القيامة ثابتين غير منسوخين: أنَّ ذلك الخبر منسوخ. وكذلك (١) صح بالنص والإِجماع المتيقن أنَّ من ملك عبدًا أو أمة (٢) ولهما والد فإن ملكهما لمالكهما لا لأبيهما. فصح (٣) خبر أنه لأبيه منسوخ؛ فزال (٤) الإِشكال ولله الحمد. انتهى بلفظه من المجلى شرح المحلَّى.
وأقول: لا يخفى أنَّ دعوى النسخ محتاجة إلى إقامة البرهان على تأخر الناسخ، ولم يأت بدليل على تأخُّره. وكيف يخفى النسخ على الصحابة وهم علي وعمر وابن مسعود وعائشة وجابر بن عبد الله وأنس وابن عباس ﵃؛ فإنَّه نقل ابن حزم (٥) نفسه القول عنهم بأنَّ مال الولد ملك لأبيه عملًا بالحديث، ثم قال: ولا نعلم خلافًا من الصحابة لمن ذكرنا منهم في هذه المسألة. قال: إلَّا رواية عن ابن عمر ورواية عن علي لم تصح. انتهى.
قلت: فأي داع إلى دعوى النسخ مع إمكان الجمع، وقد زعم أنَّ الدليل على النسخ إيجاب الميراث لمال الولد إن هلك في حياة والده، وجواز تسريه بما ملكت يمينه، وقد توهَّم أنه لا يتم الجمع بين القول بملك الأب لمال ابنه والقول بأنه يورث عنه ماله إذا مات في حياة أبيه،
_________________
(١) في الأصل (أيضًا).
(٢) في الأصل (أمة أو عبدًا).
(٣) في الأصل (أيضًا أن قوله ﵇).
(٤) في الأصل (وارتفع).
(٥) المحلّى (٨/ ٥١١).
[ ٣٢ ]
وكذلك الحكم في تسريه، وإنَّما لما تعذر الجمع بين الأدلة حكم بالنسخ.
والجمع هنا ممكن عندنا، فإنَّا نقول: حديث "أنت ومالك لأبيك" قضى بأنَّ الولد وماله للأب، وحكم بالأدلة الأخرى أنه إذا مات الولد كان ما تحت يده ميراث لأبويه وزوجه وأولاده. فهذا حكم مال الولد بعد وفاته، والأول حكمه في حياته، فأي مانع أن يكون ما تحت يده ملكًا لأبيه مهما كانا في قيد الحياة؟؟ فإذا مضى أحدهما لسبيله ولقي الله تعالى كان مال الولد أي الذي تحت يده إن كان هو الميت ميراثًا بين ورثته على فرائض الله، وإن خلف أبويه فقط حازا ما تحت يده أثلاثًا إن كان له أم، وإلَّا فهو للأب جميعه، كما كان له في حياة ولده.
وفي عدم توريث الإِخوة من الذي خلفه أخوهم وحيازة والده لماله كله وعدم مزاحمتهم له: دليل على أنه لم يكن المال للأخ الميت، ودليل على أنهم لا يملكون مع أبيهم شيئًا. فلم يجعل الله لهم نصيبًا يزاحمون فيه أباهم، بل جعل الله وجودهم صارفًا للأم عن استحقاق الثلث من مخلف ابنها إلى السدس لسر بديع، وهو أنَّ أباهم هو الكافل لهم القائم بمؤنتهم وأقواتهم، ولما لم يكن لهم وجود استحقت الثلث من مال ولدها الهالك، وتنزلت هي وأبوه منزلة الذكر والأنثى من الأولاد والإِخوة للذكر مثل حظ الانثيين.
فإن قلت: أولاد الرجل يزاحمونه في تركة أمهم إذا ماتت.
[ ٣٣ ]
قلت: لأن المال الذي تحت يدها مالها، ملك لها، ليس للأب فيه ملك كما كان له ملك مال ولده حال حياته، بل هذه المزاحمة له من الأدلة على أنَّ مال أخيهم المالك الذي لم يجعل الله لهم فيه نصيبًا مع وجود أبيهم، كان مال الأب ولا ملك فيه للولد، وإنما جعل الله فيه للأم سهمًا من ثلث أو سدس لما يعلمه الله من شدة حزنها على فقده فجعل لها ذلك السهم من الذي خلفه ولدها، وإن كان قبل وفاته مال زوجها: جبرًا لحرارة المصيبة بابنها، والحكمة لا نعلمها، على أنَّ ما حازه الأولاد من ميراث أمهم، وزاحموا فيه والدهم عائد بالآخرة ملكًا لأبيهم بنص: "أنت وما ملكت لأبيك".
