هو السيِّد محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمَّد بن علي بن حفظ الدين بن شرف الدين بن صلاح بن الحسن بن المهدي بن محمَّد بن إدريس بن علي بن محمَّد بن أحمد بن يحيى بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن الحسن بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃. الكحلاني ثم الصنعاني، المعروف بالأمير، الإِمام الكبير المجتهد المطلق، صاحب التصانيف.
وُلِدَ ليلة الجمعة نصف جمادى الآخرة سنة ١٠٩٩ تسع وتسعين وألف بكحلان، ثم انتقل مع والده إلى مدينة صنعاء سنة ١١٠٧ هـ.
وأخذ عن علمائها كالسيِّد العلَّامة زيد بن محمَّد بن الحسن، والسيد العلَّامة صلاح بن الحسين الأخفش، والسيد العلَّامة عبد الله بن علي
_________________
(١) البدر الطالع: ص ٦٤٩، رقم ٤١٧.
[ ٨ ]
الوزير، والقاضي العلَّامة علي بن محمَّد العنسي. ورحل إلى مكة وقرأ الحديث على أكابر علمائها وعلماء المدينة، وبرع في جميع العلوم، وفاق الأقران، وتفرَّد برئاسة العلم في صنعاء، وتظهَّر بالاجتهاد، وعمل بالأدلة، ونفر عن التقليد، وزيَّف ما لا دليل عليه من الآراء الفقهية.
وجرت له مع أهل عصره خطوب ومحن، منها في أيام المتوكِّل على الله القاسم بن الحسين، ثم في أيام ولده الإِمام المنصور بالله الحسين بن القاسم، ثم في أيام ولده الإِمام المهدي العباس بن الحسين، وتجمَّع العوام لقتله مرة بعد أُخرى، وحفظه الله من كيدهم ومكرهم، وكفاه شرّهم. وولَّاه الإِمام المنصور بالله الخطابة بجامع صنعاء فاستمر كذلك إلى أيام ولده الإِمام المهدي.
واتفق في بعض الجُمع أنه لم يذكر الأئمة الذين جرت العادة بذكرهم في الخطبة الأخرى فثار عليه جماعة من آل الإِمام الذين لا أنسة لهم بالعلم، وعَضّدهم جماعة من العوام وتواعدوا فيما بينهم على قتله في المنبر يوم الجمعة المقبلة، وكان من أعظم المحشدين لذلك السيِّد يوسف العجمي الإِمامي القادم (١) في أيام الإِمام المنصور بالله والمدِّرس بحضرته، فبلغ الإِمام المهدي ما قد وقع التَّواطؤ عليه، فأرسل لجماعة من أكابر آل الإِمام وسجنهم، وأرسل لصاحب الترجمة أيضًا وسجنه، وأمر من يطرد السيد يوسف المذكور حتى يخرجه من الديار اليمنية، فسكنت عند ذلك الفتنة وبقي صاحب الترجمة نحو شهرين، ثم خرج من السجن، وَوُلِّيَ الخطابة غيره، واستمر ناشرًا للعلم تدريسًا، وإفتاء، وتصنيفًا.
_________________
(١) كذا في البدر الطالع ص ٦٥٠!!!
[ ٩ ]
وما زال في محن من أهل عصره. وكانت العامَّة ترميه بالنصب؛ مستدلِّين على ذلك بكونه عاكفًا على الأُمَّهات وسائر كتب الحديث عاملًا بما فيها، ومن صنع هذا الصنع رمته العامَّة بذلك، لا سيَّما إذا تظهَّر بفعل شيء من سنن الصلاة، كرفع اليدين وضمهما ونحو ذلك، فإنَّهم ينفرون عنه ويعادونه ولا يقيمون له وزنًا مع أنهم في جميع هذه الديار منتسبون إلى الإِمام زيد بن علي وهو من القائلين بمشروعية الرفع والضم. وكذلك ما زال الأئمة من الزيدية يقرأون كتب الحديث الأمهات وغيرها منذ خرجت إلى اليمن ونقلوها في مصنفاتهم الأول فالأول، لا ينكره إلَّا جاهل أو متجاهل.
