القيام (٣) بالانتصاب، والاستقلال في كل ركعة من ركعات الصلوات مطلقًا ركن على القارد والمنفرد والإِمام ومأموم الإِمام القائم (٣).
١٠١ - أنا البخاري ومسلم عن أنس﵁- قال: سقط النبي - ﷺ - عن فرس فجحش (٤) شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدًا وصلينا وراءه قعودًا، فلما قضى الصلاة قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ثم قال: في آخره: فإذا صلى قاعدًا فصلّوا قعودًا أجمعين (٥).- أي المعذور والقادر- (٦).
وللبخاري (٧): "صرع وجحش من شقه أو كتفه"،
_________________
(١) = بدليل الإجماع من الصحابة على أن القرآن والمتواتر معلوم لا يرفع بخبر الواحد ثم ذكر الخلاف في ذلك عند الأصوليين. وانظر: الاعتبار ص ٦٤ - ٦٥، وفتح الباري ١/ ٥٠٧.
(٢) الفرض: التقدير، والفرض التوقيت. والفرض: القطع. انظر مادة (فرض) ترتيب لسان العرب ٢/ ١٠٧٧ - ١٠٧٨، والمصباح المنير ص ٤٦٩، ومختار الصحاح ص ٤٩٨.
(٣) السنة في اللغة: الطريقة المحمودة المستقيمة، والسنة السيرة الحسنة كانت أو قبيحة. انظر: تاج العروس ٩/ ٢٤٢ (سنن). والسنة هنا المراد بها النافلة والزيادة على الفرض الواجب من الصلاة المفروضة أو ما ليس من أركانها المفروضة
(٤) القيام: مصدر قام يقوم قومًا وقيامًا: انتصب. المصباح المنير ص ٥٢٠ (قوم). وانظر المجموع للنووي ٣/ ٢١٨ - ٢١٩ تفصيل القول في ركن القيام في الصلاة واشتراط الانتصاب والاستقلال فيه.
(٥) الجحش: كالخدش. أو أكثر من ذلك. ومعنى جحش شقه انسحج جلده. انظر معالم السنن للخطابي ١/ ٤٠٣، وفتح الباري ١/ ٤٨٧ وقال: بضم الجيم وكسر المهملة بعدها شين معجمة. وشرح مسلم للنووي ٤/ ١٣٢.
(٦) لفظ الحديث أجمعون عند البخاري وغيره أيضًا من حديث أنس. وعند أحمد من حديثي أبي هريرة أجمعين. رقم الحديث ٨١٤١، ١٦/ ٥٥ وفيه ١٢/ ١٣١ رقم ٧١٤٤ بلفظ أجمعين أيضًا.
(٧) تفسير من المصنف وليس من لفظ الحديث.
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه باب إنما جعل الإِمام ليؤتم به ١/ ١١٦ بلفظه وقال: قال الحميدي قوله: إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا هو في مرضه القديم ثم صلى بعد ذلك النبي - ﷺ - جالسًا والناس خلفه قيامًا
[ ٢٤٢ ]
وأسقط أجمعين (١).
١٠٢ - أبنا أحمد عن أنس﵁- قال: انفكت قدم رسول الله - ﷺ - فقعد في مشربة (٢) له من جذوع فأتاه أصحابه يعودونه فصلّى بهم قاعدًا وهم قيام، فلما حضرت الصلاة الأخرى فقال لهم: ائتموا بإمامكم فإذا صلّى قائمًا فصلوا قيامًا وإذا صلّى قاعدًا فصلوا قعودًا (٣).
١٠٣ - أنا البخاري ومسلم والشافعي عن عائشة﵂- قالت: صلّى بنا رسول الله - ﷺ - وهو شاك (٤) في بيته فصلّى بنا جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإِمام ليؤتم به ثم قال فيه: وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا (٥).