فإن قلت: فزوجة الابن الميت وأولاده يزاحمون والده فيما خلفه وقد كان المال كله قبل وفاته لأبيه؟
قلت: اختلاف أحكام المال في حياة مالكه وأحكامه بعد وفاته لا ينكرها أحد، بل هو أمر معروف شرعًا، بل لا تكون أحكام مال المالك لها مختلفة حياةً وموتًا، بل يحصل اختلافها قبل موته عندما (١) ينزل به مرض الموت؛ فإنَّه لا يتصرف في ماله الذي يملكه ضرورة وشرعًا إلَّا في ثلث منه، فإن جاوزه وقف صحة تصرفه على إجازة وارثه، والحال أنَّ وارثه لا يملك في تلك الحال نقيرًا ولا قطميرًا من مال الذي وقف نفوذه على إجازته. وكان المريض قبيل مرضه بلحظة يصح تصرفه وينفذ في
_________________
(١) في المخطوط: (عند أن).
[ ٣٤ ]
ما تحت يده؛ فأحكام المال تختلف باختلاف حال مالكه.
إذا عرفت هذا، فأي شيء يوجب الحكم بنسخ حديث "أنت ومالك لأبيك"؟ فإنَّه لا تناقض في الأحكام، ولا معارضة، وقد اختلف زمان الحكمين. وقد سمَّى الشارع الولد نفسه كسبًا لأبيه، وأمره بالأكل من كسبه، وأخبره بأنه من أطيب ما يأكل منه في حديث: "إنَّ أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإنَّ أولادكم من كسبكم"، أخرجه البخاري في التاريخ والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عائشة. والمراد من الأكل: الانتفاع على أي وجه، من باب: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية [النساء: ١٠]، ومن باب حديث: "آكل الربا وموكله"، فإنَّه ليس المراد الانتفاع به في أي وجه.
واعلم أنَّ كلام رسول الله - ﷺ - مأخوذ من كلام ربه ﵎، فإنَّه تعالى قال في سورة النور: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ الآية [النور: ٦١]، وعد عشرة أصناف من قرابات الإِنسان ممن نفى الجناح عن الأكل من بيوتهم، ولم يذكر الأولاد، فلم يأت أو بيوت أولادكم؛ لأنه لا بيوت لهم بالنسبة إلى آبائهم، بل هي بيوت الآباء.
وبهذا تعرف أنَّ السُّنَّة مشتقة من الكتاب وأنَّ أحكامها تفصيل ونتائج لما تضمنته آياته؛ لذلك يقول الله تعالى مخاطبًا لرسوله - ﷺ -: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وأما قول ابن حزم: إنه لو كان مال الولد لأبيه لما حل له وطء الأمة المشتراة من ماله، مع حل ذلك بدخوله تحت عموم ﴿إِلَّا عَلَى
[ ٣٥ ]
أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦].
فجوابه: إنَّ عموم "مالك" في حديث "أنت ومالك لأبيك" مخصوص؛ فإنَّه اسم جنس مضاف، وهو من صيغ العموم، خصه الإِجماع بحل أَمَةٍ شراها الولد في حياة والده، مما تحت يده ليطأها، وكذلك إصداق زوجة ينكحها، لأن وقوع هذا معلوم في عصر النبوة أنه يتسرى البنون وينكحون مما تحت أيديهم من الأموال التي يكتسبونها في حياة آبائهم، هذا معلوم قطعًا، وقد قال - ﷺ - لابن عمر لما أخبره أنَّ أباه عمر بن الخطاب ﵁ يأمره بفراق امرأته فقال: "أطع أباك" (١).
على أنا نقول: المعلوم من أحوال الناس أنه لا يتزوج الولد أو يأخذ أمةً وأبوه حيٌّ إلَّا بعد أخذ رأيه وإذنه له بذلك، وإقرار الأب لولده على انفراده في بيت وإنفاقه على نفسه مما تحت يده إباحة له، وإن فعل شيئًا من ذلك عن غير رأيه كان عاقًّا آثمًا ما لم يعلم رضا والده بذلك. وإذا علم رضاه فهو كرضاه بأخذ الولد من المال الذي كسبه
_________________
(١) جاء بهامش الأصل: ولفظه: عن ابن عمر ﵁ قال: كانت تحتي امرأة أحبها وكان عمر ﵁ يكرهها، فقال لي: طلقها. فأبيت، فأتى عمر النبي - ﷺ - فذكر له ذلك، فقال لي رسول الله - ﷺ -: "طلقها". رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (منه). قلت: هو في أبي داود في كتاب الأدب، باب في برّ الوالدين (٥/ ٣٤٩) طبعة دار الحديث.
[ ٣٦ ]
الأب وأحرزه، ولا حق فيه لابنه. وإنَّ رضا الأب بذلك يبيح لولده مال أبيه الذي تحت يد أبيه لا فرق بينهما.