عاش برهان الدين الجعبري حياته في آخر النصف الأول من القرن السابع الهجري إلى آخر الثلث الأول من القرن الثامن ما بين ٦٤٠ - ٧٣٢ هـ فأدرك آخر عهد الدولة العباسية بالعراق، وشاهد معظم الحروب والأحداث التي حلت في بلاد الإِسلام على أيدي التتار والمغول والصليبيين.
وما حلّ بالمسلمين من تلك النكبات والأحداث، هو نتيجة لأسباب متقدمة بدأت جذورها تنمو مع ابتداء ضعف الدولة العباسية الكامن في ضعف خلفائها المتأخرين الذين تقلص نفوذ سلطان الدولة في عهدهم عن كثير من البلاد الإِسلامية شيئًا فشيئًا، حتى لم يبق لهؤلاء الحكام سوى الحكم الاسمي في بعض المناطق والسيطرة على بعض نواحي العراق وعاصمة الخلافة (بغداد) فقط حتى آلت النتيجة بعد ذلك إلى سقوط عاصمة الخلافة في أيدي التتار في عام ٦٥٦ هـ، وبهذا انتهى سلطان الدولة العباسية.
ومما ساعد أيضًا على ذلك خيانة وزير الدولة محمد (١) بن أحمد بن محمد بن علي المعروف بابن العلقمي المتوفى سنة ٦٥٦ هـ، وهو رجل شيعي رافضي حاقد، فهو الذي رغب التتار في دخول (بغداد) انتقامًا من أهل السنّة وتعصبًا لنحلته الخبيثة (٢). وبعد ذلك كله، سقطت عاصمة الخلافة وقلعة الإِسلام (بغداد) في أيدي التتار وعاثوا فيها فسادًا، فقتلوا النساء والأطفال والشيوخ والعلماء والأعيان، وأحرقوا التراث الإِسلامي، وطمسوا معالم بغداد الحضارية، ولم يسلم من بطشهم إلَّا من داراهم أو أعانهم على هذه الفعلة الشنيعة القبيحة من الشيعة (٣).
_________________
(١) له ترجمة في فوات الوفيات ٣/ ٢٥٢، والبداية والنهاية ١٣/ ٢١٢ في وفيات سنة ٦٥٦ هـ، وفي الوافي ١/ ١٨٤، وفي العبر ٥/ ٢٢٥ وفي شذرات الذهب ٥/ ٢٧٢، وفي مرآة الجنان ٤/ ١٤٧، وفي النجوم الزاهرة ٧/ ٢٠، وفي تاريخ الخميس ٢/ ٣٧٧، وتاريخ ابن الوردي ٢/ ٢٠١، وفي الأعلام ٥/ ٣٢١.
(٢) راجع في هذا: البداية والنهاية لابن كثير ١٣/ ٢٠٠ - ٢١٢ - ٢٢٢.
(٣) انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٠٠ - ٢٢٠ ما أحدثه التتار في بلاد العراق والشام.
[ ٢٣ ]
وقد شاهد برهان الدين الجعبري هذه الأحداث المؤلمة عن كثب وهو في بلده (قلعة جعبر) (١) وهو في الثالثة عشرة من عمره.
ومن جانب آخر فقد أدرك آخر عهد الدولة الأيوبية في الشام، وعاش معظم حياته في ظل دولة المماليك التي قامت على أنقاض دولة بني أيوب سنة ٦٤٨ هـ وهؤلاء المماليك هم من الشراكسة الأتراك الذين دام ملكهم على بلاد الشام ومصر أكثر من ثلاثة قرون، وقد كان يمتد سلطانهم إلى جنوب شبه الجزيرة العربية في بعض الأحيان. ولهم دور هام كبير في صد حملات التتار ومنعهم من دخول مصر ومطاردتهم عن بلاد الشام، ودارت عدة معارك وحملات خلدها التاريخ لهؤلاء المماليك بقيادة كثير من زعماءهم ضد التتار والصليبيين الغاصبين.
وقد كانت أول معركة وقعت في (عين جالوت بفلسطين) (٢) في شهر رمضان عام ٦٥٨ هـ بقيادة الملك المظفر قطز (٣) بن عبد الله، المتوفى سنة ٦٥٨ هـ وقد حقق الله على يديه النصر المؤزر للمسلمين على التتار فصدهم وقهر جيوشهم (٤).
