أجمع المسلمون على جواز نسخ الشرائع المتقدمة (٥)، ووقوعه، وكل أمة صدقت نبيًا قالت: بنسخ الشريعة السابقة لتوقفها على نسخها (٦). وأجمعوا على أن شريعة نبينا محمَّد - ﷺ - باقية إلى يوم القيامة (٧)، لقوله تعالى: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ (٨)،
_________________
(١) هو: إبراهيم بن عليّ بن يوسف بن عبد الله أبو إسحاق الشيرازي، فقيه شافعي أصولي من كبار أئمة فقهاء مذهب الشَّافعيّ، تولى التدريس بالمدرسة النظامية (ببغداد) وكان عالمًا بارعًا عارفًا ورعًا، انتفع النَّاس به وبمؤلفاته، ومنها (المهذب) و(التنبيه) و(التبصرة) في أصول الفقه، و(اللمع) وغيرها. تُوفِّي سنة ٤٧٦ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ١/ ٢٩، وطبقات الشافعية للسبكي ٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦، وطبقات الشافعية للاسنوي ٢/ ٨٣، والعبر ٣/ ٢٨٣، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٦٧٢، والفتح المبين في طبقات الأصوليين ١/ ٢٥٥، وقد أفرده الدكتور محمَّد حسن هيتو بترجمة مستقلة جعلها مقدمة لكتاب التبصرة في أصول الفقه للشيرازي.
(٢) انظر النص في: اللمع ص ٣٠، وفي المحصول ق ٣/ ١/ ٤٣١، والأحكام للآمدي ٢/ ٢٣٨، وشرح الإسنوي على المنهاج للبيضاوي ٢/ ١٦٤ - ١٦٥، وشرح مختصر ابن الحاجب ٢/ ١٨٥، والابهاج ٢/ ٢٤٧، وشرح تنقيح الفصول ص ٣٠٢.
(٣) تقدم التعريف بالقاضي: وهو الباقلاني.
(٤) انظر النص في: المحصول ق ٣/ ١/ ٤٣٠، والمراجع المتقدمة والتفسير الكبير ٣/ ٢٢٧.
(٥) انظر التعليق رقم (٥) عند الكلام على الفصل الثالث وما قاله القرافي في هذا المعنى، وما ذكرته من الأدله.
(٦) راجع هذا البحث في المصادر الآتية: المحصول للرازي ق ٣/ ١/ ٤٤٠ - ٤٥٩، وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص ٣٠٢ - ٣٠٥، والأحكام للآمدي ٢/ ٢٤١ - ٢٤٢، والابهاج على منهاج البيضاوي ٢/ ٢٤٩، وفواتح الرحموت ٢/ ٥٥، ومناهل العرفان ٢/ ٨٣ - ٨٩. ووقوع النسخ بين الشرائع المتقدمة ثابت بالأدلة العقلية أَيضًا، فقد نسخت أحكام كثيرة كانت في الشرائع المتقدمة، كجواز نكاح الأخت في شريعة آدم وكزواج العمة، وكجواز الجمع بين الأختين كان مباحًا في شريعة يعقوب ثم نسخ بشريعة موسى ﵈، والشريعة اللاحقة تنسخ أحكام الشريعة السابقة وهذا كثير كما هو في التوراة. انظر الأدلة المطمئنة على ثبوت النسخ في الكتاب والسنة.
(٧) انظر: الابهاج على منهاج البيضاوي ٢/ ٢٤٩، ومناهل العرفان ٢/ ٨٣ - ٨٩، والمصادر المتقدمة، وقد ثبت ما أشار إليه المصنف بالأدلة العقلية والنقلية.
(٨) سورة الأحزاب - الآية: ٤٠.
[ ١٣٢ ]
وقوله ﵊ بعد ثبوت نبوته بالمعجزات الثي ثبتت بمثلها نبواتهم (أنا خاتم الأنبياء، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، فإنَّه لا نبي بعدي) (١).
ونسخ أحكام الشريعة جائز خلافًا لليهود، وواقع خلافًا لأبي مسلم في تخصيصه (٢).
