قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن طلحة بن مصرّف رواه عن يحيى بن سعيد، عن أنس - ﵁ -، فجعله متّصلًا، وخالفه يحيى بن أيوب الغافقيّ،
_________________
(١) وفي نسخة: "وسمر" بالراء.
[ ٣١ / ٣٤٨ ]
ومعاوية بن صالح، فرواياه عن يحيى بن سعيد، عن سعيد المسيّب، قال: قدم ناس الخ، فجعلاه من مرسل ابن المسيّب، وقد تقدّم في "الطهارة" أن المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- رجّح الإرسال على الوصل، وعبارته هناك- بعد أن أخرج الحديث-:
قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحدًا قال: "عن يحيى، عن أنس" في هذا الحديث غير طلحة، والصواب عندي -واللَّه تعالى أعلم-: "يحيى، عن سعيد بن المسيّب"، مرسلٌ. انتهى.
وحاصل ما أشار إليه -رحمه اللَّه تعالى- ترجيح رواية الإرسال؛ لأنها من رواية يحيى ابن أيوب، ومعاوية بن صالح؛ على رواية الوصل؛ لأنها من رواية طلحة بن مصرّف وحده.
لكن الذي يظهر لي أن كونه موصولًا هو الذي يترجّح؛ لأن طلحة ثقة حافظ، فلا تضرّه مخالفة يحيى، ومعاوية؛ لأنهما دونه في الحفظ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٣٦ - (أَخْبَرَنِي (^١) مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمَ أَعْرَابٌ مِنْ عُرَيْنَةَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَسْلَمُوا، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، حَتَّى اصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ، وَعَظُمَتْ بُطُونُهُمْ، فَبَعَثَ بِهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى لِقَاحٍ لَهُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، حَتَّى صَحُّوا، فَقَتَلُوا رُعَاتِهَا، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، فَبَعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - فِي طَلَبِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَّرَ أَعْيُنَهُمْ، قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: عَبْدُ الْمَلِكِ لأَنَسٍ، وَهُوَ يُحَدِّثُهُ هَذَا الْحَدِيثَ: بِكُفْرٍ، أَوْ بِذَنْبٍ؟ قَالَ: بِكُفْرٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن وهب": هو ابن عمر بن أبي كريمة، أبو المعافى الْحَرّانيّ، صدوقٌ [١٠] من أفراد المصنف ١٩١/ ٣٠٦. و"محمد بن سلمة": هو ابن عبد اللَّه الباهليّ مولاهم الحرانيّ، ثقة [٩] ١٩١/ ٣٠٦. و"أبو عبد الرحيم": هو خالد بن أبي يزيد بن سماك بن رستم الأمويّ مولاهم الحرّانيّ، ثقة [٦] ١٩١/ ٣٠٦. و"زيد بن أبي أُنيسة": هو الجزريّ، أبو أسامة، كوفي الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقة، له أفراد [٦] ١٩١/ ٣٠٦. و"طلحة بن مصرّف": هو الياميّ الكوفيّ، ثقة قارئ فاضل [٥] ١٩١/ ٣٠٦ و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ القاضي المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣.
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ٣١ / ٣٤٩ ]
وقوله: "قال أمير المؤمنين عبد الملك": هو ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص. وقوله: "بكفر، أم بذنب؟ " يعني أن عقابهم هذا أكان بسبب كفرهم، أم بسبب ذنبهم. وقوله: "بكفر": أي كان العقاب بسبب كفرهم، وارتدادهم عن الإسلام، وفي رواية البخاريّ: قال أبو قلابة: "فهؤلاء سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا اللَّه ورسوله".
والحديث صحيح، وقد تقدّم في "الطهارة" ١٩١/ ٣٠٦ سندًا ومتنًا، ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، وقد رجح المصنّف هناك رواية يحيى بن أيوب، ومعاوية بن صالح المرسلة الآتية في الرواية التالية على هذه الرواية، لكن الذي يظهر أن رواية طلحة الموصولة هذه أرجح؛ لأنها زيادة من ثقة حافظ، كما عرفت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٣٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ، عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَسْلَمُوا، ثُمَّ مَرِضُوا، فَبَعَثَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى لِقَاحٍ؛ لِيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا، فَكَانُوا فِيهَا، ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى الرَّاعِي، غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَتَلُوهُ، وَاسْتَاقُوا اللِّقَاحَ، فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «اللَّهُمَّ عَطِّشَ مَنْ عَطَّشَ آلَ مُحَمَّدٍ اللَّيْلَةَ»، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي طَلَبِهِمْ، فَأُخِذُوا، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ، إِلاَّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ-: اسْتَاقُوا إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى بن أيوب": هو الغافقيّ، أبو العبّاس المصريّ، صدوقٌ ربما أخطأ [٧] ٦٠/ ١٧٧١.
و"معاوية بن صالح" هو الحضرميّ المصريّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢.
وقوله: "ثمّ عَمَدوا إلى الراعي" بفتح الميم، من باب ضرب-: أي قصدوا إليه.
وقوله: "غلام رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -" بالجرّ بدل من "الراعي"، واسم الراعي يسار بالياء التحتانيّة، والسين المهملة.
وقوله: "فزعموا الخ" أي قالوا، لأن الزعم يُطلق على القول الحقّ، وإن كان أكثر استعماله للباطل، كما في قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ الآية [التغابن: ٧].
وقوله: "عطّش" بتشديد الطاء المهملة، في الموضعين، من التعطيش.