ثم تتابعت حملات التتار بعد ذلك على بلاد الشام، وكان قائد جيوش المسلمين في هذه المعارك هو السلطان الظاهر بيبرس (٥)، المتوفى سنة ٦٧٦ هـ الذي قهر التتار في سنة
_________________
(١) قلعة جعبر: تقع على نهر الفرات بين باب والرقة قرب صفين، وقد كانت تسمى قديمًا (دوسر) فنزلها رجل من بني قشير بن كعب بن ربيعة واستولى عليها ولقب نفسه بالأمير سابق الدين الجعبري، وسميت بعد ذلك المنطقة باسمه. انظر سير إعلام النبلاء ١٨/ ٥٥٢. معجم البلدان ٢/ ١٤١، وتاريخ ابن خلكان ١/ ٣٦٣ والبداية والنهاية ١٣/ ١٧٧.
(٢) عين جالوت: منطقة لطيفة في فلسطين، بين بيسان ونابلس. معجم البلدان ٤/ ١٧٧.
(٣) له ترجمة في: البداية والنهاية ١٣/ ٢٢٥، وفي ذيل الروضتين ص ٢١٠، وفوات الوفيات ٣/ ٢٠١، وفي العبر ٥/ ٢٤٧، وذيل مرآة الزمان ٢/ ٣١ - ٣٥، وفي السلوك القسم الأول المجلد ٣/ ٤١٧، ٤٣٥ وفي النجوم الزاهرة ٧/ ٧٢، وفي تاريخ ابن إياس ١/ ٩٦، وفي شذرات الذهب ٥/ ٥٩٣، وفي الأعلام ١/ ٢٠١.
(٤) انظر: البداية والنهاية. حوادث سنة ٦٥٨ هـ ١٣/ ٢٢٠.
(٥) له ترجمة في البداية والنهاية ١٣/ ٢٧٤، تاريخ أبي الفداء ٣/ ٢٠٧، تاريخ ابن الوردي ٢/ ٢٢٣، تاريخ ابن إياس ١/ ٩٨، ١١٢، السلوك للمقريزي القسم الأول المجلد ٢/ ٤٣٦، الدارس للنعيمي ١/ ٣٤٩، حسن المحاضرة ٢/ ٩٥، فوات الوفيات ١/ ٢٣٥، الأعلام ٢/ ٧٩.
[ ٢٤ ]
٦٧٠ هـ (١)، وفي سنة ٦٧٥ هـ (٢)، وطارد الصليبيين أيضًا من جانب آخر في عام ٦٦٤ هـ (٣) حينما احتلوا (حلب)، وكانوا قد أنشأوا مدنًا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ثم قاد المعارك ضدهم أيضًا في عام ٦٦٦ هـ (٤)، وفي عام ٦٧٥ هـ (٥)، وجاء بعده السلطان المنصور قلاوون (٦)، المتوفى سنة ٦٨٩ هـ فتابع الحملات على الفرنجة والتتار في عام ٦٨٨ هـ (٧)، وجاء بعده السلطان أشرف خليل (٨) قلاوون المتوفى سنة ٦٩٣ هـ وهو الذي طارد الصليبيين عن بلاد الشام ومصر وفتح مدينة عكا (٩) عام ٦٩٠ هـ (١٠)، وأجلى منها جيوش الفرنجة الصليبيين وقهرهم.
وبهذه الحملات والانتصارات التي حققها المماليك ضد أعداء الإِسلام من التتار والصليبيين في هذه المواطن وغيرها، استطاعوا أن يبددوا شمل الأعداء ويشتتوهم ويقهروا جيوشهم ويطاردوهم حتى لم يبق لهم أثر في بلاد الشام ومصر.
ثم استطاعوا أيضًا بأن يغرسوا المودة، ويوصدوا الحب لأنفسهم في نفوس عامة المواطنين والعلماء والأعيان في بلاد الشام ومصر.
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٦١ حوادث سنة ٦٧٠ هـ.
(٢) انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٧١ حوادث سنة ٦٧٥ هـ.
(٣) انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٤٦ حوادث سنة ٦٦٤ هـ.
(٤) انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٥١ حوادث سنة ٦٦٦ هـ.
(٥) انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٧١ حوادث سنة ٦٧٥ هـ.