١٠٤ - أبنا أبو داود عن جابر نحوه. وفيه: فصلى جالسًا فقمنا خلفه ثم أتيناه مرة أخرى
_________________
(١) = لم يأمرهم بالقعود، وإنما يأخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي - ﷺ -. وساقه مختصرًا قبل هذا الموضع في باب الصلاة على السطوح ١/ ٧١ وفيه الرواية التي أشار إليها المصنف أخيرًا، بأنه أسقط منها أجمعين وفيها سقط عن "فرس فجحشت ساقه أو كتفه". وانظر فتح الباري ١/ ٤٨٧ رقم الحديث ٣٧٨، ٢/ ١٧٣ رقم ٦٨٩، وذكره في عدة مواضع وهذه أرقامه في فتح الباري رقم ٧٣٢، ٨٠٥، ١١١٤، ١٩١١، ٢٤٦٩، ٥٢٠١، ٥٢٨٩، ٦٦٨٤. وأخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٣٠٨ رقم ٤١١. وأبو داود في السنن باب الإِمام يصلي من قعود ١/ ٤٠١ - ٤٠٣ رقم ٦٠١. والترمذي في جامعه ٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩ وقال: حديث حسن صحيح رقم ٣٥٨ تحفة الأحوذي. والنسائي في الصغرى ٢/ ٩٨ - ٩٩ وابن ماجه في السنن ١/ ٣٩٢ - ٣٩٤ رقم ١٢٣٨، والشافعي في المسند ص ٥٨ وقال: هو منسوخ. وأحمد في المسند ٣/ ١١٠، ١٦٢ ومالك في الموطأ ص ٧١ رواية محمد بن الحسن. كلهم أخرجوه عن أنس ﵁. وانظر الاعتبار ص ١١٠ - ١١١ ومختصر السنن للمنذري ١/ ٣١٠ - ٣١١.
(٢) هي عنده أيضًا في كثير من مواضع الحديث وأسقطها في أول موضع.
(٣) المشربة: الغرفة. وفي البخاري وردت الرواية بها بلفظ في بيته. والمشربة - بفتح أوله وسكون المعجمة وبضم الراء ويجوز فتحا. هي الغرفة المرتفعة وفسرها البخاري بأنها من جذوع النخل. انظره مع الفتح ١/ ٤٨٧ - ٤٨٨.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٢٠٠ بلفظه عن أنس. وانظر منتقى الأخبار مع شرحه نيل الأوطار ٣/ ٢٠٨.
(٥) شاك- بالتنوين- وتخفيف الكاف بوزن قاض من الشكاية وهي المرض. الفتح ٢/ ١٧٨، ٥٨٤.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه باب إنما جعل الإِمام ليؤتم به ١/ ١١٦ والفتح ٢/ ١٧٣ رقم الحديث- ٦٨٨، وفي مواضع أخرى منه رقم الحديث ١١١٣، ١٢٣٦، ٥٦٥٨ ولفظ المصنف قريب من لفظه. ومسلم في صحيحه ١/ ٣٠٩ رقم الحديث ٤١٢. وأبو داود في السنن ١/ ٤٠٥ رقم ٦٠٥. وابن ماجه في السنن ١/ ٣٩٢ رقم ١٢٣٧ باب ما جاء في إنما جعل الإِمام ليؤتم به. وأحمد في المسند ٦/ ٥١، ٥٧ - ٥٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٨١ - ٨٣ عنها بطرق متعددة ٦٨، ١٤٨، ١٩٤، والشافعي في المسند ص ٢١١ بلفظه.
[ ٢٤٣ ]
فصلى المكتوبة جالسًا فقمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا (١).
وهذا يدل على وجوب قعود القادر المؤتم بمعذور قاعد في المكتوبات، وسقوط القيام عنه ولا يقضي القيام لسكوته عنهم، وبه قال أبو هريرة وجابر﵄- وأحمد وإسحاق وبعض المحدثين (٢).
١٠٥ - أبنا الشافعي عن عائشة﵂- أن رسول الله - ﷺ - خرج في مرضه فأتى أبا بكر﵁- وهو قائم يصلي بالناس فتأخر أبو بكر وأشار إليه كما أنت فجلس رسول الله - ﷺ - إلى جنب أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله - ﷺ - والناس يصلون بصلاة أبي بكر (٣) - ﵁-.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٣٠٩ رقم ٤١٣ بنحوه عن جابر. وأبو داود في السنن ١/ ٤٠٣ - ٤٠٤، ٤٠٥ رقم ٦٠٢ بلفظه وفيه زيادة عند أبي داود. وابن ماجه في السنن ١/ ٣٩٣ رقم ١٢٤٠ مختصرًا. وانظر مختصر السنن للمنذري ١/ ٣١١ - ٣١٢، وأحمد في المسند ٣/ ٣٠٠ نحوه عنه، والشافعي في مسنده ص ٢١١.