[ ٣١ / ٣٥٠ ]
وقوله: "فسمل أعينهم": قَالَ: النَّوَوِيّ: مَعْنَى سَمَلَ بِاللَّامِ: فَقَأَهَا، وَأَذْهَبَ مَا فِيهَا، وَمَعْنى سَمَرَ: كَحَلَهَا بِمَسَامِير مَحْمِيَّة. وَقِيلَ: هُمَا بِمعْنًى. انْتَهَى.
ولَا تَخَالُف بين الروايتين؛ لِأَنَّ مَعْنَى السَّمْل عَلَى مَا قَالَ: الْخَطَّابِيُّ، هُوَ فَقْء الْعَيْن بِأَيِّ شَيْء كَانَ، فَإِذَا سَمَلَ الْعَيْن بِالمِسْمَارِ الْمَحْمِيّ، يَصْدُق عَلَيْهِ السَّمْل والسَّمْر، كِلَاهُمَا، كَمَا لَا يَخْفَى. ذكره في "عون المعبود".
وقوله: "يزيد بعضهم على بعض" هو من كلام ابن وهب، والضمير لشيوخه الذين حدّثوه بهذا الحديث.
[فإن قلت]: إنهما اثنان: يحيى بن أيوب، ومعاوية بن صالح، لا ثلاثة، فكيف أعاد ضمير جماعة إليهما؟.
[أجيب]: بأن الأصحّ أن أقلّ الجمع اثنان، ويحتمل أن قوله: "وأخبرني يحيى بن أيوب الخ" معطوف على شيخ آخر أخبره بالحديث معهما.
لكن يلزم منه أن الحديث ضعيف؛ لإبهام هذا الشيخ الآخر، ولم يتميّز ما حدّثه به عما حدّثه الآخران، كما يدلّ عليه قوله: "يزيد بعضهم على بعض"، فالاحتمال الأول أولى.
والحديث مرسل صحيحٌ؛ لأنه من مراسيل ابن المسيّب، وهي عند المحديثين صحاح، كما نُقل عن الإمام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وغيره. ولأن أحاديث الباب الموصولة تعضده.
وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه، أخرجه هنا-٩/ ٤٠٣٧ - وفي "الكبرى" ٩/ ٣٤٩٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٣٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَنْجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، - ﵂ -، قَالَتْ: أَغَارَ قَوْمٌ عَلَى لِقَاحِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَخَذَهُمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه الْخَلَنْجِيّ (^١» صدوقٌ [١٠] ٤٣/ ١٧٢٤.
و"مالك بن سُعير" بالتصغير، آخره راء- ابن الخِمْس بكسر المعجمة، وسكون الميم، بعدها مهملة- التميميّ، أبو محمد، ويقال: أبو الأحوص الكوفيّ، لا بأس به [٩].
_________________
(١) بفتح الخاء المعجمة، واللام، وسكون النون، بعدها جيم-: اسم شجر، كما في "القاموس".
[ ٣١ / ٣٥١ ]
قال أبو زرعة، وأبو حاتم: صدوقٌ. وقال أبو داود: ضعيف، زعموا أنه مات قبل ابن عُيينة. وقال الدارقطنيّ: صدوقٌ. وقال الأزديّ: عنده مناكير. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٠٠) أو قبلها، أو بعدها بقليل. روى له البخاريّ حديثًا واحدًا في "التفسير" متابعةً، وأبو داود في "القدر"، والمصنّف هذا الحديث فقط، وابن ماجه حديثين فقط.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا ٩/ ٤٠٣٨ - وفي "الكبرى " ٣٥٠٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٣٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْوَزِيرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ قَوْمًا أَغَارُوا، عَلَى لِقَاحِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأُتِيَ بِهِمُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَطَّعَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ. اللَّفْظُ لاِبْنِ الْمُثَنَّى).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن أبي الوزير": هو إبراهيم بن عمر بن مطرّف الهاشميّ مولاهم، أبو إسحاق المكيّ، نزيل البصرة، صدوقٌ [٩] ١/ ١٦٠٠.
و"عبد العزيز": هو ابن محمد الدراورديّ المدنيّ، صدوقٌ، يُحدّث من كتُب غيره، فيُخطىء [٨] ٨٤/ ١٠١.
وقوله: "فأُتي" بالبناء للمفعول. وقوله: "فقطع" بالبناء للفاعل، والطاء مشدّدة، أو مخفّفة.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا-٩/ ٤٠٣٩ - وفي "الكبرى" ٩/ ٣٥٠١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٤٠ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ قَوْمًا أَغَارُوا، عَلَى إِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عيسى بن حمّاد": هو التُّجِيبيّ، أبو موسى المصريّ، الملقّب زُغْبة، ثقة [١٠] ١٣٥/ ٢١١.
و"الليث": هو ابن سعد إمام أهل مصر.
والحديث مرسلٌ صحيح بما سبق، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٩/ ٤٠٤٠ - وفي "الكبرى" ٩/ ٣٥٠٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ ٣١ / ٣٥٢ ]
٤٠٤١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَذَكَرَ آخَرَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ قَالَ: أَغَارَ نَاسٌ مِنْ عُرَيْنَةَ، عَلَى لِقَاحِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَاسْتَاقُوهَا، وَقَتَلُوا غُلَامًا لَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي آثَارِهِمْ، فَأُخِذُوا، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى بن عبد اللَّه بن سالم" بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب القرشيّ المدنيّ، صدوق، من كبار [٨] ٥١/ ١٧٤٦ له عند المصنف حديثان فقط: هذا، وحديث الحسن بن عليّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - في "كتاب الصلاة": "اللَّهم اهدني فيمن هديت" الحديث.
و"سعيد بن عبد الرحمن": هو الْجُمَحيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٨] ٤٣/ ٢٢٣٦.