(٦) له ترجمة في: السلوك للمقريزي القسم الثالث من المجلد الأول ص ٦٦٣، والنجوم الزاهرة ٧/ ٢٩٢، وفوات الوفيات ٣/ ١٠٢، وتاريخ ابن إياس ١/ ١١٤، ومورد اللطافة لابن تغري بردي ص ٤٢ - ٤٤ الأعلام ٥/ ٢٠٣.
(٧) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٣/ ٣١٣ حوادث سنة ٦٨٨ هـ.
(٨) له ترجمة في: البداية والنهاية ١٣/ ٣٣٤، فوات الوفيات ١/ ٤٠٦ النجوم الزاهرة ٨/ ٣ - ٢٧، السلوك القسم الثالث من المجلد الأول ص ٧٥٦ - ٧٩٣، تاريخ ابن الوردي ٢/ ٢٣٨، العبر ٥/ ٧٧٧، تاريخ ابن إياس ١/ ١٢١، شذرات الذهب ٥/ ٤٢٢، الأعلام ٢/ ٣٢١.
(٩) عكة، ويقال عكا: هي مدينة تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط فتحها المسلمون على يد عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان -﵃- وغلب عليها الفرنجة بعد ذلك ثم فتحها صلاح الدين الأيوبي عام ٥٨٣ هـ، ثم عاد الفرنجة فاستولوا عليها حتى فتحها الأشرف خليل عام ٦٩٠ هـ. انظر: معجم البلدان ١/ ١٤٤ فقد حدد مكانها وتاريخ فتحها في أول الإِسلام، وفي البداية والنهاية ١٤/ ٤٢٠ ذكر فتحها الأخير.
(١٠) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٣/ ٣٢٠ حوادث سنة ٦٩٠ هـ.
[ ٢٥ ]
فعند عودة التتار مرة أخرى إلى بلاد الشام عام ٦٩٩ هـ، وعام ٧٠٠ هـ (١) انضم العلماء والأعيان وكثير من المواطنين إلى جيش أهل الشام ومصر إلى جانب الملك الناصر (٢) محمد بن قلاوون بن عبد الله المتوفى سنة ٧٤١ هـ وذلك عند توليه الملك وهو صغير السن، فوقف معه أهل الشام لمواجهة التتار، وخرج جمع كثير من العلماء وعلى رأسهم شيخ الإِسلام أحمد (٣) بن عبد الحليم بن عبد السلام المعروف بابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ، وخاض بنفسه المعركة مع الجيوش، وحثّ الناس على الجهاد والإِنفاق في سبيل الله والخروج للقتال، وكانت له مشاركة فعّالة ودور كبير في حثّ السلطان وتشجيعه على الخروج والمواجهة للأعداء وحماية البلاد، وقابل هو بنفسه ملك التتار وأغلظ له في القول (٤).
وبعد هذه الفتوحات التي تحققت على أيدي المماليك وجهود العلماء الذين شاركوهم في معظم المعارك، ساد الأمن والاستقرار كافة البلاد وأمن الناس من بطش التتار وعدوانهم، ومن أطماع الصليبيين الحاقدين، بعد أن ساءت الأحوال واضطربت أمور الدولة وسياستها وخاف الناس على أنفسهم وأموالهم، وشاع فيهم الخوف والقلق، وأرهبهم ما جرى في (بغداد) من القتل وسفك الدماء، وعادت الأمور إلى مجراها الطبيعي، واتجه بعد ذلك حكام البلاد إلى إنشاء وتعمير المدارس ودور القرآن والحديث والربط، وإحياء المساجد والجوامع، إلى جانب العناية بالمرافق والخدمات العامة والمباني العمرانية والحضارية وحصل العلماء على تشجيع واسع النطاق، وعكف الكثير منهم على الاشتغال
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٣٢٠.
(٢) له ترجمة في: فوات الوفيات ٤/ ٣٥، وفي تاريخ ابن الوردي ٢/ ٣٣٠، وفي الوافي ٤/ ٣٥٣، وفي تاريخ أبي الفداء ٤/ ٣٠ وفي السلوك القسم الأول المجلد ٢/ ٧٢، وفي الدرر الكامنة ٤/ ١٤٤، وفي النجوم الزاهرة ٨/ ٤١، ١١٥، ٩/ ٣ وفي تاريخ ابن إياس ١/ ١٢٩، وفي الأعلام ٧/ ١١، وفي مورد اللطافة لابن تغري بردي ص ٢٤.
