كسبكم": والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، قالوا: إنَّ يد الوالد مبسوطة في مال ولده يأخذ ما شاء. انتهى.
قلت: وإلى العمل بالحديث ذهب جابر بن عبد الله ﵁، راويه؛ فصح عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: يأخذ الأب والأم من مال ولدهما بغير إذنه ولا يأخذ الابن ولا الابنة من مال أبويهما بغير إذنهما. أخرجه ابن حزم (١)، وقال (٢): إنَّه صح مثله عن عائشة ﵂ من قولها، فهو مذهبها أيضًا.
وأخرج أيضًا عن أنس بن مالك: أنه قال له الحباب بن فضالة بن نُهَير الحنفي: إنَّ جاريةً لي غلبني أبي عليها. فقال أنس: هي له، أنت ومالك لأبيك، من كسبه أنت، ومالك له حَلال، وماله عليك حرام، إلَّا ما طابت به نفسه.
وأخرج أيضًا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ قال: أولادكم هبة الله لكم وأموالهم لكم.
_________________
(١) = العلم من أصحاب رسول الله - ﷺ - وغيرهم، قالوا: إن يد الوالد مبسوطة في مال ولده يأخذ ما شاء. وقال بعضهم: لا يأخذ من ماله إلَّا عند الحاجة إليه). وانظر: "تحفة الأحوذي" (٤/ ٥٩١) وما بعدها.
(٢) "المحلى" لابن حزم (٨/ ٥٠٦) وما بعدها، وسيورد المؤلف نقولًا كثيرة منه، وسيذكر أنه نقله بلفظه منه. وليس كذلك!!
(٣) أي ابن حزم في "المحلى" (٨/ ٥٠٦) وما بعدها. ومثله قول المؤلف ﵀: (وأخرج ) مما سيأتي، كله من طريق ابن حزم في كتابه المذكور، وكذا الآثار المذكورة عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ﵄، كله خرَّجه في كتابه، فانظره غير مأمور.
[ ٢٤ ]
وأخرج عن ابن مسعود، عن عمر بن الخطاب: أنه أتاه أبٌ وابن، والابن يطلب أباه بألف درهم أقرضه إياه، والأب يقول: إنَّه لا يقدر عليها. فأخذ عمر بيد الابن فوضعها في يد الوالد وقال: هذا وماله من هبة الله لك.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قضى بمال الولد للوالد.
وأخرج أيضًا من طريق ابن أبي شيبة، عن ابن جريج: أنَّ عطاء كان لا يرى بأسًا أن يأخذ الرجل من مال ولده من غير ضرورة.
ومن طريقه عن الشعبي عن مسروق قال: أنت من هبة الله لأبيك، أنت ومالك لأبيك.
ومن طريقه أيضًا، عن مجاهد والحكم، قالا جميعًا: يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء إلَّا الفرج.
ومن طريق شعبة، عن ابن إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري: أنه خاصم أباه إلى الشعبي، فقال الشعبي: الله جعلك ومالك له. يعني: لوالده.
وأخرج عنه ابن حزم من طريق عبد بن حميد: أنه قال: الرجل في حلٍّ من مال ولده.
ومن طريق عبد بن حميد عن جرير بن حازم ﵁ قال: سمعت الحسن -وسأله سائل عن شيء من أمر والده- فقال له الحسن: أنت ومالك لأبيك، أما علمت أنك عبد أبيك؟!
[ ٢٥ ]
ومن طريق عبد بن حميد، عن قتادة، عن الحسن قال: يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء، وإن كانت جارية تسراها. قال قتادة: لم يعجبني ما قال في الجارية.
ومن طريق ليث، عن مجاهد قال: يأخذ الرجل من مال ولده إلَّا الفرج. وقد رُوِي هذا عن الحسن.
وقال ابن أبي ليلى: لا يُغرم الوالد من مال وَلَده ما استهلك، ويجوز بيعه لمال وَلَدِه الكبير.
وأخرج عبد بن حميد، عن عائشة ﵂ قالت: قال الله: (كلوا من طيبات ما كسبتم) (١)، وأولادكم من أطيب كسبكم؛ فهم وأموالهم لكم.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن ماجه (٢)، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإنَّ ولده من كسبِه".
وأخرج عبد بن حميد، عن عامر الأحول، قال: جاء رجلٌ إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، ما لنا من أولادنا؟ قال: "هم من أطيب كسبكم، وأموالهم لكم".
_________________
(١) ليس في كتاب الله (كلوا من طيبات ما كسبتم)، وإنما فيه ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم﴾ [البقرة: ٥٧، الأعراف: ١٦٠]. وفيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
(٢) قلت: هو في سنن النسائي، في كتاب البيوع، باب الحث على الكسب، حديث رقم ٤٤٦٢، وفي سنن ابن ماجه، في كتاب التجارات، باب الحث على المكاسب، حديث رقم ٢١٣٧.
[ ٢٦ ]