتلقّون الحقّ إلا عند من يعتقدونه، ولو أتاهم غيره بالحق الواضح لا يقبلونه، بل يردّونه، فقول من يعتقدونه؛ قال الشيخ الفلانيّ، أحبّ إليهم من قول من لا يعتقدونه: قال اللَّه تعالى، وقال رسول اللَّه - ﷺ -، وهذه هي الداهية
_________________
(١) راجع "النهاية" ٥/ ٣٥.
[ ٣٠ / ٣٠٦ ]
العُظمى حلّت بضعفاء الإيمان، فإن النبيّ - ﷺ - لَمّا أتاه هذا اليهوديّ، وقاله ما تقدّم قبل منه ذلك؛ لأنه حقّ، ونبّه أمته، وأرشدهم إلى ما هو الصواب، ولم يقل: إنه يهوديّ لا يؤمن به، فيُردّ قوله كلا، وحاشا، اللَّهمّ أرنا الحقّ حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. آمين.
(ومنها): أن قول الإنسان: ما شاء اللَّه، وشئت من الإشراك باللَّه تعالى، فيحرم عليه، فإن كان يعتقد التشريك، فهو شرك أكبر، مخرج من الملّة، وإن كان لا يعتقد ذلك، فهو إشراك في اللفظ، فيكون شركًا أصغر، محرّمًا تجب التوبة منه.
وقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده"، والمصنّف في "عمْل اليوم والليلة"، وابن ماجه في "سننه"، من رواية يزيد بن الأصم، عن ابن عبّاس، قال. قال رسول اللَّه - ﷺ -: "إذا حلف أحدكم، فلا يقل: ما شاء اللَّه وشئت، ولكن ليقل: ما شاء اللَّه ثم شئت".
وفي أول حديث أحمد، والنسائيّ، قصّة، ولفظها: "أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: ما شاء اللَّه، وشئت، فقال له النبيّ - ﷺ -: "أجعلتني واللَّه عَدْلًا (^١)، بل ما شاء اللَّه وحده".
وأخرج أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه أيضًا، عن حذيفة - ﵁ -: "أن رجلا من المسلمين، رأى في النوم، أنه لقي رجلا من أهل الكتاب، فقال: نعم القوم أنتم، لولا أنكم تشركون، تقولون: ما شاء اللَّه، وشاء محمد، وذكر ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: أما واللَّه، إن كنت لأعرفها لكم، قودوا: ما شاء اللَّه، ثم شاء محمد". لفظ ابن ماجه.
هكذا رواية ابن عيينة، عن عبد الملك بن عُمير، عن ربعي، عن حذيفة، وخالفه غيره، حماد بن سلمة، عند أحمد، وشعبة، وعبد اللَّه بن إدريس، وأبو عوانة كلهم عن عبد الملك بن عمير، عن ربعيّ، عن الطفيل بن سَخْبرة، أخي عائشة - ﵂ -، وهو الذي رجحه الحفاظ، وقالوا: إن ابن عيينة وَهِم في قوله: عن حذيفة.
ولفظ أحمد-٢٠١٧١ - من طريق حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حِرَاش، عن طُفَيل بن سَخْبَرة، أخي عائشة لأمها، أنه رأى فيما يرى النائم، كأنه مَرّ برهط من اليهود، فقال: من أنتم؟، قالوا: نحن اليهود، قال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تزعمون أن عزيرا ابن اللَّه، فقالت اليهود: وأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء اللَّه، وشاء محمد، ثم مر برهط من النصارى، فقال: من أنتم؟، قالوا: نحن النصارى، فقال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن اللَّه، قالوا: وإنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء اللَّه، وما شاء محمد، فلما أصبح أخبر بها، من أخبر، ثم أتى النبيّ - ﷺ -، فأخبره، فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ -قال عفان- قال: نعم، فدما صَلَّوا خطبهم، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: "إن طُفيلا رأى رؤيا، فأخبر بها
_________________
(١) بنصب "اللَّهَ" على المعية، و"عَدْلا" بالفتح: أي مثلًا.
[ ٣٠ / ٣٠٧ ]
من أخبر منكم، وانكم كنتم تقولون كلمة، كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها، قال: لا تقودوا: ما شاء اللَّه، وما شاء محمد". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…