(٣) له ترجمة في: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٦٩، وفي فوات الوفيات ١/ ٧٢ وفي ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٨٧، وفي المنهل الصافي ١/ ٣٣٦ وفي النجوم الزاهرة ٩/ ٢٧١، وفي الدليل الشافي على المنهل الصافي ١/ ٥٦، وفي البداية والنهاية ١٤/ ١٦٣، وفي السلوك للمقريزي القسم الأول المجلد ٢/ ٣٠٤، وفي الدرر الكامنة ٤/ ١٤٤، وفي طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٥١٦، وفي طبقات المفسرين للداودي ١/ ٤٥، وفي شذرات الذهب ٦/ ٨٠، وفي البدر الطالع ١/ ٦٣، وفي مرآة الجنان ٤/ ٢٧٧، وفي الأعلام ١/ ١٤٤.
(٤) انظر البداية والنهاية ١٤/ ٨، ١١، ١٦ موقف ابن تيمية في هذا الميدان.
[ ٢٦ ]
بالعلم والتأليف واستيعاب الكتب، وحصل الطلبة على كثير من أنواع البر بما يعينهم على طلب العلم، فرصدت الأوقاف الواسعة عليهم، ونشطت الحركة العلمية والتربوية والفكرية، ورحل كثير من العلماء حفّاظ الحديث، ومن الفقهاء والأدباء والشعراء وغيرهم من أصحاب التخصصات المختلفة عن (بغداد) إلى بلاد الشام، فاستوطن معظمهم (دمشق)، وتولى كثير منهم المناصب في الدولة. كالقضاء والإِشراف على الحسبة وعلى أدوار التعليم المختلفة، وكان لهم مقام ورفعة عالية عند المماليك يأخذون بآرائهم، ويشاورونهم في أمور الحرب وغيرها من شؤون الدولة.
ومن هؤلاء عالمنا برهان الدين الجعبري الذي تولى مشيخة بلد الخليل والقضاء بها والخطابة (١) فيها بالمسجد الإِبراهيمي.
وقد عاش في عصره نخبة من كبار العلماء في هذا العصر من شيوخه وأقرانهم الذين أدركوا دولة بني أيوب، ثم دول المماليك، ومن هؤلاء: العلّامة الفقيه الأصولي الأديب النحوي أبو عمرو جمال الدين (٢) عثمان بن عمر ابن الحاجب المالكي المتوفى سنة ٦٤٦ هـ، وقد أعجب المصنف به وبمؤلفاته، فنحا نحوه في التأليف من حيث الاختصار والإِيجاز، وتأثر به واعتنى بمؤلفاته واختصر بعضها -كما سيأتي الإِشارة إلى ذلك في فصل آثار المؤلف ومؤلفاته - إن شاء الله.
وأدرك محدث حلب والشام الحافظ أبا الحجاج يوسف (٣) بن خليل بن عبد الله الآدمي الدمشقي الحنبلي المتوفى سنة ٦٤٨ هـ، وله منه إجازة، فقد حضر مجلسه مع والده، وقيل بأنه سمع منه.
_________________
(١) انظر: برنامج ابن جابر الوادي آشي ص ١٥ فقد انفرد فذكر بأن الجعبري تولى القضاء في بلد الخليل والخطابة والتدريس بها ووافقه صاحب درة الحجال في أسماء الرجال ١/ ١٨٥، وانظر الأنس الجليل ٢/ ١٥٤ فقد وصفه بشيخ الخليل.
(٢) له ترجمة في: وفيات الأعيان ١/ ٣١٤، وفي البداية والنهاية ١٣/ ١٧٦، وفي طبقات القراء للذهبي ٢/ ٢٠١، وفي ذيل الروضتين ص ١٦٠، ١٨٢، وغاية النهاية لابن الجزري ١/ ٥٠٨ وفي بغية الوعاة للسيوطي ٢/ ١٣٤، وفي النجوم الزاهرة ٦/ ٣٦٠، وفي شذرات الذهب ٥/ ٢٣٤، وفي البدر الطالع ٦/ ٣٦٠، وفي الطالع السعيد ص ١٨٨، وفي مفتاح السعادة ومصباح السيادة ١/ ١١٧، وفي الأعلام ٤/ ٢١٠.