وقوله: "قال ابن وهب: وأخبرني الخ"، زاد في "الهنديّة"، و"الكبرى" كلمة "يعني"، ولفظه: "أنبأنا ابن وهب، قال يعني: وأخبرني يحيى بن عبد اللَّه بن سالم الخ.
وقوله: "وذكر آخر" يحتمل أن يكون ابن لهيعة. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث مرسل، صحيح بما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٤٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الْمُحَارَبَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن الحارث: هو أبو أيوب المصريّ، ثقة فقيهٌ حافظ [٧] ٦٣/ ٧٩. و"سعيد بن أبي هلال": هو أبو العلاء المصريّ، صدوق [٦] ٤١/ ٦٨٦. و"أبو الزناد": هو عبد اللَّه بن ذكوان المدنيّ الفقيه الثبت.
و"عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عمر بن الخطّاب العدويّ، مقبول [٤].
روى عن عمّه. وعنه أبو الزناد. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له المصنّف، وأبو داود هذا الحديث فقط.
وقوله: "ونزلت فيهم آية المحاربة" هكذا رواية المصنّف في "المجتبى"، وفي "الكبرى"، وفيها اختصار شديد، لا يتبيّن معه المراد، وقد أخرجه أبو داود في "سننه"، تامًّا، وهذا لفظه:
حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، أخبرني عمرو، عن سعيد بن أبي
[ ٣١ / ٣٥٣ ]
هلال، عن أبي الزناد، عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه -قال أحمد: هو يعني عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عمر بن الخطاب- عن ابن عمر، أن ناسا أغاروا على إبل النبيّ - ﷺ -، فاستاقوها، وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعي رسول اللَّه - ﷺ - مؤمنًا، فبعث في آثارهم، فأُخِذوا، فقطّع أيديهم وأرجلهم، وسَمَلَ أعينهم، قال: ونزلت فيهم آية المحاربة، وهم الذين أخبر عنهم أنس بن مالك الحجاج حين سأله. انتهى.
والحديث صحيح، وقد أخرجه المصنّف هنا -٩/ ٤٠٤٢ - وفي "الكبرى" ٩/ ٣٥٠٤. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٣٦٩ - ٤٣٧٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٤٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، لَمَّا قَطَّعَ الَّذِينَ سَرَقُوا لِقَاحَهُ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ بِالنَّارِ، عَاتَبَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآيَةَ كُلَّهَا [المائدة: ٣٣]).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الليث": هو ابن سعد. و"ابن عجلان": هو محمد. و"أبو الزناد": هو عبد اللَّه بن ذكوان.
وقوله: "عاتبه اللَّه في ذلك" هذا غير صحيح، والصحيح أن الآية نزلت بيانًا لحكم المحاربين، لا عتابًا للنبيّ - ﷺ -، وقد تقدّم أن هذا القول ذُكر للأوزاعيّ -رحمه اللَّه تعالى- عنه، فأنكر أن تكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عُقُوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، ورُفع عنهم السمل. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقول الأوزاعيّ هذا لا ينافي ما يأتي عن أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، حيث قال: إنما سمَل النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أعيُن أولئك النفر؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة. انتهى.
والحاصل أن القول بأن الآية نزلت للعتاب ضعيف، والصحيح أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لم يُعاتب في ذلك؛ لأنه إنما سمل قصاصًا؛ وإنما الآية نزلت في المحاربين عمومًا، فلو اتّفق أن المحاربين سملُوا أعين الناس، فُعل بهم ذلك قصاصًا. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث مرسلٌ ضعيفٌ، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه، أخرجه هنا-٩/
_________________
(١) راجع "تفسير ابن كثير" ٢/ ٥٢ - ٥٣. "سورة المائدة".
[ ٣١ / ٣٥٤ ]
٤٠٤٣ - وفي "الكبرى" ٩/ ٣٤٣٥٠٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٤٤ - (أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الأَعْرَجُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ، ثِقَةٌ مَأْمُونٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ - ﷺ -، أَعْيُنَ أُولَئِكَ؛ لأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الفضل بن سهل الأعرج": هو البغداديّ، خراسانيّ الأصل، صدوق [١١] ٦٨/ ٩٩٢.
و"يحيى بن غيلان" بن عبد اللَّه بن أسماء بن حارثة الْخُزاعيّ، ثمّ الأسلميّ، أبو الفضل البغداديّ، ويقال: يحيى بن عبد اللَّه بن غيلان، ثقة [١٠].
قال الفضل بن سهل: ثقة مأمون. وقال الخطيب: كان ثقة. وقال ابن قانع: صالح. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، نزل بغداد، ثم خرج إلى البصرة في حاجة له، فمات هناك سنة (٢١٠)، وفيها أرّخه مطيّن. وقيل: سنة (٢١٣). تفرّد به مسلم، والمصنّف، والترمذيّ، وله عندهم هذا الحديث فقط.
وقوله: "ثقة مأمون" هو من كلام الفضل بن سهل. واللَّه تعالى أعلم.
و"يزيد بن زُريع": هو أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. و"سليمان التيميّ": هو ابن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [٤] ٨٧/ ١٠٧.
وقوله: "إنما سمل الخ" يعني أن ما فعله النبيّ - ﷺ - من سمل أولئك المحاربين؛ لكونهم فعلوه بالرعاة، فكان ذلك قصاصًا، وهذا هو الصحيح في الجواب عما فُعل بهم، من التعذيب، والتمثيل.
