٣١ - مسلم عن أبي هريرة -﵁- أنه أكل أثوارًا (١) من أقط فتوضأ، فقال له رجل: لم توضأت؟ قال: إني أكلت أثوارًا من أقط سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "توضأوا مما مست النار" (٢).
٣٢ - وعن أبي أيوب الأنصاري -﵁- قال - ﷺ -: "توضأوا مما غيرت النار" (٣) حسن.
٣٣ - مسلم وأحمد عن جابر بن سمرة -﵁- قال: سأل رجل رسول الله - ﷺ - قال: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت توضأ، وإن شئت فلا. قال: أنتوضأ من لحوم الإبل. قال: نعم (٤).
٣٤ - أحمد وأبو داود عن البراء: سئل - ﷺ - عن الوضوء من لحوم الإبل قال: توضأوا
_________________
(١) الأثوار من الأقط: جمع ثور- بالثاء المثلثة - وهي القطعة من الأقط - بفتح الهمزة وكسر القاف - هو اللبن الجامد اليابس الذي صار كالحجر. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ص ١/ ٢٢٨، والمصباح المنير ص ٨٨ (ثور).
(٢) أخرج هذا الحديث مسلم في صحيحه كتاب الحيض الوضوء مما مست النار ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣ رقم ٣٥٢ عن أبي هريرة. وأبو داود في السنن كتاب الطهارة باب التشديد في الوضوء مما مست النار ١/ ١٣٤ رقم ١٩٤ عنه أيضًا. والترمذي في جامعة باب الوضوء مما غيرت النار ١/ ٢٥٦ رقم ٧٩ تحفة الأحوذي. والنسائي في الصغرى ١/ ١٠٥ - ١٠٦ باب الوضوء مما غيرت النار. وابن ماجه في السنن باب الوضوء مما مست النار ١/ ١٦٣ رقم ٤٨٥. وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٢٧ رقم ٤٢. ورواه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٥٥. والبغوي في شرح السنة ١/ ٣٤٨ وساقه الحازمي في الاعتبار ص ٤٨ - ٤٩ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٥٦: رواه البزار مختصرًا كلهم أخرجوه عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) أخرجه النسائي في الصغرى باب الوضوء مما غيرت النار ١/ ١٠٦ عن أبي أيوب. ورواه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٥٥ عن خارجة بن زيد وغيره. والطبراني في المعجم الكبير ٤/ ١٦٧ رقم الحديث ٣٩٢٩، قال في مجمع الزوائد ١/ ٢٤٩: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح. وساقه الحازمي في الاعتبار ص ٤٩ وقال: حسن وفي الباب عن أم سلمة وأم حبيبة وزيد بن ثابت وأبي طلحة وأبي موسى. وهذه الطرق أخرجها كلها البيهقي في السنن.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحيض باب الوضوء من لحوم الإبل ١/ ٧٥٢ رقم ٣٦٠، وأشار إليه الترمذي بعد إخراجه حديث البراء الآتي. انظر جامع الترمذي ١/ ٢٦٨ مع تحفة الأحوذي. وأخرجه ابن ماجه في السنن ١/ ١٦٦ رقم ٤٩٥. وأحمد في المسند ٥/ ٧٦، ٨٢، ٨٨، ٩٨، ١٠٢، ١٠٥، ١٠٦ وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٢١ رقم ٣١. والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٩٨ - ١٥٩ وقال: بلغني عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنهما قالا: قد صح في هذا الباب حديثان عن النبي - ﷺ - حديث البراء وحديث جابر بن سمرة وأخرجه ابن الجارود في المنتقى ص ١٩ رقم ٢٥.
[ ١٩٩ ]
منها. وسئل عن لحوم الغنم فقال: لا تتوضأوا منها (١).
وهذه تدل على أن أكل ما غيرته النار من اللحوم وغيرها ناقض الوضوء، وهو مذهب أنس، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن ثابت وعائشة -﵃- والحسن، والزهري، وابن عبد العزيز، وكان يتوضأ من السكر فيطرد في الخبر تمسكًا بها، وخص أحمد وابن راهويه والقديم لحم الجزور لتخصيصه. وقال: إن صح الحديث قلت به، أي ولم ينسخ (٢).