(٣) له ترجمة في عوالي مشيخة المصنف لوحة ق ٦٢/ أ، وفي تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤١٠، وفي العبر ٥/ ٢٠١، وفي ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٢٤٤، وفي النجوم الزاهرة ٧/ ٢٢، وفي شذرات الذهب ٥/ ٢٤٣، وفي الرسالة المستطرفة ص ٩٩، وفي الأعلام ٨/ ٢٩٩.
[ ٢٧ ]
وقد أدرك عمر الحافظ عبد (١) العظيم بن عبد القوي المنذري الدمشقي المصري الشافعي المتوفى سنة ٦٥٦ هـ.
وأدرك عصر سلطان العلماء الداعية إلى الله أبي محمد (٢) عبد العزيز بن عبد السلام المعروف بالعز بن عبد السلام الشافعي المتوفى سنة ٦٦٠ هـ وعاصر الحافظ المقرئ المُؤرخ أبي شامة، شهاب الدين أبي محمد (٣) عبد الرحمن بن إسماعيل المتوفى سنة ٦٦٥ هـ، وعاصر القاضي شمس الدين أبي العباس أحمد بن (٤) محمد بن إبراهيم بن خلكان الحجة المؤرخ الأديب المتوفى سنة ٦٨١ هـ، وغير هؤلاء ممن عاشوا في طبقة شيوخه، ولكنه أدرك عصرهم وعاش في زمنهم وإن لم يجتمع ببعضهم فهو قد عاصرهم.
وكان من أقرانه في هذا العصر الشيخ العلّامة الحافظ الفقيه محيي الدين أبو زكريا يحيى (٥) بن شرف النووي الشافعي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ، والإِمام المجتهد الحافظ الفقيه
_________________
(١) له ترجمة في: البداية والنهاية ١٣/ ٢١٢، العبر ٥/ ٢٣٢، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٦، ذيل الروضتين ص ٢٠١، طبقات الشافعية للسبكي ٨/ ٥٩، طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ٣٣٢، فوات الوفيات ٢/ ٣٦٦، مرآة الجنان ٤/ ١٣٩، النجوم الزاهرة ٧/ ٦٣، حسن المحاضرة ١/ ٣٥٥، شذرات الذهب ٥/ ٢٧٧ طبقات الحفاظ ص ٥٠١، المختصر لأبي الفداء ٣/ ١٩٧، وانظر مقدمة التكملة في وفيات النقلة تحقيق الدكتور بشار عواد معروف المجلد الأول.
(٢) له ترجمة في: طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٨٠ - ٨١، العبر ٥/ ٢٦٠، وفيات سنة ٦٦٠ هـ، فوات الوفيات ٢/ ٣٥٠، البداية والنهاية ١٣/ ٢٣٥، النجوم الزاهرة ٧/ ٢٠٨، مفتاح السعادة ٢/ ٢١٢، شذرات الذهب ٥/ ٣٠١، حسن المحاضرة ١/ ٣١٤ رفع الأصر عن قضاة مصر لابن حجر ٢/ ٣٥٠، ذيل الروضتين ص ٢١٦، وفيات ابن قنفذ ص ٣٢٧.
(٣) له ترجمة في: البداية والنهاية ١٣/ ٢٥٠، وغاية النهاية ١/ ٣٦٥، والدارس ١/ ٢٣، والعبر ٥/ ٢٨٠، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٦٠، وطبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ١١٨، وطبقات الشافعية للسبكي ٥/ ٦١، وفوات الوفيات ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠، وذيل الروضتين ص ٣٧.
(٤) له ترجمة في: فوات الوفيات ١/ ١١٠، البداية والنهاية ١٣/ ٣٠١، قضاة دمشق ص ٧٦، الوافي ٧/ ٣٠٨، مرآة الجنان ٤/ ١٩٣، طبقات الشافعية للسبكي ٥/ ١٤، طبقات الشافعية للإسنوي ١/ ٤٩٦، النجوم الزاهرة ٧/ ٣٥٣، شذرات الذهب ٥/ ٣٧١، الأعلام ١/ ٢٢٠، والدارس ١/ ١٩١ وانظر: كتاب وفيات الأعيان المقدمة ١/ ٥ - ١٣ للمحقق فقد ترجم له.