وليس الذنب في معاداة من كان كذلك للعامة الذين لا تعلق لهم بشيء من المعارف العلمية؛ فإنَّهم أتباع كلِّ ناعق، إذا قال لهم من له هيئة أهل العلم (إنَّ هذا الأمر حق): قالوا: حق. وإن قال (باطل): قالوا: باطل.
إنَّما الذنب لجماعة قرأوا شيئًا من كتب الفقه ولم يمعنوا فيها ولا عرفوا غيرها؛ فظنوا لقصورهم أنَّ المخالفة لشيء منها مخالفة للشريعة؛ بل القطعي من قطعياتها، مع أنهم يقرأون في تلك الكتب مخالفة أكابر الأئمة وأصاغرهم لما هو مختار لمصنفها؛ ولكن لا يعقلون حقيقة ولا يهتدون إلى طريقة، بل إذا بلغ بعض معاصريهم إلى رتبة الاجتهاد وخالف شيئًا باجتهاده جعلوه خارجًا عن الدِّين، والغالب عليهم أن ذلك ليس لمقاصد دينية بل لمنافع دنيوية تظهر لمن تأمَّلها، وهي أن يشيع في الناس أنَّ من أنكر على أكابر العلماء ما خالف
[ ١٠ ]
المذهب من اجتهاداتهم كان من خلص الشيعة الذابِّين عن مذهب الآل، وتكون تلك الشهرة مفيدة في الغالب لشيء من منافع الدنيا وفوائدها فلا يزالون قائمين وثائرين في تخطئة أكابر العلماء ورميهم بالنصب ومخالفة أهل البيت، فتسمع ذلك العامة فتظنه حقًّا؛ وتعظِّم ذلك المنكر؛ لأنه قد نفق على عقولها صدق قوله وظنوه من المحامين عن مذهب الأئمة، ولو كشفوا عن الحقيقة لوجدوا ذلك المنكِر هو المخالف لمذهب الأئمة من أهل البيت بل الخارج عن إجماعهم؛ لأنهم جميعًا حرموا التقليد على من بلغ رتبة الاجتهاد وأوجبوا عليه أن يجتهد رأي نفسه، ولم يخصوا ذلك بمسألة دون مسألة، ولكن المتعصب أعمى والمقصر لا يهتدي إلى صواب، ولا يخرج عن معتقده إلَّا إذا كان من ذوي الألباب، مع أنَّ مسألة تحريم التقليد على المجتهد هي محررة في الكتب التي هي مدارس صغار الطلبة فضلًا عن كبارهم بل هي في أول بحث من مباحثها يتلقَّنها الصّبيان وهم في المَكْتَب.
ومن جملة ما اتفق لصاحب الترجمة من الامتحانات أنه لمَّا شاع في العامَّة ما شاع عنه بلغ ذلك أهل جبل برط من ذوي محمَّد وذوي حسين، وهم إذ ذاك جمرة اليمن الذين لا يقوم لهم قائم؛ فاجتمع أكابرهم -ومن أعظم رؤسائهم حسن بن محمَّد العنسي البرطي- وخرجوا على الإِمام المهدي في جيوش عظيمة ووصلت منهم الكتب أنهم خارجون لنصرة المذهب وأنَّ صاحب الترجمة قد كاد يهدمه، وأنَّ الإِمام مساعد له على ذلك، فترسَّل عليهم العلماء الذين لهم خبرة بالحق وأهله ورتبة في العلم فما أفاد ذلك، وآخِر الأمر جعل لهم الإِمام
[ ١١ ]
زيادة في مقرراتهم، قيل: إنها نحو عشرين ألف قرش في كل عام، فعادوا إلى ديارهم وتركوا الخروج لأنه لا مطمع لهم في غير الدنيا ولا يعرفون من الدين إلَّا رسومًا، بل يخالفون ما هو من القطعيات، كقطع ميراث النساء، والتحاكم إلى الطاغوت، واستحلال الدماء والأموال، وليسوا من الدين في ورد ولا صدر.