٣٥ - البخاري ومسلم عن ابن عباس -﵄-: أن رسول الله - ﷺ - (أكل
_________________
(١) أخرجه أبو داود في السنن كتاب الطهارة باب الوضوء من لحوم الإبل ١/ ١٢٨ رقم ١٨٤. والترمذي في جامعه باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل ١/ ٢٦٢ - ٢٦٩ رقم ٨١ وقال: أصح شيء في الباب. وابن ماجه في السنن ١/ ١٦٦ رقم ٤٩٤ مختصرًا. وأحمد في المسند ٤/ ٨٨، ٣٠٣. وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٢١ - ٢٢، وقال: لم نر خلافًا بين علماء الحديث ان هذا الحديث صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٥٩ وذكر كلام ابن خزيمة. وأخرجه ابن الجارود في المنتقى ص ١٩ رقم ٢٦. والبغوي في شرح السنة ١/ ٣٤٩. والطيالسي في مسنده ص ٥٧ - ٥٨. وصححه النووي في المجموع ٢/ ٥٨ - ٦٠ وعمل به ورجحه على خلاف المذهب لأنه أقوى. وانظر السنن الكبرى ١/ ١٥٨ - ١٥٩، ومعرفة السنن والآثار ١/ ٤٠٢ صحح حديث جابر بن سمرة وساقه، وفي ص ٤٠٤ ساق حديث البراء، وساق في ص ٤٠٦ قول أحمد وإسحاق ورجح العمل بهذه الأحاديث في الوضوء من أكل لحم الإبل.
(٢) انظر مذاهب العلماء في المراجع الآتية: معالم السنن للخطابي ١/ ١٢٨، السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١٥٥ - ١٥٩، ومعرفة السنن والآثار ١/ ٤٠٢ - ٤٠٤، وقد نقل عن الشافعي ﵀: إن صح الحديث قلت به. فقال: قلت: قد صح وساق تصحيح أحمد وإسحاق لحديث البراء وجابر بن سمرة وجزم بالوضوء من أكل لحم الجزور فقط. وما عداهم مما غيرته النار لا لقيام دليل الوضوء من أكل لحم الجزور. وانظر: شرح السنة للبغوي ١/ ٣٤٨ قول عمر بن عبد العزيز وما نقل عنه في الوضوء مما مست النار. والاعتبار ص ٤٩، ٥٣ - ٥٤ وقد فضل الحازمي هذه المسألة بأوضح بيان. ونقل عن الدارمي قوله قد اختلف في هذه الأحاديث في الأول والآخر منها فلم نقف على الناسخ والمنسوخ فيها ببيان نحكم به دون ما سواه فنظرنا إلى ما اجتمع عليه الخلفاء الراشدون والأعلام من أصحاب رسول الله - ﷺ - فأخذنا بإجماعهم في الرخصة فيه- أي في ما مست النار- وانظر: المجموع للنووي ١/ ٢٥٩. والحاصل: أن هؤلاء جزموا بالقول بالوضوء من أكل لحم الجزور وما عداه مما غيرت النار لا يوجب فيه الوضوء، إلَّا عمر بن عبد العزيز ﵁ ورد عنه أنه كان يتوضأ من أكل السكر. ذكره البيهقي والحازمي. وقد فصّل الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٦٢ - ٧١ القول في هذه المسألة وذكر الأدلة والمذاهب في الوضوء مما غيرت النار وعدمه، ثم الوضوء من أكل لحم الجزور، ومن قال به.
[ ٢٠٠ ]
كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ) (١).
٣٦ - البخاري ومالك عن سويد (٢) بن النعمان عام خيبر: بأن النبي - ﷺ - نزل العصر فدعا بالأزواد فلم يؤت إلَّا بالسويق (٣) فأمر به فثرى - أي بل- فأكل ولم يتوضأ. ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ولم نتوضأ (٤).