أما في الكتاب: فلقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ (٣).
أما السنّة: فلما روى ابن عمر -﵄- قال النَّبِيّﷺ - (أحاديثي ينسخ بعضها بعضًا) (٤).
وعن ابن الزبير -﵄- قال: أشهد على أبي أن رسول الله - ﷺ - كان يقول القول ثم يلبث أحيانًا ثم ينسخه بقول آخر (٥).
_________________
(١) أخرج مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجد مكة والمدينة ٢/ ١٠١٣ رقم الحديث (٥٠٧) من حديث أبي هريرة -﵁- نحو هذا الحديث إلَّا الجملة الأخيرة قوله (فإِنه لا نبي بعدي). وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٥/ ٢٠٤ أحاديث بألفاظ أخرى مختلفة وفيها الجملة الأخيرة، منها حديث المغيرة بن شعبة، وحديث عائشة عند ابن أبي شيبة، ومنها حديث حذيفة عند أَحْمد المسند ٥/ ٣٩٦، ومنها حديث ثوبان عند ابن مردويه وفي مسند أَحْمد ٥/ ٢٧٨، ولفظ حديث حذيفة قال: (في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي).
(٢) تقدم الكلام عن إنكار اليهود للنسخ وما قاله أبو مسلم، في المقدمة ص ٨٤ - ٨٥، وانظر. فواتح الرحموت ٢/ ٥٥.
(٣) سورة البقرة - آية: ١٠٦. وقال الفخر الرَّازيّ: إن الاستدلال بهذه الآية على مشروعية النسخ ضعيف، لأنها لا تدل على حصول النسخ بل على أنَّه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه. ثم قال: والأقوى أن نقول في الأثبات بقوله تعالى ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ الرعد - آية: ٣٩، وبقوله تعالى ﴿وإذا بدّلنا آية مكان آية﴾ النحل- آية: ١٠١ المحصول ٣/ ١/ ٤٤٠ والتفسير الكبير ٣/ ٢٢٧.
(٤) حديث ابن عمر أخرجه الدارقطني في السنن في الأحاديث المتفرقة ٤/ ١٤٥ رقم (١٠) وضعفه، لأنه من رواية محمَّد بن الحارث بن زياد بن الرَّبيع البَصْرِيّ، وهو ضعيف. انظر: التقريب ص ٢٩٣، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص ٣٣، وفيه أَيضًا عبد الرَّحْمَن بن البيلماني وهو ضعيف. انظر: التقريب ص ١٩٩، والمغني في الضعفاء للذهبي ٢/ ٣٧٧، وأخرجه الخَطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه ١/ ١٢٢، وابن الجوزي في إعلام العالم ص ٤، والحازمي في الاعتبار ص ٢٤.
(٥) حديث ابن الزُّبير أخرجه الدارقطني في السنن ٤/ ١٤٥ رقم (١١) وضعفه، لأن فيه ابن لهيعة وعبد الله بن عطاء. انظر: المغني على الدارقطني ٤/ ١٤٥، وأخرج نحوه الدارقطني أَيضًا عن جابر بن عبد الله وفيه محمَّد بن داود القنطري، قال الذهبي: وضاع الميران ٣/ ٥٤٠، وقال في ١/ ٣٨٨ في ترجمة =
[ ١٣٣ ]
وعن أبي مجلز (١): إنما حديث رسول الله - ﷺ -، مثل القرآن ينسخ بعضه بعضًا (٢). وهو صريح في قوله (كنت نهيتكم) (٣) وهي تلو (٤) الكتاب، فيجوز فيها ما يجوز فيه.
وللسيد تكليف عبده بما شاء، كيف شاء، متى شاء، إلى أى وقت شاء، وليس عليه رعاية مصلحته، ولا يستحق الثواب على طاعته، ويستحق العقاب على عصيانه. لا يسأل - أى لا يسأل أحد خالقه عن جهة تصرفاته فيه لأنه مالكه، ويسأل السيد عبده عن أمره ونهيه لأنه مملوكه (٥).
* * *