قَالَ: العلّامة شَمْس الدِّين بن الْقَيِّم رَحِمَهُ اللَّه تعالى في "تهذيب السنن": قَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي "صَحِيحه" عَنْ أَنَس، قال: "إِنَّما سَمَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَعْيُنَ أُولَئِكَ، لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُن الرِّعَاء". وَذَكَرَ ابْن إِسْحَاق: أَنَّ هؤُلاءِ كَانُوا قَدْ مَثَّلُوا بِالرَّاعِي، فَقَطَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَغَرَزُوا الشَّوْك فِي عَيْنَيهِ، فأُدْخِل الْمَدِينَة مَيِّتًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَة. وَتَرْجَمَة الْبُخَارِيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحِيحه" تدُلّ عَلَى ذَلِكَ، فإِنَّهُ سَاقَهُ فِي باب "إِذَا حَرَّقَ الْمُسْلِم، هَلْ يُحَرَّق؟ " فَذَكَرَهُ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْل الصُّفَّة، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَحْسِمهُمْ حَتَّى مَاتُوا. انتهى.
والحديث أخرجه المصنّف هنا -٩/ ٤٠٤٤ - وفي "الكبرى" ٩/ ٣٥٠٦. وأخرجه مسلم في ٤٣٣٦ - عن شيخ المصنّف بنفس هذا السند، وأخرجه (ت) في "الطهارة" ٧٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ ٣١ / ٣٥٥ ]
٤٠٤٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ، قَتَلَ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ، عَلَى حُلِىٍّ لَهَا، وَأَلْقَاهَا فِي قَلِيبٍ، وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخِذَ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَحمدُ بْنُ عمرِو بنِ السَّرْحِ) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩.
٢ - (الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ) بن محمد القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٣ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ الحافظ، ثقة عابد [٩] ٩/ ٩.
٤ - (محمد بن عمرو) اليافعيّ- بالياء التحتانيّة- المصريّ الرُّعَينيّ، صدوقٌ له أوهام [٩].
روى عن ابن جُريج، وعنه ابن وهب. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي، وأبا زرعة عنه؟ فقالا: شيخٌ لابن وهب. وقال ابن يونس: روى عنه ابن وهب وحده، وهو قريبٌ السنّ من ابن وهب، حدّث بغرائب. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عديّ: له مناكير، وأورد له حديثه عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: "لا يرث المسلم النصرانيّ، إلا أن يكون عبده، أو أمته" (^١)، واستنكره، وقد رواه عبد الرزّاق، عن ابن جريج، موقوفًا، وهو الصواب. وذكره الساجيّ في "الضعفاء"، ونقل عن يحيى بن معين، أنه قال. غيره أقوى منه. وقال ابن القطّان: لم تثبت عدالته. تفرّد به مسلم، له
عنده حديث واحد، متابعة. والمصنّف وله عنده هذا الحديث فقط.
٥ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلّس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٦ - (أيّوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٥] ٤٢/ ٤٨.
٧ - (أبو قلابة) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجرميّ البصريّ، ثقة فاضلٌ، كثير الإرسال، فيه نصب يسير [٣] ١٠٣/ ٣٢٢.
٨ - (أنس بن مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) عزى هذا الحديث في "تهذيب التهذيب" -٣/ ٦٦٥. إلى النسائيّ، ولم أجده عنده، فاللَّه تعالى أعلم.
[ ٣١ / ٣٥٦ ]
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى محمد بن عمرو، والباقون بصريّون، سوى ابن جريج، فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أنس - ﵁ - من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رجُلًا مِنْ الْيَهُودِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (قَتَلَ جَارِيةً مِنْ الأَنْصَارِ) قال في "الفتح": يحتمل أن تكون الجارية أمة، ويحتمل أن تكون حرّة، لكن دون البلوغ (عَلَى حُليِّ لَهَا) بضمّ الحاء المهملة، وكسر اللام، وتشديد الياء التحتانيّة- جمع حَلْي بفتح، فسكون، كثَدْيٍ وثُدِيّ، والأصل فُعُول، كفلس وفُلُوس-: أي لأجل زينتها، فـ"على" بمعنى اللام، وفي الرواية الآتية: في "القسامة": "أن يهوديًّا أخذ أوضاحًا من جارية"، و"الأوضاح" بحاء مهملة: هي نوع من الْحُليّ تصاغ من الفضّة، سميت بها؛ لبياضها، واحدها وَضَحٌ بفتحتين-، ولا يُعرف اسم الجارية.
وقال في "الفتح": معنى: "على أوضاح": بسبب أوضح، وهي بالضاد المعجمة، والحاء المهملة جمع وضح، قال أبو عُبيد: هي حليّ الفضّة. ونقل عياض أنها حليّ من حجارة، ولعله أراد حجارة الفضّة؛ احترازًا من الفضّة المضروبة، أو المنقوشة. انتهى (^١).
(وَأَلْقَاهَا فِي قَلِيبٍ) بفتح القاف، وكسر اللام-: البئر، وهو مذكّرٌ، قال الأزهريّ: القليب عند العرب: البئر العادِيّة القديمة، مَطويّةً كانت، أو غير مطويّة، والجمع قُلُبٌ بضمّتين- مثلُ بَرِيد وبُرُد. أفاده الفيّوميّ (وَرَضَخَ) بضاد، وخاء معجمتين، مبنيًّا للفاعل، وقد ذكر أهل اللغة أنه يقال أيضًا: رَضَح بالحاء المهملة، قال الفيّوميّ: رَضَحته رَضْحًا أي بالحاء المهملة- من باب نَفَعَ، وهو كسره، ودقّه، كالنوى وغيره، ورَضَحتُ رأسه: إذا كسرته، والخاء المعجمة لغة فيهما. انتهى. وفي رواية: "رَضَّ رأس جارية"، والرضّ بالضاد المعجمة بمعنى الرضخ (رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ) وفي رواية: "رضّ رأسها بين حجرين"، وفي رواية: "رماها بحجر"، وفي رواية: "رضخ رأسها"، قال في
_________________
(١) "فتح" ١٤/ ١٨٠ - ١٨١ "كتاب الديات". رقم الحديث ٦٨٧٦.