٣٧ - وعن شعبة: أن رسول الله - ﷺ - أكل طعامًا وأقيمت الصلاة فأتيته بماء ليتوضأ فانتهرني وقال (إنما أكلت طعامًا ولو فعلت ذلك لفعل الناس بعدي) (٥).
وهذه تدل على ترك الوضوء مما مست النار، وبه قال الخلفاء الأربعة وابن عباس وابن مسعود﵃-، والأئمة الأربعة إلَّا أحمد في الجزور (٦). قال الشافعي: هذه الأحاديث محكمة. ناسخة لأحاديث الوضوء (٧)، لتأخر صحبة ابن عباس﵄-
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيح كتاب الطهارة باب لم يتوضأ من لحم شاة والسويق ١/ ٤٤. وانظر الفتح ١/ ٣١٠. رقم ٢٠٧. ومسلم في صحيحه كتاب الحيض باب نسخ الوضوء مما مست النار ١/ ٥٧٣ رقم ٣٥٣ - ٣٥٤. وأخرجه أبو داود في الطهارة فيه ١/ ١٣٠ رقم ١٨٧. والنسائي في السنن الصغرى ١/ ١٠٨ نحوه. وابن ماجه في السنن ١/ ١٦٥ رقم ٤٨٨. وأحمد في المسند ١/ ٢٦٦، ٣٥٦، ٣٦٥. وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٢٧ رقم ٤١. والموطأ ١/ ٢٥ رقم ١٩. والبغوي في شرح السنة ١: ٣٤٧. والبيهقي في السنن الكبرى: ١/ ١٥٣. وابن الجوزي في إعلام العالم بعد رسوخه بناسخ الحديث ومنسوخه ص ٧١ رقم ٤٧. والحازمي في الاعتبار ص ٥٠. كلهم أخرجوه عن ابن عباس﵄.
(٢) وقع في المخطوطة تحريف في هذا الاسم، فهو فيها الأسود. وصوابه من مصادر الحديث سويد. وانظر: فتح الباري ١/ ٣١٦.
(٣) السويق: هو دقيق، يكون من القمح أو من السلق أو الشعير. انظر: ترتب لسان العرب ٢/ ٢٤٣، والمصباح المنير ص ٢٩٦ مادة (سوق).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الطهارة ١/ ٤٤ باب المضمضة في الأطعمة ٧/ ٦٠ - ٦١ وفيه أيضًا ٧/ ٧٠ - ٧١. وانظر: فتح الباري ١/ ٣١٢، ٣١٦. رقم الحديث ٢٠٩، ٢١٥. وأخرجه النسائي في الصغرى ١/ ١٠٨ - ١٠٩. وابن ماجه ١/ ١٦٥ رقم ٤٩٢. والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٦٠. ومالك في الموطأ ١/ ٢٦ الباب المتقدم. والبغوي في شرح السنة ١/ ٣٥٢. وانظر: الاعتبار ص ٥٢. كلهم أخرجوه عن سويد بن النعمان.
(٥) هذا الحديث أورده الحازمي في الاعتبار ص ٥٣ عن سويد بن سرحان عن المغيرة بن شعبة وقال في آخره: هذا حديث يروى عن سويد من غير وجه فمنهم من يقول فيه: كان يتوضأ قبل ذلك.
(٦) انظر السنن الكبرى ١/ ١٥٥، ١٥٧ - ١٥٩ ما نقله عن الخلفاء وبقية الصحابة المذكورين والأئمة الأربعة. وشرح السنة للبغوي ١/ ٣٤٧، وإعلام العالم لابن الجوزي ص ٧٤، والاعتبار ص ٤٩. والمجموع للنووي ٢/ ٥٩ - ٦٠، وشرح مسلم ٤/ ٤٢ - ٤٣.
(٧) انظر قول الشافعي في الأم ١/ ١٥، وفي السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١٥٥، والمجموع للنووي ١/ ٥٩ - ٦٠.
[ ٢٠١ ]
بعد الفتح- وهو معنى قول جابر﵁:
٣٨ - كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مسّت النار (١).