(٥) له ترجمة في: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٧٠، وفي طبقات الشافعية للسبكي ٥/ ٣٩٨، وفي العبر ٥/ ٣١٢، وفي البداية والنهاية ١٣/ ٢٧٨، وطبقات الحفاظ ٥١٠، والدارس ١/ ٢٤، والنجوم الزاهرة ٧/ ٢٧٨، وطبقات ابن هداية الله الحسيني ص ٢٢٥، ومفتاح السعادة ٢/ ١٤٦، والدليل الشافي ٢/ ٧٧٥، وروضات الجنات ص ٧٤٤٣، والسلوك القسم الثاني ١/ ٩٤٨، وشذرات الذهب ٥/ ٣٥٤، وطبقات الإسنوي ٢/ ٤٧٦، وله ترجمة خاصة ترجم له السخاوي في جزء مستقل سماه ترجمة الإمام النووي.
[ ٢٨ ]
الأصولي أبو الفتح تقي الدين محمَّد (١) بن علي بن وهب القشيري المعروف بابن دقيق العيد الشافعي المتوفى سنة ٧٠٢ هـ، والعلّامة الأديب كمال الدين محمَّد (٢) بن علي الزملكاني الشافعي المتوفى سنة ٧٢٧ هـ، والعلّامة شيخ الإِسلام وحيد دهره وفريد عصره، تقي الدين أحمد (٣) بن عبد الحليم بن عبد السلام المعروف بابن تيمية الحنبلي المتوفى سنة ٧٢٨ هـ. والحافظ أبو الفتح محمَّد بن (٤) محمَّد المعروف بابن سيد الناس الشافعي المتوفى سنة ٧٣٤ هـ والحافظ المؤرخ الحجة أبو الحجاح جمال الدين (٥) يوسف المزّي الشافعي الدمشقي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ، والعلّامة شيخ النحاة في عصره، المؤرخ الأديب المفسر الحافظ أثير الدين أبو حيان محمَّد (٦) بن يوسف بن علي الأندلسي المتوفى سنة ٧٤٥ هـ،
_________________
(١) له ترجمة في: ذوات الوفيات ٢/ ٤٤٢، وفي الوافي ٤/ ١٩٣، وفي تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٨١، وفي مرآة الجنان ٤/ ٢٣٦، وفي الدرر الكامنة ٤/ ٩١ - ٩٦، وفي حسن المحاضرة ١/ ٣١٧ وفي طبقات الحفاظ ص ٥١٣، وفي البداية والنهاية ١٤/ ٢٧ وفي السلوك القسم الثالث ١/ ٩٢٩، وفي دول الإِسلام ٢/ ١٨٥ وفي النجوم الزاهرة ٨/ ٢٠٦، وفي الطالع السعيد ص ٥٦٧ وفي البدر الطالع ٢/ ٢٢٩، وفي شذرات الذهب ٦/ ٥، وفي طبقات الشافعية ٦/ ٢، وفي الرسالة المستطرفة ص ١٨٠، وكتب له ترجمة مستقلة الدكتور علي حسين الرصافي طبعة عام ١٩٦٠ دار المعارف بالقاهرة.
(٢) له ترجمة في: طبقات الشافعية ٥/ ٢٥١ وما بعدها، وفي فوات الوفيات ٤/ ٧ - ١١، وفي النجوم الزاهرة ٩/ ٢٧٠، وفي البداية والنهاية ١٤/ ١٣١، وفي الدرر الكامنة ٤/ ٧٤، وفي حسن المحاضرة ١/ ١٧٦، وفي مفتاح السعادة ٢/ ٢١٨، وفي الأعلام ٦/ ٢٨٤.
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٦٠ ومصادرها.
(٤) له ترجمة في طبقات الحفاظ ص ٥١٩، وفي حسن المحاضرة ١/ ٣٥٨، وفي الدرر الكامنة ٣/ ١٢، وفي البداية والنهاية ١٤/ ١٦٩، وفي طبقات الشافعية ٦/ ٢٩، وفي ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٥٠، وفي فوات الوفيات ٣/ ٢٨٧، وفي النجوم الزاهرة ١٠/ ٣٠٩، وفي شذرات الذهب ٦/ ١٠٨، وفي البدر، الطالع ٢/ ٢٤٩، وفي الأعلام ٧/ ٣٥.