[ ٣١ / ٣٥٧ ]
الفتح": لا تنافي بين هذه الروايات؛ لأنه يُجمع بينها بأنه رماها بحجر، فأصاب رأسها، فسقطت على حجر آخر. انتهى (^١).
(فَأُخِذَ) بالبناء للمفعول (فَأَمَرَ بِهِ رسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أي بعد أن اعترف بقتلها، ففي الرواية الآتية في "القسامة"، من طريق قتادة، عن أنس: "فأُدركت، وبها رَمَقٌ، فأتي بها رسولُ اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: "من قتلكِ، فلان؟ "، قالت برأسها: لا، قال: "فلان؟ "، قال: حتى سَمَّى اليهوديّ، قالت برأسها: نعم، فأُخذ، فاعترف، فأَمر به رسول اللَّه - ﷺ - " (أَنْ يُرجَمَ) بالبناء للمفعول (حَتَّى يَمُوتَ) وفي رواية قتادة المذكورة: "فرُضخ رأسه بين حجرين"، وفي رواية هشام بن زيد، عن أنس: "فقتله بين حجرين". وفي رواية البخاريّ: "فرُضّ رأسه بالحجارة". قال القاضي عياض: رضخه بين حجرين، ورميه بالحجارة، ورجمه بها بمعنى، والجامع أنه رمي بحجر، أو أكثر، ورأسه على آخر.
وقال ابن التين: أجاب بَعْض الْحَنَفِيَّة، بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث لَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى الْمُمَاثَلَة فِي الْقِصَاص؛ لِأَنَّ الْمَرْأَة كَانَتْ حَيَّة، وَالْقَوَد لَا يَكُون فِي حَيِّ. وَتَعَقَّبهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ بَعْد موْتها؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيث: "أَفُلَان قَتَلَك؟ "، فَدلَّ عَلَى أَنَّهَا مَاتَتْ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَجُود بِنَفْسِها، فَلَمَّا مَاتَتْ اقْتَصَّ مِنْهُ.
وَادَّعى ابْن الْمُرَابِط مِنْ الْمَالِكِيَّة، أَنَّ هَذَا الْحُكْم كان في أَوَّل الإسْلَام، وهُو قَبُول قَوْل الْقَتِيل، وأمَّا مَا جَاءَ أَنَّهُ اعْترف، فَهُوَ فِي رِوَايَة قَتَادَة، وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْره، وَهَذَا مِمَّا عُدَّ عَلَيْهِ انْتَهَى.
قال الحافظ: وَلَا يَخْفَى فَسَادَ هَذِهِ الدَّعْوَى، فَقَتَادَةُ حَافِظٌ، زِيَادَتُهُ مَقْبُولَة؛ لِأَنَّ غَيْره لَمْ يَتَعَرَّض لِنَفْيِهَا، فَلَمْ يَتَعَارَضَا، وَالنَّسْخ لا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ. قاله في "الفتح" (^٢).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- عند قوله: "فأمر به رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أن يُرجم حتى يموت، فرُجم حتى مات": هذا مخالفٌ لمساق الرواية الأولى، فلذلك قيل في هذا: إنها قضيّةٌ أُخرى غير تلك. والأولى أن القضيّةَ واحدةٌ، غير أن الراوي عبّر عن رَضِّ رأس اليهوديّ بالحجارة بالرجم، ولا بُعد في ذلك؛ فإنه من تسمية الشيء بما يُشبهه. انتهى (^٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "فتح" ١٤/ ١٨٠ - ١٨١. "كتاب الديات". رقم الحديث ٦٨٧٦.
(٢) "فتح" ١٤/ ١٨٢. "كتاب الديات" رقم الحديث ٦٨٧٦.
(٣) "المفهم" ٥/ ٣١. "كتاب القسامة".
[ ٣١ / ٣٥٨ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٩/ ٤٠٤٥ و٤٠٤٧ وفي "القسامة" ١٢/، ١٣/ ٤٧٤٢ و٤٧٤٣ و٤٧٤٤ و٢٦، ٢٧/ ٤٧٨١ - وفي "الكبرى" ٩/ ٣٥٠٧ و٣٥٠٨ وفي "القسامة" ١١/ ٦٩٤٢ و٦٩٤٣ و٦٩٤٤ و٢٥/ ٦٩٨١. وأخرجه (خ) في "الخصومات" ٢٤١٣ و"الوصايا" ٢٧٤٦ و"الديات" ٦٨٧٦ و٦٨٧٧ و٦٨٧٩ و٦٨٨٤ و٦٨٨٥ (م) في "القسامة" ١٦٧٢ (د) في "الديات" ٤٥٢٧ و٤٧٢٨ و٤٧٢٩ و٤٥٣٥ (ت) في "الديات" ١٣٩٤ (ق) في "الديات" ٢٦٦٥ و٢٦٦٦ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٢٣٣٧ و١٢٥٩٤ و١٢٦٩٤ (الدارمي) في "الديات" ٢٣٥٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان الحكم الذي اشتملت عليه الآية الكريمة، ووجه مناسبة الحديث لتأويل الآية أن هذا اليهوديّ ممن بغى على الناس، وأفسد في الأرض، بقتله الجارية، وأخذ حليّها، فدخل تحت حكم الآية الكريمة، التي نزلت لبيان حكم المحاربين، والساعين في الأرض فسادًا، وهو القتل، أو التصليب أو تقطيع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، أو نفيهم، من الأرض، وقد قدّمنا أن المختار أن "أو" في الآية للتخيير، فيفعل الإمام ما يراه فيهم، وقد فعل النبيّ - ﷺ - في هذا اليهوديّ، ما يناسب فعله، حيثُ رُضّ رأسه بالحجارة، كما فعل بالجارية. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أن فيه أنه ينبغي للحاكم أن يستدلّ على أهل الجنايات، ثم يتلطّف بهم حتّى يقرّوا؛ ليُؤخذوا بإقرارهم، وهذا بخلاف ما إذا جاءوا تائبين، فإنه يعرض عمن لم يُصرّح بالجناية، فإنه يجب إقامة الحدّ عليه إذا أقرّ، وسياق القصّة يقتضي أن اليهوديّ لم تقُم عليه بيّنة، وإنما أُخذ بإقراره.