٣٩ - ومحمد بن مسلمة﵁- أنه ﵇ (أكل آخر أمره لحمًا وصلّى ولم يتوضأ) (٢).
وعكس الزهري في جماعة (٣)، فنسخ المضمضة بالوضوء تمسكًا بقول سلمة (٤).
٤٠ - خرجنا من دعوة عند النبي - ﷺ - وهو على وضوء، فأكل ثم توضأ، فقلت: ألم تكن على وضوء؟ فقال: ولكن الأمر يحدث، وهو مما حدّث (٥).
_________________
(١) حديث جابر أخرجه أبو داود في السنن كتاب الطهارة ١/ ١٣٣ رقم الحديث ١٩١ - ١٩٢، واللفظ له وللنسائي في الصغرى ١/ ١٠٨ وهو عندهما وعند ابن ماجه في السنن ١/ ١٦٤ برقم ٤٨٩ عنه. وعند الترمذي ١/ ٢٦٠ رقم ٨٠ تحفة الأحوذي وبلفظ أبي داود: (قربت للنبي - ﷺ - خبزًا ولحمًا فأكل ثم دعا بوضوء فتوضأ به ثم صلى الظهر ثم دعا بفضل طعامه فأكل ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ) قال أبو داود عقب حديث جابر الذي أورده المصنف: هذا اختصار من الحديث الأول- يعني هذا اللفظ الذي أوردناه. وانظر صحيح ابن خزيمة ١/ ٢٨ رقم الحديث ٤٣، وشرح السنة للبغوي ١/ ٣٤٨، والسنن للبيهقي ١/ ١٥٥، والاعتبار ص ٥٠ وإعلام العالم ص ٧٤ رقم ٥٢، والمحلى لابن حزم ١/ ٢٤٣، والناسخ والمنسوخ لابن شاهين ص ٧، والمجموع للنووي ١/ ٥٧، وصحح هذا اللفظ الوارد هنا وشرح مسلم له ٤/ ٤٣ وقال: رواه أبو داود والنسائي وغيرهما بأسانيد صحيحة. وانظر: التلخيص الحبير ١/ ١١٦ وساق كلام أبي داود وقال: وذكر ابن أبي حاتم نحوه وكذلك ابن حبان.
(٢) رواه البيهقي في السنن الكبري ١/ ١٥٦ وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ ص ٧ وابن الجوزي في إعلام العالم ٧٥ رقم ٥٣ من طريق ابن شاهين وهو في الاعتبار ٥١ ساقه من طريق الطبراني وفي مجمع الزوائد ١/ ٢٥٢ قال الهيثمى: رواه الطبراني في الكبير وفيه يونس بن أبى خالد ولم أر من ذكره.
(٣) انظر قول الزهري في الاعتبار ص ٥١ وساق مذهبه وأدلته ومنها حديث سلمة وحديث أبي هريرة نحوه وعن عمر بن عبد العزيز عن خارجة بن زيد، وعن سعيد بن خالد وغيرهم وساق حديث جابر الذي تقدم. وانظر إعلام العالم لابن الجوزي ص ٧٥، وشرح مسلم للنووي ٤/ ٤٣ ما نقله عن جماعة الصحابة وغيرهم.
(٤) سلمة بن سلام بن وقش صاحب رسول الله - ﷺ -، أنصاري من بني عبد الأشهل، شهد بدرًا والعقبة الأولى والثانية والمشاهد كلها. انظر: الإصابة ٤/ ٢٣٠ وساق حديثه هذا.
(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٧/ ٤٦ رقم الحديث ٦٣٢٦ وفي إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث ستأتي ترجمته ومدار الحديث عليه. ورواه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٥٦ - ١٥٧ وفي =
[ ٢٠٢ ]
والأول أصح لرجحانها عليه (١)، ويجمع بينهما بأن الوضوء مما مست النار غسل الفم والكفين من الدسومة تنظيفًا - لغة- لرواية (فمضمض)، وكذا الوضوء مما مست النار (٢).