(٥) طبقات الحفاظ ص ٥١٧، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٩٨، الدرر الكامنة ٤/ ٤٥٧، النجوم الزاهرة ١٠/ ٧٦، شذرات الذهب ٦/ ١٣٦، مقدمة تهذيب الكمال ترجم له الدكتور بشار عواد معروف في مقدمة تحقيق كتاب تهذيب الكمال ١/ ٩ - ٣٦.
(٦) له ترجمة في: وفيات ابن رافع ١/ ٤٨٢، وفي معرفة القراء الكبار للذهبي ٢/ ٥٧٧، وفي غاية النهاية ٢/ ٢٨٥، وفي الوافي للصفدي ٥/ ٢٦٧، وفي ذيل تذكرة الحفاظ ص ٢٣ وفي ذيل العبر ص ٢٢٣، وفي طبقات الشافعية ٦/ ٣١، وفي البداية والنهاية ١٤/ ٢١٣، البدر الطالع ٢/ ٢٨٨، شذرات الذهب ٦/ ١٤٥، طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٢٨٦، وفي مفتاح السعادة ٢/ ٩٦، وفي الدرر الكامنة ٤/ ٣٠٢ - ٣١٠، فوات الوفيات ٤/ ٧١، وفي النجوم الزاهرة ١٠/ ١١١، طبقات الشافعية للإسنوي ١/ ٤٥٧، نفح الطيب ١/ ٥٣٥، وفي الأعلام ٧/ ١٥٢.
[ ٢٩ ]
وشمس الدين الحافظ الفقيه محمَّد (١) بن أبي بكر بن قيم الجوزية الحنبلي المتوفى سنة ٧٥١ هـ.
ومن تلامذته الذين أدركوا عصره وتأخرت وفياتهم عن وفاته:
علم الدين (٢) البرزالي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ، وشمس الدين (٣) الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ، وتقي الدين قاضي القضاة بدمشق الفقيه الحافظ الأصولي علي بن (٤) عبد الكافي بن تمام السبكي الشافعي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ والحافظ صلاح الدين أبي سعيد (٥) خليل بن كيكلدي العلائي عالم بيت المقدس المتوفى سنة ٧٦١ هـ، والحافظ علاء الدين مغلطاي (٦) بن قليج بن عبد الله الحنفي المتوفى سنة ٧٦٢ هـ، والأديب المؤرخ صلاح الدين (٧) الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ، وتقي الدين أبو المعالي (٨) ابن رافع السلامي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ، والحافظ عماد الدين (٩) أبو الفداء إسماعيل بن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ هـ وغيرهم.
ومعظم هؤلاء تلامذته وكفاه فخرًا بذلك، فقد عاش بين هؤلاء العلماء وعاصرهم في
_________________
(١) له ترجمة في: البداية والنهاية ١٤/ ٢٣٤، وشذرات الذهب ٦/ ١٦٨، وفي النجوم الزاهرة ١٠/ ٢٤٩، وفي الدرر الكامنة ٣/ ٤٠٠، وفي جلاء العينين ص ٢٠.
(٢) تقدمت ترجمته ص ١٢،١١.
(٣) تقدمت ترجمته ص ١٢.
(٤) له ترجمة في: طبقات الشافعية ٦/ ١٤١، وفي طبقات القراء ١/ ٥٥١، وطبقات الشافعية للأسنوي ٢/ ٧٥، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص ٥٢١، وفي حسن المحاضرة ١/ ٣٢١، وفي الدرر الكامنة ٣/ ١٣٤، وفي البداية والنهاية ١٤/ ٢٥٢، وفي بغية الوعاة ٢/ ١٧٦، وفي ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٩، وفي النجوم الزاهرة ١٠/ ٣١٨، وفي طبقات المفسرين للداودي ١/ ٤١٢، وفي شذرات الذهب ٦/ ١٨٠، وفي مفتاح السعادة ٢/ ٣٦٣.