(ومنها): أنه تجب المطالبة بالدم بمجرّد الشكوى، وبالإشارة. (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز وصيّة غير البالغ، ودعواه بالدين والدم. قاله المهلّب. وتعقّبه الحافظ، فقال: في هذا نظر؛ لأنه لم يتعيّن كون الجارية دون البلوغ. (ومنها): أنه استدلّ به بعضهم على التدمية؛ لأنها لو لم تُعتبر لم يكن لسؤال الجارية فائدة، قال: ولا يصحّ اعتباره مجرّدًا؛ لأنه خلاف الإجماع، فلم يبقَ إلا أنه يُفيد القسامة. وقال النوويّ: ذهب
[ ٣١ / ٣٥٩ ]
مالكٌ إلى ثبوت قتل المتّهم بمجرّد قول المجروح، واستدلّ بهذا الحديث، ولا دلالة فيه، بل هو قولٌ باطلٌ؛ لأن اليهوديّ اعترف، كما وقع التصريح به في بعض طرقه. ونازعه بعض المالكيّة، فقال: لم يقل مالكٌ، ولا أحد من أهل مذهبه بثبوت القتل على المتّهم بمجرّد قول المجروح، وإنما قالوا: إن قول المحتضر عند موته فلانٌ قتلني لَوْثٌ، يوجب القسامة، فيُقسِم اثنان، فصاعدًا من عصبته بشرط الذكوريّة، وقد وافق بعض المالكيّة الجمهور. واحتجّ من قال بالتدمية أن دعوى من وصل إلى تلك الحالة، وهي وقت إخلاصه، وتوبته عند معاينة مفارقة الدنيا يدلّ على أنه لا يقول إلا حقًّا، قالوا. وهي أقوى من قول الشافعيّة: إن الوليّ يُقسم إذا وَجَدَ قربَ وليّه المقتولِ رجلًا معه سكين؛ لجواز أن يكون القاتل غير من معه السكّين.
(ومنها): أنه استدلّ به على وجوب القصاص على الذمّيّ. وتُعُقّب بأنه ليس فيه تصريح بكونه ذميًّا، فيحتمل أن يكون معاهدًا، أو مستأمنًا.
(ومنها): مشروعيّة قتل الرجل بالمرأة، وهو قول الجمهور، خلافًا لمن شذّ، فقال: لا يُقتل بها، وهو عطاء، والحسن. وقد رُوي عن عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، وأما القصاص بينهما في الأطراف، فهو أيضًا مذهب الجمهور. وقد ذهب إلى نفيه فيها من نفاه في النفس، وأبو حنيفة (^١)، وحمّاد، وإن قالا به في النفس، والصحيح قول الجمهور في المسألتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥] (^٢).
(ومنها): أنه استدُلّ به على أن القاتل يُقتل بما قتَلَ به، وهو مذهب الجمهور، وتمسّكوا بهذا الحديث، وبقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]، وبقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]. وخالف في ذلك الكوفيّون، فاحتجّوا بحديث: "لا قَوَدَ إلا بالسيف"، وهو حديث ضعيف، أخرجه البزّار، وابن عديّ من حديث أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وذكر البزّار الاختلاف فيه مع ضعف إسناده. وقال ابن عديّ: طرقه كلُّها ضعيفة. وعلى تقدير ثبوته، فإنه على خلاف قاعدتهم في أن السنّة لا تنسخ الكتاب، ولا تُخصّصه.
وتمسّكوا أيضًا بالنهي عن المثلة، وهو صحيحٌ، لكنه محمولٌ عند الجمهور على غير المماثلة في القصاص؛ جمعًا بين الدليلين. قاله في "الفتح" (^٣).
_________________
(١) قوله: "وأبو حنيفة" عطف على "من" أي ونفاه أبو حنيفة إلخ.
(٢) "المفهم" ٥/ ٢٤. "كتاب القسامة".
(٣) "فتح" ١٤/ ١٨٣. "كتاب الديات".
[ ٣١ / ٣٦٠ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مذهب الجمهور في هذه المسألة هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته، وسيأتي تمام البحث في ذلك في "كتاب القصاص"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٤٦ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ، عَلَى حُلِيٍّ لَهَا، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي قَلِيبٍ، وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ -، أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يوسف بن سعيد": هو المصّيصيّ الثقة الحافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨، من أفراد المصنّف.
و"حجاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ. و"معمر": هو ابن راشد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٤٧ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٣]، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ، قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، فَمَنْ قَتَلَ، وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ، وَحَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِالْكُفَّارِ، قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ، أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زكريا بن يحيى) الحافظ المعروف بخيّاط السنّة، ثقة [١٢] ١٨٩/ ١١٦١، من أفراد المصنّف.
٢ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
[تنبيه]: إسحاق هذا من شيوخ المصنّف، يروي عنه كثيرًا بلا واسطة، وقليلًا ما يروي عنه بواسطة، كهذا الحديث، فتنبّه.
