وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد قال: "يأخذ الرجل من مال ولده إلَّا الفرج".
وأخرج عبد بن حميد، عن الشعبي قال: الرجل في حل من مال ولده.
وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن قال: (قال) (١): يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء، والوالدة كذلك، وليس للولد أن يأخذ من مال والده إلَّا ما طابت به نفسه.
* إذا عرفَت هذا، فمذهب علي وعمر وابن مسعود وعائشة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وابن عباس من الصحابة. ومن التابعين: مسروق والحكم ومجاهد والشعبي وعطاء وسعيد بن المسيب -فإنَّه رَوى عنه داود بن أبي هند، قال: الوالد يأكل من مال ولده ما شاء، والولد لا يأكل من مال والده إلَّا بإذنه- والحسن وقتادة.
فهؤلاء سبعة من الصحابة، وثمانية من التابعين قائلون: أنَّ مال الولد لأبيه، يتصرف فيه كيف يشاء كما يتصرف فيما يملكه، وكل ما جاز له في مال نفسه من الإِنفاق وغيره جاز له في مال ولده.
والحديث دليلٌ واضح فيما ذهبوا إليه.
ولا يُغترّ لقول الخطابي (٢) في "معالم السنن" على حديث أنه
_________________
(١) (قال) مكررة.
(٢) وهي في "معالم السنن"، حاشية على "عون المعبود شرح سنن أبي داود" (٩/ ٤٤٦). ونصُّ الخطابي: قال: معناه يستأصله فيأتي عليه. ويشبه أن =
[ ٢٧ ]
يجتاح أبوه ماله: أنه لا يعلم أنَّ أحدًا يقول إنَّ معنى الحديث إباحة مال الولد لأبيه وأنه يأتي عليه إسرافًا وتبذيرًا، بل معناه إذا احتاج من مالك أخذ قدر الحاجة وإذا لم يكن لك مال وكان لك كسب لزمك أن تكسب عليه، انتهى.
فقوله: (إنه لا يعلم قائلًا بذلك)، خلاف ما سمعته عمَّن سردناه. وأما قوله: (إسرافًا وتبذيرًا)، فكلامٌ في غير محله، فإنَّه يحرم على الإِنسان في ملكه المجمع على أنه ملكه الإِسراف أو التبذير.
ولا يعزب عنك أنَّ قوله: (يجتاح مالي) يُنافي أنه يأخذ قدر النفقة بلا فاقة فقط، فإنَّ الاجتياح ظاهرٌ في خلافه؛ قال ابن الأثير في "النهاية" (١): الجائحة: الآفة التي تهلك الثمار. وتقدَّم تفسيره بـ (الاستئصال).
هذا، وأما أهل المذاهب، فخالفوا الحديث ومن ذُكر من الصحابة والتابعين، فذهبوا إلى أنه ليس له من ماله إلَّا أنه ينفقه الابن إن
_________________
(١) = يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده ماله إنما هو بسبب النفقة عليه وأن مقدار ما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير لا يسعه عفو ماله والفضل منه إلَّا أن يجتاح أصله ويأتي عليه، فلم يعذره النبي - ﷺ - ولم يرخص له في ترك النفقة، وقال له: "أنت ومالك لوالدك" على معنى أنه إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة كما يأخذ من مال نفسه، وإذ لم يكن لك مال وكان لك كسب لزمك أن تكتسب وتنفق عليه، فأما أن يكون أراد به إباحة ماله واعتراضه حتى يجتاحه ويأتي عليه لا على هذا الوجه فلا أعلم أحدًا من الفقهاء ذهب إليه، والله أعلم. انتهى.
(٢) "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (١/ ٣١١).
[ ٢٨ ]
كان الأب معسرًا وأنَّ مال الولد معصوم في ملك نفسه لا يحل لأبيه إلَّا بطيبةٍ من نفسه -خلا أنه لا يُحد الأب إن وطيء أمة ابنه الصغير والكبير، ولا تقطع يده إن سرق من مالهما، ويلزمه ضمان ما أخذ.
قال أبو حنيفة: ليس للأب من مال ابنه إلَّا ما احتاج إليه من طعام أو شراب أو لباس. ومثله قالت الهادوية، وللمالكية مثله إلَّا أنهم قالوا: له أن يتصدق من مال ابنه الصغير عن نفسه، ويعتق من ماله ويضمن القيمة في ذلك كله.
وإنَّما ذهب الجماهير إلى ذلك عملًا بعمومات: "لا يحل مال امرءٍ مسلم إلَّا بطيبة من نفسه" (١)، "إنَّ الله حرم دماءكم وأموالكم" (٢)، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، ونحوها.
والجواب: أوَّلًا: إنَّها أدلة في غير محل النزاع؛ لأن الشارع جعل مال الولد مالًا للأب، فما أكل مال غيره، بل مال نفسه بحكم الشرع.
وثانيًا: لو سلم شمول عمومات الأدلة لمال الأولاد وشمول النهي للآباء لكان حديث "أنت ومالك لأبيك" مخصصًا له بالدليل، كما أنَّ
_________________
(١) حديث: "لا يحل مال امرء مسلم إلَّا بطيبه من نفسه"، قال في "إرواء الغليل" (٥/ ٢٧٩): صحيح أخرج الدارقطني (٣٠٠)، وأحمد (٥/ ٧٢)، وأبو يعلى، والبيهقي (٦/ ١٠٠).
(٢) حديث: "إن الله حرم دماءكم وأموالكم" خرجه ابن كثير في "البداية والنهاية" (٥/ ٢٠٣).
[ ٢٩ ]
الجمهور خصَّصوا من تلك العمومات إيجاب النفقة لأبيه وإن كره، وأخذها من ماله ولو قهرًا إن امتنع. كما خصصها أيضًا حديث هند الصحيح بقوله - ﷺ - لمَّا شكت أنَّ أبا سفيان زوجها شحيح لا يسمح بنفقتها وولدها الكفاية، فقال - ﷺ -: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١).
وذهب أبو محمَّد ابن حزم (٢) إلى أنه ليس للأب والجد إلَّا الأكل من مال ولدهما إن وجداه (٣) من بيت أو غير بيت فقط (٤)، ولا حق لهما بهما ولا حكم في شيء من ماله، لا بعتق ولا بإسقاط (٥) ولا بارتهان، إلَّا إن كانا فقيرين، فيأخذ الفقير منهما ما احتاج من مال ولده: من كسوة وأكل وسكنى وخدمة، وما احتاجا إليه فقط.
ثم قال: فإن قلت: فأنتم القائلون بكل ما صح عن النبي - ﷺ -، فلم استحللتم ترك الثابت عنه من قوله [- ﷺ -] (٦): "أنت ومالك لأبيك"؟
_________________
(١) حديث هند، أخرجه البخاري في الصحيح عن عائشة ﵂: قالت هند: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح فهل عليّ جناح أن آخذ من ماله ما يكفيني وبنيّ، قال: "خذي بالمعروف". انظر: "الفتح" (٩/ ٥١٤).
(٢) قلت: لم يلتزم المؤلف بنقل كلام ابن حزم بلفظه مع أنه ذكر ذلك في نهاية ما نقله عنه، وسأذكر نص ابن حزم في محله في الحاشية رامزًا لها بقولي: في الأصل. وهو في المحلّى (٨/ ٥١٣) وما بعدها.
(٣) في الأصل (فإن للأب والأم أن يأكلا من مال الوالد).
(٤) كذا العبارة في الأصل المخطوط!!
(٥) بإصداق.
(٦) في الأصل (﵇).
[ ٣٠ ]