(٥) له ترجمة في: الأنس الجليل ٢/ ١٠٦، وفي الدرر الكامنة ٢/ ٩٠ - ٩٣، وفي ذيل تذكرة الحفاظ ص ٤٣، ٣٦٠، وفي طبقات الشافعية ٦/ ١٠٤، وفي طبقات الحفاظ ص ٥٢٨ وفي طبقات المفسرين للداودي ١/ ١٦٥، وفي النجوم الزاهرة ١٠/ ٣٣٧، وفي شذرات الذهب ٦/ ١٩٠.
(٦) له ترجمة في: ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٦٥، وفي طبقات الحفاظ ص ٥٣٤، وفي الدرر الكامنة ٤/ ٣٥٢ وما بعدها، وفي حسن المحاضرة ١/ ٣٥٩، وفي النجوم الزاهرة ١١/ ٩، وفي البدر الطالع ٢/ ٢١٢، وفي شذرات الذهب ٦/ ١٩٧، وفي الرسالة المستطرفة ص ١١٧.
(٧) تقدمت ترجمته ص ١٣، ١٤.
(٨) تقدمت ترجمته ص ١٥.
(٩) تقدمت ترجمته ص ١٦.
[ ٣٠ ]
بلاد الشام والعراق ومصر، وقد امتلأ هذا العصر في آخر القرن السابع وأول الثامن بهؤلاء الأعلام الحفاظ والمؤرخين النقاد والفقهاء الجهابذة، والقرّاء والمتخصصين والمشاركين في أنواع العلوم والفنون.
وقد لاحظ الباحثون في هذا العصر أن هذه النخبة من العلماء كانوا خاتمة الحفاظ، فلم يجتمع بعدهم مثلهم في أي عصر، حتى إن الحافظ ابن حجر أفردهم بكتاب الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة وجعله خاصًا بهم.
وقد عرفت هذه النخبة بسعة الاطّلاع والأصالة والابتكار في التأليف والإِنتاج والإِبداع، فقد خلفوا تراثًا ضخمًا شاركوا به في تدوين العلم ونشره، فهم لا يقلون عن نظرائهم من المتقدمين، فظهرت في عهدهم أمهات الكتب العلمية والدواوين في مختلف العلوم وأنواع الفنون، فألفت الجوامع وكتب الأطراف وكتب الشروح والتخريجات، وكتب التاريخ، واتسعت دائرة العلوم، وزخرت المكتبات بجميع الكتب، وجدد ما فقد وأتلف من التراث الإِسلامي في بغداد على أيدي التتار.
وعرف بعض هؤلاء بالتجديد والاجتهاد، وخرج بعضهم عن حد التقليد المحض إلى الأخذ بالكتاب والسنّة والتمسك بنصوصهما مع احترام مذاهب الأئمة الأعلام، والأخذ بها، والانتساب إليها بما وافق الدليل من أقوال الأئمة في ذلك، وعرفوا مخرج الأحاديث وعلل الأحكام وحاولوا رد الفروع إلى أصولها، وساروا على بينة من الأمر، فجمعوا بين الروايات والآثار، ورجحوا فيما بينها، وكانت لهم مواقف صلبة في بيان الحق وإظهاره والدلالة عليه رغم ما واجهتهم التحديات والصعوبات التي قابلتهم واعترضتهم.
وإلى جانب نشاطهم العلمي والثقافي والفكري كان لهم دور كبير في الجهاد والتضحية، فجمعوا بين العلم والجهاد فشاركوا وبذلوا جهدًا في خطين متوازيين، واستطاعوا أن يملكوا زمام الأمرين وسيرتهم خير شاهد على ذلك. فقد ساروا مع الحروب في المعارك، فلم يتأثر نشاطهم الفكري بذلك.
ولا ننسى أن نشير أنه انتشر أيضًا في هذا العصر وفي هذه الفترة علماء آخرون، كان جلّ اهتمامهم هو العكوف على كتب المتقدمين دراسة وشرحًا وتلخيصًا وزيادة وتوضيحًا بما وسعه جهدهم.
وقد كان عالمنا برهان الدين الجعبري قد أسهم في هذين الخطين المتوازيين، فهو من
[ ٣١ ]
البارزين بين تلك الشخصيات الأولى جمع بين الأصالة والابتكار، وحمل راية العلم والمعرفة، فشارك في شتى العلوم والفنون، وتخصص في القراءات وعلوم القرآن، وكانت له القدرة التامة على الشرح والتلخيص والاختصار وتحرير مؤلفات المتقدمين.
* * *
[ ٣٢ ]