٣ - (عليّ بن الحسين) المروزيّ، صدوق يَهِم [١٠] ٥٤/ ٣٥٢٦.
٤ - (أبوه) الحسين بن واقد، أبو عبد اللَّه المروزيّ القاضي، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣.
[ ٣١ / ٣٦١ ]
٥ - (يزيد النحويّ) بن أبي سعيد، أبو الحسن المروزيّ، ثقة عابد [٦] ٥٤/ ٣٥٢٦، [تنبيه]: "النحويّ" -بفتح، فسكون-: نسبة إلى نحو بطنٌ من الأزد، وليس نسبةً إلى علم النحو المعروف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (عكرمة) مولى ابن عبّاس البربريّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/ ٣٢٥.
٧ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة إلى يزيد، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبّاس (عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (في) بيان معنى (قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]) المحاربة هي: المضادّة، والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض. قاله ابن كثير (^١) (الْآيَةَ) يجوز فيها أوجه الإعراب: الرفع على تقدير تُقرأ الآية بتمامها، والنصب على تقدير اقرأ الآية بتمامها، والجرّ على تقدير إلى آخر الآية، وهذا الوجه ضعيف؛ لأن حذف الجارّ، وإبقاء عمله شاذّ (قال) ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الْمُشرِكِينَ، فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ) أي من المشركين (قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ) أي طريق إلى معاقبته (وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ) أي لم تنزل في شأن محاربة المسلم، فإن عقوبته لا تسقط بتوبته، كما بيّنه بقوله (فَمَنْ قَتَلَ) من المسلمين (وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ) بأخذ أموال الناس، ظلمهم (وَحَارَبَ اللَّه وَرَسُولَهُ) بقطع الطريق، وإخافة المسلمين (ثُمَّ لَحِقَ بِالْكُفَّارِ، قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول (لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ) أي إذا جاء تائبًا بعد ذلك كلّه قبل أن يُقدر عليه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابْن عَبَّاس، - رضي اللَّه تعالى عنهما -،
_________________
(١) راجع "تفسير ابن كثير" ٢/ ٥٠.
[ ٣١ / ٣٦٢ ]
هو أحد الأقوال التي ذُكرت في معنى: هذه الآية الكريمة، وقد استوفى تلك الأقول الإمام ابن جرير الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره"، أحببت تلخيصه فيما يلي:
[القول الأول]: أن المعنى: إلا الذين تابوا من شركهم، ومناصبتهم الحرب للَّه، ولرسوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، والسعي في الأرض بالفساد بالإسلام، والدخول في الإيمان من قبل قدرة المؤمنين عليهم، فإنه لا سبيل للمؤمنين عليهم بشيء من العقوبات التي جعلها اللَّه جزاء لمن حاربه ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، من قتل، أو صلب، أو قطع يد ورجل من خلاف، أو نفي من الأرض، فلا تِباعة قِبَله لأحد فيما كان أصاب في حال كفره، وحربه المؤمنين في مال، ولا دم، ولا حرمة، قالوا: فأما المسلم إذا حارب المسلمين، أو المعاهدين، وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة، فلا تَضَعُ توبته عنه عقوبةَ ذنبه، بل توبته فيما بينه وبين اللَّه، وعلى الإمام إقامة الحدّ الذي أوجبه اللَّه عليه، وأخذه بحقوق الناس.
[القول الثاني]: أن هذه الآية الكريمة معنيّ بالحكم بها المحاربون اللَّه ورسوله الْحُرّاب من أهل الإسلام من قطع منهم الطريق، وهو مقيم على إسلامِهِ، ثم استأمن، فأومن على جناياته التي جناها، وهو للمسلمين حرب، ومن فعل ذلك منهم مرتدًّا عن الإسلام، ثم لحق بدار الحرب، ثم استأمن، فأومن، قالوا: فإذا أمّنه الإمام على جناياته التي سلفت لم يكن قِبَله لأحد تَبِعة في دم، ولا مال أصابه قبل توبته، وقبل أمان الإمام إياه.
ثم أخرج بسنده، عَنْ الشَّعْبِيّ، أن حَارِثَة بْن بَدْر حارب في عهد عليّ بن أبي طالب، فأتى الحسن بن عليّ، - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فطلب إليه أن يستأمن له من عليّ، فأبى، ثم أتى ابن جعفر، فأبى عليه، فَأَتَى سَعِيد بْن قَيْس الْهَمْدَانِيَّ، فأمنه، وضمّه إليه،، وقال له: استأمن لي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، قال: فلما صلّى عليّ الغداةَ أتاه سعيد بن قيس، فقال: يا أمِير الْمُؤْمِنِينَ، ما جزاء الذين يحاربون اللَّه ورسُوله؟ قَالَ: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، قال: ثُمَّ قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، فَقَالَ سَعِيد: وَإِنْ كَانَ حَارِثَة بْن بَدْر؟، قال: وإن كان حارثة بن بدر، قال: فَهَذَا حَارِثَة بْن بَدْر، قَدْ جَاءَ تَائِبًا، فهُو آمِنُ؟، قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَجَاءَ بِهِ إِليْهِ، فَبَايَعَهُ، وَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا.
فقال حارثة [من الطويل]:
أَلَا أَبْلِغَا هَمْدَان إِمَّا لَقِيتَهَا … عَلَى النَّأْيِ لَا يَسْلَمْ عَدُوٌّ يَعِيبُهَا
[ ٣١ / ٣٦٣ ]
لَعَمْرُ أَبِيهَا إِنَّ هَمْدَانَ تتَّقِي الْـ … إلَهَ وَيَقْضِي بِالْكِتَابِ خَطِيبُهَا
[القول الثالث]: أن معنى ذلك كلّ من جاء تائبًا من الْحُرّاب قبل القدرة عليه، استأمن الإمام، فأمّنه، أو لم يستأمنه بعد أن يجيء مستسلمًا تاركًا للحرب.