ومن محن الدنيا أنَّ هؤلاء الأشرار يدخلون صنعاء لمقررات لهم في كل سنة ويجتمع منهم ألوف مؤلفة، فإذا رأوا من يعمل باجتهاده في الصلاة كأن يرفع يديه أو يضمهما إلى صدره أو يتورك أنكروا ذلك عليه، وقد تحْدُث بسبب ذلك فتنة، ويتجمَّعون ويذهبون إلى المساجد التي تقرأ فيها كتب الحديث على عالم من العلماء فيثيرون الفتن، وكل ذلك بسبب شياطين الفقهاء الذين قدَّمنا ذكرهم. وأما هؤلاء الأعراب الجفاة فأكثرهم لا يصلِّي ولا يصوم ولا يقوم بفرض من فروض الإِسلام سوى الشهادتين على ما في لفظه بهما من عوج.
واتَّفق في الشهر الذي حرّرت فيه الترجمة أنه دخل جماعة منهم -وفيهم عجيب وتيه، واستخفاف بأهل صنعاء على عادتهم-، وقد كانوا نهبوا في الطرقات، فوصلوا إلى باب مولانا الإِمام حفظه الله، فرأى رجل بقرة له معهم فرام أخذها، فسل من هي معه من أهل بكيل السلاح على ذلك الذي رام أخذ بقرته؛ فثار عليهم أهل صنعاء الذين كانوا مجتمعين بباب الخليفة، وهم جماعة قليلون من العوام وهؤلاء نحو أربعمائة، فوقع الرجم لهؤلاء من العامة، ثم بعد ذلك أخذوا ما معهم من الجمال التي يملكونها وكذلك سائر دوابّهم فضلًا عن
[ ١٢ ]
الدواب التي نهبوها على المسلمين وأكثر بنادقهم وسائر سلاحهم، وقتلوا منهم نحو أربعة أنفار أو زيادة وجنوا على جماعة منهم، وما وسعهم إلَّا الفرار إلى المساجد وإلى محلات قضاء الحاجة، ولولا أنَّ الخليفة بادر بزجر العامّة عند ثوران الفتنة لما تركوا منهم أحدًا فصاروا الآن في ذلة عظيمة، زادهم الله ذلة وقلل عددهم.
وقد كان كثر أتباع صاحب الترجمة من الخاصة والعامة وعملوا باجتهاده أو تظاهروا بذلك وقرأوا عليه كتب الحديث وفيهم جماعة من الأجناد، بل كان الإِمام المهدي يعجبه التظهر بذلك وكذلك وزيره الكبير الفقيه أحمد بن علي النهمي وأميره الكبير ألماس المهدي، وما زال ناشرًا لذلك في الخاصة والعامة غير مبال بما يتوعده به المخالفون له. ووقعت في أثناء ذلك فتن كبار، وقاه الله شرها.
وله مصنفات جليلة حافلة، منها: "سبل السلام" اختصره من "البدر التمام" للمغربي. ومنها: "منحة الغفار" جعلها حاشية على "ضوء النهار" للجلال. ومنها: "العدة" جعلها حاشية على "شرح العمدة" لابن دقيق العيد. ومنها: "شرح الجامع الصغير" للأسيوطي في أربعة مجلدات، شرحه قبل أن يقف على شرح المناوي. ومنها: شرح "التنقيح" في علوم الحديث للسيد الإِمام محمَّد إبراهيم الوزير وسمَّاه "التوضيح". ومنها: "منظومة الكامل" لابن مهران في الأصول وشرحها شرحًا مفيدًا. وله مصنفات غير هذه.
وقد أفرد كثيرًا من المسائل بالتصنيف بما يكون جميعه في مجلدات. وله شعر فصيح منسجم جمعه ولده العلَّامة عبد الله بن محمَّد
[ ١٣ ]
في مجلد، وغالبه في المباحث العلمية، والتوجع من أبناء عصره والردود عليهم.