(٢) انظر تفصيل القول في هذه المسألة: معالم السنن للخطابي ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣ وجاء فيه أن حديث أنس وجابر منسوخ بحديث عائشة لأنه كان في مرضه الأخير الذي توفي فيه - ﷺ - فصلى بالناس قاعدًا والناس خلفه قيام. وذكر قول البخاري والحميدي بنحو هذا. وشرح السنة للبغوي ٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣، وشرح مسلم للنووي ٤/ ١٣٣ - ١٣٤، والاعتبار ص ١١١ - ١١٢، وفتح الباري ٢/ ١٥٦، ١٧٥ - ١٧٩، وتحفة الأحوذي ٢/ ٣٥٠، ونيل الأوطار ٣/ ١٨٢ - ١٨٣، ٢٠٩ - ٢١١، وقد بسط فيه أقوال الأئمة والمذاهب الأخرى، ومال إلى الجمع بين الأدلة وهو ما قرره صاحب الفتح أيضًا. وانظر المغني لابن قدامة ٢/ ٢٩.
(٣) أخرج هذا الحديث البخاري في صحيحه كتاب الأذان باب من قام إلى جنب الإِمام لعلة ١/ ١١٤، والفتح ٢/ ١٦٦ رقم ٦٨٣. وباب إنما جعل الإِمام ليؤتم به ١/ ١١٦، وفي كتاب الكسوف باب صلاة القاعد. الفتح ٢/ ٥٨٤ رقم ١١١٣ وفيه برقم ١٢٣٦، ٥٦٥٨. وانظر فتح الباري ٢/ ١٧٣ رقم الحديث ٦٨٨. وأخرجه مسلم في صحيحه باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر ١/ ٣١١ - ٣١٤ رقم ٤١٨ وساقه بألفاظ كثيرة. وانظر شرح مسلم للنووي ٤/ ١٣٥ - ١٣٩. وأشار الترمذي في جامعه إليه ١/ ٣٥٥. وأخرجه النسائي في السنن ٢/ ٩٩ - ١٠٠. وابن ماجه في السنن ١/ ٣٩٢ رقم ١٢٣٧ بنحوه، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٨٠ - ٨٣، والشافعي في مسنده ص ٢٩، ١٦٠ بلفظه. وفي الأم ١/ ١٥١، وأحمد في المسند ٦/ ٥١، ٥٧، ٦٨، ١٤٨، ١٩٤. كلهم أخرجوه عن عائشة ﵂. وانظر: الاعتبار ص ١١٢ وفي التلخيص الحبير ١/ ٣٣ قال: متفق عليه عن عائشة وله طرق كثيرة يطول ذكرها. وقد أطنب ابن حبان في تخريج طرقه والجمع بين ما اختلف من ألفاظه.
[ ٢٤٤ ]
١٠٦ - أنا البخاري ومسلم عن عائشة﵂- قالت: لما ثقل (١) رسول الله - ﷺ - في مرضه جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فلما دخل في الصلاة [وجد] (٢) عليهم في نفسه خفة فقام يهادي (٣) بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب ليتأخر، فأومأ إليه [أن ثم كما أنت] (٤) فجاء رسول الله - ﷺ - حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان يصلي بالناس جالسًا وأبو بكر قائم بصلاته والناس يقتدون بصلاة أبي بكر﵁- (٥).
وهذا يدل على وجوب القيام على القادر المؤتم بإمام قاعد لعذر فلو صلّى قاعدًا لم تصح صلاته وحده وصلاة الإِمام صحيحة كالنبي - ﷺ -، وقال مالك: باطلة لرواية (٦).
١٠٧ - (لا يؤمن أحد بعدي جالسًا) (٧) وهو منقطع وربما وصله وصححه فيه. قال أكثر
_________________
(١) ثقل: اشتد به المرض. يقال ثقل في مرضه إذا ركدت أعضاؤه عن خفة الحركة. فتح الباري ٢/ ١٥٥.