ثم أخرج بسنده من طريق الأَشْعَث، عن عامر الشعبيّ، قال: جاء رَجُل من مراد إلى أبِي مُوسَى، وهو على الكوفة، في إمرة عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد ما صلّى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى: هَذَا مَقَام الْعَائِذ بك، أَنَا فُلان بْن فُلان المراديّ، وإني كُنْت حَارَبَت اللَّه ورَسُوله، وسعيت في الأرض فسادًا، وإني تبت مِنْ قَبْل أَنْ يُقْدَرَ عَلَيَّ، فَقَالَ أبُو مُوسَى: إِنَّ هذا فُلان بْن فُلَان، وإنه كَانَ مِمَّنْ حَارَبَ اللَّه ورَسُوله، وسعىِ في الأرض فسادًا، وإنه تاب مِنْ قَبْل أَنْ يُقْدَر عَلَيْهِ، فمن لقيه فَلَا يَعْرِض لَهُ أَحَد إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنْ يَكُ صَادِقًا، فَسَبِيلِ من صدق، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا، تدركه ذنوبه، فأقام الرجل ما شاء اللَّه، ثم إنه خرج، فأدركه اللَّه تعالى بذنوبه، فقتله.
[القول الرابع]: أن المستثنى في الآية هو التائب من حربه للَّه ورسوله، وسعيه في الأرض بالفساد بعد لحاقه بدار الكفر، فأما إذا كانت حرابته، وحربه وهو مقيم في دار الإسلام، وداخلٌ في غمارة الأمة، فليست توبته واضعةٌ عنه شيئًا من حدود اللَّه -﷿-، ولا من حقوق المسلمين والمعاهدين، بل يؤخذ بذلك.
[القول الخامس]: أنه إن كانت حرابته وحربه في دار الإسلام، وهو في غير مَنْعَةَ من فئة يلجأ إليها، ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته لا تضع عنه شيئًا من عقوبته، ولا من حقوق الناس، وإن كانت حرابته، وحَرْبه في دار الإسلام، أو هو لاحقٌ بدار الكفر، غير أن في كلّ ذلك كان يلجأ إلى فئة تمنعه ممن أراده من سلطان المسلمين، ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته تضع عنه كلّ ما كان من أَحْداثه في أيام حرابته تلك، إلا أن يكون أصاب حدًّا، أو أمر الرُّفْقة بما فيه عقوبة، أو غُرْمٌ لمسلم، أو مُعاهد، وهو غير ملتجىء إلى فئة تمنعه، فإنه يؤخذ بما أصاب من ذلك، وهو كذلك، ولا يضع ذلك عنه توبته.
[القول السادس]: أن توبته تضع عنه حدّ اللَّه الذي وجب عليه بمحاربته، ولا يسقط عنه حقوق بني آدم، وممن قال بذلك الشافعيّ، كما رواه عنه الربيع.
قال ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى-: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه، أو بجماعة معه قبل القدرة عليه تضع عنه تَبِعات الدنيا التي كانت لزمته في أيام حَرْبه، وحرابته، من حدود اللَّه، وغُرْم لازم، وقَوَد، وقصاص، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين، والمعاهدين بعينه، فيُردّ على
[ ٣١ / ٣٦٤ ]
أهله؛ لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة للَّه ولرسوله الساعية في الأرض فسادًا، جماعةً كانوا أو واحدًا.
فأما المستخفي بسرقته، والمتلَصِّص على وجه اغتفال مَنْ سرقَهُ، والشاهر في خلاء على بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع، فإن حكم اللَّه عليه، تاب، أو لم يتُب ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله أو أصاب وليّه بدم، أو خَتْلٍ مأخوذٌ، وتوبته فيما بينه وبين اللَّه جلّ وعز، قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك، وهو للمسلمين سِلْمٌ، ثم صار لهم حَرْبًا أن حربه إياهم لن يضع عنه حقًّا للَّه -﷿-، ولا لآدميّ، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء، أو باستخفاء، وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده، ولا له فئةٌ يَلجأ إليها مانعةٌ منه.
وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] دليلٌ واضحٌ لمن وُفّق لفهمه أن الحكم الذي ذكره اللَّه تعالى في المحاربين يجري في المسلمين والمعاهدين، دون المشركين الذين قد نصبوا للمسلمين حربًا، وذلك أن ذلك لو كان حكما في أهل الحرب من المشركين، دون المسلمين، ودون ذمّتهم لوجب أن لا يُسقِط إسلامهم عنهم إذا أسلموا، أو تابوا بعد قدرتنا عليهم ما كان لهم قبل إسلامهم، وتوبتهم، من القتل، وما للمسلمين في أهل الحرب من المشركين، وفي إجماع المسلمين أن إسلام المشرك الحربيّ يضع عنه بعد قدرة المسلمين عليه ما كان واضعه عنه إسلامه قبل القدرة عليه ما يدلّ على أن الصحيح من القول في ذلك قول من قال: عُنِي بآية المحاربين في هذا الموضع حُرّابُ أهل الملّة، أو الذمّة، دون من سواهم من مشركي أهل الحرب. انتهى كلام ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي رجّحه الإمام ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى- في تأويل هذه الآية هو الأرجح عندي؛ لقوّة مُتمسّكه، كما بيّنه هو. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) "تفسير ابن جرير الطبريّ" ١٠/ ٢٧٧ - ٢٨٩. "تفسير سورة المائدة".
[ ٣١ / ٣٦٥ ]