وبالجملة فهو من الأئمة المجددين لمعالم الدين، وقد رأيته في المنام في سنة ١٢٠٦ هـ- وهو يمشي راجلًا وأنا راكب في جماعة معي، فلما رأيته نزلت وسلمت عليه، فدار بيني وبينه كلام حفظت منه أنه قال: دقِّق الإِسناد، وتأنَّق في تفسير كلام رسول الله ﵌. فخطر ببالي عند ذلك أنه يشير إلى ما أصنعه في قراءة البخاري في الجامع، وكان يحضر تلك القراءة جماعة من العلماء ويجتمع من العوام عالم لا يحصون، فكنت في بعض الأوقات أفسر الألفاظ الحديثية بما يفهم أولئك العوام الحاضرون، فأردت أن أقول له: إنَّه يحضر جماعة لا يفهمون بعض الألفاظ العربية، فبادر وقال قبل أن أتكلم: قد علمت أنه يقرأ عليك جماعة وفيهم عامة، ولكن دقق الإِسناد وتأنق في تفسير كلام رسول الله ﵌. ثم سألته عند ذلك عن أهل الحديث: ما حالهم في الآخرة؟ فقال: بلغوا بحديثهم الجنة أو بلغوا بحديثهم بين يدي الرحمن، الشك مني. ثم بكى بكاءً عاليًا وضمني إليه وفارقني. فقصصت ذلك على بعض من له يد في التعبير وسألته عن تأويل البكاء والضم، فقال: لا بدَّ أن يجري لك شيء ممَّا جرى له من الامتحان. فوقع من ذلك بعد تلك الرؤيا عجائب وغرائب كفى الله شرها.
وتُوُفِّي ﵀ سنة ١١٨٢ هـ اثنتين وثمانين ومائة وألف في يوم الثلاثاء شهر شعبان منها.
[ ١٤ ]
ونظم بعضهم تاريخه فكان هكذا:
محمَّد في جنان الخلد قد وصلا
٩٢ + ٩٠ + ١٠٤ + ٦٦٥ + ١٠٤ + ١٢٧ = ١١٨٢
ورثاه شعراء العصر، وتأسَّفوا عليه.
وله تلامذة نبلاء علماء مجتهدون. منهم: شيخنا السيد العلَّامة عبد القادر بن أحمد، والقاضي العلَّامة أحمد بن محمَّد قاطن، والقاضي العلَّامة أحمد بن صالح بن أبي الرجال، والسيد العلَّامة الحسن بن إسحاق بن المهدي، والسيد العلَّامة محمَّد بن إسحاق بن المهدي، وقد تقدَّمت تراجمهم، وغيرهم ممَّا لا يحيط بهم الحصر.
ووالده كان من الفضلاء الزَّاهدين في الدنيا الرَّاغبين في العمل.
وله عرفان تام وشعر جيد. ومات في ثالث شهر ذي الحجة سنة ١١٤٢ هـ اثنتين وأربعين ومائة وألف، وكان ولده صاحب الترجمة إذ ذاك بشهارة.
* * *
[ ١٥ ]
ممم
صور من المخطوط
صفحة عنوان الرسالة
وقد ورد فيها الدليل على نسبتها للأمير
[ ١٦ ]
الصفحة الأولى
[ ١٧ ]
الصفحة الأخيرة
[ ١٨ ]
لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٢٨)
تأليف
العلامة الإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (١١٠٧ - ١١٨٢ هـ)
بعناية
مساعد سالم العبد الجادر
[ ١٨ ]
وردت هذه العبارة على غلاف الرسالة
هذه رسالة لطيفة
في شرح حديث: "أنت ومالك لأبيك"، المروي بطرق الشيعة وبطرق أهل السنّة، تأليف السيد الإِمام العلَّامة الهمام السيد محمَّد بن إسماعيل الأمير، وقد كان [حيًّا] إلى سنة ١١٧٤ هـ، وهو من فقهاء الشيعة الزيدية بأرض اليمن، وله تأليفات حسنة كـ "المسائل المرضية".
وهذه الرسالة الشارحة لحديث: "أنت ومالك لأبيك"، هي بخط ولده، منقولة عن النسخة الأصلية.
حرَّر ذلك
مالكها السيد هبة الدِّين الشهرستاني
[ ٢٠ ]