(٢) كلمة (وجد) أثبتها من مصدر الحديث من رواية البخاري وهي غير موجودة في المخطوطة.
(٣) يهادى- بضم أوله وفتح الدال- أي يعتمد على رجلين متمايلًا في مشيه من شدة الضعف، والتمادي التمايل في المشي البطيء. وتخطان رجلاه الأرض: أي لم يقدر على تمكينها من الأرض. فتح الباري ٢/ ١٥٤، ونيل الأوطار ٣/ ١٨٣.
(٤) ما بين المعقوفتين لا يوجد في لفظ الحديث ولفظه عند البخاري: أن مكانك. وفي لفظ: صل.
(٥) هذا الحديث تقدم نحوه عن عائشة برقم ١٠٥ وبهذا اللفظ أخرجه البخاري في مواضع متعددة، باب من أسمع الناس تكبير الإِمام ١/ ١١٩ وفيه باب الرجل يأتم بالإِمام ويأتم الناس بالمأموم. وانظر فتح الباري ٢/ ١٥١ رقم ٦٦٤، ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤ رقم ٧١٢ - ٧١٣ وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصلاة باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر ١/ ٣١١ - ٣١٥ رقم ٤١٨ بطرق عنها. وانظر شرح مسلم ٤/ ١٣٥ - ١٣٧. وأخرجه النسائي ٢/ ٩٩ - ١٠١ من طرق عنها. والشافعي في المسند ص ١٦٠. وأخرجه أحمد في المسند ٢/ ٥٣ من طريق عبيد الله بن عبد الله عنها. وانظر: تحقيق أحمد شاكر ٧/ ١٣٠ - ١٣١ رقم ٥١٤١. وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة نحو حديث عائشة، وحديث أنس وجابر المتقدم في هذه المسألة، وهو في المواضع المتقدمة. وانظر مسند أحمد حديث أبي هريرة ١٦/ ٥٥، ٢١٠ رقم ٨٨١٤، ٨٤٨٣ وفيه أيضًا ١٢/ ١٣٠ - ١٣١ رقم ٧١٤٤.
(٦) راجع: الاعتبار ص ١١١ - ١١٢، وفتح الباري ٢/ ١٥٦، ١٦٩، ١٧٥ ما نقله عن الشافعي، والمجموع ٤/ ١٤٥، ومعالم السنن ١/ ٤٠٢، وشرح السنة للبغوي ٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣، وشرح مسلم للنووي ٤/ ١٣٥ - ١٣٧، وفتح الباري ٢/ ١٧٥ ونقل عن مالك ومحمد بن الحسن هذا القول وضعف الحديث الآتي.
(٧) رواه مالك في الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني ص ٧١ وهو من رواية جابر الجعفي عن الشعبي مرسل وضعفه الشافعي. وأخرجه الدارقطني في السنن ١/ ٣٩٨ رقم ٦ وقال: مرسل لا تقوم به حجة وأخرجه البيهقي في السن الكبرى ٣/ ٨٠ وضعفه وضعف الحديث النووي في المجموع ٤/ ١٢٦، والحافظ في الفتح ٢/ ١٧٥ وفيه جابر الجعفي قال فيه الدارقطني في السنن بعد أن ذكر حديثه: متروك.=
[ ٢٤٥ ]
العلماء: أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المبارك والثوري (١): هي محكمية ناسخة لتلك لتأخرها نصًا [لأنها كانت في مرضه الذي مات - ﷺ - فيه] (٢).
واستحب الشافعي للإِمام المعذور أن يستخلف لأنه كان أكثر فعله ﵇ ولم يباشر إلا مرة (٣)، لرجحان الصورة - والمعنى عليه فقط، ومعنى تقتدون بأبي بكر تنتقلون بتكبيراته وانتقاله، وفيه جواز النيابة في الاقتداء للصلاة، وبناء المأموم صلاته على الإِمام الثاني (٤).
وقال أحمد: اقتدى أبو بكر بالنبي - ﷺ - واستمر المأمومون (٥) على الاقتداء بأبي بكر فأجاز إمامة المأموم.